كلمة منفعة
ما أكثر الذين يتجهون في حياتهم الروحية إلى أقصى اليمين، وأقصى اليسار، ويتأرجحون بين نقيضين...
— التوازن
سفر التكوين 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث سقوط الإنسان إذ هيأ الله للإنسان كل إمكانيات الحياة كمتسلط علي الأرض بكل إمكانياتها وهبه أعظم عطية: الحرية الإنسانية، علامة تقدير من الله نحو أكمل خليقة علي الأرض؛ لكن سرعان ما سقط الإنسان بإرادته تحت غواية العدو إبليس متجاهلاً حب الله له: 1. الحيّة المخادعة 1-6. 2. انفتاح أعينهما 7. 3. اهتمام الله بالإنسان 8-13. 4. لعنة الحيّة 14. 5. الوعد بالخلاص 15. 6. تأديب الإنسان 16-19. 7. القميص الجلدي 20-21. 8. طرد الإنسان 22-24. 1. الحيّة المخادعة: إذ قدم الله للإنسان كل شيء أقامه في الفردوس، ووهبه الوصية ليرد الحب بالطاعة. ولعله كان في ذهن الله هبات أعظم يود أن يقدمها للإنسان كمكافأة له عن طاعته المستمرة للوصية، لكن عدو الخير حسد الإنسان فأراد أن يهبط به إلى الموت مستخدمًا الحيّة ليدخل مع الإنسان في حوار مهلك. يقول الكتاب: "وكانت الحيّة أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الله، فقالت للمرأة: أحقًا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟! فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا" . لقد استخدم العدو الخليقة الصالحة التي من عمل الله كوسيلة لتحطيم الإنسان، فكان العيب لا في الوسيلة، وإنما في الإنسان الذي قبل أن يدخل في حوار باطل مع الحيّة، خاصة وأن المرأة بدأت تحرّف كلمات الله إذ ادعت أنه طالبهما ألا يمسا الثمر، الأمر الذي كان فيه مبالغة! لهذا يسألنا الرسول بولس أن نهرب من مثل هذا الحوار المفسد للعقل والنفس، قائلاً: "المباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها" (2 تي 2: 23). كثيرًا ما أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أنه ما كان يمكن للشيطان أن يتسلل إلينا ويغلبنا ما لم نعطه الفرصة بالتراخي أو الدخول معه في حوار باطل، فمن كلماته: [قد يقول قائلاً: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه وأفقده الفردوس؟ لا إنما السبب في هذا يكمن في إهمال من أصابه الضرر ونقص ضبطه للنفس وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر علي آدم، لو لم يغدر بنفسه علي نفسه؟] [التراخي والكسل وليس إبليس هما اللذان يصرعان غير اليقظين... إنما هذان يسمحان لإبليس لكي يفرط في الشر . [لم أنطق بهذه الأمور لأبرئ الشيطان من الذنب، لكن لكي أحذركم من الكسل. فإن الشيطان يرغب في أن نلقي باللوم عليه عندما نخطئ... بهذا نغرق في كل صنوف الشر ونزيد علي أنفسنا العقوبة، ولا ننال العفو، إذ ننسب العلة إليه (دون أن نقدم توبة)]. أما عن الحوار الباطل الذي دخلت فيه حواء مع الحيّة، فيقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان يجب عليها أن تصمت؛ كان يلزمها ألا تبادلها الحديث، ولكن في غباء كشفت قول السيد، وبذلك قدمت للشيطان فرصة عظيمة... انظروا أي شر هذا أن نسلم أنفسنا في أيدي أعدائنا والمتآمرين علينا؟! لهذا يقول السيد المسيح: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير (لئلا تدوسها بأرجلها) وتلتفت فتمزقكم" (مت 7: 6). هذا هو ما حدث مع حواء. لقد أعطت القدس للكلاب. والخنازير، فداست عليها بأرجلها والتفتت ومزقت المرأة]. ليتنا لا نخاف الشيطان فإنه لا يستطيع أن يقتحم قلبنا بالعنف وإنما نخاف من أنفسنا إذ نقبل حيله وأضاليله، فنسمح له بالتسلل إلى أعماقنا ليتسلم قيادة إرادتنا ويسيطر علي القلب والفكر والحواس، ونسقط تحت عبوديته المرة. في هذا الحوار الذي دار بين حواء والحيّة لم يقدم الشيطان للإنسان إلاَّ وعودًا، قائلاً: "لن تموتا، بل الله عالم أن يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" مجرد وعد أنهما يكونان كالله (كبرياء!) وينالان معرفة، لكنه لم يقدم عملاً لصالحهما وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يظهر الشيطان عملاً صالحًا - قليلاً كان أو كثيرًا - بل أغوي المرأة بالكلام المجرد ونفخها برجاء باطل، وهكذا خدعها، ومع هذا نظرت إلى الشيطان كموضع ثقة أكثر من الله، مع أن الله أظهر إرادته الحسنة بأعماله]. كما يقول: [إذ لم يكن الشيطان قادرًا علي تقديم شيء عمليًا قدم بالأكثر وعودًا في كلمات. هكذا هي شخصية المخادعين]. حقًا لقد كان يمكن لحواء أن تعرف خديعة العدو وتدرك مضاداته لله ومقاومته لكلماته، فبينما يقول الله لآدم: "موتًا تموت"، يقول الشيطان: "لن تموتا". وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف يليق بالإنسان أن يدرك العدو والخصم إلاَّ من هذه الإجابة المناقضة لأقوال الله؟! كان يليق بحواء أن تهرب للحال من الطُعم وتتراجع عن الشبكة]. بمعني آخر ليتنا نقبل الله كقائد لحياتنا ونرفض إبليس كمخادع لنا ومهلك لنفوسنا. وكما يقول القديس أغسطينوس: [الله هو قائدنا والشيطان هو مهلكنا، القائد يقدم وصيته، وأما المهلك فيقترح خدعة، فهل نصغي للوصية أم للخداع؟!]. حدثنا آباء الكنيسة عن خداع إبليس لآدم (وحواء)، وقد رأوا في هذا الخداع ثلاث خطايا رئيسية قدمها العدو لتحطيم البشرية كلها، وعاد ليحارب آدم الثاني (السيد المسيح) بذات الخطايا، حاسبًا أنه قادر علي اقتناصه في شباكه، وكما يقول الأب سرابيون: [كان يلزم بحق لربنا أن يُجرب بنفس الأهواء التي جُرب بها آدم حين كان في صورة الله قبل إفسادها، وهي النهم والطمع والكبرياء، التي تشابكت وأفرخت بعدما تعدي الوصية وأفسد صورة الله وشبهه. لقد جُرب آدم بالنهم حين أخذ الفاكهة من الشجرة الممنوعة، وجُرب بالطمع حين قيل له: "تنفتح أعينكما"، وبالكبرياء حين قيل: "تكونا كالله عارفين الخير والشر" (تك 3: 5) وأيضًا جُرب مخلصنا بالخطايا الثلاثة، بالفهم حين قال له الشيطان: "قل أن تصير هذه الحجارة خبزًا" (مت 4: 3)، وبالكبرياء حين قال له: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، وبالطمع حين رآه جميع ممالك الأرض ومجدها، وقال له: "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (مت 4: 9). لقد أعطانا الرب نفسه مثالاً كيف يمكننا أن ننتصر كما انتصر هو حين جُرب. لقد لقب كلاهما بآدم، أحدهما الأول في الهلاك والموت، والثاني كان الأول في القيامة والحياة، بالأول صارت البشرية كلها تحت الدينونة وبالثاني تحررت البشرية]. وقد ركز كثير من الآباء علي خطية الكبرياء بكونها رأس الخطايا، خلالها تحطم إبليس وجنوده، مقدمًا ذات الوسيلة ليحطم البشرية. يقول القديس أغسطينوس عن الأبوين الأولين اللذين خدعهما الشيطان بروح الكبرياء: [لقد أنصتا لصوت المخادع: "تصيران كالله" فهجرا الله الذي أراد أن يجعلهما إلهين لا خلال عزلتهما عنه وإنما خلال شركتهما فيه]. كما يقول: [بالكبرياء نفشل في بلوغ هذا الخلود... إن كنا بالكبرياء قد جُرحنا فبالاتضاع ننال الشفاء. جاء الله في اتضاع لكي يشفي الإنسان من جرح الكبرياء الخطير]. هكذا يكشف لنا الآباء خداع العدو إبليس، هذا الذي تسلل إلى حواء خلال الحيّة، لكي بدورها تسحب رجلها إلى السقوط معها، إذ قيل: "فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل".وهكذا فقدت حواء رسالتها الأصيلة كمعينة (2: 18) بل صارت فخًا لرجلها ومحطمة لحياته. يري القديس ديديموس الضرير أن إبليس أو الشيطان عمل خلال الحيّة التي أغوت المرأة، هذه التي بدورها سحبت معها رجلها، وكأن العدو في حربه يبدأ خلال الشهوة كحية تتسلل إلينا، لكي تخدع الحواس التي تمثل المرأة، والحواس بدورها يكون لها فاعليتها في العقل (الرجل)، فيفقد العقل اتزانه وحكمته وينحرف إلى الشر. 2. انفتاح أعينهما: "فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر". ماذا يعني انفتاح العينين لتريا أن الجسد عريان، إلاَّ أن الإنسان بالخطية يدرك أنه دخل إلى حالة من الفساد تظهر خلال أحاسيس الجسد وشهواته التي لا تُضبط؟! بهذا يدخل الإنسان في معرفة جديدة، هي خبرة الشر التي امتزج بحياته وأفسد جسده تمامًا؛ إنه يتعرف علي جسده الذي صار عنيفًا في الشر بلا ضابط. يقول القديس أغسطينوس: [لقد اختبرا إحساسًا جديدًا في جسديهما اللذين صارا عاصيين لهما كمكافأة حازمة لعصيانهما الله. فالنفس الثائرة علي خدمة الله محتقرة هذا العمل بكامل حريتها تفقد سيطرتها التي كانت لها قبلاً علي الجسد]. كما يقول: [انفتحت أعينهما لا لينظرا، فإنهما كانا ينظران من قبل، إنما ليميزا الخير الذي فقداه والشر الذي سقطا فيه]، [لقد عرفا أنهما عريانان، عريانان من تلك النعمة التي حفظتهما من خزي عري الجسد، بينما قدمت لهما شريعة الخطية عدم ثبات لذهنهما]. يقول القديس أمبروسيوس: [صار لك معرفة أنك عريان، لأنك فقدت ثوب الإيمان الصالح. هذه هي الأوراق التي بها تطلب أن تستر نفسك. لقد رفضت الثمر وأرادت الاختفاء وراء أوراق الناموس ولكنك خُدعت]. هكذا إذ يري الإنسان نفسه عاريًا عن ثمرة النعمة الإلهية التي تعمل في أعماق القلب الداخلي يتستر وراء حرفية الناموس وشكليات ظاهرة دون التمتع بالتغيير الداخلي. ويري القديس ديديموس الضرير أن الإنسان يلجأ إلى أوراق التين يحيكها مآزرًا لنفسه لا تقدر أن تستره، بالتعلل بأعذار واهية لما يرتكبه، إذ يقول: [أحيانًا يحيك الخاطئ لنفسه أعذارًا عن خطاياه. أليس هذا هو ما نراه في كثير من الناس؟! فالغضوب مثلاً يخترع أعذارًا لكي يبرر غضبه مظهرًا أنه علي حق، مستعينًا أحيانًا بالكتاب المقدس، هذا هو معني "خاطا أوراق تين"، وذلك بإهمالهما للثمر وإقامة نوع من الحماية غير الكاملة كمآزر لهما. فالغضوب مثلاً نسمعه يقدم (إيليا) مثالاً بأنه غضب وأهلك رئيس الخمسين (2 مل 1: 9-12)]. 3. اهتمام الله بالإنسان: إن كان الإنسان قد قابل حب الله بالعصيان، فالله يقابل حتى هذا العصيان بالحب لكي يسحب قلبه من مرضه الذي أصابه، ويقيمه من الموت الذي ملك عليه (رو 5: 14). لقد جاء صوت الله ماشيًا في الجنة ليلتقي مع الإنسان الساقط. يقول الكتاب: "وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار". لقد سمعا "صوت الرب" ماشيًا مع أن الصوت لا يمشي، لكنه هو "صوت الرب" أي (كلمته)، الابن وحيد الجنس الذي جاء مبادرًا بالحب ليقتنص الإنسان الساقط ويقيمه. جاء عند هبوب ريح النهار، إذ نلتقي به بالروح القدس، لأن كلمة "روح" و "ريح" في العبرية هي واحدة. جاء في وسط النهار لنتعرف عليه خلال نوره. وكما يقول المرتل: "بنورك يا رب نعاين النور" بمعني آخر لن نسمع صوت الرب متمشيًا فينا ما لم يهب بروحه القدوس علي جنته في أعماقنا ويضيء عليها بنوره الإلهي فنصير كمن في وسط النهار. لم ينتظر الله الإنسان ليأتي إليه معتذرًا عن خطاياه، إنما تقدم إليه لكي بالحب يجتذبنا إلى معرفة خطايانا والاعتراف بها. بنفس الروح يطالبنا ربنا يسوع أن نذهب نحن إلى أخينا الذي أخطأ إلينا ونعاتبه ولا ننتظر مجيئه إلينا (مت 18: 15). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المخطئ غالبًا ما يحجم عن المجيء بسبب خجله، لذا يليق بنا أن نذهب إليه أولاً بمفردنا لكي بالحب نربحه لأنفسنا كما يربح هو نفسه. هكذا بادر كلمة الله بالحب، فنادي آدم وقال له: "أين أنت؟". لم يكن يجهل موضعه لكنه أراد الدخول معه في حوار، كاشفًا له أنه قد صار غير مستحق أن يكون موضع معرفة الله، وكأنه قد صار مختفيًا عن النور الإلهي. يقول القديس أغسطينوس أن الشرير يخرج بشره من دائرة نور الله فيصبح كمن هو خارج معرفة الله، لا بمعنى أن الله لا يعرفه، وإنما لا يعرفه معرفة الصداقة والشركة معه، لهذا يقول للجاهلات: "الحق أقول لكن إني ما أعرفكن" (مت 15: 14). يقول القديس جيروم: [سمعنا أن الله لا يعرف الخطاة، لنتأمل كيف يعرف الأبرار؟!.] الآن، ما هو موقف الإنسان تجاه هذه المبادرة الإلهية؟ أولاً: "اختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة"، هذا الهروب هو ثمر طبيعي للعصيان والانفصال عن دائرة الرب، إذ لا تطيق الظلمة معاينة النور، وكما يقول آدم: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت". يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سر هروب الخاطئ من وجه الرب بقول: [الضمير المذنب يكون مثقلاً حتى أنه يعاقب نفسه بنفسه دون قاضٍ، يود أن يتغطى لكنه يكون أمام الله عاريًا]. كأن الخطية تفقد الإنسان سلامه الداخلي وتدخل به إلى حالة من الرعب. ويعلل القديس ديديموس الضرير اختفاء آدم بقوله ان الإنسان قد طلب المعرفة خلال خبرة الشر فاختبأ من وجه الرب بابتعاده عن معرفة الله النقية. ويري العلامة أوريجانوس أن الأشرار يختفون عن وجه الرب إذ قيل" "حَوّلوا نحوي القفا لا الوجه" (إر 2: 27)، أما الأبرار فيقفون أمامه بثقة ليهبهم الحياة المقدسة (1 يو 3: 21)، قائلين مع إليشع النبي: "حيّ هو الرب الذي أنا واقف أمامه" (2 مل 5: 16). هكذا أختفي آدم بعد السقوط ولم يقدر أن يعاين الرب لا لأن الرب مرعب ومخيف وإنما لأن الإنسان في شره فقد صورة الله الداخلية التي تجتذبه بالحب نحو خالقه محب البشر، فصار الله بالنسبة له مرعبًا وديانًا لخطاياه، فالغيب في الإنسان الذي فقد نقاوة طبيعته وخسر استنارة بصيرته الداخلية. لذلك يعلق القديس ديديموس الضرير علي اختفاء آدم برعب، هكذا: [يعلل آدم عريه كسبب لخوفه، هذا العري الذي نجم عن فقدانه للفضيلة التي تستره، فالفضيلة بالحق هي ملبس إلهي. بهذا يعظ الرسول: "البسوا الرب يسوع" (رو 13: 14)، "البسوا أحشاء رآفات" (كو 3: 12)، أي زينوا أنفسكم بسلوك الرأفة حسب المسيح، أو "نلبس أسلحة النور" (رو 13: 12)، حتى نقدر أن نحارب الأعداء (الروحيين). ثانيًا: عندما التقي الله بالإنسان خلال مبادرته بالحب بالرغم من هروب الأخير وتخوفه، فإن الأخير لم ينكر خطأه لكنه برر خطأه بإلقاء اللوم علي الغير، فقال آدم: "المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت" ، وقال المرأة: "الحيّة غرّتني فأكلت" ، هكذا ألقي آدم باللوم علي حواء بل علي الله الذي أعطاه حواء، وألقت المرأة باللوم علي الحيّة، ولم يعتذر أحد منهما عما ارتكبه. يعلق القديس ديديموس الضرير علي إجابة آدم بقوله: [كان يليق به أولاً أن يفكر بأنه استلم زوجته من الرب لخيره، وأنه لم يتسلمها لتعطيه دروسًا بل لتتمثل هي به]. كما يعلق علي إجابة حواء بقوله: [الآن تعترف أنها انخدعت... فإن هذا هو حال المخدوعين لا يدركون الشر إلاَّ بعد إتمامه، إذ تخفي الشهوة عنهم إدراكهم للحقيقة وتنزع عنهم المعرفة]. 4. لعنة الحيّة: "فقال الرب الإله للحية: لأنكِ فعلتِ هذا ملعونة أنتِ من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، علي بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك". إذ حملت الحيّة خداعات إبليس للإنسان نالت اللعنة التي تصيب كل نفس تقبل سمات هذه الحيّة فيها وترتضي أن تكون آلة الحساب عدو الخير وإغراءاته. أما اللعنة فهي: "علي بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك". هكذا كل إنسان يقبل أن يكون أداة للعدو الشرير يصير كالحيّة، يسعى علي بطنه محبًا للأرضيات، ليس له أقدام ترفعه عن التراب، ولا أجنحة تنطلق به فوق الزمنيات. يصير محبًا أن يملأ بطنه بالتراب، ويزحف بجسده لتشبع أحشاؤه مما يشتهيه. هذا ومن جانب آخر فإن من يقبل مشورة الحيّة يشتهي الأرضيات فيصير هو نفسه أرضًا وترابًا، أي يصير مأكلاً للحية التي تزحف لتلتهمه. أما من له أجنحة الروح القدس فيرتفع فوق التراب منطلقًا نحو السماء عينها فلا تقدر الحيّة الزاحفة علي الأرض أن تقترب إليه وتلتهمه. ويقول القديس أغسطينوس: [يلتصق (الأشرار) بالأرضيات، وإذ هم مولودون من الأرض يفكرون فيها، وبكونهم أرضًا يصيرون طعامًا للحية].، كما يقول: [إذ يطأ العدو حياتي يجعلها أرضًا فتصير له طعامًا]، [أتريد ألا تكون مأكلاً للحية؟! لا تكن ترابًا تجيب: وكيف لا أكون ترابًا؟ إن كنت لا تتذوق الأرضيات]. 5. الوعد بالخلاص: إذ لعن الحيّة التي أغوت الإنسان حتى نرفضها ونرفض سماتها فينا، قدم لنا أول وعد بالخلاص، قائلاً للحيّة: "واضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يسحق رأسكِ وأنتِ تستحقين عقبه". صارت الحيّة تمثل إبليس نفسه، الذي دُعي "الحيّة القديمة" (رؤ 20: 2)، وقد وضع الله عداوة بين إبليس والمرأة حتى يأتي السيد المسيح من نسل المرأة - دون زرع بشر - يسحق رأس الحيّة التي سحقت عقب البشرية. سحق السيد المسيح - مولود الامرأة - بصليبه رأس الحيّة، كقول الرسول: "إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظاهرًا بهم فيه (في الصليب)" (كو 2: 14)، لكن الحيّة تسحق كل إنسان ينزل عن الحياة العلوية التي في الرب ليصير عقبًا يرتبط بالتراب. يري القديس أغسطينوس أن رأس الحيّة هو الكبرياء الذي يحدر حياة الإنسان فيجعلها عقبًا، عندئذ تقدر أن تنفس فيه سمومها، إذ يقول: [تترقب الحيّة عقب الكبرياء، عندما تراك تسقط بالكبرياء وتنحدر. إذن فلتلاحظ أنت رأسها أي الكبرياء بكونه رأس كل الخطايا]. كما يري أن رأس الحيّة هو بداية انطلاق الخطية فينا خلال الفكر الشرير، لذا يليق بنا أن نسحقه في بدايته قبل أن يحدرنا إلى العقب ويقتلنا. إنه يقول: [ما هذه الرأس؟ إنها بداية كل اقتراح شرير. فعندما يقترح عليك (العدو) فكرًا شريرًا القه عنك قبلما تثور اللذة فيك وتقبله. لتتجنب رأسه فر يمسك بعقبك]. 6. تأديب الإنسان: إذ قدم الوعد بالخلاص أعلن تأديبه للإنسان؛ فتح باب الرجاء بإعلان الخلاص قبلما يقدم التأديب المرّ حتى لا يسقط الإنسان تحت ثقل اليأس. وقد أعلن تأديبه للمرأة أولاً ثم للرجل. أولاً تأديب المرأة: "تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون إشتياقك، وهو يسود عليك"، هذا التأديب الذي سقطت تحته حواء بسبب الخطية، تحول بمراحم الله إلى بركة حينما قبلت الكنيسة - حواء الجديدة - أن تلد أولادًا روحيين لله خلال آلامها. يقول القديس أغسطينوس: [تحبل الكنيسة - عروس المسيح - بالأطفال وتتمخض بهم. كمثال لها دُعيت حواء أم كل حيّ . يقول أحد أعضاء هذه الكنيسة التي تتمخض: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غلا 4: 19). لكن الكنيسة لا تتمخض باطلاً، ولا تلد باطلاً، إنما تجد البذار المقدسة عند قيامة الأموات، تجد الأبرار الذين يتعثرون الآن (بالآلام) في العالم كله]. وما تحتمله الكنيسة - حواء الجديدة - من آلام في حبلها بالأولاد الروحيين وإنجابهم في الرب إنما تحتمله أيضًا كل نفس ككنيسة وهي تحبل بثمر الروح لتلد أولادًا يفرحون قلب الله. وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [تنجب الكنيسة أولادًا وهي في العالم خلال الألم، لأن الفضيلة تستلزم الحزن، والندامة تنشئ توبة للخلاص بلا ندامة (2 كو 7: 10)... "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة؟!" (مت 7: 13)، لكنه "واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه". أما عن الدموع فهي ممدوحة]. وكما تحولت ولادة البنين بالتعب إلى بركة بقبول حواء الجديدة. الأتعاب لإنجاب أبناء في الرب، هكذا تحول أيضًا التأديب الآخر: "إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك" إلى بركة روحية حين تقدم كلمة الله المتجسد إلى حواء الجديدة كرجلها، يسود عليها بالحب الباذل، وتشتاق هي إليه لتنعم به كسر حياتها وتتمتع بسماته فيها لتدخل معه إلى أمجاده الأبدية. ثانيًا تأديب الرجل: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود" [١٧- ١٩.] خلق الله الأرض من أجل الإنسان، وبسببه باركها لتثمر له بركات، فإذ عصى الرب سقطت تحت اللعنة لتثمر له شوكًا وحسكًا يتناسب مع عصيانه أو فكره الداخلي. وما حدث للأرض بصورة حرفية تحقق في الأرض الرمزية أي الجسد، الذي بسبب عصياننا لله فقد اتزانه وخسر تقديسه فصار ينبت لنا شوكًا وحسكًا يفسد النفس ويحطمها. هكذا بقيت أرضنا بلا ثمر روحي. حتى جاءت القديسة مريم، فقدّسها الروح القدس بقبولها الوعد الإلهي، فأنتجت لنا الثمر البكر الذي يفرح قلب الآب ويبهج حياتنا. وكما يقول القديس جيروم: [أعطيت هذه الأرض غلتها، فما فقدته في جنة عدن وجدته في الابن]. هكذا بتجسد كلمة الله أمكن لأرضنا أن تنتج ثمرًا عوض الشوك والحسك، خاصة وأن السيد حمل هذا الشوك علي جبينه عوض أرضنا حتى يرد لأرضنا بهجتها. حملت الأرض اللعنة بسبب خطايانا، فصارت الحياة بالنسبة للإنسان - بعد سقوطه - صعبة وقاسية، إذ قيل: "بعرق وجهك تأكل خبزًا". أخيرًا إذ يشتهي الإنسان الأرض أو التراب عوض السماء يقال له: "لأنك تراب وإلى التراب تعود"، وبهذا صار مأكلاً للحيّة التي قيل لها: "ترابًا تأكلين كل أيام حياتك" .من أجل هذا جاء كلمة الله السماوي لينزع عنا الطبيعة الترابية واهبًا إيانا السمات السماوية. وكما يقول القديس جيروم: [كما يُقال للخاطي: أنت تراب وإلى التراب تعود، هكذا يُقال للقديس: أنت سماء وإلى السماء تعود]. 7. القميص الجلدي: "ودعا آدم امرأته حواء، لأنها أم كل حيّ" . إن كان آدم وحواء قد سقطا تحت التأديب، فإنهما أبوانا الأولان، نجد في آدم أبًا لكل البشرية، وفي حواء أمًا للجميع... لكن خلال هذه الوالدية تسربت إلينا الخطية وسقطنا معهما تحت ذات التأديب حتى جاء آدم الثاني يهب الحياة الحقة للمؤمنين وصارت امرأته - حواء الجديدة - الأم الصادقة لكل حيّ. يقول القديس ديديموس الضرير: [الكنيسة هي أم المؤمنين، والمسيح هو أب لهم، الذي فيه تنبع كل أبوة ما في السموات وما علي الأرض (أف 3: 15)]. ويقول القديس جيروم: [كما توجد حواء واحدة هي أم كل الأحياء، هكذا توجد كنيسة واحدة هي والدة كل المسيحيين]. والآن إذ سقط الأبوان الأولان تحت التأديب الإلهي أعلن الله محبته لهم قبل طردهما من الجنة، إذ صنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما، عوض أوراق التين التي صنعاهما لأنفسهما مآزر. هذه الأقمصة ربما تعلن عن كشف الله للإنسان الأول عن أهمية الذبيحة كرمز لذبيحة الخلاص... وكأن الله سلم آدم وحواء طقس الذبيحة الدموية. هذا والأقمصة الجلدية التي لا تجف ترمز إلى السيد المسيح الذبيح الذي نلبسه كساتر لخطايانا ونازع لفضيحة طبيعتنا القديمة. يري القديس امبروسيوس في الأقمصة الجلدية إشارة إلى أتعاب أعمال التوبة، إذ يقول: [ألبسهما الله أقمصة من الجلد لا من الحرير]. 8. طرد الإنسان: إذ صنع الله للإنسان قميصًا من جلد وألبسه، معلنًا رعايته الفائقة له خلال ذبيحة الصليب وستره لا بجلد حيوانات ميتة وإنما بالرب يسوع نفسه واهب الحياة، الذي يخفيه داخله ويستر عليه، قام بطرده من الفردوس... لماذا؟ أولاً: إن كان الله قد طردنا من الفردوس، ففي حقيقة الأمر نحن طردنا أنفسنا بأنفسنا، إذ خلال العصيان صارت طبيعتنا الفاسدة لا تليق بالحياة الفردوسية المقدسة بل تناسب الأرض التي تخرج الشوك والحسك. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد وهبنا الله الفردوس، وهذا من صنع عنايته المتحننة؛ ونحن أظهرنا عدم استحقاقنا للعطية، وهذه نتيجة إهمالنا الخاص بنا، لقد نزع العطية من أولئك الذين صاروا غير مستحقين لها، وهذا نابع عن صلاحه...]. ثانيًا: طرد الإنسان من الفردوس لا يعني الله حرمانه من عمل يديه وإنما تهيئته للتمتع بفردوس أعظم وحياة أبدية لا تنتهي. فيقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي: [أن الطرد وإن كان عقوبة لكنه حمل صلاحًا من جهة الله، إذ أراد معاقبة الخطية وإصلاح الإنسان ورده بعد إعادة تجديده. ويقول القديس أمبروسيوس: [أعطي الموت كعلاج إذ يضع حدًا للشرور]. بنفس الفكر يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تأمل ماذا يكون موقف قايين لو بقي في الفردوس وهو سافك دم؟!... لقد أعطي الفردوس للإنسان، وعندما أظهر الإنسان عدم استحقاقه طرده، حتى يصير ببقائه خارجًا وبإهانته إلى حال أحسن (بإظهار التوبة) فيقمع نفسه أكثر ويستحق العودة. وهكذا عندما صنع هذا وصار في حال أفضل أعاده مرة أخري، قائلاً: "إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 34). هل رأيت كيف أنه ليس فقط إعطاء الفردوس بل وطردنا منه هو علامة عظم اهتمام مملوءة ترفقًا؟! فلو لم يعانِ الإنسان الطرد من الفردوس ما كان يمكن أن يظهر مستحقًا له مرة أخري]. لقد خشي الرب أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة وهو فاسد في طبيعته فيبقي في شره أبديًا، إذ يقول الكتاب: "وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منه عارفًا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد" . ويبدو أن المتحدث هنا هو الثالوث القدوس، إذ يقول: "قد صار كواحد منا" من جهة معرفة الخير والشر، لكن الإنسان نال المعرفة خلال خبرة الشر القاتلة. يعلق الأب شيريمون علي هذه المعرفة، قائلاً: [لا يمكننا أن نظن بأن الإنسان كان قبلاً جاهلاً الخير تمامًا، وألاَّ يكون مخلوقًا غير عاقل كالحيوان العجموات، وهذا القول غريب تمامًا عن إيمان الكنيسة الجامعة. علاوة علي هذا يقول سليمان الحكيم: "الله صنع الإنسان مستقيمًا" (جا 7: 29)، بمعني أنه علي الدوام يتمتع بمعرفة الخير وحده، "أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة" (جا 7: 29)، إذ صارت لهم معرفة الخير والشر كما قيل. لقد صار لآدم بعد السقوط معرفة الشر الذي لم يكن يعرفه قبلاً، لكنه لم يفقد معرفته للخير الذي كان يعرفه]. أخيرًا إذ طُرد الإنسان من الفردوس أقام الله كاروبًا للحراسة... حتى جاء الجالس علي الكاروبيم نفسه يحملنا في جنبه المطعون ليدخل بنا إلى فردوسه السماوي.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الأصحاح الثالث
مقدمة من كتاب آدم وحواء لقداسة البابا شنودة
خطية آدم وحواء هي خطية مركبة:-
1. هي خطية عصيان ومخالفة:- فالله أنذرهم وخالفوا فهي ليست خطية بجهل.
2. هي خطية معاشرات رديئة:- حوار مع الحية، وتستمر حواء في الحوار بينما الحية تشكك في كلام الله.
3. هي خطية شك وعدم محبة:- الشك في صدق كلام الله. والشك أيضا في المحبة (يو 14: 21).
4. هي خطية إنقياد:- إنقياد للشر ضد كلام الله فيها حواء إنقادت للحية وآدم لحواء.
5. هي خطية ضعف إيمان:- حواء قبلت كلام الحية أكثر من كلام الله فالحية قالت "لن تموتا".
6. هي خطية إستهانة وعدم خوف الله:- لأنهما قد مدا أياديهما وأكلا.
7. هي خطية شهوة:- فالشجرة كانت شهية للنظر. أصبحت النظرة للشجرة مشبعة بشهوة.
8. هي خطية كبرياء:- أرادا أن يصيرا مثل الله " هي نفس سقطة الشيطان" أش 14:14.
9. هي خطية معرفة مخربة:- هي معرفة الشر وإختباره "الذي يزداد علماً يزداد غماً".
10. هي خطية طلب المعرفة من غير الله:- كان يجب أن يكون الله هو المعلم والمرشد الوحيد.
11. هم حفظوا الوصية عقلاً وليس عملاً.
12. عدم القناعة:- فكان أمامهم كل شجر الجنة ولم يكتفوا به.
وخطايا بعد السقوط هى:
13. إعثار الآخرين:- فحواء أعطت رجلها أيضاً.
14. عدم الإعتراف والشعور بالخطأ:- فكل يبرر موقفه بلا إقرار بالذنب وبلا إدانة للنفس.
15. محاولة تبرير النفس وإلقاء التبعية علي الأخرين.
16. إلقاء التبعية علي الأخرين فيه عدم محبة لهم. فآدم يرجع السبب في خطيته لله ولحواء.
17. عدم اللياقة في الحديث:- المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني"
18. فقدان البساطة: فدخل الخجل لحياتهما وعرفا أنهما عريانين. وصار هناك الحلال والحرام. الخير والشر، ما ينبغي وما لا ينبغي. لقد تشوه فكر الإنسان بمعرفة الشر.
19. صارت هناك شهوة للمعرفة من طريق آخر غير الله بعد أن كان الله هو المعلم الوحيد.
20. تغطية الخطية بأوراق التين:- القلب صار فيه فساد ولكن هي محاولة للتستر من الخارج ولا فائدة للتغطية سوي بدم المسيح.
21. الهروب من الله:- إختباء آدم وحواء من الله (مثل من يهرب من الصلاة حين يخطئ).
22. الجهل بالله وقدرته:- ظنا في جهلهما أنهما حين يختبئان لا يراهما الله.
هذا الإصحاح نجد فيه خبر سقوط الإنسان وموته نتيجة ذلك فبإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم وبالخطية الموت… رو12:5
وسبب السقوط أن عدو الخير حسد الإنسان فأراد أن يهبط به إلي الموت فكان أن إستخدم الحية في خداع الإنسان. وقد يكون إبليس إتخذ له شكل حية فهو يمكنه أن يتخذ
شكل ملاك نور 2كو14:11. أو أن إبليس إستخدم الحية. فواضح من نفس الآية 2كو14:11 أن خدام إبليس يغيرون أشكالهم حتي يخدعوا البسطاء. وهذا يحدث في حياتنا حين يأتينا صديق ردئ ليدعونا لإرتكاب خطية معينة. إذن الحية هي إبليس وراجع رؤ 9:12. وإبليس إذن قد يستخدم خليقة الله الصالح كوسيلة لتحطيم الإنسان.
أية ( 1" -:( 1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» "
وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ:
الحية تدور وتلتف وتخادع وهكذا إبليس.. وماذا قالت الحية "أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة"
قولها َأَحَقًّا : هي تريد ان تقول ان الله ظالم إذ أمر بهذا وعليكم أن لا تطيعوه
وقولها مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ : هذا كذب، هي دست الكذب وسط أقوال صادقة. فالله تكلم فعلاً مع آدم وحواء وأعطاهما وصية والوصية كانت أن يأكلا من كل شجر الجنة ولكن شجرة واحدة ممنوعة عنهما. ولكن الكذب هنا أنها إدعت أن الله منعهما من الأكل من كل شجر الجنة حتي تثير المرأة ضد الله. وكما قال المسيح عن الشيطان هو كذاب وأبو الكذاب وهدفه من الكذب والخداع هو هلاك البشر فهو كان قتالاً للناس منذ البدء (يو 44:8) ولاحظ طريقة إبليس فهو يدخل كذبة صغيرة في وسط كلام صادق.
جزء صدق + جزء خداع = خداع أكثر
وإذا قبل الإنسان هذا الطعم ودخل في حوار مع إبليس يبدأ إبليس في زيادة الكذب فحواء كان يجب أن تصمت وألا تبادل الحية الحديث "المباحثات الغبية والسخيفة فإجتنبها 2تي 23:2" طالما هي إكتشفت أن هناك جزء من الكلام به كذب، كان عليها أن تكف ولا تسلم نفسها في أيدي من يتأمر عليها. لكنها طرحت دررها أمام الخنازير مت 6:7 فداستها الخنازير والتفتت فمزقتها. إبليس لا يقتحم حياتنا بالعنف ولكن نحن الذين نقبل أضاليله فنسمح له بالتسلل إلي أعماقنا. ونحن الذين نسلم له قيادة إرادتنا فيسيطر علي القلب والفكر والحواس وبذلك نسقط تحت عبوديته المرَة.
أية ( 2" -:( 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، "
آية (3:( - " 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا»"
قولها َلاَ تَمَسَّاهُ : هو زيادة في الكلام تظهر الله بمظهر المتشدد (مبالغة في الكلام)
لِئَلاَّ تَمُوتَا : هو تشكيك في قرار الله الذي قال "موتاً تموتا" بالتأكيد. إذن المرأة سايرت الحية في الإستخفاف بكلام الله والإستهانة به: هذه ثمرة معاشرة الأشرار… إذاً في مجلس المستهزئين لا نجلس. إذاً بدأت المراة هنا تستجيب للخداع بأن أظهرت الله في موقف المتشدد وشككت في قراراته. لذلك فهي أعطت الفرصة للحية بأن يكون هناك المزيد من التشكيك.
طريقة الشيطان المستمرة مع الإنسان:-
1. تشكيك في محبة الله مدعياً أن الوصية ثقيلة: فإذا وافق الإنسان وتبرم وتذمر.
2. يقدم إقناعات ويسهل طريق الخطية لعقل الشخص 2 كو11: 3.
3. مخاطبة الشهوة وإثارة الحاجة إليها: ثم دفع الإنسان المستسلم للسقوط.
4. ترك الإنسان للموت واليأس.
الآيات (4-5:(- "4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». "
«لَنْ تَمُوتَا! .... تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».
الشيطان لا يملك سوي أن يقدم وعوداً كاذبة. " لن تموتا… تنفتح أعينكما… تكونان كالله" لكن الله لا يقدم وعود بل هو الذي خلق كل شئ لأجلي وإبليس لم يعطني شئ سوي الكذب. وحتي المعرفة التي يدعي إبليس أن الإنسان سيحصل عليها هي معرفة وإختبار شريرين لا يجد الإنسان من ورائهما إلا الغم "من إزداد علماً إزداد غماً".
ولاحظ كبرياء الإنسان الذي يريد أن يكون كالله. ورداءة فكر الإنسان أن ينظر للشيطان كمحل ثقة أكثر من الله، مع أن الله أظهر إرادته الحسنة بأعماله. مع أنه كان يليق بالإنسان أن يدرك العدو من كلامه المناقض لأقوال الله. حقا قال أغسطينوس القائد (الله) يقدم وصيته للحياة والمهلك (إبليس) يقترح خدعة ليهلكن، وذلك بتصوير ان وصية الله فيها حرمان من الملذات ، بينما ان هذه الملذات هي طريق الفرح وهذا حق لنا .
أية (6-:( " 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ."
حوربت حواء بالشهوة وراجع ايو2: 15-17 وراجع يع 14:1-16
شهوة الجسد أو البطن: كانت الشجرة جيدة للأكل في نظرها إذ رأت.
شهوة العين: كانت الشجرة بهجة للعيون، شهية للنظر.
تعظم معيشة وطمع: تكونان كالله.
ونفس الخطايا حورب بها المسيح
شهوة البطن : قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً "مت 3:4"
شهوة العين : أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي مت 9:4
تعظم المعيشة : إن كنت إبن الله فإطرح نفسك لأسفل.
وما نجح فيه المسيح فشل فيه آدم وحواء "إذ أن المسيح رد علي الشيطان بأقوال الله دون أن يحرفها، أما حواء فقد حرفت في كلام الله فسقطت"
فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا: الشيطان لا يمكن له ولا سلطان له إلا أن يغوي فقط. لكن ليس له سلطان أن يضع الثمرة في فم المرأة. بل هي فعلت "أنا أختطفت لي قضية الموت"
وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا : فقدت حواء رسالتها الأصلية كمعينة وصارت فخاً لرجلها ومحطمة لحياته.
أية (7 -:("7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ."
خَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ:
فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَان هذا يعني أن الإنسان بالخطية يدرك أنه دخل إلي حالة من الفساد تظهر خلال أحاسيس الجسد وشهواته التي لا تضبط. بهذا يدخل الإنسان في معرفة جديدة، هي خبرة الشر الذي إمتزج بحياته وأفسد جسده تماماً، هو تعرف علي جسده الذي صار عنيفاً في الشر بلا ضابط. هما صارا عريانين إذ فقدا النعمة التي حفظتهما من خزي عري الجسد. وحاولا أن يستترا فلم يجدا سوي أوراق التين. وخياطة أوراق التين تشير لمجهود الإنسان الذي لا يستر فهو ليس كافياً بدون نعمة المسيح. فهما فقدا رداء الفضيلة والبراءة والمجد والفرح وصارا في عوز للكرامة بل للحكم المنطقي فهما حاولا الإختباء من الله الذي يري كل شئ بعد أن كان آدم مثال للحكمة والسلطان.
أوراق التين أصبحت تشير للبر الذاتي، وكل مجهود لتبرير أخطائي هو ورق تين.
عندما خلق الله آدم كان يحب الله لأنه مخلوق على صورة الله والله محبة. ولأن هناك محبة متبادلة بين آدم والله كان آدم يحيا فى جنة الفرح (عدن=فرح). ولما خُلقت حواء استمرا كلاهما فى النظر نحو الله وكانا يحبان الله فاستمرا فى حالة الفرح أى استمرا فى الجنة.
وعندما سقطا صارا ينظران لبعضهما فانشغلا بجسديهما ونسيا النظر لله فضاع منهما الفرح وهذا معنى طردا من الجنة. فدخل الحزن إلى العالم.وحينما فقدا الفرح ، إذ بدات محبة الله تبرد في قلوبهم اذ صاروا لا يرونه . فحولوا طاقة الحب التي كانت داخلهم إلي الإهتمام باجسادهم . فاستبدلوا الفرح باللذة الحسية . وللان فهذا هو خداع ابليس ان الفرح هو اللذة .ولكن شتان الفارق بين عطية الله وعطية الجسد .فاللذة ثوان عابرة يعقبها حزن ، بينما الفرح دائم ، بل ينتصر علي اي الم خارجي " لا ينزع احد فرحكم منكم " ( يو 16 : 22 ) . وهل تستطيع الملذات الحسية ان تعطي فرحا لانسان مهدد بالموت . لذلك فبولس الرسول الذي يقول ان الزواج مكرم (عب 13 : 4) + ( 1 كو 7 : 2 -4 ) يعود ويطلب في الاية التالية مباشرة ، الامتناع لفترة يقضيها الزوجان في الصوم والصلاة ( 1 كو7 : 5 ) وواضح انه يطلب هذا من كل المؤمنين ليتفرغوا لله محولين طاقة الحب داخلهم إلي الله ، فيتذوقوا الفرح الحقيقي بدلا من اللذة الحسية .
وبعد الفداء صحح الله الوضع فجاء الروح القدس ليسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5) وبذلك صارت ثمار الروح القدس محبة فرح ... وبهذا كان من ثمار الفداء استعادة الحالة الفردوسية. ولهذا طلب الرسول منا ان نمتلئ من الروح لنفرح بدلا من الخمر اي الملذات العالمية . وطريقة الامتلاء شرحها الرسول في الايات الاتية ( اف 5 : 18 – 21 )
أية (8-:( " 8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ."
قابل الإنسان حب الله بالعصيان. وقابل الله عصيان الإنسان بالحب حتي يرجع له الإنسان.
صَوْتَ الرَّبِّ : الصوت لا يمشي، لكننا نسمع هنا أن صوت الله كان ماشياً. إذا هو كلمة الله، الابن الوحيد الجنس الذي جاء مبادراً بالحب ليقتنص الإنسان الساقط ويقيمه (عب 16:2)
مَاشِيًا : الكلمة العبرية تفيد أنه يمشي للمسرة، فهذا هو فرح الله أن يخلص الإنسان بإبنه.
عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ : كلمة ريح وكلمة روح بالعبرية هي كلمة واحدة. والمعني أن الروح القدس هو الذي يعطينا معرفة المسيح الكلمة نور العالم: ريح النهار فبنورك يارب نعاين النور ولاحظ أن الله لم ينتظر الإنسان ليأتي إليه معتذراً عن خطاياه، بل تقدم هو له بالحب يجتذبه ليعرف خطاياه ويعترف بها.
هنا نرى اول عمل للثالوث القدوس فى عمل الخلاص للانسان. فالآب يرسل صوته (كلمته) وروحه لآدم. وهذا ما رأيناه يوم عماد المسيح فى الاردن. ولذلك نسمع هنا عن الفرح فى كلمة ماشيا = هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت.
أية (9 " -:(9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». "
أَيْنَ أَنْتَ؟
هذه لا تعني أن الله يسأل عن مكانه بل عن حاله، فهو صار ضائعاً مفقوداً من الشركة مع الله. والله يسأل آدم ليستدرجه للإعتراف لذلك هو لم يسأل الحية فلا رحمة للشيطان لأنه لن يتوب. هنا صوت الله يبحث عن خروفه الضال. هذا سؤال الله لكل خاطئ ومعناه "لماذا صرت بعيداً عني" فآدم كان يسعي قبل ذلك للقاء الله والأن يختبئ! لو عرف كل خاطئ أين هو من الله بعد أن ترك حضنه، وأنه بإنصرافه عن الله صار في مزبلة لرجع فوراً. ومع هذا فمن محبة الله أنه يريد أن يدخل في حوار مع الإنسان، ويكشف له أن خطيته جعلته غير مستحقاً أن يكون موضع معرفة الله وأنه بالخطية صار مختفياً عن النور الإلهي " الله صار لا يعرفه معرفة الصداقة والشركة معه"
أية (10" -:( 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». "
يتضح أن آدم فهم سؤال الله أنه ليس سؤال عن المكان بل عن حاله "لماذا هو مختبئ" وواضح أن الخوف والخشية دخلا نتيجة الخطية، فالظلمة لاتطيق معاينة النور (1يو 17:4،18)
وإختباء آدم من وجه الله يساوي هروب يونان من الله وكلاهما جهل فالخطية تعمي نظر العقل. والإنسان إذ طلب المعرفة خلال خبرة الشر إظلمت عيناه فإختبأ من وجه الرب وإبتعد عن معرفة الله النقية (أر 27:2). الإنسان لم يعد يستطيع أن يعاين الرب لا لأن الرب مرعب ومخيف وإنما لأن الإنسان في شره فقد صورة الله الداخلية التي تجتذبه بالحب نحو خالقه محب البشر فصار الله بالنسبة له مرعباً ودياناً للخطاة. فالعيب في الإنسان الذي فقد نقاوة طبيعته. بل إن الله من محبته تواري عن الإنسان فهو لم يعد يحتمل نور الله، وحتي لا يموت الإنسان.
أية (11" -:( 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» "
الأيات (12-13):- "12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». "
كان قصد الله أن يعترف الإنسان بخطيته ولكن هذا لم يحدث، بل برر الإنسان نفسه وألقي اللوم علي الغير. وربما يكون جواب حواء أفضل من جواب آدم إذ هي تقر بأنها خدعت وعيب أن آدم وهو رأس المرأة يختبئ وراء إمرأة كان المفروض أنها هي تمتثل به وتتعلم منه. ونلاحظ أن الله لم يدخل في حوار مع الحية (إبليس) فهو لا أمل له في الخلاص.
الأيات (14-15:( - " 14فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». "
لعنة الحية :
1. هذه اللعنة موجهة لإبليس في الحقيقة فهو الذي صار مكروها من كل الناس.
2. واللعنة موجهة للحية كأداة أعثر بها الشيطان الآخرين. والله بهذا يشرح لنا أن عقوبة من يعثر الأخرين كبيرة. والله هنا يستخدم الحية كوسيلة شرح كما لعن المسيح التينة.
3. الله يعاقب الحية لأنها كانت الأداة في الخطية، هكذا الجسد لأنه أداة الخطية لابد وان يعاقب مع النفس يوم الدينونة. وهذه الفكرة نجدها أيضاً في عقوبة الثور الذي ينطح إنساناً فيقتله، كان لابد من قتل الثور (خر29،28:21).
4. هناك إحتمال بأن الحية كان لها قبل اللعنة أرجل تمشي عليها وترفع نفسها عن الأرض ولكن المهم أن الآن الحية تسعي علي بطنها وتلحس التراب أو هي تحصل علي طعامها ملوثاً به. هكذا كل إنسان يقبل أن يكون أداة للعدو الشرير يصير كالحية، يسعي علي بطنه محباً للأرضيات، ليس له أقدام ترفعه عن التراب، ولا أجنحة تنطلق به فوق الزمنيات والأرضيات الفانية. يصير محباً أن يملأ بطنه بالتراب. وإذ يملأ نفسه بالتراب يصير هو نفسه تراباً أي ماكلاً للحية. ياليت لنا أجنحة الروح القدس نرتفع بها عن الأرضيات للسماء.
5. والشيطان بعد ان كان جميلاً قبل سقوطه صار كريهاً. وأكل التراب رمز للدناءة.
6. صارت العداوة دائمة بين الشيطان (الحية) وبين الإنسان فالحية دائما تعض الإنسان في قدمه والإنسان يقتل الحية بضرب رأسها. ولاحظ ان الإنسان والحية كانا قد إتفقا في الشر والنتيجة كانت كراهية وقطيعة بينهما فالكراهية والقطيعة مصاحبان للخطية.
البركة داخل اللعنة: "حولت لي العقوبة خلاصاً.. القداس الغريغوري"
نجد داخل الكلمات التي لعن بها الله الحية بركات كثيرة للإنسان.
1. نسل المرأة: هو المسيح إذن هي نبوءة بتجسد المسيح. ولم يقل نسل الرجل فهو ولد من العذراء بدون زرع بشر. لذلك رجع لوقا بنسب المسيح إلي آدم ليظهر أن نسله سحق رأس الحية. وكان كل القدماء من الأباء ينتظرون مسيا حتي السامرية توارثت هذا الرأي (يو4). ووجدوا في مصر صورة للإله "هاو" يسحق رأس حية.
2. تسحق عقبه: هذه تشير لألام المسيح ومعاناته التي لحقت بطبيعته البشرية. فالشيطان أقنع اليهود بإضطهاد المسيح وصلبه وأقنع بطرس بإنكاره. وكل هذا ليعطل الخلاص
3. يسحق رأسك: راجع رؤ 20:16 + لو17:10-20 المسيح بصليبه سحق إبليس كو15،14:2.
+ إذن نجد في نفس الكلمات لعنة للشيطان وبركات للإنسان. وهذه تشبه نار ناحية
الشعب تضئ لهم ليلاً وسحابة تجاه المصريين تضللهم (خر 20:14 )
+ ولاحظ أن سحق رأس الشيطان يشير لحيله وأفكاره وخبثه.
+ نجد في هذه الآيات أول وعد بالخلاص.
+ مازالت الحية تسحق عقب كل من يقبل أن ينزل من الحياة السماوية.
أية (16:(- " 16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ»."
تأديب المرأة :
1. يلاحظ أن أتعاب المرأة في ولادتها أكثر من أي خليقة أخري.
2. الله وضع الزواج ليكون الرجل رأس المرأة يفيض عليها من حبه وهي تخضع له بالمحبة ولكن يبدو في هذا الكلام أنه نوع من الرياسة والخضوع حتي يقود المرأة للتواضع والتوبة.
3. إلي رجلك يكون إشتياقك: لشعورها بالضعف المستمر وإحتياجها للحماية. ونلاحظ أن إشتياق المرأة للرجل دفعها للتغلب علي المخاوف من الولادة وأتعابها وحتي لا ترفض الزواج. وأيضا كون الرجل يسود عليها أعطي أن يكون للبيت رأس واحد.
البركة داخل العقوبة :
1. رأينا سابقا ان العقوبة أثمرت عن وجود رأس واحد للأسرة. وإستمرارية الحياة بالنسل..
2. إلي رجلك يكون إشتياقك: الرجل هنا يشير للمسيح والمرأة تشير للكنيسة وهي تشتاق له.
3. .يسود عليك: بالحب وبصليبه. وهي تشتاق لمجيئه عبر العصور.
4. أتعاب حبلك: غل 19:4. فنري هنا الكنيسة وخدامها يتألمون لكي يولد أي مؤمن، ويفرحون بعد أن يتوب هذا المؤمن، آلامهم هي جهادهم معه وصلواتهم لأجل توبته.
الأيات (17-19:(- " 17وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. 18وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. 19بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ»."
تأديب الرجل :
1. لعنة الأرض: تعني أنها لم تعد سخية في عطائها بل صارت قاسية لا تعطي إلا بالتعب.
2. أكل الخبر بعرق الوجه يشير لأن العمل لم يعد لذة بل صار تعباً.
3. الأرض تنبت شوكاً وحسكاً: أي عقوبتها الحريق عب 8:6. والشوك يشير لأن آدم كان يجد في عمله آلاماً توخزه. والأمراض والأحزان هي شوك وحسك.
4. أكل عشب الحقل: كان العشب طعام الحيوانات فصار طعاماً للإنسان. وهذا ما كان مع نبوخذ نصر فرفع عينيه للسماء. فهذه العقوبة تشير لأن الله يريد أن نرفع أعيننا للسماء ونعرف أن هذه الأرض ليست مكاننا ولا فيها راحتنا، بل كلها تعب وأشواك وحسك وهي ملعونة فلا نشتاق أن نحيا فيها للأبد.
5. إلي التراب تعود: هي عقوبة الموت. أما من إشتاق للسماء وعاش في السماويات. فيسمع الصوت أنت عشت في السماويات فللسماء تعود، هذا عمل نعمة
بركات داخل العقوبة :
هذه اللعنة للأرض والألام والأتعاب التي يعاني منها الإنسان صارت تدفعه للإشتياق للخلاص من أتعاب هذا العالم حتي يذهب للراحة. بل الموت نفسه صار طريقاً للخلاص من هذا الجسد ومن شهواته (رو24:7) وصارت السماء شهوة (في23:1) بل العمر القصير صار بركة حتي لا يعتمد الإنسان علي طول عمره فيحيا في الخطية، بل يكون مستعداً دائماً.
ماذا حمل المسيح عنا:
قبل المسيح عنا كل آثار الخطية، وحمل كل ما كان يجب علي آدم أن يحتمله
(رو 12:5-20)
1. اللعنة: المسيح قبل اللعنة "ملعون كل من علق علي خشبة" وصار لعنة لأجلنا
(غل 13:3).
2. التعب: المسيح صار رجل أوجاع ومختبر الحزن (أش 3:53).
3. الشوك:هذا حمله علي رأسه.
4. الموت: وقد تذوقه المسيح لأجلنا عب 9:2.
5. العري: فقد علق المسيح عارياً علي الصليب.
6. تعب الولادة: هو يتعب ليأتي بالمؤمنين " من تعب نفسه يري ويشبع أش 11:53.
7. الخضوع: أطاع المسيح حتي الموت، موت الصليب بل خضع للناموس
غل 4:4 + في 8:2
8. العرق: هو عرق دماً في بستان جثسيماني لو 44:22.
9. الحزن: صار رجل أحزان أش 3:53.
أية (20:( - " 20وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ."
أُمُّ كُلِّ حَيٍّ:
كما رأينا فالله حمل أيات العقوبات بركات الخلاص وقد فهم آدم الوعود المتضمنه في هذه الكلمات. وتسمية آدم لإمراته حواء (من كلمة حياة) هي ختم تصديق علي وعود الله. كما غير الله إسم إبرام إلي إبراهيم كختم تصديق علي الوعد. هو سبق له أن سماها إمراة والأن يسميها حواء علي الرجاء في وعد الله بمخلص يأتي له بالحياة. ومن نسلها سيأتي المخلص الذي يسحق رأس الحية. فآدم فهم وإستوعب أقوال الله بأن حواء ستصير أماً للمسيح الحي الذي يعطي حياة للكل. وفي آدم نري أباً لكل البشرية وفي حواء نري أماً لكل البشرية. ولذلك من خلالهما سقطنا معهما تحت ذات التأديب حتي جاء آدم الثاني يهب الحياة للمؤمنين وصارت حواء الثانية هي الكنيسة والدة كل المسيحيين.
أية (21:( - " 21وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا"
الأقمصة الجلدية جاءت من ذبائح.
وفي الذبائح رأي آدم حيوان برئ يموت ليلبس هو وفهم أهمية الذبيحة أن هناك برئ يموت ليستتر هو. إذا الأقمصة الجلدية فيها يشرح الله طريقة الحياة، كيف تكون حواء أم كل حي وليست أماً لكل ميت. وبالذبيحة يشرح الله كيف يتحول الموت لحياة.
ونري هنا كيف أن الله يهتم بملبسهم. وإذا وجدنا من يفتخر بملابسه نفكر في أنه يفتخر بعريه وخطيته فبدون الخطية ما كان في حاجة لملبس ولا حماية الملابس.
ونلاحظ أن الله وآدم تقاسما الذبيحة فالله حصل علي اللحم كذبيحة محرقة وآدم حصل علي الجلد يلبسه. والمسيح قدم نفسه ذبيحة محرقة للآب وكسانا برداء بره وسترنا وستر خطايانا كذبيحة خطية.
أية (22:( - " 22وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». "
قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا : هذه قد تعتبر أسلوبا تهكمياً فهل صارت معرفة الإنسان كمعرفة الله وهذا ما كان الإنسان يأمله. فالله لقداسته يعرف الشر ويكرهه. أما الإنسان لضعفه فصار يعرف الشر ويشتهيه وهذا هو ما أورثه آدم للبشرية. وكون الإنسان صار كواحد من الثالوث فهذه تعتبر نبوة عن تجسد المسيح الأقنوم الثاني فهو الذي تجسد وصار كواحد منا.
الإنسان لا يستطيع ان يحيا من ذاته للأبد لذلك وضع الله طريقة يحيا بها وهي شجرة الحياة. والأن بعد أن وقعت علي الإنسان عقوبة الموت كان لابد ان يحرم من شجرة الحياة ولكن داخل كل عقوبة هناك بركة. فكان يجب أن يموت آدم حتي يتخلص من جسد الخطية. وصار الموت علاجاً لأنه يضع حداً للشرور.فالله لا يريد للإنسان أن يحيا بجسد شوهته الخطية.
أية (23:( - " 23فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. "
طرد الإنسان من الجنة
1. الله بذلك يعلن عدم رضائه عن تصرف آدم.
2. هناك مراحم محفوظة للإنسان بعد موته.
3. خارج الجنة سيقارن بين حاله فيها وحاله خارجها فيتوب ويشتاق لله كما حدث مع الإبن الضال.
4. إذا قدم توبه يسمع الصوت "تكون معي في الفردوس"
أية (24:( - " 24فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ."
الكاروبيم يمنع الإنسان :
لأنه صارت حالة عدم سلام بين السمائيين والأرضيين لأن الإنسان في حالة تمرد علي الله. وبنفس المفهوم كان هناك كاروبيم علي حجاب قدس الأقداس وصار الكاروبيم شاهداً علي تنفيذ العقوبة حتي جاء المسيح الراكب علي الكروب وشق حجاب الهيكل وصار الصلح بين الأرضيين والسمائيين. بل صار فرح في السماء برجوع خاطئ واحد وتوبته.
بل أن الكاروبيم هذا صار شاهداً علي محبة الله الذي لايريد للإنسان أن يحيا في جسد شوهته الخطية، بل عليه أن يموت أولاً بهذا الجسد ليحصل علي الجسد الممجد بعد ذلك ويحيا للأبد في مجد. فالكاروبيم هو شاهد علي مراحم الله الذي بدمه سوف يستعيد الإنسان مجده وحياته الأبدية فالكاروبيم كانوا فوق تابوت العهد ينظران دم ذبيحة الكفارة علي غطاء تابوت العهد. والدم يعلن غفران الله للشعب حتي لا يهلك الشعب. لذلك دعي الغطاء كرسي الرحمة.
وكما ان الكاروبيم كان شاهداً علي محبة الله وان الله لا يريد ان نحيا في هذا الجسد الذي سكنت فيه الخطية فشوهته ، وان الله ينتظر حتي يتمم لنا الفداء ونلبس الاجساد الممجدة . هكذا فالكاروبيم شاهد علي كلمة الله ووعده بان ياتى المسيح نسل المرأة ليسحق رأس الحية . والسيف في يد الملاك هو كلمة الله النارية لهيب سيف . ( عب 4 : 12 )
وهو متقلب = اي يظهر كلمة الله ووعده لكل الخليقة وكل لسان بان المخلص اتٍ . اليس هو الملاك الكاروبيم ذو الاربع وجوه ( حز 1 : 5 – 7 + رؤ 4 :8 – 10 ) . ونحن نري هذه الوعود وتحقيقها في الاربع اناجيل ، ورموز الاناجيل كما تعلمنا الكنيسة هي نفسها وجوه الكاروبيم .
طرد الانسان من الجنة
جغرافيا فان الجنة هي في ارض العراق كما راينا من قبل . فما معني طرد آدم من الجنة؟
الجنة كان اسمها جنة عدْن أي الفرح . وبالتالي نفهم ان آدم استمر في ارض العراق ولكنه ما عاد يستمتع بالفرح . فبسبب الخطية ما عاد قادرا ان يعاين الله او يراه فكان ان اختبأ من الله . وبدأ الحب يفتر والفرح يقل . فبحث عن اللذة الحسية عوضا عن الفرح
وهذا معني انهما علما انهما عريانين ولكن شتان الفرق بين اللذة والفرح . هذا الذي اعاده لنا المسيح بفدائه " اراكم فتفرح قلوبكم " (يو 16 : 22 ) والمسيح ارسل لنا " الروح القدس الذي سكب محبة الله في قلوبنا" (رو5 : 5) واصبح من ثمار الروح المحبة والتي نتيجتها الطبيعية الفرح (غل 5: 22 ) وبهذا استعدنا الحالة الفردوسية الاولي.
رأينا فى هذا الإصحاح خطية آدم وهذه الخطية هى الخطية التى توارثها البشر بإسم الخطية الجدية وهى التمرد والعصيان، لقد كان أمام آدم كل شجر الجنة لكنه إختار الشجرة الوحيدة الممنوعة. ودخل للقاموس الإنسانى القول ( كل ممنوع مرغوب ) . وصارت شهوة الإنسان أن يحصل على ما ليس له وهذا ما قاله سليمان الحكيم " المياه المسروقة حلوة وخبز الخفية لذيذ " (أم9 : 17) . والخطية تعريفها ببساطة أن الإنسان يبحث عما يريده هو وليس ما يريده الله، ولغويا فكلمة خطية تعنى من يخطئ إصابة الهدف فيفقد المكافأة، وروحيا فمن يصر على خطيته بلا توبة يفقد المكافأة التى هى الخلاص ويحرم من معاينة مجد الله (رو3 : 23) . وبالنسبة لآدم فهو حينما أخطأ فقد الجنة بكل أفراحها وجمالها وما عاد يرى الله ففقد بالتالى ما كان له من مجد وبهاء خلقته الأولى....إلخ.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
سقوط الإنسان
(1) كيف سقط الإنسان ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 : دخل الشيطان في الحية فصار لها ذكاء وحكمة أكثر من كل الحيوانات التي خلقها الله . فجميع الحيوانات ليس لها عقل ولا قدرة على النطق ولكن إستطاعت الحية بالشيطان الداخل فيها أن تجذب الإنسان بالحكمة الشريرة إلى الخطية ويبدو أنَّ الإنسان قد لاحظ هذه الحكمة ولم يرفضها بل قد يكون قد أعجب بها فقبل الحديث مع الحية مع أنه كان يحيا مع الله في شبع روحي ولا يحتاج إلى حكمة أخرى أو ذكاء يناله من أي مخلوق آخر ، وهنا بداية السقوط أي قبول التفاهم خارج الله والإعجاب بالحكمة العالمية . ويلاحظ أنَّ الحية ذهبت إلى حواء وليس إلى آدم لأنَّ حواء تتميز بالعاطفة فيمكن إستمالتها إلى الخطية من خلال عواطفها ثم أنَّ حواء هي معينة آدم وأنيسته فهي أقرب مخلوق إليه ويمكنها التأثير عليه ، فرغم أنَّ عقله قد يرفض كلام الحية ولكن علاقته بإمرأته وتعاطفه معها ساعد على سقوطه في الخطية . كان سؤال الحية لحواء مثيراً لها ضد الله وكاذباً في نفس الوقت إذ قالت لها كأنه سؤال ولكن المقصود به إستفزازها لتتضايق من الله فقالت هل منعكما الله من الأكل من جميع شجر الجنة وذلك لتجتذبها إلى الحوار معها فيمكنها إستمالتها وإسقاطها في الخطية .
ع 2 ، 3 : نفت المرأة كلام الحية وأعلنت أنَّ الله لم يحرمهما من الأكل من جميع شجر الجنة ، ثم قبلت الحوار مع الشيطان الساكن في الحية وقالت أنَّ الله منعهما فقط أن يأكلا من شجرة معرفة الخير والشر المغروسة في وسط الجنة ، وسقطت في خطية المبالغة فقالت أنَّ الله قال لهما لا تمسا هذه الشجرة ولا ثمارها مع أنَّ الله لم يقل هذا وأعلنت عقوبة الأكل من الشجرة وهو الموت .
ع 4 : ظهر شر الشيطان الساكن في الحية عندما نسب الكذب لله وقدم راحة وهمية ووعد كاذب للمرأة أنهما لن يموتا إن أكلا من الشجرة . ومع هذا لم تنتبه المرأة وتبتعد عن هذا الحوار الشرير مع الحية .
ع 5 : إستمر الشيطان في كذبه ناسباً القسوة والأنانية لله في حرمان الإنسان من المعرفة والعظمة إذ بخداعه أظهر معرفة الخير والشر أنها شئ عظيم يساويهما بالله مع أنهما يعرفان الخير أما الشر فهو ليس إضافة بل سلب وعكس الخير كما أنَّ الظلمة عكس النور ، فبيَّن الشيطان معرفة الشر أنها شئ جذاب فاجتذب قلب المرأة إليه ، وبقبول كلام الشيطان سقطت المرأة وآدم في الكبرياء والسعي لمعرفة غريبة خارجة عن الله والخضوع لإرشادات الشيطان ، وهذه بعض جوانب الخطية الأولى التي سقط فيها الإنسان .
ع 6 : بكلام الشيطان تحركت الشهوة في قلب حواء فرأت الشجرة وثمارها المحرمة أنها جميلة وشهية ومفرحة مع أنها لم تكن تراها هكذا من قبل ، وذلك لقبولها الحوار مع الشيطان ، وخضعت المرأة لغوايته فمدت يدها وأكلت من الشجرة وبهذا إنفصلت عن الله بالعصيان وسقطت في الشر . وإذ سقطت تدنست مشاعرها فأرادت إسقاط زوجها أيضاً في الشر ولم تعد مُعِينة له بل وسيلة لإسقاطه في الخطية ، أما آدم فأحبّ إمرأته أكثر من الله حتى أنه قبل كلامها ورفض وصية الله فسقط في الخطية .
ع 7 : إنفتحت أعين آدم وحواء على الشر وفقدا طهارتهما الأولى فشعرا بعريهما وخزيهما وحاولا أن يسترا خزيهما بأوراق الشجر ، فأخذا أوراق التين وحاولا ربط بعضها ببعض أي خياطتها لتستر عورتهما وبالطبع هذه الأوراق ستجف وتسقط بسهولة ولن تسترهما ، فهذه هي المحاولات البشرية لعلاج خزي الخطية والتي لا تنفع شيئاً ولكن حنان الله سيسترهما بالأقمصة الجلدية كما سنرى في ( ع 21 ) .
+ لا تقبل الحوار مع الشيطان في شكل أفكار تزعجك بلا فائدة بل تؤدي إلى إبتعادك عن الله ، فهذه هي علامات أفكار الشيطان ، أما أفكار الله فبناءة ومريحة للنفس . ولا تعطي فرصة للشيطان بأوقات الفراغ ليدخل إليك من خلالها ، وابتعد عن وسائل الإعلام المعثرة أو الكلام مع أصدقاء السوء وانشغل بالله وبكل عمل صالح تختاره لفائدتك فتحتفظ بطهارتك كل حين .
(2) سعي الله نحو الإنسان ( ع 8 - 13 ) :
ع 8 : رغم أنَّ آدم قد فقد الكثير من فهمه بعد السقوط ولكن لأجل علاقته الوثيقة بالله مازال يعرف صوت خطواته ، ولا يستطيع أحد أن يعرف صوت خطوات غيره إلاَّ إذا كانت تربطه به علاقة قوية منذ مدة طويلة فهذا يؤكد العِشرة والعلاقة القوية بينه وبين الله . وفي هذه المرة دوناً عن باقي المرات السابقة لم يسرع للقاء الله الذي يحبه ويشتاق دائماً لرؤياه ولكنه هرب لأجل خطيته التي فصلت بينه وبين الله ، ومن كثرة جهله إختبأ وسط الشجر ناسياً أنَّ الله يرى كل شئ في كل مكان ولا تحجب عنه الأشجار الرؤية . ويقول " عند هبوب ريح النهار " التي ترمز إلى الروح القدس ، فالريح والروح يأتيان تفسيراً للفظة واحدة ، فالله يقترب إلى الإنسان ليملأه ويشبعه بروحه القدوس . والصوت يعني كلمة الله الذي ينادي الإنسان ويطلب خلاصه ، فعندما أخطأ الإنسان لم يذهب إلى الله بل غرق في خزيه وخجله فظهرت محبة الله الذي بادر إليه يطلب خلاصه ، فالقوي يذهب إلى الضعيف ليسنده ( رو 15 : 1 ) والخطية ضعف تؤلم من فعلها وتخجله فيبتعد عن الإعتذار ويحتاج لمن يساعده ويقيمه بالحب من خطيته .
+ ليتك تشعر بضعف من يخطئون في حقك وتنسى ذاتك وكرامتك ومحبتك للممتلكات ، فتصلي لأجلهم بل وتذهب إليهم بالحب لتعاتبهم وتعيد العلاقة معهم وتسامحهم عما فعلوا وتتنازل عما اغتصبوه منك لتكون مثل الله أبيك الذي يأتي إليك بحبه ليقيمك من سقطاتك ويدفعك للتوبة فتختبر عِشرِته وتكسب كل من حولك .
ع 9 : الله يعرف ويرى آدم في مخبأه ولكنه يناديه ليدعوه إلى التوبة والإعتراف بخطيته ، ولو كان قد فعل هذا لكان المسيح قد تجسد وفداه حينئذٍ .
ع 10 : أعلن آدم سبب هروبه من الله وهو خزي الخطية الذي شعر به بعد السقوط أي شعوره بالعري ، وإجابته توضح فهمه أنَّ الله يعرف مكانه ولكنه يناديه للتوبة والإعتراف ولكنه للأسف لم يفعل لإنهماكه في مشاعر الخطية أي الخوف والخجل .
+ عندما تخطئ لا تغرق في مشاعر الحزن بسبب سقوطك بل إعلم أنَّ الله يحبك ويناديك لترجع إليه ، فأسرع إلى التوبة واطلب معونته لتعوض ما فاتك بسبب السقوط وتقاوم إبليس ليهرب منك .
ع 11 : إذا رأى الله الإنسان في خجله عاجزاً عن الإقرار بخطيته ، ساعده وشجعه على التوبة بسؤاله " هل أكلت من الشجرة وكسرت الوصية ؟ " . فالله الحنون لا يقبل توبة الخاطئ فقط بل يشجعه عليها ويتأنى عليه .
ع 12 : للأسف لم يعترف آدم بخطيته بل على العكس نسب الخطأ لحواء وبرَّر نفسه ، وهو بهذا ينسب الخطأ أيضاً إلى الله لأنه هو الذي خلق له حواء .
ع 13 : كذلك المرأة لم تعترف بخطيتها بل نسبت الخطية إلى الحية التي خدعتها وهي بهذا أيضاً تنسب الخطأ إلى الله الذي خلق الحية .
(3) عقوبة الخطية ( ع 14 - 19 ) :
ع 14 ، 15 : قرَّر الله عقاب الحية أولاً والمقصود بالأكثر الشيطان الذي عمل فيها لذا سُمِيّ الشيطان بالحية القديمة ، وكان العقاب هو :
1- اللعن الإلهي أي فقدان كل بركة والتعرض للمتاعب الكثيرة .
2- فقدان المنظر الجميل فيبدو أنَّ الحية كانت قائمة أولاً ولكن عندما لعنها الله أصبحت تزحف على بطنها .
3- صارت ملتصقة بتراب الأرض فيدخل في فمها بدلاً من الطعام . وهي ترمز لكل إنسان شرير يرتبط بالشهوات الشريرة فينحط مستواه ويرجع إلى التراب الذي أُخِذَ منه فاقداً سمو الروح الذي وهبه الله إياه .
4- وجود عداوة مستمرة بين الحية والإنسان فتسعى الثعابين للدغ الإنسان في قدميه القريبة منها لأنها تزحف على الأرض ، أما هو فيدوس على رأسها ليسحقها ويقتلها . والحية كما ذكرنا ترمز للشيطان الذي يحاول أن يلدغ الإنسان بشهواته الشريرة ولكن الإنسان بنعمة الله قادر أن يسحق كل قوته وينتصر عليه . ونسل المرأة الذي يسحق رأس الحية هو المسيح الذي يسحق الشيطان ويقيده على الصليب ويحرِّر أولاده المؤمنين به من قبضته وينقلهم إلى الفردوس .
ع 16 : أما عقوبة المرأة فلم يأتِ فيها ذِكر اللعن لأنها مع آدم صورة الله فلا تلعن وسيتم فداءها بالمسيح في ملء الزمان ، وشملت هذه العقوبة أمرين :
1- آلام الولادة أي لا حياة أو وجود لنسل المرأة إلاّ بالألم ، وآلام الولادة لا توجد إلاَّ في البشر أما الحيوانات فلا تعاني من آلام أثناء الولادة وذلك حتى تتذكر المرأة طوال أجيالها خطيتها فتتوب وتحترس من حروب إبليس ، فكلما إشتركت مع الله في الخلقة وإعطاء حياة لمولود جديد تتذكر الموت الذي سقطت فيه بسبب خطيتها فتتوب .
2- فساد العلاقة بين الرجل والمرأة ، إذ كان آدم أولاً يشتاق إليها فتتجاوب معه بأشواق المحبة أما بعد السقوط فهي تشتاق إليه بعواطف كثيرة أما هو فيميل إلى السيادة والسيطرة . هي تشتاق إليه لتفعل مشيئتها وهو يسيطر عليها ليفعل مشيئته ، وبهذا فقدا روح الوحدانية والحب التي ستعود إليهما في المسيح الفادي خلال سر الزيجة وعمل الروح القدس فيهما ، ولذا فميل أي طرف للسيطرة على الآخر سواء المرأة بحيلها أو الرجل بتحكمه هو رجوع إلى حالة الخطيئة ونتائجها الشريرة .
ع 17 - 19 : خلق الله الأرض لأجل الإنسان وباركها لتعطيه ثماراً ليأكلها ولكن إذ سقط الإنسان لُعِنت الأرض بسببه وفقدت البركة ، فلم تعد تعطيه ثماراً دسمة كما كانت قبلاً بل نباتات جافة أوراقها تحولت إلى أشواك تؤذيه . ويلاحظ أنَّ الله لم يلعن آدم لأنه كما قلنا صورته ولكنه لعن الأرض حتى إذ يجدها الإنسان لا تعطيه الثمار المطلوبة يقوده ذلك للتوبة وطلب الثمار الروحية بدلاً من ثمار الأرض . ويلاحظ أنَّ عقوبة آدم كانت هي الآتي :
1- لعن الأرض بسببه فتنتشر فيها النباتات الجافة والتي تؤذيه مثل الشوك والحسك . الحسك : نبات شوكي ثمرته خشنة . ويلاحظ أنَّ المسيح قد حمل إكليل الشوك على رأسه أي عقوبة الخطية ومات على الصليب لأجل فداء الإنسان حتى ينعم بسعادة في فردوس النعيم وملكوت السموات .
2- التعب في العمل ، فلم يعد لذيذاً كما كان قبل السقوط بل بدأ الألم والتعب كما قال " بالتعب تأكل منها " ( ع 17 ) " بعرق وجهك تأكل " ( ع 19 ) ، ويستمر هذا التعب والألم طوال عمر الإنسان .
3- يموت الإنسان جسدياً ويوضع في التراب بل ويتحلل جسده ، فكما خُلق من التراب يعود إلى التراب .
+ إذا شعرت بوجود الله معك ستعمل من أجله كل شئ وتحب العمل وترفض الكسل وتفرح بكل عمل تعمله لأنك تقدمه لله فتختبر السعادة على الأرض ثم أفراح السماء .
(4) عناية الله بالإنسان الساقط ( ع 20 - 24 ) :
ع 20 : بعد طرد الإنسان من الجنة شعر آدم بالرجاء في وعد الله بالخلاص الذي سيأتي من نسل المرأة ، فدعا إمرأته " حواء " أي أم كل حي حتى يأتي من نسلها المسيح الحي مصدر الحياة ويعطي خلاصاً لآدم وبنيه المؤمنين به .
ع 21 : ذبح الله حيواناً وأخذ جلده وصنع منه أقمصة أي ملابس ألبسها لآدم وحواء وعلَّم الإنسان طقس ذبح الحيوان وتقديمه لله ، لأنَّ الإنسان لم يكن قد بدأ في أكل اللحم أو الحيوان ، ومعنى هذا أنَّ الله علَّمه كيف يقدم الحيوان محرقة له بعد أن يرى سفك دمه ليتعلم أنه بدون سفك دم لا يرضى عنه الله ولا يستر خزيه ولا يغفر له خطاياه ، فمحاولة ستر الإنسان نفسه بأوراق التين لم تنفع لأنها ستجف وتسقط ، أما بعمل الله بسفك دم الحيوان الذي يرمز لدم المسيح حصل الإنسان على أقمصة جلدية تدوم معه .
ع 22 : كان آدم يعرف الخير ، ولكن عندما أكل من شجرة معرفة الخير والشر أُضِيفت إليه معرفة الشر وصارت طبيعته فاسدة ومائلة لعمل الشر ، فأراد الله بعنايته أن يحميه من الإستمرار بالشر والخلود فيه حتى لا يعيش منفصلاً عن الله ويهلك فكان من الضروري أن يخرجه من الجنة التي رفض أن يحيا مع الله فيها بأكله من الشجرة وحتى لا يأكل من شجرة الحياة التي تعطي الخلود فيخلَّد في الشر .
ع 23 : كان آدم يعمل في الجنة ، ولكن بعد طرده عاش بطبيعته الفاسدة المائلة للشهوات الأرضية فصار إتجاهه للأرض التي أُخِذَ منها وليس لله الذي نفخ في أنفه نسمة حياة ، فكان محباً للجسديات مبتعداً عن الروحيات إلى حد كبير .
ع 24 : بعد أن ألبس الله الإنسان الأقمصة الجلدية وعلَّمه كيفية الصلاة بتقريب المحرقات ، أخرجه من الجنة ووضع على بابها ملائكة من رتبة الكروبيم التي ترمز للعدل الإلهي وبيد هذه الملائكة سيف متقلب بالنار يرمز لكلمة الله التي تقطع كل شر من الإنسان . والنار تعلن أنَّ إلهنا نار آكلة تأكل كل خطية في الإنسان وتنقيه ، وبهذا يموت الإنسان على رجاء الخلاص فيدخله المسيح بعد فدائه ويعيده إلى الفردوس ولكن بطبيعة جديدة بعد أن يلبسه البر .
+ ما أجمل محبتك لي يا الله حتى وأنا ساقط تسعى لتعيدني إلى أحضانك وتعلمني طريق التوبة والصلاة والتمسك بدمك الفادي لأتخلص من كل شر فيّ وتثبت مخافتك أمام عينيّ لأرفض الشر بمعونتك مشتاقاً للحياة النقية بين يديك .
ونلاحظ أنَّ آدم يرمز للمسيح فيما يلي :
1- آدم هو بدء الجنس البشري والمسيح هو بداية الإنسان الجديد بعد أن فسد الجنس البشري .
2- ألقى الله سباتاً على آدم ثم أخذ منه ضلعاً عمله حواء ، والمسيح مات على الصليب وخرج من جنبه دم وماء الذي إقتنى به كنيسته .
3- إتحد آدم بحواء ليصيرا جسداً واحداً ( تك 2 : 24 ) ، والمسيح إتحد فيه اللاهوت والناسوت وكذلك يتحد بنفوس المؤمنين به .
4- كان آدم رأساً للخليقة كلها ليسوسها وينظمها لتمجد الله ، والمسيح يملك على كل المؤمنين ليقودهم في تسبيح الله .
5- سمَّى آدم الحيوانات بأسمائها والمسيح الراعي الصالح يدعو خرافه بأسمائها .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح