كلمة منفعة
حسب تقييمك لكل أمر، يكون اهتمامك به وعدم اهتمامك، فالتقييم إذن له أهميته الأساسية.
— التقييم والاهتمام
سفر التكوين 3
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
سقوط الإنسان
(1) كيف سقط الإنسان ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 : دخل الشيطان في الحية فصار لها ذكاء وحكمة أكثر من كل الحيوانات التي خلقها الله . فجميع الحيوانات ليس لها عقل ولا قدرة على النطق ولكن إستطاعت الحية بالشيطان الداخل فيها أن تجذب الإنسان بالحكمة الشريرة إلى الخطية ويبدو أنَّ الإنسان قد لاحظ هذه الحكمة ولم يرفضها بل قد يكون قد أعجب بها فقبل الحديث مع الحية مع أنه كان يحيا مع الله في شبع روحي ولا يحتاج إلى حكمة أخرى أو ذكاء يناله من أي مخلوق آخر ، وهنا بداية السقوط أي قبول التفاهم خارج الله والإعجاب بالحكمة العالمية . ويلاحظ أنَّ الحية ذهبت إلى حواء وليس إلى آدم لأنَّ حواء تتميز بالعاطفة فيمكن إستمالتها إلى الخطية من خلال عواطفها ثم أنَّ حواء هي معينة آدم وأنيسته فهي أقرب مخلوق إليه ويمكنها التأثير عليه ، فرغم أنَّ عقله قد يرفض كلام الحية ولكن علاقته بإمرأته وتعاطفه معها ساعد على سقوطه في الخطية . كان سؤال الحية لحواء مثيراً لها ضد الله وكاذباً في نفس الوقت إذ قالت لها كأنه سؤال ولكن المقصود به إستفزازها لتتضايق من الله فقالت هل منعكما الله من الأكل من جميع شجر الجنة وذلك لتجتذبها إلى الحوار معها فيمكنها إستمالتها وإسقاطها في الخطية .
ع 2 ، 3 : نفت المرأة كلام الحية وأعلنت أنَّ الله لم يحرمهما من الأكل من جميع شجر الجنة ، ثم قبلت الحوار مع الشيطان الساكن في الحية وقالت أنَّ الله منعهما فقط أن يأكلا من شجرة معرفة الخير والشر المغروسة في وسط الجنة ، وسقطت في خطية المبالغة فقالت أنَّ الله قال لهما لا تمسا هذه الشجرة ولا ثمارها مع أنَّ الله لم يقل هذا وأعلنت عقوبة الأكل من الشجرة وهو الموت .
ع 4 : ظهر شر الشيطان الساكن في الحية عندما نسب الكذب لله وقدم راحة وهمية ووعد كاذب للمرأة أنهما لن يموتا إن أكلا من الشجرة . ومع هذا لم تنتبه المرأة وتبتعد عن هذا الحوار الشرير مع الحية .
ع 5 : إستمر الشيطان في كذبه ناسباً القسوة والأنانية لله في حرمان الإنسان من المعرفة والعظمة إذ بخداعه أظهر معرفة الخير والشر أنها شئ عظيم يساويهما بالله مع أنهما يعرفان الخير أما الشر فهو ليس إضافة بل سلب وعكس الخير كما أنَّ الظلمة عكس النور ، فبيَّن الشيطان معرفة الشر أنها شئ جذاب فاجتذب قلب المرأة إليه ، وبقبول كلام الشيطان سقطت المرأة وآدم في الكبرياء والسعي لمعرفة غريبة خارجة عن الله والخضوع لإرشادات الشيطان ، وهذه بعض جوانب الخطية الأولى التي سقط فيها الإنسان .
ع 6 : بكلام الشيطان تحركت الشهوة في قلب حواء فرأت الشجرة وثمارها المحرمة أنها جميلة وشهية ومفرحة مع أنها لم تكن تراها هكذا من قبل ، وذلك لقبولها الحوار مع الشيطان ، وخضعت المرأة لغوايته فمدت يدها وأكلت من الشجرة وبهذا إنفصلت عن الله بالعصيان وسقطت في الشر . وإذ سقطت تدنست مشاعرها فأرادت إسقاط زوجها أيضاً في الشر ولم تعد مُعِينة له بل وسيلة لإسقاطه في الخطية ، أما آدم فأحبّ إمرأته أكثر من الله حتى أنه قبل كلامها ورفض وصية الله فسقط في الخطية .
ع 7 : إنفتحت أعين آدم وحواء على الشر وفقدا طهارتهما الأولى فشعرا بعريهما وخزيهما وحاولا أن يسترا خزيهما بأوراق الشجر ، فأخذا أوراق التين وحاولا ربط بعضها ببعض أي خياطتها لتستر عورتهما وبالطبع هذه الأوراق ستجف وتسقط بسهولة ولن تسترهما ، فهذه هي المحاولات البشرية لعلاج خزي الخطية والتي لا تنفع شيئاً ولكن حنان الله سيسترهما بالأقمصة الجلدية كما سنرى في ( ع 21 ) .
+ لا تقبل الحوار مع الشيطان في شكل أفكار تزعجك بلا فائدة بل تؤدي إلى إبتعادك عن الله ، فهذه هي علامات أفكار الشيطان ، أما أفكار الله فبناءة ومريحة للنفس . ولا تعطي فرصة للشيطان بأوقات الفراغ ليدخل إليك من خلالها ، وابتعد عن وسائل الإعلام المعثرة أو الكلام مع أصدقاء السوء وانشغل بالله وبكل عمل صالح تختاره لفائدتك فتحتفظ بطهارتك كل حين .
(2) سعي الله نحو الإنسان ( ع 8 - 13 ) :
ع 8 : رغم أنَّ آدم قد فقد الكثير من فهمه بعد السقوط ولكن لأجل علاقته الوثيقة بالله مازال يعرف صوت خطواته ، ولا يستطيع أحد أن يعرف صوت خطوات غيره إلاَّ إذا كانت تربطه به علاقة قوية منذ مدة طويلة فهذا يؤكد العِشرة والعلاقة القوية بينه وبين الله . وفي هذه المرة دوناً عن باقي المرات السابقة لم يسرع للقاء الله الذي يحبه ويشتاق دائماً لرؤياه ولكنه هرب لأجل خطيته التي فصلت بينه وبين الله ، ومن كثرة جهله إختبأ وسط الشجر ناسياً أنَّ الله يرى كل شئ في كل مكان ولا تحجب عنه الأشجار الرؤية . ويقول " عند هبوب ريح النهار " التي ترمز إلى الروح القدس ، فالريح والروح يأتيان تفسيراً للفظة واحدة ، فالله يقترب إلى الإنسان ليملأه ويشبعه بروحه القدوس . والصوت يعني كلمة الله الذي ينادي الإنسان ويطلب خلاصه ، فعندما أخطأ الإنسان لم يذهب إلى الله بل غرق في خزيه وخجله فظهرت محبة الله الذي بادر إليه يطلب خلاصه ، فالقوي يذهب إلى الضعيف ليسنده ( رو 15 : 1 ) والخطية ضعف تؤلم من فعلها وتخجله فيبتعد عن الإعتذار ويحتاج لمن يساعده ويقيمه بالحب من خطيته .
+ ليتك تشعر بضعف من يخطئون في حقك وتنسى ذاتك وكرامتك ومحبتك للممتلكات ، فتصلي لأجلهم بل وتذهب إليهم بالحب لتعاتبهم وتعيد العلاقة معهم وتسامحهم عما فعلوا وتتنازل عما اغتصبوه منك لتكون مثل الله أبيك الذي يأتي إليك بحبه ليقيمك من سقطاتك ويدفعك للتوبة فتختبر عِشرِته وتكسب كل من حولك .
ع 9 : الله يعرف ويرى آدم في مخبأه ولكنه يناديه ليدعوه إلى التوبة والإعتراف بخطيته ، ولو كان قد فعل هذا لكان المسيح قد تجسد وفداه حينئذٍ .
ع 10 : أعلن آدم سبب هروبه من الله وهو خزي الخطية الذي شعر به بعد السقوط أي شعوره بالعري ، وإجابته توضح فهمه أنَّ الله يعرف مكانه ولكنه يناديه للتوبة والإعتراف ولكنه للأسف لم يفعل لإنهماكه في مشاعر الخطية أي الخوف والخجل .
+ عندما تخطئ لا تغرق في مشاعر الحزن بسبب سقوطك بل إعلم أنَّ الله يحبك ويناديك لترجع إليه ، فأسرع إلى التوبة واطلب معونته لتعوض ما فاتك بسبب السقوط وتقاوم إبليس ليهرب منك .
ع 11 : إذا رأى الله الإنسان في خجله عاجزاً عن الإقرار بخطيته ، ساعده وشجعه على التوبة بسؤاله " هل أكلت من الشجرة وكسرت الوصية ؟ " . فالله الحنون لا يقبل توبة الخاطئ فقط بل يشجعه عليها ويتأنى عليه .
ع 12 : للأسف لم يعترف آدم بخطيته بل على العكس نسب الخطأ لحواء وبرَّر نفسه ، وهو بهذا ينسب الخطأ أيضاً إلى الله لأنه هو الذي خلق له حواء .
ع 13 : كذلك المرأة لم تعترف بخطيتها بل نسبت الخطية إلى الحية التي خدعتها وهي بهذا أيضاً تنسب الخطأ إلى الله الذي خلق الحية .
(3) عقوبة الخطية ( ع 14 - 19 ) :
ع 14 ، 15 : قرَّر الله عقاب الحية أولاً والمقصود بالأكثر الشيطان الذي عمل فيها لذا سُمِيّ الشيطان بالحية القديمة ، وكان العقاب هو :
1- اللعن الإلهي أي فقدان كل بركة والتعرض للمتاعب الكثيرة .
2- فقدان المنظر الجميل فيبدو أنَّ الحية كانت قائمة أولاً ولكن عندما لعنها الله أصبحت تزحف على بطنها .
3- صارت ملتصقة بتراب الأرض فيدخل في فمها بدلاً من الطعام . وهي ترمز لكل إنسان شرير يرتبط بالشهوات الشريرة فينحط مستواه ويرجع إلى التراب الذي أُخِذَ منه فاقداً سمو الروح الذي وهبه الله إياه .
4- وجود عداوة مستمرة بين الحية والإنسان فتسعى الثعابين للدغ الإنسان في قدميه القريبة منها لأنها تزحف على الأرض ، أما هو فيدوس على رأسها ليسحقها ويقتلها . والحية كما ذكرنا ترمز للشيطان الذي يحاول أن يلدغ الإنسان بشهواته الشريرة ولكن الإنسان بنعمة الله قادر أن يسحق كل قوته وينتصر عليه . ونسل المرأة الذي يسحق رأس الحية هو المسيح الذي يسحق الشيطان ويقيده على الصليب ويحرِّر أولاده المؤمنين به من قبضته وينقلهم إلى الفردوس .
ع 16 : أما عقوبة المرأة فلم يأتِ فيها ذِكر اللعن لأنها مع آدم صورة الله فلا تلعن وسيتم فداءها بالمسيح في ملء الزمان ، وشملت هذه العقوبة أمرين :
1- آلام الولادة أي لا حياة أو وجود لنسل المرأة إلاّ بالألم ، وآلام الولادة لا توجد إلاَّ في البشر أما الحيوانات فلا تعاني من آلام أثناء الولادة وذلك حتى تتذكر المرأة طوال أجيالها خطيتها فتتوب وتحترس من حروب إبليس ، فكلما إشتركت مع الله في الخلقة وإعطاء حياة لمولود جديد تتذكر الموت الذي سقطت فيه بسبب خطيتها فتتوب .
2- فساد العلاقة بين الرجل والمرأة ، إذ كان آدم أولاً يشتاق إليها فتتجاوب معه بأشواق المحبة أما بعد السقوط فهي تشتاق إليه بعواطف كثيرة أما هو فيميل إلى السيادة والسيطرة . هي تشتاق إليه لتفعل مشيئتها وهو يسيطر عليها ليفعل مشيئته ، وبهذا فقدا روح الوحدانية والحب التي ستعود إليهما في المسيح الفادي خلال سر الزيجة وعمل الروح القدس فيهما ، ولذا فميل أي طرف للسيطرة على الآخر سواء المرأة بحيلها أو الرجل بتحكمه هو رجوع إلى حالة الخطيئة ونتائجها الشريرة .
ع 17 - 19 : خلق الله الأرض لأجل الإنسان وباركها لتعطيه ثماراً ليأكلها ولكن إذ سقط الإنسان لُعِنت الأرض بسببه وفقدت البركة ، فلم تعد تعطيه ثماراً دسمة كما كانت قبلاً بل نباتات جافة أوراقها تحولت إلى أشواك تؤذيه . ويلاحظ أنَّ الله لم يلعن آدم لأنه كما قلنا صورته ولكنه لعن الأرض حتى إذ يجدها الإنسان لا تعطيه الثمار المطلوبة يقوده ذلك للتوبة وطلب الثمار الروحية بدلاً من ثمار الأرض . ويلاحظ أنَّ عقوبة آدم كانت هي الآتي :
1- لعن الأرض بسببه فتنتشر فيها النباتات الجافة والتي تؤذيه مثل الشوك والحسك . الحسك : نبات شوكي ثمرته خشنة . ويلاحظ أنَّ المسيح قد حمل إكليل الشوك على رأسه أي عقوبة الخطية ومات على الصليب لأجل فداء الإنسان حتى ينعم بسعادة في فردوس النعيم وملكوت السموات .
2- التعب في العمل ، فلم يعد لذيذاً كما كان قبل السقوط بل بدأ الألم والتعب كما قال " بالتعب تأكل منها " ( ع 17 ) " بعرق وجهك تأكل " ( ع 19 ) ، ويستمر هذا التعب والألم طوال عمر الإنسان .
3- يموت الإنسان جسدياً ويوضع في التراب بل ويتحلل جسده ، فكما خُلق من التراب يعود إلى التراب .
+ إذا شعرت بوجود الله معك ستعمل من أجله كل شئ وتحب العمل وترفض الكسل وتفرح بكل عمل تعمله لأنك تقدمه لله فتختبر السعادة على الأرض ثم أفراح السماء .
(4) عناية الله بالإنسان الساقط ( ع 20 - 24 ) :
ع 20 : بعد طرد الإنسان من الجنة شعر آدم بالرجاء في وعد الله بالخلاص الذي سيأتي من نسل المرأة ، فدعا إمرأته " حواء " أي أم كل حي حتى يأتي من نسلها المسيح الحي مصدر الحياة ويعطي خلاصاً لآدم وبنيه المؤمنين به .
ع 21 : ذبح الله حيواناً وأخذ جلده وصنع منه أقمصة أي ملابس ألبسها لآدم وحواء وعلَّم الإنسان طقس ذبح الحيوان وتقديمه لله ، لأنَّ الإنسان لم يكن قد بدأ في أكل اللحم أو الحيوان ، ومعنى هذا أنَّ الله علَّمه كيف يقدم الحيوان محرقة له بعد أن يرى سفك دمه ليتعلم أنه بدون سفك دم لا يرضى عنه الله ولا يستر خزيه ولا يغفر له خطاياه ، فمحاولة ستر الإنسان نفسه بأوراق التين لم تنفع لأنها ستجف وتسقط ، أما بعمل الله بسفك دم الحيوان الذي يرمز لدم المسيح حصل الإنسان على أقمصة جلدية تدوم معه .
ع 22 : كان آدم يعرف الخير ، ولكن عندما أكل من شجرة معرفة الخير والشر أُضِيفت إليه معرفة الشر وصارت طبيعته فاسدة ومائلة لعمل الشر ، فأراد الله بعنايته أن يحميه من الإستمرار بالشر والخلود فيه حتى لا يعيش منفصلاً عن الله ويهلك فكان من الضروري أن يخرجه من الجنة التي رفض أن يحيا مع الله فيها بأكله من الشجرة وحتى لا يأكل من شجرة الحياة التي تعطي الخلود فيخلَّد في الشر .
ع 23 : كان آدم يعمل في الجنة ، ولكن بعد طرده عاش بطبيعته الفاسدة المائلة للشهوات الأرضية فصار إتجاهه للأرض التي أُخِذَ منها وليس لله الذي نفخ في أنفه نسمة حياة ، فكان محباً للجسديات مبتعداً عن الروحيات إلى حد كبير .
ع 24 : بعد أن ألبس الله الإنسان الأقمصة الجلدية وعلَّمه كيفية الصلاة بتقريب المحرقات ، أخرجه من الجنة ووضع على بابها ملائكة من رتبة الكروبيم التي ترمز للعدل الإلهي وبيد هذه الملائكة سيف متقلب بالنار يرمز لكلمة الله التي تقطع كل شر من الإنسان . والنار تعلن أنَّ إلهنا نار آكلة تأكل كل خطية في الإنسان وتنقيه ، وبهذا يموت الإنسان على رجاء الخلاص فيدخله المسيح بعد فدائه ويعيده إلى الفردوس ولكن بطبيعة جديدة بعد أن يلبسه البر .
+ ما أجمل محبتك لي يا الله حتى وأنا ساقط تسعى لتعيدني إلى أحضانك وتعلمني طريق التوبة والصلاة والتمسك بدمك الفادي لأتخلص من كل شر فيّ وتثبت مخافتك أمام عينيّ لأرفض الشر بمعونتك مشتاقاً للحياة النقية بين يديك .
ونلاحظ أنَّ آدم يرمز للمسيح فيما يلي :
1- آدم هو بدء الجنس البشري والمسيح هو بداية الإنسان الجديد بعد أن فسد الجنس البشري .
2- ألقى الله سباتاً على آدم ثم أخذ منه ضلعاً عمله حواء ، والمسيح مات على الصليب وخرج من جنبه دم وماء الذي إقتنى به كنيسته .
3- إتحد آدم بحواء ليصيرا جسداً واحداً ( تك 2 : 24 ) ، والمسيح إتحد فيه اللاهوت والناسوت وكذلك يتحد بنفوس المؤمنين به .
4- كان آدم رأساً للخليقة كلها ليسوسها وينظمها لتمجد الله ، والمسيح يملك على كل المؤمنين ليقودهم في تسبيح الله .
5- سمَّى آدم الحيوانات بأسمائها والمسيح الراعي الصالح يدعو خرافه بأسمائها .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح