كلمة منفعة
قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..!
— الانقسام
سفر رؤيا يوحنا 11
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادي عشر
النبيان ومقاومة الوحش ( الدجال )
(1) الإحصاء والقياس والفرز ( ع 1 ، 2 ) :
ع 1 : قصبة شبه عصا : مقياس لقياس الأطوال مثل المتر أو الياردة في الزمن الحالي . أُعطِيَ يوحنا عصا لقياس الأطوال وأُمِرَ من الملاك بأن يقيس الهيكل والمذبح ، وهي أقدس الأجزاء في الهيكل اليهودي قديماً ، ويقيس أيضاً الساجدين بمعنى أن يحصر عددهم . والساجدين هم أبناء الله الذين يعبدونه في كنيسته وأهم سماتهم الإتضاع .
ع 2 : الدار الخارجية : كانت الجزء الخارجي من الهيكل اليهودي وليست في أهمية مكان المذبح المشار له في العدد السابق ، أما المعنى الروحي فلقد أمر الملاك القديس يوحنا ألاّ يقيس الجزء الخارجي أي الخارجين عن الإيمان ( الأمم ) المنجسين بخطاياهم وأفكارهم الشريرة ويكونون سبباً لتدنيس وإعثار العالم الذي يريده الله مقدساً له " المدينة المقدسة " ، ويستمر إعثارهم لمدة ثلاث سنوات ونصف سنة وهي مدة سطوة الدجال وشروره ، والثلاث سنوات والنصف هي نصف عدد سبعة الذي يرمز للكمال ، وبالتالي نستطيع القول بأنها مدة لن تطول كثيراً وليس لأحد أن يؤكد إذا كان هذا زمناً حقيقياً أم زمناً نبوياً رمزياً .
+ الله يشعر بك وسط ضيقاتك ، فأنت من أولاده يهتم بك وبعلاقتك بكنيسته ويبعد الأشرار عنك مهما أحاطوا بك ، كما أنه لا يسمح بالضيقة أن تطول بل يسندك حتى تخرج منها وتتمتع ببركاته وأمجاده السماوية .
(2) إرسال النبيين ( ع 3 - 14 ) :
ع 3 : لما كانت مدة سطوة الشر أي الدجال هي ثلاث سنوات ونصف ، يرسل الله نعمة خاصة وقوية جداً وهي عبارة عن شاهدين ( نبيين ) يتنبأن ويعضدان الكنيسة في المدة نفسها لأنَّ الألف ومائتين وستين يوماً هي نفس زمن الثلاث سنوات ونصف ( باعتبار أنَّ السنة اليهودية 360 يوماً ) . شاهديَّ : ترى الكنيسة الأرثوذكسية في تفسيرات آبائها أنَّ هذين الشاهدين هما " إيليا وأخنوخ " إذ لم يمت كلاهما بل اخُتِطفا إلى السماء وسوف يذوقا الموت الجسدي في ( ع 8 ) كما سيأتي . لابسين مسوحاً : علامة على حزنهما لما وصل إليه الحال على الأرض وما أصاب الكثير من المؤمنين وشدة حرب الوحش ( الدجال ) .
ع 4 : الزيتونتان والمناراتان : وصف للنبيين ، فالزيتون يرمز للسلام والأمان والحياة ، كما جاءت الحمامة أيام نوح تحمل غصن الزيتون دلالة على نهاية الطوفان ، وهكذا المنارة أيضاً ترمز للكنيسة الشاهدة لمسيحها بأنوار تعليمها . أمام الرب : أي أنَّ كل ما يتكلمان به من أجل الرب ومصدره الرب وببركة ومساندة الله ، فهما لن يجاملا أحداً فتعليمهم صريح ونقي وواضح .
+ إعطني يا الله روح إيليا وأخنوخ لأشهد لإسمك وأُعلن حقك ، فتعلو وتسمو وصيتك فوق تجديف العالم ، ولا تجعلني أخاف أو أخشى سوى غضبك .. ، أعني يارب فإني ضعيف .
ع 5 : أعطاهما الرب سلطاناً طوال زمن خدمتهما على الأرض ، وأشير إلى هذا السلطان " بخروج نار من فمهما " وذلك لأنَّ الكلام الخارج من أفواههما يأكل كل تعليم باطل أو تشكيك من الشيطان وأعوانه ... وتعبير خروج النار من كلامهما يذكرنا بما حدث بالفعل بين إيليا ومندوب آحاز الملك عندما وبخه إيليا " فنزلت نار من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له " ( 2مل 1 : 1 - 12 ) . ولا يستطيع أحد الإقتراب منهما إذ من اقترب منهما تكون نهايته الهلاك .
ع 6 : من قوة سلطانهما أيضاً أنَّ الله أعطاهما سلطاناً على إغلاق السماء أي منع خيراتها ، وهذا يذكرنا أيضاً بما صنعه إيليا من إغلاق السماء عن المطر لمدة ثلاث سنوات ونصف ( 1مل 17 : 1 ) أيام آخاب الملك الشرير ، وكذلك لهما سلطان وقوة الله التي أعطاها لموسى عندما حوَّل مياه النيل إلى دم ( خر 7 : 20 ) . والمعنى الإجمالي للعددين ( 5 ، 6 ) هو أنَّ الله أعطاهما سلطاناً وقوة تفوق كل قوة للبشر ليعملا ما يريدان على وجه الأرض كلها .
+ ألاّ يذكرنا هذا أيها الحبيب بالسلطان الذي أودعه الله في كنيسته لمغفرة خطايا التائبين من خلال سر الكهنوت وسر الإعتراف عندما قال لرسله الأطهار " أنَّ كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء " ( مت 18 : 18 ) ، فانتهز يا أخي هذه الفرصة واستمتع بهذا السلطان لتنال مغفرة الله ومكاناً في السماء .
ع 7 : تمما شهادتهما : أي نهاية المدة المحددة من قِبل الله لنزولهما ومقاومتهما للشيطان وشهادتهما . الوحش الصاعد من الهاوية : الشيطان نفسه بكل قوته وسلطانه ، والهاوية أي الجحيم هي مكان مُلكه وسلطانه وإشارة واضحة لطبيعته . يصنع حرباً ويغلبهما : بعدما رأى الشيطان ما صنعه هذان النبيان ، أُعطِيَ له وبسماح من الله أن يستجمع كل قوى الشر ويتمكن من قتل النبيين ، ولكن سلطانه محدود فهو على الأجساد فقط دون الأرواح ، ولنتذكر قول ربنا " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها " ( مت 10 : 28 ) .
ع 8 : المدينة العظيمة : عظيمة في أعين الشر والأشرار لأنها ترمز لسلطان الشيطان وأعماله فيها . تدعى روحياً : تشبه أو ترمز إلى . سدوم ومصر : رمزت سدوم ومصر قديماً للممالك الوثنية الشريرة التي قاومت الله . حيث صُلِبَ ربنا : بالطبع صُلِبَ المسيح بأورشليم ولكن لأنَّ المعنى روحي فالمقصود بالمعنى العام للآية أنَّ الشر الكامن في العالم الرافض لله والذي صُلِبَ بشره رب المجد ، معتقداً إنتصاره عليه هو نفسه ذات الشر الذي قتل هذين النبيين .
ع 9 ، 10 : يجتمع الأشرار من كل جهة وأمة ومكان ليتأملوا بلا شفقة بل بكل شماته حال هذين النبيين بعد مقتلهما ، وكأنَّ الشر يريد أن يشفي غليله من هذين الشاهدين اللذين أقلقاه طوال الزمن السابق ، ومن فرط قساوة الشر فقد أبقى الجثتين ولم يدفنهما ثلاثة أيام ونصف وهذه المدة قد تكون زمناً حقيقياً أو مجازياً ... ولكنه زمن قصير . ومن مظاهر الشماتة ... أنَّ مملكة الشر بكل أفرادها يهنئون بعضهم بعضاً بمقتل النبيين ويرسلون الهدايا وكأنَّ ما حدث يمثل عيداً وانتصاراً لهم . لأنَّ هذين النبيين كانا قد عذَّبا الساكنين على الأرض : علة وسبب فرح العالم الشرير هو إنه استراح من التوبيخ والتبكيت والإنذارات التي حملها النبيان لهم بل أيضاً بعض الضربات التي أنزلاهما على العالم بسبب شره ( ع 6 ) .
+ وهكذا الأشرار في كل زمان ، فبدلاً من الإستجابة لإنذارات الله وتأديباته التي يرسلها على فم قديسيه وخدامه الأمناء ، كثيراً ما يريد الأشرار التخلص منهم لأنهم ينبهون الناس ويحاولون إبعادهم عن طريق الشيطان ، مثل ما حدث مع القديس " يوحنا المعمدان " و " ذهبيّ الفم " والبابا " أثناسيوس الرسولي " . فأرجوك يا إلهي إجعل قلبي دائماً طائعاً لصوتك خاضعاً له ... وانزع عنه كل قساوة ورفض وعناد .
ع 11 : بعد الفرح القصير الذي تمتع به الأشرار في شماتتهم ( ثلاثة أيام ونصف ) ، أعادهما الله للحياة بقوته وبشكل إعجازي ، وكما كانت قيامته المجيدة زلزلة لكل مملكة الشر هكذا أيضاً فقيامة النبيين الشاهدين سببت خوفاً عظيماً ورعباً على أركان العالم الشرير الذي كان يتأمل بعجرفة إنتصاره الزائف عليهما .
ع 12 : سمعا صوتاً من السماء : الله الذي يكرم أبناءه القديسين الأمناء يعلن إكرامه لهما فينادي عليهما بالصعود إلى السماء ، فصعدا إلى السماء على مثال صعود الرب نفسه في سحابة ( اع 1 : 9 ) ، وكما نظر التلاميذ صعود المسيح نظر الأعداء الأشرار صعودهما فكان نصراً وإكليلاً للنبيين وخزياً وعاراً لمملكة الشر .
+ أشكرك يارب لأنه وإن إنتصر الشر حيناً فإنَّ نهايته معروفة ، وإن بدا لنا أنَّ له سلطان على أبنائك فإنَّ يدك القوية تعطيهم قيامة ومجداً وتكريماً وإعلاناً لقداستهم حتى بعد موتهم مثل ما حدث مع كثير من الشهداء القديسين .
ع 13 : في تلك الساعة : أي لحظة صعود الشاهدين إلى السماء . زلزلة عظيمة : كناية عن إعلان غضب الله وسخطه على الأشرار والوحش . عُشر المدينة : أي أنَّ هذا كان إنتقاماً نسبياً من الله لكن الدينونة العامة لم تأتِ بعد . عند صعود الشاهدين إلى السماء يظهر الله شيئاً من غضبه على مملكة الشر ، فتحدث زلزلة عظيمة تهز أركانها وأساساتها ويسقط من الأشرار عُشر الناس ويقدِّرهم القديس يوحنا بسبعة آلاف ، والرقم هنا رمزي بالطبع ومعناه الكثرة النسبية لأنَّ السبعة والألف من أرقام الكمال . أسماء من الناس : تعني أنَّ الله في قضائه العادل يعلم تماماً لمن يوجه ضربته وكأنَّ هذا الإنتقام موجهاً لأناس معلومة بالإسم لدى الله . أعطوا مجداً : الخوف والرعب الذي إعترى الأشرار إنتزع منهم إعترافاً بقوة إله هذين الشاهدين فقدموا له تمجيداً وعرفوا أنه هو الإله الحقيقي .
ع 14 : كان الويل الأول هو ضربة الجراد ( ص 8 : 13 ) والويل الثاني حمل ضربة جيوش الفرسان ( ص 9 : 12 ) وكذلك ضربات النبيين الشاهدين ، وبنهاية قصتهما يعلن الوحي نهاية الويل الثاني ولكنه ينبهنا لوجود ويل ثالث .
(3) البوق السابع ( ع 15 - 19 ) :
ع 15 : كانت نهاية الحديث عن ملاك البوق السادس في نهاية الأصحاح التاسع واحتوى الأصحاح العاشر والحادي عشر حتى الآية السابقة أحداثاً إعتراضية ونعود الآن للملاك السابع والبوق الأخير . عندما بوَّق الملاك السابع أعلن في السماء بتهليل عظيم ، إشتركت فيه كل الخليقة السمائية ، نهاية الأحداث والضربات الغاضبة والمُؤدِّبة ، والآن جاء إعلان النصرة النهائية على مملكة الشر وصار العالم كله خاضعاً لسلطان الله الآب وإبنه الوحيد الذي أعلن بأصوات التمجيد بداية ملكه اللانهائي .
ع 16 ، 17 : الأربعة والعشرون قسيساً : ( راجع ص 4 : 4 ) . خر وسجد الأربعة والعشرون قسيساً كما فعلوا قبلاً ( ص 4 : 10 ) مقدمين التسبيح والشكر والإكرام ، وكان تسبيحهم في هذه المرة موضوعه تقديم الشكر على عمل الله في القصاص من مملكة الشر ودحضها ونشر مُلكه ، ورجوع العالم للإيمان وإعلان قدرة الله اللانهائية في صنع وتدبير كل هذا . أخذت قدرتك العظيمة : أي أنها كانت دائماً لك ولكنك أعلنتها في الوقت المناسب .
ع 18 : غضبت الأمم الشريرة وتألمت كنيستك زمناً بسببهم ، ولكن غضب الأمم لا يحسب أمامك شيئاً فغضبك هو ما يجب أن يخشاه الجميع وهو ما حدث وأتى بالفعل . زمان الأموات : أي زمن الأشرار ودينونتهم . تعطي الأجرة لعبيدك : أي المكافأة وميراث الملكوت . وقد شملت هذه المكافأة :
الأنبياء : أي من شهدوا وخدموا كلمة الله وأوصلوها وفسروها للناس . القديسين : كل من سار في مخافة الله محاولاً إرضائه بتنفيذ وصاياه . الخائفين إسمك : كل من وضع مخافة الله أمامه حتى لا يخطئ . الصغار والكبار : أي الجميع ممن تبعوك مهما كانت مكانتهم أو أعمارهم . أما من أتعبوا الأرض وأهلكوا الكثيرين بشرورهم فسيكون لهم بمثل ما صنعوا أي عدل الله يستوجب هلاكهم الأبدي .
ع 19 : إنفتح هيكل الله في السماء : أي أعلن مجد الله الكامل في الأبدية ويعني دخول الأبرار المؤمنين للتمتع بالوجود الأبدي معه . ظهر تابوت العهد : كان تابوت العهد يرمز دوماً للحضرة الدائمة لله في وسط شعبه ، وظهور تابوت العهد هنا معناه تأكيد لإنفتاح الهيكل وتمتع الجميع بهذه الحضرة والمثول الدائم أمام الله . حدثت بروق وأصوات ورعود وبرد عظيم : في هذا الجزء من الآية معنيان ، الأول يوضح أنَّ الوجود في الحضرة الإلهية هو حضور مهيب لأنَّ كل هذه الظواهر مرتبطة بالمجد الإلهي .
والمعنى الثاني هو أنَّ هيكل الله الذي يتمتع فيه أولاده بالوجود معه ، هو نفسه مصدر عدله وتصدر منه أحكامه وعقوباته للأشرار ، وهذا يتمشى مع كلمة " البرد " إذ كلما جاءت في الكتاب المقدس تحمل معنى العقوبة بالأكثر .
+ يا إلهي ما أجمل الوجود معك والتمتع بك في هيكلك السمائي .. وقد أعطيتنا أيضاً أن نقف بهيكلك المقدس في كنيستك هنا فنحسب كالقائمين في السماء وكأننا نحصل على عربون المجد الدائم الأبدي ... إجعلنا مستحقين يا سيدي أن نكمل أيام غربتنا الجسدية في مخافتك ورضاك حتى نتمتع بما أعددته لنا من قبل تأسيس العالم .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح