كلمة منفعة
غالبا ما تكون مشكلة الناس هي الوسائل لا الأهداف.كل إنسان يهدف بلا شك إلى سعادة نفسه، وغالبًا ما يهدف أيضًا إلى سعادة غيره. ولكن مشكلته الأولى. هي الوسائل التي يستخدمها للوصول إلى أهدافه.
— الوسائل
سفر رؤيا يوحنا 12
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني عشر
الشيطان يقاوم الكنيسة
مقدمة عامة : يشمل الإصحاحان الثاني والثالث عشر مشهداً لصورة الكنيسة وحروبها مع الشيطان في ثلاث صور ، الأولى منها مع التنين الذي كان أصله من السماء والثانية مع وحش طالع من البحر والثالثة مع وحش طالع من الأرض ، والمعنى العام للإصحاحين هو أنَّ حرب الشيطان للكنيسة حرب دائمة منذ ولادتها وفي كل مكان .
(1) مقاومة الشيطان ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : آية عظيمة : مشهداً وحدثاً عجيباً . إمرأة متسربلة بالشمس : الكنيسة الملتحفة بمسيحها ( شمس البر ) . القمر تحت رجليها : قد يرمز القمر هنا لأجساد وذخائر القديسين وقصص أتعابهم التي تقف عليها الكنيسة فتزداد بهاءً وجمالاً . على رأسها إكليل : الإكليل يرمز للمُلك والسلطان دائماً ... والإثنى عشر كوكباً ( أي الرسل تلاميذ المسيح الأطهار هم سلطانها وكرازتها وسر كهنوتها ) . والمعنى الذي يحمله العدد الأول جُملةً هو صورة مشرقة للكنيسة التي تعلن أنَّ سر قوتها هو إلتصاقها بالمسيح النور الحقيقي ، محمولة على إيمان وجهاد وضياء فضائل قديسيها ، وسلطانها في قوة سر كهنوتها المُسَلَّم من المسيح للرسل الأطهار بنفخته الطاهرة المقدسة . وهذه الإمرأة ترمز أيضاً للعذراء مريم وولدها المسيح كما تذكر تسبحة يوم الخميس في كنيستنا . وترمز أيضاً للنفس المحبة لله التي يحاربها الشيطان وتلد فضائل كثيرة بالمسيح .
ع 2 : تصرخ متمخضة : آلام الولادة الشديدة . الكنيسة منذ أيامها الأولى هي أم ناضجة قادرة على الولادة ، وآلامها تشير إلى جهادها الدائم في أن تلد " الله الكلمة " في قلوب أبنائها أو بمعنى آخر تلد أبناء أشداء في الإيمان .
ع 3 : آية أخرى : حدثاً آخر . تنين عظيم أحمر : إشارة إلى الشيطان في شره وشدته ودمويته . سبعة رؤوس : إشارة إلى قوة أفكاره وتعددها وتنوعها . عشرة قرون : القرن في الحيوان يمثل قوته في الهجوم وعشرة قرون معناها أنه يستخدم كل قوته وطاقاته . على رأسه سبعة تيجان : أي له سلطان على أولاده وجنوده ومن يتبعونه في العالم كله .
ع 4 : ذنبه : ذيله . يعتبر الذنب في بعض الكائنات هو أقوى ما فيها ( كالتمساح أو العقرب ) ، والآية هنا هي إستمرار لشرح قوة الشيطان فتصف ذيله بالقوة التي إستطاع بها إسقاط الملائكة التي تبعته عند سقوطه ، وذكر عدد الثلث إشارة لقوته من ناحية ولكن أيضاً أنَّ من تمكن من إسقاطهم هو عدد محدود إذ بقى الثلثان . وقف أمام المرأة : يعلن تحديه للكنيسة . يبتلع ولدها : الولد هنا إشارة مباشرة للسيد المسيح ذاته الذي تريد الكنيسة أن تلده في أبنائها والشيطان يتربص لميلاده حتى يقتل عمل الكنيسة في الكرازة بالمسيح .
ع 5 : المعنى هنا واضح ومباشر ولا يحتمل سوى شخص المسيح ذاته الذي أراد الشيطان أن يبتلعه بالموت فابتلع هو الموت ، وهو الذي تنبأ عنه داود " أعطيك الأمم ميراثاً .. فتحطمهم بقضيب من حديد " ( مز 2 : 9 ) . يرعى جميع الأمم : أي يقبل الجميع من كل مكان طالما آمنوا به وبوصاياه . عصا من حديد : توضح قوة سلطانه على أعدائه . أختطف إلى الله وإلى عرشه : إشارة إلى قيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب .
ع 6 : المرأة هربت : أي إبتعدت ونجت من أذى الشيطان . تجد الكنيسة راحتها في البرية بالبعد عن عالم الخطية حيث يعولها إلهها بالتمام ، كما أعال إيليا وأعال شعبه طوال الأربعين عاماً في برية سيناء ، والبرية أيضاً تشير إلى التقشف وزهد العالم وملذاته . فطالما كان الإنسان متجرداً مقلاً في احتياجاته ، إستطاع أن يبطل حروب الشيطان إذ تفقد الماديات سلطانها عليه . لها موضع معد : أي الله بسابق علمه أعد لها كل ما يلزمها طوال زمن غربتها عن العالم . ألفاً ومائتين ... : ترمز للزمن القصير الذي يعقبه الأبدية ( راجع ص 11 : 3 ) .
+ إلهي الحبيب ... إنَّ محبة العالم كثيراً ما تعطلنا وتعوقنا عن الإنطلاق إليك والتمتع بك ، طوباهم آباء البرية الذين تركوا كل شئ من أجلك ... ؛ أعطنا نحن أيضاً أن نترك ما يشغلنا عنك لنفوز أيضاً بصحبتك .
(2) طرد الشيطان من السماء ( ع 7 - 12 ) :
ع 7 - 9 : رأى الكثير من الآباء أنَّ هذا المشهد كله أي هذه الأعداد الثلاثة تتحدث عن أمور حدثت قبل خلقة الإنسان وبالتالي تكون هذه الحرب هي حرب أقامها رئيس الملائكة ميخائيل على الشيطان وكل أتباعه ممن أضلهم وتمكن ميخائيل من طردهم جميعاً ، لأنه لا يعقل أن يبقى الشيطان بعد سقوطه ماثلاً أمام الله ضمن خليقته النورانية . وأصحاب هذا الرأي يدللون عليه بما جاء في سفر أيوب عندما سأل الله الشيطان " من أين جئت فأجاب الشيطان من الجولان في الأرض " ( اي 1 : 7 ) ومعنى هذا أنَّ سلطان الشيطان صار قاصراً على الأرض بعد سقوطه وطرده . أما الرأي الآخر في التفسير فإنه يبعد عن تحديد زمن هذا المشهد ويعتبرون أنَّ ما رآه يوحنا هنا يمثل مساندة السماء للكنيسة ، في حربها ضد الشيطان في زمن غربتها فتنحسر قوة الشيطان جداً . والتعبير هذا معزي جداً للكنيسة فبالرغم من قوة التنين إلاّ إنه أضعف من رئيس الملائكة ميخائيل وملائكته . التنين العظيم : تعبير للدلالة على قوة الشيطان . الحية القديمة : وهو لقبه أيضاً بعدما إتخذ شكل الحية عندما أغوى آدم وحواء . الشيطان : أكثر الأسماء المعروف بها وهو بالعبرانية ومعناه " المخاصم أو الخصم " . إبليس : الإسم اليوناني له ومعناه " المشتكي " . الذي يضل العالم : وذلك بخداعه وتصديق الناس له على أنه " الكذاب وأبو الكذاب " ( يو 8 : 44 ) . طرح إلى الأرض : إشارة إلى أنَّ قوته محدودة ، أمام رئيس الملائكة ميخائيل الذي هزمه وطرده .
+ الله في محبته يسندنا في جهادنا بشفاعات الملائكة عنا ومساعدتهم لنا في كل أعمالنا . فليتنا نستغل هذه المحبة ونقيم صداقة معهم فنتقوى ونتقدم بثقة في حياتنا الروحية .
ع 10 : سمعت صوتاً عظيماً : إعلاناً جديداً بصوت مرتفع قام به أحد الملائكة . صار خلاص إلهنا : أي خلاص كل المؤمنين بإسمه ، ونسب الخلاص لله لأنه هو من قدمه للبشر . طرح المشتكي : أي طرح الشيطان خارجاً ( ع 9 ) . يشتكي عليهم : أي عمل الشيطان هو الشكاية وحسد أبناء الله ومقاتلتهم كما جاء في ( اي 1 : 11 ) . ليلاً ونهاراً : كناية عن مثابرة ونشاط الشيطان في الإيقاع بأبناء الله . بسقوط الشيطان من السماء وإنحساره في الأرض أعلنت الخليقة السمائية تمجيدها لله الآب ومسيحه أي إبنه الوحيد ، وهذا التمجيد عبارة عن شكر لله على نصرته وتدبيره للخلاص بإبنه الفادي وإعلان مُلكه وسلطانه الأوحد والأبدي .
ع 11 : هم غلبوه : أي تمت النصرة لأبناء الله . دم الخروف : أي دم المسيح المسفوك على عود الصليب والمقدم للعالم من أجل الخلاص . كلمة شهادتهم : أي الإيمان الذي قبلوه وكرزوا به وتألموا وربما إستشهدوا من أجله . يقدم هذا العدد سر نصرة أبناء الله المؤمنين ، فلقد إحتموا بدم المسيح المبذول عنهم من خلال إيمانهم بقوة وفاعلية هذا الدم للخلاص ومن خلال سر الإفخارستيا الذي يقدم لنا فيه المسيح دمه الكريم والأقدس ؛ وأيضاً صارت حياتهم تشهد للمسيح في كل التصرفات وفي احتمال آلام الإضطهاد مهما كانت ، ويقدم لنا القديس يوحنا عِلة إحتمالهم وتمسكهم ، وهي أنهم أحبوا إلههم المسيح أكثر من حياتهم فلم يهتموا بما يحدث لهم حتى لو كان الموت نفسه .
ع 12 : من أجل هذا : أي من أجل إعلان الخلاص وسلطان المسيح ( ع 10 ) ومن أجل نصرة أبناء الله ( ع 11 ) . وجهت الدعوة بالفرح والتهليل للخليقة السمائية بكل ما فيها من أجل الأحداث السابقة من طرح الشيطان إلى الأرض وانحساره وإعلان نصرة وسلطان المسيح وكذلك نصرة كل أبنائه من خلال قبولهم الإيمان بفاعلية دمه في الخلاص . ويل لساكني الأرض : أي تحذير لجميع السكان بالأرض من شدة ما هو آتي ... إذ علم الشيطان أنه له زمناً قليلاً قبل مجئ المسيح الثاني وإعلان الدينونة العامة ، صار غضب فشله عظيماً مثل الحيوان الجريح ولهذا فهو مزمع أن يصب غضبه على الكنيسة في حروب متنوعة وشديدة .
(3) الحرب على الكنيسة الأرضية ( ع 13 - 17 ) :
ع 13 ، 14 : حدث بالضبط ما تم الإنذار به في العدد السابق ( ع 12 ) ، ولكن الله بنعمته أعطى الكنيسة جناحين تستطيع بهما الإرتفاع فوق كل حروب الشيطان " منتظرو الرب يجددون قوة يرفعون أجنحة كالنسور " ( اش 40 : 31 ) ، وهذان الجناحان هما موضع تأملات الكثير من الآباء ، فمنهم من رأى :
أ) أنهما العهدان ( القديم والجديد ) اللذان يرتفع الإنسان بهما إلى سموات التأمل الشاهقة .
ب) أو أنهما الإيمان والأعمال اللذان هما جناحا الخلاص والوصول إلى الملكوت .
ج) أو هما أعظم الوصايا في محبة الله من كل القلب ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان .
د) ومنهم من رأى أيضاً أنهما جناحا الصلاة والصوم النقيان اللذان تستقيم بهما عبادة الله .
تطير إلى البرية حيث تُعَال : راجع ( ع 6 ) . زماناً وزمانين ونصف : مثل ما جاء في ( ع 6 ) أيضاً مع اختلاف التعبير ، فكلمة زمن تعني سنة فيكون المعنى ( سنة + سنتين + نصف سنة ) أي ثلاث سنوات ونصف أو ألف ومائتان وستون يوم ... وقد تكرر هذا الزمان مراراً ويعني دائماً مدة محدودة إذ هو نصف رقم السبعة الدال على الكمال ... والمعنى المراد جملة هو أنَّ الكنيسة ستكون محفوظة في البرية التي أعدها لها الله طوال زمن اضطهادها القصير نسبياً مقارنةً بأزمنة المجد في الأبدية .
ع 15 : في حرب جديدة لإغراق الكنيسة في العالم أخرج الشيطان من فمه ماءً كثيراً " كنهر " وهذه المياه تشير إلى جموع العالم الشريرة الكثيرة التي تريد أن تحمل الكنيسة من البرية حيث موضوع إعالتها وعناية إلهها وتجتذبها إلى العالم وشهواته ، فالشيطان يعلم تماماً أنَّ الكنيسة إذا تركت بريتها ( ع 6 ) فقدت كل قوتها .
ع 16 : أعانت الأرض المرأة : أي الله بقدرته جعل من ساكني الأرض من يقفون أمام الشيطان ويدافعون عن كنيسته . رأى البعض أنَّ هذا النهر ( ع 15 ) هو نهر الإضطهاد اليهودي والروماني ، أما المعونة التي أتت من الأرض فكانت إيقاف هذا الإضطهاد بمرسوم الملك قسطنطين واعتبار المسيحية أحد الأديان المعترف بها في الدولة الرومانية القديمة . أما المعنى الروحي العام فهو أنَّ الكنيسة محفوظة في تدبير الله طوال زمن غربتها على الأرض والله بقدرته قادر على أن يقيم من مقاوميها مدافعين عنها فيبدد كل حروب الشيطان الشرير .
ع 17 : إستمر غيظ الشيطان من فشل محاولاته ، ولكن هذا الغضب لم يثنه عن الإستمرار في الحرب مع أبناء الله والكنيسة وخاصة هؤلاء المتمسكين بحفظ وصايا المسيح والعمل بها .
+ أشكرك ياربي يسوع المسيح إذ أعلنت لنا سر نصرة الكنيسة ونصرتنا معها ، فقوتنا هي في إعالتك وغذاءك الروحي المقدم لنا في البرية ، التي إن تركتها الكنيسة تخسر معها كل شئ ، وإذ تمسكت بها ، أبطلت كل حروب العدو الشرير وانتصرت عليه . أشكرك على هذه الآيات المشجعة للنفس في جهادها طوال زمان غربتها .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح