كلمة منفعة
أكثر شيء يتعب الناس في روحياتهم، عدم الثبات.كأن يتوب إنسان، أو يظن أنه تاب، ويعترف ويتناول. ثم يرجع إلى خطيته كما كان، دون ثبات في التوبة.. ومشاعر الندم التي كانت عنده لا تثبت. كذلك رغبته في الحياة مع الله.
— الخط الثابت
رسالة يعقوب الرسول 1
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
الإيمان والتجارب وسلوك أولاد الله
(1) مقدمة وتحية (ع1) :
ع 1 : يفتتح يعقوب الرسول رسالته بقوله " يعقوب عبد الله والرب يسوع " ليظهر لاهوت السيد المسيح ، ورغم أنه لُقِّب بأخي الرب ظلَّ محتفظاً باتضاعه فدعا نفسه عبداً ليسوع المسيح . وكما كان العبد ليس له سلطان على جسده أو زوجته أو أولاده ، فيقول الرسول يعقوب أنه " عبد " بفرح لأنه سلَّم كل حياته وماله للرب ، كما قالت السيدة العذراء " هوذا أنا أمة الرب " ، ففرحتها أنها ستكون والدة الإله الكلمة المتجسد لم تنسها أنها عبدة الله . الشتات : تشتت المسيحيون الذين من أصل يهودي بعد استشهاد استفانوس في كل أنحاء العالم بسبب الإضطهاد ، فكتب لهم يعقوب الرسول هذه الرسالة ليشددهم ويشجعهم ويقوي إيمانهم . وكتب أيضاً لجميع المؤمنين المُضطَّهدين ولجميع من آمنوا من اليهود الذين كانوا قبلاً يعيشون بين الأمم .
+ ليتنا لا ننسى أننا عبيد لله ونسلم له كل حياتنا مهما كان لنا من دالة البنوة .
(2) كيف نحتمل التجارب ؟ ( ع 2 - 12 ) :
ع 2 : إحسبوه : إعتبروه . كل فرح : بركات كثيرة للتجارب تفرح النفس . تقعون : تعني وقوع تجارب من الخارج على المؤمن ولكن دون أن يسقط الإنسان في خطية . وهذا النوع من التجارب لتزكية الإنسان كما امتحن الله إبراهيم . والله يعطي التجربة على قدر احتمال الإنسان ولكن إن أخطأ الإنسان أثناء التجربة كما تذمر أيوب ، فالله يسنده حتى يتوب وبهذا يستفيد أيضاً من التجربة . عندما يسمح الله بتجارب تأتي علينا لا ننزعج بل نثق في البركات الكثيرة التي سننالها منها وتفرح قلوبنا . وفي الأعداد التالية تظهر بركات التجارب وهي :
ع 3 : 1- الصبر :
أول وسائل احتمال التجربة والنجاح فيها هو الصبر عليها ، لأنَّ الألم شئ صعب على الإنسان ولكن بالصبر عليه ننال بركات .
ع 4 : 2- أعمال الكمال :
الوسيلة الثانية هي مصاحبة الصبر بالأعمال الروحية مثل الصلاة والصوم والمطانيات والشكر ، والإستمرار في هذه الأعمال بسعي نحو الكمال المسيحي . وهكذا ننموا روحياً في علاقتنا بالله .
ع 5 : 3- الحكمة :
التجربة تخلق مشاكل فيحتار الإنسان كيف يتصرف ويحتاج للحكمة ليتصرف حسناً ويعبر التجربة . ويقدم الرسول حلاً بسيطاً وهو طلبها من الله بإيمان وهو بالطبع سيعطي ، وعطاؤه يتميز بأمرين :
أ- بكثرة وسخاء أكثر مما نطلب .
ب- بمحبة أبوية فلا يعيرنا بضعفنا وجهلنا بل على العكس يستر علينا ويكرمنا .
ع 6 - 8 : 4- الإيمان :
إنَّ الله مستعد أن يعطينا الحكمة ولكن بشرط الإيمان وأن نكون مستعدين أن نفعل ما يطلبه منا ، ونثق أنَّ التجربة هي للخير وأما المرتاب أي الشكَّاك فيشبه موج البحر ، يرتفع ويندفع إلى الشاطئ ثم يتراجع ، مثل هذا الإنسان يعيش قلقاً مضطرباً غير قادر على اتخاذ القرار الصائب . لأنَّ عقل المرتاب غير مقتنع بأنَّ طريق الله هو الأفضل ، ومثل هذا لابد أن يتأكد أنه لن ينل شيئاً من عند الرب لأنه لا يؤمن بحكمة الله وقدرته .
رجل ذو رأيين : شخص يتردد بين الإتكال على الله والإستناد على عقله وقدراته وقوى العالم . أو يتردد بين التمسك بوصايا الله واستخدام وسائل العالم الشريرة ، فيستخدم أحد الإتجاهين أحياناً ثم الإتجاه الآخر . وهذا سيعاني من الإضطراب وعدم الإستقرار في كل أمور حياته .
ع 9 : 5- الإتضاع :
الإنسان الروحي ، أمام التجربة ، يتذكر خطاياه ويتوب ويصلي بتذلل أمام الله ، وعندما يتضع هكذا يرفع عنه الله مشاعر الضيق ويعزي قلبه فترتفع روحه ويبارك الله ويشكره . وهذا هو الإفتخار برفع الله له أي الشكر .
ع 10 : 6- غربة العالم :
الذي يشعر بغربة العالم وزواله يستطيع أن يتقبل التجربة وخسارة الماديات لأنها زائلة في نظره ، ويشبهها الرسول بالزهور التي سرعان ما تسقط في الأرض وتذبل . وبالتالي يجدر بالأغنياء وكذا كل واحد منا الشعور بأنَّ كل ما نملكه زائل ، فإن أخذته التجارب لا ننزعج ونثق أنَّ الثروة الحقيقية هي في الحياة مع الله وملكوت السموات ، أما من يعتمد على الماديات فسيذبل مثلها أي لا يتمتع بالسعادة الحقيقية مع الله على الأرض ولا ينال شيئاً في السماء .
ع 12 : يختتم الرسول كلامه عن احتمال التجربة فيبشر من يحتملها ، متبعاً الوسائل السابق ذكرها في الآيات الماضية مجتازاً التجربة بنجاح ، بنوال الإكليل السماوي في الملكوت أي التمتع مع الله إلى الأبد .
+ لا تنزعج من التجارب التي تمر بك ، فمهما بدت صعبة ، ثق أنَّ معونة الله لن تتركك والله سمح بها لتتقدم في حياتك الروحية وتخلص بها من كل شر .
(3) التجارب الداخلية وصلاح الله ( ع 13 - 18 ) :
ع 13 : إذا جرب : سقط في خطية بسبب التجربة . ينتقل إلى نوع آخر من التجارب وهي التجارب الداخلية ، أي تفاعل القلب مع الشر والسقوط في خطية . فإن حدث هذا لا يظن الإنسان أنَّ الله هو الذي خلق له طبيعه مائلة للشر أو دفعه للشر بهذه التجربة . لماذا ؟ .. لأنَّ الله بار وقدوس وكامل فلا يستطيع أحد أن يجربه بمعنى أن يسقطه في خطية . وهو بالتالي ، لأنه نوراني ، لا يميل بطبيعته إلى الظلمة أو إسقاط الناس فيها ، بمعنى أن يجربهم ليسقطهم . أما التجارب السابقة التي هي امتحان إلهي فهي تعني محاولة الله لترقيه الإنسان لدرجات أعلى ليكافئه مكافأة أكبر .
ع 14 : السبب الحقيقي للوقوع في التجربة هو تحرك الشهوة في قلب الإنسان وانخداعه بحيل إبليس ، فينجذب إلى لذة الخطية الخارجية ويسقط في شرها ومرارتها .
ع 15 : يوضح خطورة التفاعل الداخلى والسقوط في التجربة ، فالإنسان ينجذب إلى لذة الخطية لميوله الشهوانية الشريرة وهذا يشبهه بالحَبَل . والشهوة تسقط الإنسان في خطية فعلية ويشبه الخطية بالمولود من الحَبَل . ثم عقوبة الخطية هي الموت والعذاب الأبدي . فإذا استمر الإنسان في خطاياه طوال عمره تكمل خطيته ويُحكمَ عليه بالموت الأبدي ، وذلك مثل إنسان يشتهي حب التملك فيسقط في خطية السرقة ثم يُحكمَ عليه بالسجن ، فهذه تجربة تفاعل الإنسان معها داخلياً بمشاعر شريرة . وعلى عكس ذلك يوسف الصديق الذي احتمل العبودية في بيت فوطيفار ثم آلام السجن فنال مكافأة الله وهي عرش مصر ، فهذه تجربة خارجية لتزكية يوسف ومكافأته .
+ طرد الأفكار الشريرة ينجيك من خطايا كثيرة ، فالشيطان يفتت قوتك ويضعفك بكثرة الأفكار حتى إذا عرض عليك الخطية الفعلية بعد ذلك يسهل سقوطك . فاحترس من الأفكار والمناظر والكلمات حتى لا تسقط في تجارب صعبة تهلك حياتك .
ع 16 : ينهينا الرسول عن إتهام الله بأنه سبب خطايانا ومشاكلنا ، فسبب خطايانا كما ذكر هو انجذابنا بشهواتنا إلى الشر أما الله فصالح ومصدر كل البركات .
ع 17 : أبي الأنوار : مصدر كل نور وخير على الأرض . ليس عنده تغيير ولا ظل دوران : الكواكب تدور ويتغير مكانها وينتج عن ذلك تغير الجو في فصول السنة وتعاقب الليل والنهار ، وكان الظل قديماً يعرف به الزمن ، أما الله فليس عنده أي شئ من هذا لأنه ثابت وكامل . يعلن الرسول أنَّ مصدر كل العطايا الصالحة التي نتمتع بها وكل المواهب والقدرات التي عندنا هو من الله المعطي البركات ، وهو ثابت ومستمر في عطائه وليس مثل البشر المتغيرين ، فمهما بدوا صالحين فإنهم يتغيرون ويموتون .
ع 18 : كلمة الحق : المسيح . باكورة من خلائقه : كان اليهود قديماً يقدمون باكورة زرعهم وبهائمهم لله فتكون مقدسة ومتميزة عن غيرها لأنها لله . هكذا المؤمنون هم باكورة من العالم حتى يؤمن الكثيرون غيرهم ، وبسببهم يبارك الله الأرض كلها بما فيها من حيوانات ونباتات .
+ أعظم نعمة نلناها هي الولادة الجديدة بالمعمودية ، فصرنا أولاد المسيح المخلص وبداية للكنيسة التي ستضم الكثيرين الذين يؤمنون على مر الأزمان .
(4) سلوك أولاد الله ( ع 19 - 27 ) :
ع 19 - 21 : ينبه الرسول الإنسان المؤمن إلى بعض الفضائل الهامة في حياته وهي أن يكون :
1- مسرعاً في الإستماع : الإنسان الذي يسمع جيداً يفهم أكثر ويجد فرصة أن يطلب الله ليرشده فيما سيقوله ؛ وهو أيضاً مريح للآخرين ويقيم علاقة محبة أقوى معهم وينتج ذلك أن يكون " مبطئاً في التكلم " أي غير مندفع . كما يقول سليمان الحكيم " أرأيت إنساناً عجولاً في كلامه الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به " ( ام 29 : 20 ) ، إذاً ماذا هل نصمت أم نتكلم ؟ .. يقول القديسون " الكلام من أجل الله جيد والسكوت من أجل الله جيد أيضاً " .
2- مبطئاً في الغضب : المسيحي الحقيقي لا يغضب على الآخرين ، بل يكون متشبهاً بأبيه السماوي الطويل الأناة " لأنَّ غضب الإنسان لا يصنع بر الله " . ولكن الغضب المقبول هو غضب الإنسان على نفسه أي التوبة ويسمى أيضاً الغضب المقدس .
3- لذلك إطرحوا كل نجاسة وكثرة شر : إذ يهدأ الإنسان في كلامه مع الآخرين ، يلزمه أن ينتبه إلى التوبة ورفض كل أنواع النجاسة سواء الأفكار الشريرة والمناظر السيئة والكلام الدنس وكل أفعال الزنا والشرور الكثيرة المرتبطة بها .
4- إقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم : التوبة تمنح الإنسان نقاوة فيقبل كلام الله الذي يقرأه في الكتاب المقدس أو يسمعه في الكنيسة ويخضع له باتضاع وهدوء ، فتنغرس الكلمة في قلبه وتؤثر فيه وتقوده في طريق الخلاص . وهذا يوضح أهمية قراءة كلمة الله وحضور الإجتماعات الروحية .
ع 22 : 5- عاملين بالكلمة : لأنَّ من يسمع ولا يعمل يخدع نفسه بأنه متدين ويعرف كثيراً ، ولكن المقياس ليس بالمعرفة بل بتنفيذ الوصية عملياً .
ع 23 ، 24 : يشبه الرسول من يسمع الكلمة ولا يعمل بها برجل ينظر في مرآة ولم يصلح من منظره بل يمضي وينسى عيوبه . أما المؤمن فيجب أن ينظر بتمعن في كلمة الله التي هي مرآة تكشف له ضعفه وأخطاءه ونقائصه ، فيقبلها بوداعة ويصلح من ذاته ساعياً إلى القداسة والحق والكمال ليتشبه بأبيه السماوي ويحافظ على صورته التي أخذها بالولادة الجديدة .
ع 25 : إذا كان ناموس موسى أوامر بالحرف وفرائض وأحكام يعمل بها الإنسان كعبد وكواجب وفرض ثم ينساها ، فناموس المسيح غير ذلك ، فهو ناموس الحرية التي لأولاد الله عن حب . وسمي " الناموس الكامل " لأنه يوصل الإنسان للكمال بالنعمة وعمل الروح القدس . ومن يثبت في كلام الله مطبقاً إياه في حياته ، تكون أعماله مباركة من الله ويتمتع بالفرح والسلام .
ع 26 : 6- ملجماً لسانه : من يعتقد في نفسه القداسة والتدين ولكن لا يضبط لسانه ، فهو يوهم نفسه بتقوى مزيفة ويخدع نفسه أنه يعرف الله وهو لا يعرفه لأنه يثور ويغضب ويشتم ويدين الآخرين ويظن أنه صار مصلحاً لهم .
ع 27 : 7- الرحمة : يلخص يعقوب الرسول مفهوم الديانة الطاهرة بأنها :
1- أعمال رأفة مرتبطة بالإيمان والرحمة بالأيتام والأرامل الذين ليس لهم أحد يعولهم .
2- حفظ الإنسان قلبه في نقاء وقداسة وطهارة الفكر ويضع كلمة الله في حياته موضع التنفيذ بصبر وحب وفرح .
ولذلك ينبغي على المؤمن أن يبتعد عن كل مصادر التلوث السمعي والبصري ليصير مقدساً لله جسداً ونفساً وروحاً .
+ قدم محبتك لكل من حولك واشفق على الجميع فلا يوجد إنسان لا يتعرض لمتاعب ، واهتم خاصة بمن لا يهتم بهم الآخرون أو يعانون من الإحساس بالوحدة وثق أنَّ عمل الرحمة هذا يملأ قلبك سلاماً ويفيض عليك مراحم الله ويفرح قلبك عندما ترى الإبتسامة على وجوه من رحمتهم .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح