كلمة منفعة
إن كلماتك كثيرًا ما تحدد علاقاتك بالناس..بكلمة يمكنك أن تفرح إنسانا، وبكلمة يمكن أن تحزنه، وتغضبه، وتثيره، وتحوله إلى عدو!
— الكلمة الحلوة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 11 الرؤيا الإصحاح رقم 11 الأصحاح الحادى عشر : إرسال النبيين برز في هذا الأصحاح اهتمام الله بإرسال الشاهدين لمقاومة ضد المسيح 1. إحصاء المؤمنين 1 - 2 . 2. إرسال النبيين 3 - 14 . 3. البوق السابع 15 - 19. 1. إحصاء المؤمنين ثم أُعطيت قصبة شبه عصا، ووقف الملاك قائلاً لي: قم وقس هيكل الله والمذبح والساجدين فيه. وأما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجًا ولا تقسها، لأنها قد أعطيت للأمم، وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهرًا" [1-2]. سينادي ضد المسيح بنفسه إلهًا "حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنه إله" (2 تس 2: 4)، وسيأخذ مدينة أورشليم "المدينة المقدسة" مركزًا لبث أفكاره الشيطانية. ويرى القديس كيرلس الأورشليمي أن اليهود الأشرار يتقبلونه مسيحًا لهم، ويتعبدون له، ظانين أنه يقدر أن يبني لهم هيكل سليمان ويعيد إليهم مجدهم القديم، منخدعين وراءه بسبب الآيات والعجائب التي يصنعها. وسينخدع وراءه أيضًا بعض المسيحيين الذين ينتظرون ملكوتًا أرضيًا، فيحسبونه السيد المسيح جاء ليملك على الأرض الماديّة. لهذا يحذرنا الرب قائلاً: "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا" (مت 24: 23). وهنا يطمئنا الرب يسوع أن أولاد الله الحقيقيين الذين تعلقت نفوسهم بالرب منتظرين ملكوتًا أبديًا سماويًا، هؤلاء محفوظون ومعروفون لديه. لقد سبق أن أعطى لحزقيال قصبة قياس (حز 40: 5)، وهنا أخذ الرائي قصبة شبه عصا، أيّ قصبة قويّة وثابتة ليقيس أولاد الله "هيكل الله"، هؤلاء الذين يسجدون بالروح والحق ليس ابتغاء مجد زمني مادي، بل حياة أبديّة خالدة مع ربنا يسوع. أما الذين هم خارج الهيكل، أيّ غير المؤمنين، فلا يقسهم، لأن برفضهم السكنى مع الله لا يعرفهم الرب كأبناء أخصاء. ويرى الأسقف فيكتورينوس أن الهيكل يشير إلى المؤمنين الثابتين في الكنيسة، والدار الخارجية هم الخارجون عن الكنيسة. أما مدة الاثنين والأربعين شهرًا فهي المدة التي يضلل فيها المُخادع "ضد المسيح". 2. إرسال النبيين "وسأعطي لشاهديَ فيتنبآن ألفًا ومائتين وستين يومًا لابسين مسوحًا" [3]. في الوقت الذي فيه يظلم العالم بسبب مجيء ضد المسيح وانتشار أضاليله، يرسل الله شاهديه "إيليا وأخنوخ" اللابسين مسوحًا، الزاهدين في أمور هذا الزمان، ليُقاوما ذاك الذي يُنَصِّب نفسه ملكًا وهو مترفه مع أتباعه. وقد نادى الآباء الأولون بأن الشاهدين هما إيليا وأخنوخ وفي مقدمتهم يوستينوس الشهيد وهيبوليتس وأغناطيوس النوراني والعلامة ترتليان وأغسطينوس ومار أفرام السرياني والأب يوحنا الدمشقى. يقول الأسقف هيبوليتس: [إنه لأمر طبيعي أن يظهر أولاً (قبل الدينونة) سابقاه كما قال على لسان ملاخي: "أٌرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن" (4: 5-6)]. يقول العلامة ترتليان "لقد انتقل أخنوخ (تك 5: 24، عب 11: 5) وأيضًا إيليا (2 مل 2: 11) دون أن يذوقا الموت. لقد أُرجئ موتهما إذ هما محفوظان ليحتملا الموت حتى أنه بدمهما يسحقا ضد المسيح" (رؤ 11: 13). هكذا يهب لهما الرب روح النبوة "فيتنبآن" وتكون لهما القدرة على صنع المعجزات والوعظ ومحاورة ضد المسيح وشيعته. أما فترة شهادتهما فهي 1260 يومًا إلى يوم إستشهادهما. أما فترة ضد المسيح فهي 42 شهرًا أو ثلاث سنين ونصف أيّ 1278 أو 1279 يومًا، فيبقى 18 أو 19 يومًا بين إستشهادهما وموت ضد المسيح وانتهاء مملكته. أما النبيان فيصفهما الوحيّ هكذا: 1. صانعا السلام: "هذان هما الزيتونتان" [4]، إذ يشير الزيتون إلى السلام والبناء، لا إلى التخريب والهدم. فكما جاءت حمامة نوح معلنة بغصن الزيتون نهاية الطوفان هكذا يعلن الروح القدس خلال الشاهدين عن حفظه للكنيسة وفرحها الداخلي وسلامها الذي لن يُنزع من قلبها. وكما حمل الشعب أغصان الزيتون متهللين بالرب داخل أورشليم ليُذبح عن عروسه، هكذا يتقدم إيليا وأخنوخ كغُصني زيتون تتهلل بهما الكنيسة المنتصرة التي تُذبح من أجل عريسها. 2. شاهدان للنور الحقيقي: "المنارتان القائمتان أمام رب الأرض" [4]. في شهادتهما له لا يفارقهما الرب بل يكونان على الدوام قائمين أمامه. وهذا يعطيهما الشجاعة والحكمة في خدمتيهما. يكونان كمنارتين، ونحن نعلم أن المنارة كانت في الهيكل تُضاء بالزيت الذي يشير إلى الروح القدس. هكذا لا يشهد إيليا وأخنوخ من ذاتهما، بل ينير فيهما الروح القدس روح أبيهم الذي يتكلم فيهما (مت 10: 20). أنهما بروح الرب يُعينان الكنيسة في عملها الإلهي، أيّ الشهادة للرب. فنتأكد من وعد الرب أنه ليس بالقدرة ولا بالقوة لكن بروحه (زك 4: 6) تشهد له. 3. غيوران: "وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما، تخرج نار من فمهما، وتأكل أعداءهما، وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما فهكذا لابد أنه يُقتل" [5]. هذا يذكرنا بما صنعه إيليا مع قائديّ الخمسين وجنودهما حين طلب نارًا من السماء فأحرقتهم (2مل 1: 10-12). سيتكلم الشاهدان بكلمة الله النارية التي تحرق قش البدع والهرطقات التي يبثها ضد المسيح وأتباعه، وذلك كوعد الرب لإرميا النبي: "أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخرة؟" (إر 23: 29)، "هأنذا أجعل كلامي في فمك نارا وهذا الشعب حطبًا فتأكلهم" (إر 5: 14). هكذا تتسلح الكنيسة دومًا بكلمة الله الناريّة التي تحرق في داخلنا قش الخطيّة وتبدد أيضًا كل قوات إبليس وتلاشي كل ظلمة. 4. يصنعان معجزات: "هذان لهما السلطان أن يغلقا السماء، حتى لا تمطر مطرًا في أيام نبوتهما. ولهما سلطان على المياه، أن يُحوِّلاها إلى دم، وأن يضربا الأرض ضربة كلما أرادا" [6]. يهبهما الله سلطانًا واسعًا لا كإبراز قوة أو سلطان، لكن لأجل رد النفوس وخلاص الذين انحرفوا وراء ضد المسيح. إنهما يصنعان ما فعله إيليا مع الشعب المرتد إلى عبادة الأصنام (1 مل 17-18) وما صنعه موسى بسبب قسوة فرعون. شهادتهما "ومتى تمما شهادتهما، فالوحش الصاعد من الجحيم سيصنع معهما حربًا، ويعذبهما ويقتلهما" [7]. الحرب قائمة طوال مدة شهادتهما، والرب حافظهما. وفي الوقت المحدد الذي يرى فيه أنهما قد تمما رسالتهما، وبقي أن يثبتاها بالاستشهاد، يسمح لضد المسيح الصاعد من الجحيم إذ يسكنه إبليس أن يغلبهما ويقتلهما. وفى قتلهما لا تموت شهادتهما بل تتأكد أكثر فأكثر، لأنهما شهدا للحق حتى الموت. وفى قتلهما تستكين نفوس المجدِّفين ظانين أنه قد مات اللذان كانا يعذبان ضمائرهم وقلوبهم بكلمة الحق. "وتكون جثتاهما على شارع المدينة العظيمة، التي تدعى روحيًا سدوم ومصر حيث صلب ربنا أيضًا" [8]. يستخدم ضد المسيح حيلاً شيطانيّة للتنكيل بهما فيترك جثتهما في الشارع لمدة ثلاثة أيام ونصف. وجاء النص اليوناني "جثتاهما" بصيغة المفرد، إشارة إلى أن ما يحدث بجثتيهما ليس عن عداء شخصي بل هو عداء ضد الكنيسة الواحدة، فإذ عملا بروح واحد نالا نصيبًا واحدًا، هو نصيب الشاهد الأمين للحق أن يُهان ويُرذل من الأشرار. لكن الله يحوِّل الشر إلى خير، فيجعل من هذا التصرف الصبياني فرصة لإعلان شهادتهما حتى يتمجد فيهما بعد قليل. والعجيب أن شهادتيهما تكونان في أورشليم التي تمتعت بوجود الرب بالجسد، فإنها: 1. تُدعى عظيمة لا في قداستها، لكن في الشر الذي يبثه ضد المسيح هناك. 2. تُدعى روحيًا سدوم، إشارة إلى شدة انحطاطها وفسادها (إش 1: 10)، ومصر بسبب القسوة التي أظهرها فرعون. 3. وهي التي صلب فيها ربنا، فإذ سبق أن احتقرت الرب، ها هي تحتقر أولاده. "وينظر أناس من الشعب والقبائل والألسنة والأمم جثتيهما ثلاثة أيام ونصف، لا يدعون جثتيهما توضعان في قبور. ويشمت بهما الساكنون على الأرض، ويتهللون ويرسلون هدايا بعضهم لبعض، لأن هذين النبيين كانا قد عذَّبا الساكنين على الأرض" [9-10]. إنهم يهينون جثتيهما بتركهما منظرًا للشماتة. وإذ يكون في مملكة ضد المسيح مندوبون من كل الشعوب والقبائل والألسنة والأمم في مدينة أورشليم مركز بث أفكاره الشيطانية، يسرعون بالتطلع إليهما في شماتة، ويمتلئ قلب الأشرار تهليلاً وتشفيًا لأنه كان معذبًا بتوبيخهما. ستستكين قلوبهم ويتبادلون الهدايا والتهاني، ولكن إلى حين! إقامتهما وصعودهما "ثم بعد الثلاثة أيام والنصف دخل فيهما روح حياة من الله، فوقفا على أرجلهما، وقع خوف عظيم على الذين ينظرونهما" [11]. لا يقوما بسلطانهما الشخصي، لأنهما مخلوقان عاديان، وليس كالإله المتجسد الذي له سلطان أن يضع نفسه وأن يقيمها، بل ذاك الذي سمح باستشهادهما وترك الناس يشمتون فيهما حوَّل هذا لتأكيد رسالتيهما، إذ وهب لهما "روح حياة". هذا العمل أعاد الرجاء في النفوس التي خارت وانحرفت، لأن رجاء الكنيسة المفرح يتركز في القيامة (1تس 4: 16-18) إذ تختم دستور إيمانها بالقول: "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي". بهذا العمل تترنم الكنيسة قائلة "عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح الترنم" (مز 30: 5). لكن لكي لا يجترئ أحد فيظن أنهما يقومان بفعل شيطاني، سمع الواقفون "صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً لهما: اصعدا إلى ههنا. فصعدا إلى السماء في السحاب،ة ونظرهما أعداؤهما" [12]. وزاد التأكيد بأنه "في تلك الساعة حدثت زلزلة عظيمة، فسقط عُشر المدينة، وقٌتل بالزلزلة أسماء من الناس سبعة آلاف، وصار الباقون في رعبةٍ وأعطوا مجدًا لإله السماء" [13]. تؤكد الزلزلة سمائيّة رسالتهما، ويشهد بذلك بقية الناس الذين لم يُقتَلوا بالزلزلة، لكنهم للأسف لا يتوبون، بل يرهبون ويعطون مجدًا "لإله السماء" دون أن يقبلوه "إلهًا لهم". سيشهدون له، لكنهم لا يريدون الانتساب إليه، يعرفون قوته، لكنهم لا يختبرونها، يرهبونه لكنهم لا يحبونه. بهذا يختتم الشاهدان رسالتيهما، وقد بقي لنا أن نعرف عنهما: أولاً: أنهما اثنان لأنه "على فم شاهدين تقوم كل حجة". ثانيًا: جاءا بروح السيد المسيح فاديهما، متمثلين به في أمور كثيرة: 1. أن مدة خدمتهما حوالي ثلاث سنين ونصف، وهي مدة خدمة السيد المسيح العلنية. 2. صلب الرب من أجل الحق، ووهب لهما أن يستشهدا في نفس المدينة. 3. قام الرب بسلطانه ووهب لهما "روح حياة" لتأكيد رسالتهما. 4. صعد الرب أمام الكنيسة ليعلق قلبها بالسماء، لأنه حيث يكون الرأس تكون الأعضاء أيضًا، أما النبيان فيصعدهما الرب والكنيسة كلها مشتتة في البراري، لكنه يصعدهما أمام أتباع ضد المسيح والمنحرفين لكي يبكتهم. 5. عند صلب الرب حدثت زلزلة، فقام قديسون في المدينة فرحين متهللين بالخلاص. وعند إصعاد الشاهدين تحدث زلزلة يموت فيها عُشر الناس المعروفين بغلاظتهم لتقديم فرصة لتوبة البقية. وهكذا يكون "الويل الثاني مضى، وهوذا الويل الثالث يأتي سريعًا" [14]. 3. البوق السابع: مجيء الرب للدينونة يُعلن البوق الأخير عن الأحداث الأخيرة الخاصة بمجيء ربنا يسوع على السحاب، أيّ بعد ضد المسيح مباشرة. "ثم بوق الملاك السابع، فحدثت أصوات عظيمة في السماء، قائلة، قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه، فسيملك إلى أبد الآبدين. والأربعة والعشرون قسيسًا الجالسون أمام الله على عروشهم خروا على وجوههم وسجدوا له، قائلين: نشكرك أيها الرب الإله القادر على كل شيء، الكائن والذي كان والذي يأتي، لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت. وغضبت الأمم، فأتى غضبك وزمان الأموات ليدانوا، ولتعطى الأجرة لعبيدك الأنبياء والقديسين والخائفين اسمك، الصغار والكبار، وليهلك الذين كانوا يُهلكون الأرض" [15-18]. ما أن ارتفع إيليا وأخنوخ حتى سادت السماء أناشيد النصرة التي لا يكف الأربعة وعشرون قسيسًا وكل السمائيّين عن التسبيح بها. لقد بلغت مقاصد الله غايتها، وكل شيء قد تم لكي يظهر الرب منتصرًا بعد ما تزول السماء والأرض الماديتان، لهذا نطق الأربعة والعشرون قسيسًا بتسبحة الشكر، كما ينطق الأربعة المخلوقات الحية بالشكر أيضًا (رؤ 4: 9). لهذا لا تكف الكنيسة عن أن تعلمنا "تسبحة الشكر" في كل وقت وفى كل مناسبة، فنصلي بصلاة الشكر في صلواتنا الفردية والعائلية والكَنََسيّة، في القداسات، وفى الأفراح وفى الأحزان، وبهذا نتدرب على لغة السماء "التسبيح والشكر"! والعجيب في التسبحة المذكورة أنها تنسب للرب على ما يهبنا إياه، فإذ ننال نحن القدرة العظيمة ونملك معه إلى الأبد، تسبحه الملائكة: "لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت". والجميل أيضًا أن الله يجازي خائفيه "الصغار والكبار"، مبتدئًا بالصغار (مز 115: 13)، إذ هو لا ينسى أحدًا! أما غضبه على الأشرار وإهلاكه لهم فليس إلاّ ثمرة طبيعية لفعلهم الذي يرتد عليهم إذ "كانوا يهلكون الأرض". ليس في الله بغضة ولا حب انتقام بانفعالات بشريّة، لكنه في عدله يترك الأشرار فيهلكهم شرهم الذي اختاروه وأحبوه وارتبطوا به. منظر آخر "وانفتح هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله" كلمة "هيكل" في اليونانية تعني هنا "قدس الأقداس"، الموضع الذي لا يدخله إلاّ رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة. لأول مرة ينفتح بيت العرس ويدخل الإنسان ليرى الله وجهًا لوجه في كمال أمجاده وعظمته، ويرى تابوت عهد الرب، أيّ يدرك وجود الله في أروع صورة. ويبقى هناك متأملاً هائمًا من لحظة إلى لحظة - إن صح التعبير - كأنه لأول مرة يراه ويبقى هكذا إلى الأبد. ليقف القلم وليبكم اللسان ولتنتهِ التعبيرات، ولنتأمل وعد الله الأمين، أن ندخل إلى فرح سيدنا ويكون لنا الله إلهًا، ونحن نكون له أبناء. هذا هو الجانب المُفرح للدينونة، أما بالنسبة لدينونة الأشرار فيقول: "وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزلة وبرد عظيم" [19]. إنها ثورة عارمة يراها الأشرار ويلمسونها بسبب شرِّهم وإثمهم فلا يطيقونها. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر نسمع هنا فى آية (7) ولأول مرة عن الوحش الصاعد من الهاوية، ثم نعود ونسمع عنه فى إصحاحات (17،13) بالتفصيل. وهذا الوحش هو ما نسميه ضد المسيح، وأسماه بولس الرسول إنسان الخطية (2تس3:2) وهذا الوحش سيقاوم الله، بل يجلس فى هيكل الله كإله مظهرا نفسه أنه إله (2تس4:2) وهذا سيبطله المسيح بمجيئه ويبيده (2تس8:2) وهذا الوحش سيكون مكان عمله أورشليم، وسيخدع الناس ويضطهد الكنيسة إضطهادا مرا. ولكن الله لن يترك نفسه بلا شاهد، بل سيرسل شاهدين هما غالبا إيليا وأخنوخ ليشهدا لله وسيكون مكان خدمتهما فى أورشليم نفسها مركز عمل الوحش. هنا نجد يوحنا قد بدأ كما أوصاه السيد المسيح يتنبأ على شعوب وأمم وألسنة وملوك كما سمعنا فى (رؤ11:10)هنا بدأ يوحنا يكشف ما سمعه وتذوقه من السفر الصغير. كان الإسم الأول لمدينة أورشليم (وأورشليم تعنى نور السلام) هو يبوس وتعنى يدوس (أى4:11). وكان هذا وقت أن كانت فى ايدى الأمم (اليبوسيين) سكان الأرض، قبل أن يأتى داود وياخذها منهم. وصارت بعد داود مدينة أورشليم التى ظهر فيها السيد المسيح وأتم فداءه للبشرية فظهر منها نور السلام. لكن للأسف ستصبح ثانية مدوسة من الأمم أى ضد المسيح وأتباعه، ويتخذها ضد المسيح مركزا لبث أفكاره الشيطانية. وغالبا فاليهود ذوى الأفكار الضيقة الذين يريدون ان يبنوا لهم هيكلا يقدمون فيه ذبائح حيوانية إنتهى عهدها بمجىء المسيح الذبيحة الحقيقية هؤلاء اليهود هم الذين سيقبلون ضد المسيح على أنه المسيح، فهم مازالوا حتى الآن ينتظرون مجىء المسيح. فإذا أتى هذا بخداعاته الشيطانية سيقبلونه. وهذا ما قاله لهم المسيح بنفسه "إن أتى آخر بإسم نفسه فذلك تقبلونه" (يو43:5). وقد يبنى اليهود لهم هيكلا فى أورشليم يقولون أنه بإسم الرب، ويكون مركزا للوحش ولكن الله لن يقبل بعد فداء ابنه عبادة تقدم فيها ذبائح دموية . ولن ينخدع وراءه اليهود فقط بل كل المسيحيين الذين يجهلون الكتاب المقدس (مت23:24) "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا" ولكن المسيحيين الحقيقيين لن ينخدعوا بهذا الوحش ولا بخداعاته، حقا سيعانون من الإضطهادات، ولكن الله لن يتركهم بدون معونة، بل سيرسل لهم الشاهدين ليثبتوا إيمانهم ويشددونهم. آية (1):- "1ثُمَّ أُعْطِيتُ قَصَبَةً شِبْهَ عَصًا، وَوَقَفَ الْمَلاَكُ قَائِلاً لِي:«قُمْ وَقِسْ هَيْكَلَ اللهِ وَالْمَذْبَحَ وَالسَّاجِدِينَ فِيهِ." هَيْكَلَ اللهِ وَالْمَذْبَحَ وَالسَّاجِدِينَ فِيهِ = هو ليس هيكل اليهود أو هيكل سليمان فى أورشليم، ففى وقت رؤيا يوحنا، كان هذا الهيكل قد تم تخريبه فتيطس هدم هذا الهيكل سنة 70 م ورؤيا يوحنا كانت حوالى سنة 95 م . إذاً الهيكل المشار إليه هنا فى هذه الآية له مفهوم روحى أو هو كيان روحى. وكلمة هيكل هنا لا تشير للهيكل كله بل لما يقال له البيت أى الجزء المقدس من الهيكل وهذا إشارة للمؤمنين الحقيقيين، فبولس أطلق إسم هيكل الله على المؤمنين (1كو16:3) وكذلك بطرس (1بط5:2). والمذبح هو رمز للصليب الذى قبله المؤمنون بالمسيح، هؤلاء الذين صلبوا أهوائهم مع شهواتهم وقبلوا الإضطهاد لأجل المسيح هؤلاء المؤمنون الحقيقيون قال عنهم السيد المسيح أنهم الساجدون بالروح والحق (يو23:4). قِسْ= القياس معناه الحيازة والإمتلاك، فهؤلاء المؤمنون هم شعب المسيح، هم جسده ولن يتركهم بل يحميهم إذ هم فى يده (يو12،11:17) + (رؤ16:1) + (أش16:49) والقياس معناه أن الله يعرف المؤمنين واحدا واحدا بأسمائهم ويحفظهم. ويعرف نوعية سجودهم وعبادتهم وهل هى من القلب أم لا. شِبْهَ عَصًا = أى قصبة قوية وثابتة، والقياس غير مهتز، فالذين يقيسهم يوحنا معروفون لدى الله ( عددهم معروف رمزياً هم 153 سمكة ) . هم مؤمنين عابدين لا يطلبون ماديات هذا العالم. والله قادر أن يحميهم من ضلالات ضد المسيح. والقياس عموما يستخدم فى تقسيم الأرض للميراث. وفى هذا قال المرنم "الرب هو نصيب ميراثى. حبال المساحة وقعت لى فى أرض عزيزة، وإن ميراثى لثابت لى" (مزمور 6،5:16). بحسب ترجمة الأجبية أى الترجمة السبعينية " والمرنم يقصد أنه فى التقسيم بالحبال للقياس (والعصا أثبت من الحبل)، كان الله نصيبه. ومن هنا نفهم أن قول الله ليوحنا قس هيكل الله أن هؤلاء المؤمنين هم ميراث الله، الذين يفرح بهم الله. وهذا ما قاله بولس الرسول " لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه فى القديسين" (أف18:1) هؤلاء هم نصيب الرب. آية (2):- "2وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْهَيْكَلِ، فَاطْرَحْهَا خَارِجًا وَلاَ تَقِسْهَا، لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلأُمَمِ، وَسَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا." الدَّارُ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْهَيْكَلِ = هذه ترمز لمن ساروا وراء الوحش طالبين ملذات هذا العالم وشهواته. هؤلاء هم الخارجون عن الكنيسة. لاَ تَقِسْهَا = هذه مثل " إذهبوا عنى لا أعرفكم" (مت23:7) فهم حين رفضوا المسيح الحقيقى لن يعرفهم الرب كأبناء أخصاء له. فَاطْرَحْهَا خَارِجًا = هذه تعنى رفض السماء لهم. لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلأُمَمِ = كما أطلق الوحى لفظ الهيكل على المؤمنين أطلق لفظ الأمم على المرفوضين. فالأمم قبل المسيحية كانوا مرفوضين من الله لنجاساتهم ووثنيتهم وهؤلاء سيكون لضد المسيح سلطان عليهم ويضللهم بضلالاته، وهم سيتبعونه. سَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ = هذه متفقة مع نبوة المسيح (لو24:21) وهذه تعنى مدة سيادة ضد المسيح على أورشليم وعلى الأمم، ولكنها سيادة مؤقتة محددة بمدة اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا = أى 3.5 سنة. وهذه نفس المدة التى عبر عنها دانيال بقوله زمان وزمانين ونصف زمان. والمقصود بـ 3.5 سنة أنها نصف رقم 7. ورقم 7 هو رقم كامل، أى أن وضع الدجال أو الوحش وسيادته هو لمدة مؤقتة، وإنتصاره مؤقت (دا7:12) وهذه المدة ال 42 شهرا هى نفس فترة هروب المرأة للبرية كما سيأتى فى (رؤ6:12). الآيات (3-4):- "3وَسَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ، فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لاَبِسَيْنِ مُسُوحًا». 4هذَانِ هُمَا الزَّيْتُونَتَانِ وَالْمَنَارَتَانِ الْقَائِمَتَانِ أَمَامَ رَبِّ الأَرْضِ." الله لا يترك نفسه بلا شاهد (أع17:14) لذك فالله لن يترك الوحش دون مقاومة، بل سيرسل له فى عقر داره شاهدين، فبحسب الشريعة فالشهادة تكون بفم إثنين والشاهدين هما غالبا إيليا وأخنوخ. فإيليا وأخنوخ لم يموتا بعد بل إختطفا حيين إلى السماء. ونحن نعلم من نبوة ملاخى أن إيليا سيأتى قبل أن يأتى المسيح (ملا5:4). والِشَاهِدَيّنَ يَتَنَبَّآنِ = أى يعظان عن المسيح الحقيقى، ويكلمان المؤمنين وغير المؤمنين عما سيأتى من أحداث ويكشفا كذب الوحش. أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا = ونلاحظ أن مدة ال 42 شهرا هى 1278 او 1279 يوما. وبهذا الفارق بين موت الشاهدين ونهاية الأيام 18 أو 19 يوما. لاَبِسَيْنِ مُسُوحًا = كما كان إيليا والأنبياء يفعلون، والمعنى أنهما لن يطلبا أمجاد هذا العالم، بل سيكونا زاهدين فى أمور هذه الدنيا، ليقاوما ذاك الذى ينصب نفسه ملكا متمتعا بما فى هذا العالم من رفاهية وملذات حسية. الزَّيْتُونَتَانِ = راجع (زك11:4-14) حيث تقرأ عن الزيتونتان وهما زربابل ويشوع اللذان قاما ببناء هيكل الرب، وهنا نسمع عن زيتونتان أخريان عملهما الحفاظ على هيكل الرب (رد النفوس الضالة وتثبيت النفوس المؤمنة). وشجرة الزيتون نحصل منها على الزيت رمز الروح القدس، فهذين الشاهدين مملوئين من الروح القدس، وكل كلمة ينطقان بها هى بإرشاد منه، وكذلك كل قوتهما مستمدة منه. كما قيل فى (زك6:4). "لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحى قال رب الجنود". والشاهدين سيدعوان العالم ليعرف المسيح تاركا الوحش ومن يستجيب يؤمن بالمسيح ملك السلام سينعم بالسلام الداخلى. الْمَنَارَتَانِ = بوعظهما وتعليمهما وحياتهما والنعمة التى فيهما سيكونان نورا للعالم،يشهدان لله. وهما يستمدان نورهما من زيت النعمة الذى يملأهما، أليسا هما زيتونتان أى مملوئان من زيت النعمة (كانت الإضاءة فى ذلك الوقت تتم عن طريق منارة مملوءة زيتا ولها فتيل يتم إشعاله). آية (5):- "5وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَهُمَا، تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ فَمِهِمَا وَتَأْكُلُ أَعْدَاءَهُمَا. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَهُمَا، فَهكَذَا لاَ بُدَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ." هذا ما فعله إيليا قبل ذلك. والمعنى أن الشاهدين سيكون لهما قوة جبارة. آية (6):- "6هذَانِ لَهُمَا السُّلْطَانُ أَنْ يُغْلِقَا السَّمَاءَ حَتَّى لاَ تُمْطِرَ مَطَرًا فِي أَيَّامِ نُبُوَّتِهِمَا، وَلَهُمَا سُلْطَانٌ عَلَى الْمِيَاهِ أَنْ يُحَوِّلاَهَا إِلَى دَمٍ، وَأَنْ يَضْرِبَا الأَرْضَ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ كُلَّمَا أَرَادَا." نصفها الأول فعله إيليا من قبل والنصف الثانى فعله موسى فى مصر. ولكن بسبب أن فى سلطانهما أن يحولا الماء إلى دم كما فعل موسى، قال البعض أن الشاهدين هما إيليا وموسى وهذا لا يعقل، فموسى مات والكتاب يشهد على موته، فما معنى أن يقوم ليموت ثانية، وبولس الرسول يقول "وضع للناس أن يموتوا مرة" (عب27:9). إذا لا معنى أن يموت موسى مرتين. الأكثر منطقا أن يكون الشاهدين هما إيليا وأخنوخ اللذان لم يموتا حتى الآن، لأنهما متى تمما خدمتهما سيموتا (آية 7). ونلاحظ أن الشاهدين سيكون لهما قوة غير عادية وسيقوما بعمل معجزات غير عادية، فهما أمام قوة شيطانية جبارة، ولابد لمقاومتها من قوة غير عادية يعطيها الله لهما. فأولا : الله لا يبقى نفسه بلا شاهد. وثانيا: كما يقول بولس الرسول "حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدا" (رو20:5). وقد تكون النار التى تخرج من فمهما نارا حقيقية وقد تكون قوة إقناع بفساد الوحش ومن يتبعه. هما سيكون لهما سلطان عظيم فى عقوبة الأشرار حتى يمكن أن يقنعوا البسطاء الجهال. وقد يكون تحويل الماء لدم حقيقى ليعطش الناس فيعودوا لله. آية (7):- "7وَمَتَى تَمَّمَا شَهَادَتَهُمَا، فَالْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ سَيَصْنَعُ مَعَهُمَا حَرْبًا وَيَغْلِبُهُمَا وَيَقْتُلُهُمَا." الْوَحْشُ الصَّاعِدُ مِنَ الْهَاوِيَةِ = أى بقوة الشيطان الذى من الهاوية بعد أن تم حله (رؤ3:2). يَغْلِبُهُمَا = أى يتمكن من قتلهما بعد أن كانوا هم لهم الغلبة عليه ونلاحظ أن الله سيحفظهما كما حفظ المسيح حتى تمم عمله. وبعد أن تمم المسيح عمله أُسْلِمَ للصلب، هكذا هذين النبيين سيسلمان للموت بعد أن ينهيا عملهما. وموتهما لا يعنى ضعف الله، وإنما الله بموتهما وقيامتهما أمام الجميع سيعلن قوته بالأكثر ويدين من قتلهما، وهذا ما حدث فى قصة إقامة لعازر، فالمسيح لم يشفه حتى يقيمه من الموت، وتصير قصة إقامته من الموت فيها إعلان عن ألوهية المسيح. آية (8):- "8وَتَكُونُ جُثَّتَاهُمَا عَلَى شَارِعِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُدْعَى رُوحِيًّا سَدُومَ وَمِصْرَ، حَيْثُ صُلِبَ رَبُّنَا أَيْضًا." من وحشية الوحش وأتباعه أنهم سيتركون جثتى الشاهدين فى الشارع ليراهما الجميع، ففى هذا إعلان عن قوة الوحش وسيادته وإنتصاره. عَلَى شَارِعِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ.. حَيْثُ صُلِبَ رَبُّنَا أَيْضًا = إذاً هى أورشيلم جغرافيا. الَّتِي تُدْعَى رُوحِيًّا سَدُومَ = سدوم ليس إسمها الحقيقى، بل إن الخطية السائدة فيها هى خطية سدوم أى الشذوذ الجنسى. ومن المعروف أن خطية الشذوذ الآن هى خطية منتشرة جدا. ونفهم من (دا37:11) أن ضد المسيح سيكون غالبا من الشواذ جنسيا إذ قيل عنه أنه "لن يبالى بشهوة النساء" وَمِصْرَ = خطايا مصر 1. الكبرياء. 2. إضطهاد شعب الله وإذلاله. 3. العناد فى كبرياء مع إزدياد الضربات. فمع كثرة ضربات الله ضدها بيد موسى لم تتب. وخطايا الوحش وأتباعه هى هى نفسها فقد قيل عنه ذلك فى (رؤ 21،20:9) وهذا يعنى عدم الإستفادة من الضربات وهو سيضطهد شعب الله فى كبرياء. الآيات (9-10):- "9وَيَنْظُرُ أُنَاسٌ مِنَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَالأَلْسِنَةِ وَالأُمَمِ جُثَّتَيْهِمَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَنِصْفًا، وَلاَ يَدَعُونَ جُثَّتَيْهِمَا تُوضَعَانِ فِي قُبُورٍ. 10وَيَشْمَتُ بِهِمَا السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ وَيَتَهَلَّلُونَ، وَيُرْسِلُونَ هَدَايَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لأَنَّ هذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ كَانَا قَدْ عَذَّبَا السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ." الإنسان الخاطىء لا يطيق من ينبهه إلى أخطائه، وهذان النبيان كانا فى شهادتها للحق، يشهدان ضد الخطاة، فكان الخطاة بهذا يتعذبون بعذاب الضمير = عَذَّبَا السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ. لذلك تركوا جثتيهما ليشمت بهما الناس. وعدم دفن الجثث هو نوع من التحقير لهما والشماتة بهما. ولقد قيل عن يهوياقيم ملك يهوذا الشرير أنه يدفن دفن حمار إذ لن يجد من يدفنه (أر19:22). مِنَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَالأَلْسِنَةِ وَالأُمَمِ = هذا كان لا يمكن فهمه قبل ظهور التليفزيون والأقمار الصناعية، وهذه تنقل الصورة من أى مكان فى العالم لكل مكان فى العالم. ونلاحظ أن أتباع الوحش سيكونون فى كل مكان فى العالم. وأتباع الوحش سيرتاحون راحة مؤقتة لمدة 3.5 يوم. (ومرة ثانية نصادف رقم 3.5 رمزا لأن الراحة مؤقتة). وهذه الراحة إلى حين. ونلاحظ أن مقتل النبيين سيكون فى أورشليم فالسيد المسيح سبق وقال "لا يمكن أن يهلك نبى خارجا عن أورشليم" (لو33:13). يُرْسِلُونَ هَدَايَا = فهم إستراحوا ممن عذبهم بأخبار الدينونة المزمع أن تقع عليهم إذا آمنوا بالوحش. الآيات (11-12):- "11ثُمَّ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ الأَيَّامِ وَالنِّصْفِ، دَخَلَ فِيهِمَا رُوحُ حَيَاةٍ مِنَ اللهِ، فَوَقَفَا عَلَى أَرْجُلِهِمَا. وَوَقَعَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا يَنْظُرُونَهُمَا. 12وَسَمِعُوا صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لَهُمَا:«اصْعَدَا إِلَى ههُنَا». فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ فِي السَّحَابَةِ، وَنَظَرَهُمَا أَعْدَاؤُهُمَا." حتى لا تكون قيامتهما محل شك أو أنها بفعل شيطانى، سمح الله بصعودهما إلى السماء أمام الجميع. وبقيامتهما وصعودهما للسماء إنتهت راحة الأشرار المؤقتة بل دخلهم رعب، وتشدد إيمان المؤمنين الذين خارت قواهم إذ رأوا مقتل النبيين. وستكون هذه الأحداث معلنة للجميع = وَنَظَرَهُمَا أَعْدَاؤُهُمَا إذا لن يستطيع أحد الإنكار. 3.5 يوما = وضع مؤقت فلن يظلوا أموات هكذا. آية (13):- "13وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَدَثَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَسَقَطَ عُشْرُ الْمَدِينَةِ، وَقُتِلَ بِالزَّلْزَلَةِ أَسْمَاءٌ مِنَ النَّاسِ: سَبْعَةُ آلاَفٍ. وَصَارَ الْبَاقُونَ فِي رَعْبَةٍ، وَأَعْطَوْا مَجْدًا لإِلهِ السَّمَاءِ." هنا نرى عقوبة فورية للأشرار بزلزلة وموت كثيرين لعل من سار وراء الوحش (ضد المسيح) يفهم حقيقة الأمور ويقدم توبة. ولكن يبدو أن هذا لن يحدث فهم صاروا فى رعبة... وَأَعْطَوْا مَجْدًا لإِلهِ السَّمَاءِ = أى أنهم نسبوا لإله السماء قوة فيما صنع دون أن يؤمنوا به كإله لهم ينتسبون إليه. هم صاروا يرهبونه لكنهم لا يحبونه. وفهم البعض أن من أعطى مجدا لإله السماء هم بقية اليهود الذين يؤمنون بالمسيح الحقيقى فى نهاية الأيام. آية (14):- "14الْوَيْلُ الثَّانِي مَضَى وَهُوَذَا الْوَيْلُ الثَّالِثُ يَأْتِي سَرِيعًا." الْوَيْلُ الثَّالِثُ هو البوق السابع (آية 15). وهو إعلان عن نهاية الأيام ونهاية دولة الشر. ودولة الوحش، ونهاية تمرد الأشرار على الله وبدء الدينونة. لذلك هذا الويل الثالث هو ويل أبدى. وبهذا نفهم أن الوحش سيكون ميعاد ظهوره بين البوق السادس والبوق السابع. آية (15):- "15ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً:«قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ»." البوق السابع = يعلن عن الأحداث الأخيرة الخاصة بمجىء الرب يسوع على السحاب ومجد القديسين معه. ونرى أنه بعد إرتفاع إيليا وأخنوخ للسماء سادت السماء أناشيد الفرح لأن الكل قد خضع للمسيح، إذ كان فى السابق مازال البعض ليس خاضعا له (عب 8:2) بل متمردا عليه مضطهدا لقديسيه. الآن وضع الأشرار فى بحيرة النار التى يستحقونها وتمجد الأبرار. آية (16):- "16وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا الْجَالِسُونَ أَمَامَ اللهِ عَلَى عُرُوشِهِمْ، خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا ِلله " وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا = وصحة الترجمة الأربعة والعشرون قسيسا. هؤلاء يسجدون لله شاكرين إحسانه وأنه قد حقق رجاءهم. آية (17):- "17قَائِلِينَ:«نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، لأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ الْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ." الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ = هو الضابط الكل الذى أخضع كل أعداءه تحت قدميه. الْكَائِنُ = كائن بذاته، لم يوجده أحد، كائن دائما. هو خالق الكل لم يخلقه أحد. الَّذِي كَانَ = هو الأزلى الذى كان موجودا منذ الأزل وقبل كل خليقة. وَالَّذِي يَأْتِي = أى الأبدى وتعنى أنه سيأتى ليدين العالم. وقد نفهم قوله الَّذِي كَانَ = أى الأزلى. وَالَّذِي يَأْتِي = أى يأتى متجسدا إلى العالم وقدأخلى ذاته، ثم يصعد ليجلس عن يمين أبيه، ثم يأتى للدينونة. لأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ الْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ = هذه تساوى جلس عن يمين الآب. آية (18):- "18وَغَضِبَتِ الأُمَمُ، فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ لِيُدَانُوا، وَلِتُعْطَى الأُجْرَةُ لِعَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَالْخَائِفِينَ اسْمَكَ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَلِيُهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا يُهْلِكُونَ الأَرْضَ»." وَغَضِبَتِ الأُمَمُ = لطالما تمردت الأمم على الله ورفضوا طاعة وصاياه. قال أحد الفلاسفة "إن الله يجلس فى برج عاجى فى السماء ليعطى وصايا إفعل ولا تفعل" ولم يفهم هذا الفيلسوف أن الوصايا هى لسعادته وفرحه إن التزم بها، فقداسة الإنسان لن تزيد من قداسة الله وشر الإنسان لن ينجس الله. ووصل غضب الأمم وجهلهم أن قال أحد الفلاسفة " إن كان هناك إله حقا فكيف أطيق أن لا أكون إلها ". لقد غضب الأمم على الله ورفضوه، (أمم كناية على من يحيوا فى نجاسة وتمرد على الله). وكان هذا لدينونتهم وخزيهم، يوم يغضب الله = فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ = هم اموات بالخطية ، وأتى الله ليجازى كل واحد بحسب عمله. آية (19):- "19وَانْفَتَحَ هَيْكَلُ اللهِ فِي السَّمَاءِ، وَظَهَرَ تَابُوتُ عَهْدِهِ فِي هَيْكَلِهِ، وَحَدَثَتْ بُرُوقٌ وَأَصْوَاتٌ وَرُعُودٌ وَزَلْزَلَةٌ وَبَرَدٌ عَظِيمٌ." فى خيمة الإجتماع أو هيكل سليمان كان قدس الأقداس لا يحتوى سوى تابوت العهد الذى يظلله كاروبان رمزا للعرش الإلهى فى السماء. وكان مجد الله يظهر بين الكاروبين (ويسمى الشكينة وبالعربية السكينة فمن يرى هذا المجد الذى يقال أنه كان كنور فوسفورى كان يمتلىء سكينة وسلام). وكان من يصرح له بدخول قدس الأقداس هو رئيس الكهنة ولمرة واحدة فى السنة رمزا لأن المسيح دخل السماء أى الأقداس مرة واحدة بجسده كسابق لنا وليعد لنا مكانا أبديا. والآن فالأبرار صار لهم أن يروا الشكينة أى مجد الله. والملاحظ أن كلمة هيكل هنا وردت بمعنى قدس الأقداس. إذاً لقد صار للإنسان أن يرى الله فى مجده ويعيش للأبد، بعد أن كان يقال "لا يرانى الإنسان ويعيش" (خر20:33) وذلك لأن القديسين صار لهم جسد ممجد يرون به الله. أما الجسد القديم فقد قيل عنه "لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله" (1كو50:15) لقد دخلت الكنيسة إلى بيت الزيجة "إلى العرس الأبدى والفرح الأبدى" (2كو18:3) + (1كو12:13) + (1يو2:3). انْفَتَحَ هَيْكَلُ اللهِ فِي السَّمَاءِ، وَظَهَرَ تَابُوتُ عَهْدِهِ = هذه تعنى :- 1. صار للإنسان أن يعاين مجد الله (الشكينة) للأبد ويحيا ولا يموت ثانية. 2. هذا يحدث لنا بالجسد الممجد وليس بالجسد الحالى. 3. تابوت العهد فى قدس الأقداس يشير بأبعاده وطريقة عمل التابوت من خشب مغلف بالذهب أننا دخلنا للسماء، قدس الأقداس، فى المسيح عريسنا. هو إشارة لشركة العروسة (الكنيسة) مع عريسها المسيح، شركة ابدية فى أمجاد السماء. ويرجى مراجعة تفسير خيمة الإجتماع فى سفر الخروج. وَحَدَثَتْ بُرُوقٌ وَأَصْوَاتٌ وَرُعُودٌ وَزَلْزَلَةٌ وَبَرَدٌ عَظِيمٌ = وهذه الآية متفقة مع قول السيد المسيح "تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو29،28:5). فالآن أصبح هناك مكانين، مكان للأبرار ومكان للأشرار . والأبرار سيكون... لهم بُرُوقٌ = وعود بأمجاد أكثر وأفراح أكثر. وهم سيكون لهم إستجابة على هذا... بَأَصْوَاتٌ = تسابيح وفرح بما حصلوا عليه. أما الأشرار ففى رعبهم سيكون لهم... زَلْزَلَةٌ = هذا سيكون شعور قلوبهم من الرعب ومن غضب الرب قيل أنهم سيسمعون... رُعُودٌ= أى ويلات. وتم التعبير عن غضب الرب بقوله... بَرَدٌ = تعبيرا عن الضربات التى سينالونها. وفى هذا الإصحاح سمعنا بإيجاز عن دور الوحش، وفيما يلى سنسمع عن الوحش بأكثر تفصيل، سنرى قصة الكنيسة وصراع الشيطان معها منذ ولادتها وأن الوحش هو آخر فصول إضطهاد الشيطان للكنيسة، كنيسة المسيح، التى ستخرج منها منتصرة وللأبد.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادي عشر النبيان ومقاومة الوحش ( الدجال ) (1) الإحصاء والقياس والفرز ( ع 1 ، 2 ) : ع 1 : قصبة شبه عصا : مقياس لقياس الأطوال مثل المتر أو الياردة في الزمن الحالي . أُعطِيَ يوحنا عصا لقياس الأطوال وأُمِرَ من الملاك بأن يقيس الهيكل والمذبح ، وهي أقدس الأجزاء في الهيكل اليهودي قديماً ، ويقيس أيضاً الساجدين بمعنى أن يحصر عددهم . والساجدين هم أبناء الله الذين يعبدونه في كنيسته وأهم سماتهم الإتضاع . ع 2 : الدار الخارجية : كانت الجزء الخارجي من الهيكل اليهودي وليست في أهمية مكان المذبح المشار له في العدد السابق ، أما المعنى الروحي فلقد أمر الملاك القديس يوحنا ألاّ يقيس الجزء الخارجي أي الخارجين عن الإيمان ( الأمم ) المنجسين بخطاياهم وأفكارهم الشريرة ويكونون سبباً لتدنيس وإعثار العالم الذي يريده الله مقدساً له " المدينة المقدسة " ، ويستمر إعثارهم لمدة ثلاث سنوات ونصف سنة وهي مدة سطوة الدجال وشروره ، والثلاث سنوات والنصف هي نصف عدد سبعة الذي يرمز للكمال ، وبالتالي نستطيع القول بأنها مدة لن تطول كثيراً وليس لأحد أن يؤكد إذا كان هذا زمناً حقيقياً أم زمناً نبوياً رمزياً . + الله يشعر بك وسط ضيقاتك ، فأنت من أولاده يهتم بك وبعلاقتك بكنيسته ويبعد الأشرار عنك مهما أحاطوا بك ، كما أنه لا يسمح بالضيقة أن تطول بل يسندك حتى تخرج منها وتتمتع ببركاته وأمجاده السماوية . (2) إرسال النبيين ( ع 3 - 14 ) : ع 3 : لما كانت مدة سطوة الشر أي الدجال هي ثلاث سنوات ونصف ، يرسل الله نعمة خاصة وقوية جداً وهي عبارة عن شاهدين ( نبيين ) يتنبأن ويعضدان الكنيسة في المدة نفسها لأنَّ الألف ومائتين وستين يوماً هي نفس زمن الثلاث سنوات ونصف ( باعتبار أنَّ السنة اليهودية 360 يوماً ) . شاهديَّ : ترى الكنيسة الأرثوذكسية في تفسيرات آبائها أنَّ هذين الشاهدين هما " إيليا وأخنوخ " إذ لم يمت كلاهما بل اخُتِطفا إلى السماء وسوف يذوقا الموت الجسدي في ( ع 8 ) كما سيأتي . لابسين مسوحاً : علامة على حزنهما لما وصل إليه الحال على الأرض وما أصاب الكثير من المؤمنين وشدة حرب الوحش ( الدجال ) . ع 4 : الزيتونتان والمناراتان : وصف للنبيين ، فالزيتون يرمز للسلام والأمان والحياة ، كما جاءت الحمامة أيام نوح تحمل غصن الزيتون دلالة على نهاية الطوفان ، وهكذا المنارة أيضاً ترمز للكنيسة الشاهدة لمسيحها بأنوار تعليمها . أمام الرب : أي أنَّ كل ما يتكلمان به من أجل الرب ومصدره الرب وببركة ومساندة الله ، فهما لن يجاملا أحداً فتعليمهم صريح ونقي وواضح . + إعطني يا الله روح إيليا وأخنوخ لأشهد لإسمك وأُعلن حقك ، فتعلو وتسمو وصيتك فوق تجديف العالم ، ولا تجعلني أخاف أو أخشى سوى غضبك .. ، أعني يارب فإني ضعيف . ع 5 : أعطاهما الرب سلطاناً طوال زمن خدمتهما على الأرض ، وأشير إلى هذا السلطان " بخروج نار من فمهما " وذلك لأنَّ الكلام الخارج من أفواههما يأكل كل تعليم باطل أو تشكيك من الشيطان وأعوانه ... وتعبير خروج النار من كلامهما يذكرنا بما حدث بالفعل بين إيليا ومندوب آحاز الملك عندما وبخه إيليا " فنزلت نار من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له " ( 2مل 1 : 1 - 12 ) . ولا يستطيع أحد الإقتراب منهما إذ من اقترب منهما تكون نهايته الهلاك . ع 6 : من قوة سلطانهما أيضاً أنَّ الله أعطاهما سلطاناً على إغلاق السماء أي منع خيراتها ، وهذا يذكرنا أيضاً بما صنعه إيليا من إغلاق السماء عن المطر لمدة ثلاث سنوات ونصف ( 1مل 17 : 1 ) أيام آخاب الملك الشرير ، وكذلك لهما سلطان وقوة الله التي أعطاها لموسى عندما حوَّل مياه النيل إلى دم ( خر 7 : 20 ) . والمعنى الإجمالي للعددين ( 5 ، 6 ) هو أنَّ الله أعطاهما سلطاناً وقوة تفوق كل قوة للبشر ليعملا ما يريدان على وجه الأرض كلها . + ألاّ يذكرنا هذا أيها الحبيب بالسلطان الذي أودعه الله في كنيسته لمغفرة خطايا التائبين من خلال سر الكهنوت وسر الإعتراف عندما قال لرسله الأطهار " أنَّ كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء " ( مت 18 : 18 ) ، فانتهز يا أخي هذه الفرصة واستمتع بهذا السلطان لتنال مغفرة الله ومكاناً في السماء . ع 7 : تمما شهادتهما : أي نهاية المدة المحددة من قِبل الله لنزولهما ومقاومتهما للشيطان وشهادتهما . الوحش الصاعد من الهاوية : الشيطان نفسه بكل قوته وسلطانه ، والهاوية أي الجحيم هي مكان مُلكه وسلطانه وإشارة واضحة لطبيعته . يصنع حرباً ويغلبهما : بعدما رأى الشيطان ما صنعه هذان النبيان ، أُعطِيَ له وبسماح من الله أن يستجمع كل قوى الشر ويتمكن من قتل النبيين ، ولكن سلطانه محدود فهو على الأجساد فقط دون الأرواح ، ولنتذكر قول ربنا " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها " ( مت 10 : 28 ) . ع 8 : المدينة العظيمة : عظيمة في أعين الشر والأشرار لأنها ترمز لسلطان الشيطان وأعماله فيها . تدعى روحياً : تشبه أو ترمز إلى . سدوم ومصر : رمزت سدوم ومصر قديماً للممالك الوثنية الشريرة التي قاومت الله . حيث صُلِبَ ربنا : بالطبع صُلِبَ المسيح بأورشليم ولكن لأنَّ المعنى روحي فالمقصود بالمعنى العام للآية أنَّ الشر الكامن في العالم الرافض لله والذي صُلِبَ بشره رب المجد ، معتقداً إنتصاره عليه هو نفسه ذات الشر الذي قتل هذين النبيين . ع 9 ، 10 : يجتمع الأشرار من كل جهة وأمة ومكان ليتأملوا بلا شفقة بل بكل شماته حال هذين النبيين بعد مقتلهما ، وكأنَّ الشر يريد أن يشفي غليله من هذين الشاهدين اللذين أقلقاه طوال الزمن السابق ، ومن فرط قساوة الشر فقد أبقى الجثتين ولم يدفنهما ثلاثة أيام ونصف وهذه المدة قد تكون زمناً حقيقياً أو مجازياً ... ولكنه زمن قصير . ومن مظاهر الشماتة ... أنَّ مملكة الشر بكل أفرادها يهنئون بعضهم بعضاً بمقتل النبيين ويرسلون الهدايا وكأنَّ ما حدث يمثل عيداً وانتصاراً لهم . لأنَّ هذين النبيين كانا قد عذَّبا الساكنين على الأرض : علة وسبب فرح العالم الشرير هو إنه استراح من التوبيخ والتبكيت والإنذارات التي حملها النبيان لهم بل أيضاً بعض الضربات التي أنزلاهما على العالم بسبب شره ( ع 6 ) . + وهكذا الأشرار في كل زمان ، فبدلاً من الإستجابة لإنذارات الله وتأديباته التي يرسلها على فم قديسيه وخدامه الأمناء ، كثيراً ما يريد الأشرار التخلص منهم لأنهم ينبهون الناس ويحاولون إبعادهم عن طريق الشيطان ، مثل ما حدث مع القديس " يوحنا المعمدان " و " ذهبيّ الفم " والبابا " أثناسيوس الرسولي " . فأرجوك يا إلهي إجعل قلبي دائماً طائعاً لصوتك خاضعاً له ... وانزع عنه كل قساوة ورفض وعناد . ع 11 : بعد الفرح القصير الذي تمتع به الأشرار في شماتتهم ( ثلاثة أيام ونصف ) ، أعادهما الله للحياة بقوته وبشكل إعجازي ، وكما كانت قيامته المجيدة زلزلة لكل مملكة الشر هكذا أيضاً فقيامة النبيين الشاهدين سببت خوفاً عظيماً ورعباً على أركان العالم الشرير الذي كان يتأمل بعجرفة إنتصاره الزائف عليهما . ع 12 : سمعا صوتاً من السماء : الله الذي يكرم أبناءه القديسين الأمناء يعلن إكرامه لهما فينادي عليهما بالصعود إلى السماء ، فصعدا إلى السماء على مثال صعود الرب نفسه في سحابة ( اع 1 : 9 ) ، وكما نظر التلاميذ صعود المسيح نظر الأعداء الأشرار صعودهما فكان نصراً وإكليلاً للنبيين وخزياً وعاراً لمملكة الشر . + أشكرك يارب لأنه وإن إنتصر الشر حيناً فإنَّ نهايته معروفة ، وإن بدا لنا أنَّ له سلطان على أبنائك فإنَّ يدك القوية تعطيهم قيامة ومجداً وتكريماً وإعلاناً لقداستهم حتى بعد موتهم مثل ما حدث مع كثير من الشهداء القديسين . ع 13 : في تلك الساعة : أي لحظة صعود الشاهدين إلى السماء . زلزلة عظيمة : كناية عن إعلان غضب الله وسخطه على الأشرار والوحش . عُشر المدينة : أي أنَّ هذا كان إنتقاماً نسبياً من الله لكن الدينونة العامة لم تأتِ بعد . عند صعود الشاهدين إلى السماء يظهر الله شيئاً من غضبه على مملكة الشر ، فتحدث زلزلة عظيمة تهز أركانها وأساساتها ويسقط من الأشرار عُشر الناس ويقدِّرهم القديس يوحنا بسبعة آلاف ، والرقم هنا رمزي بالطبع ومعناه الكثرة النسبية لأنَّ السبعة والألف من أرقام الكمال . أسماء من الناس : تعني أنَّ الله في قضائه العادل يعلم تماماً لمن يوجه ضربته وكأنَّ هذا الإنتقام موجهاً لأناس معلومة بالإسم لدى الله . أعطوا مجداً : الخوف والرعب الذي إعترى الأشرار إنتزع منهم إعترافاً بقوة إله هذين الشاهدين فقدموا له تمجيداً وعرفوا أنه هو الإله الحقيقي . ع 14 : كان الويل الأول هو ضربة الجراد ( ص 8 : 13 ) والويل الثاني حمل ضربة جيوش الفرسان ( ص 9 : 12 ) وكذلك ضربات النبيين الشاهدين ، وبنهاية قصتهما يعلن الوحي نهاية الويل الثاني ولكنه ينبهنا لوجود ويل ثالث . (3) البوق السابع ( ع 15 - 19 ) : ع 15 : كانت نهاية الحديث عن ملاك البوق السادس في نهاية الأصحاح التاسع واحتوى الأصحاح العاشر والحادي عشر حتى الآية السابقة أحداثاً إعتراضية ونعود الآن للملاك السابع والبوق الأخير . عندما بوَّق الملاك السابع أعلن في السماء بتهليل عظيم ، إشتركت فيه كل الخليقة السمائية ، نهاية الأحداث والضربات الغاضبة والمُؤدِّبة ، والآن جاء إعلان النصرة النهائية على مملكة الشر وصار العالم كله خاضعاً لسلطان الله الآب وإبنه الوحيد الذي أعلن بأصوات التمجيد بداية ملكه اللانهائي . ع 16 ، 17 : الأربعة والعشرون قسيساً : ( راجع ص 4 : 4 ) . خر وسجد الأربعة والعشرون قسيساً كما فعلوا قبلاً ( ص 4 : 10 ) مقدمين التسبيح والشكر والإكرام ، وكان تسبيحهم في هذه المرة موضوعه تقديم الشكر على عمل الله في القصاص من مملكة الشر ودحضها ونشر مُلكه ، ورجوع العالم للإيمان وإعلان قدرة الله اللانهائية في صنع وتدبير كل هذا . أخذت قدرتك العظيمة : أي أنها كانت دائماً لك ولكنك أعلنتها في الوقت المناسب . ع 18 : غضبت الأمم الشريرة وتألمت كنيستك زمناً بسببهم ، ولكن غضب الأمم لا يحسب أمامك شيئاً فغضبك هو ما يجب أن يخشاه الجميع وهو ما حدث وأتى بالفعل . زمان الأموات : أي زمن الأشرار ودينونتهم . تعطي الأجرة لعبيدك : أي المكافأة وميراث الملكوت . وقد شملت هذه المكافأة : الأنبياء : أي من شهدوا وخدموا كلمة الله وأوصلوها وفسروها للناس . القديسين : كل من سار في مخافة الله محاولاً إرضائه بتنفيذ وصاياه . الخائفين إسمك : كل من وضع مخافة الله أمامه حتى لا يخطئ . الصغار والكبار : أي الجميع ممن تبعوك مهما كانت مكانتهم أو أعمارهم . أما من أتعبوا الأرض وأهلكوا الكثيرين بشرورهم فسيكون لهم بمثل ما صنعوا أي عدل الله يستوجب هلاكهم الأبدي . ع 19 : إنفتح هيكل الله في السماء : أي أعلن مجد الله الكامل في الأبدية ويعني دخول الأبرار المؤمنين للتمتع بالوجود الأبدي معه . ظهر تابوت العهد : كان تابوت العهد يرمز دوماً للحضرة الدائمة لله في وسط شعبه ، وظهور تابوت العهد هنا معناه تأكيد لإنفتاح الهيكل وتمتع الجميع بهذه الحضرة والمثول الدائم أمام الله . حدثت بروق وأصوات ورعود وبرد عظيم : في هذا الجزء من الآية معنيان ، الأول يوضح أنَّ الوجود في الحضرة الإلهية هو حضور مهيب لأنَّ كل هذه الظواهر مرتبطة بالمجد الإلهي . والمعنى الثاني هو أنَّ هيكل الله الذي يتمتع فيه أولاده بالوجود معه ، هو نفسه مصدر عدله وتصدر منه أحكامه وعقوباته للأشرار ، وهذا يتمشى مع كلمة " البرد " إذ كلما جاءت في الكتاب المقدس تحمل معنى العقوبة بالأكثر . + يا إلهي ما أجمل الوجود معك والتمتع بك في هيكلك السمائي .. وقد أعطيتنا أيضاً أن نقف بهيكلك المقدس في كنيستك هنا فنحسب كالقائمين في السماء وكأننا نحصل على عربون المجد الدائم الأبدي ... إجعلنا مستحقين يا سيدي أن نكمل أيام غربتنا الجسدية في مخافتك ورضاك حتى نتمتع بما أعددته لنا من قبل تأسيس العالم .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح