كلمة منفعة
1- هناك أحلام من الله:مثل الأحلام التي ظهرت ليوسف النجار، وللمجوس، قيل له في حلم أن يأخذ الطفل وأمه ويمضى إلى مصر. وقيل لهم في حلم أن يرجعوا من طريق آخر. وكذلك الأحلام التي رآها والتي فسرها يوسف الصديق ودانيال النبي: وكلها أحلام موجهة، ومنبئة بشيء يحدث في المستقبل.
— الأحلام
رسالة يعقوب الرسول 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة يعقوب - الاصحاح رقم 1
رسالة يعقوب
الإصحاح رقم 1
الأصحاح الأول
الإيمان والتجارب
يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن الإيمان والتجارب:
1. المقدمة (تحية). 1.
2. التجارب الخارجية. 2-4.
كيف نحتمل التجربة؟
أ. باقتناء الحكمة السماوية 5-7.
ب. باقتناء التواضع 9.
ج. إدراك زوال العالم 10 - 12.
3. التجارب الداخلية 13 - 15.
4. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح 16 - 17.
5. موقفنا كأولاد لله:
أولاً: الإسراع في الاستماع 19.
ثانيًا: الإبطاء في التكلم 19.
ثالثًا: الإبطاء في الغضب 19-20.
رابعًا: نزع بذور الشر وغرس الكلمة 21 - 25.
خامسًا: تلجيم اللسان 26.
سادسًا: الرحمة بالآخرين 27.
سابعًا: حفظ الإنسان من دنس العالم 27.
1. المقدمة (التحية)
"يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح، يهدي السلام إلى الإثنى عشر سبطا الذين في الشتات" [1]
لم يذكر الرسول نَسَبُه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه "عبدًا". والعبد كما نعرف لم يكن له حق أو سلطان حتى على جسده أو إرادته أو زوجته أو أولاده... بل للسيد أن يتصرف كيفما يشاء. هكذا يحب يعقوب الرب إلى درجة العبوديّة، يفرح جدًا أن يترك للمحبوب أن يفعل به ما يريد. هذه عبوديّة، لكنها لا عن قسر وإكراه بل في حب ورضا.
هذه أحاسيس الذين عشقوا الثالوث القدوس، فإذ يرون الآب يفتح لهم أحضانه كبنين، والابن يقبلهم كعروس، والروح القدس هيكلاً له، يرتمون في حضن الثالوث القدوس في تسليم كامل كعبيد، فيقول كل واحد منهم مع الرسول أنه "عبد الله والرب يسوع المسيح".
هذا القول يكشف عن عظمة حب الرسول واعتزازه بالتعبد لله في تواضع حقيقي.
2. التجارب الخارجية
"احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" [2].
لم يقل الرسول "يا أولادي" مثل يوحنا الحبيب بل "يا إخوتي". والسبب في هذا أنه يتحدث عن التجارب والآلام، فيريد أن يبث فيهم روح الشجاعة كإخوة، وأنهم ليسوا أطفالاً وأبناء.
وقوله "يا إخوتي" يُذكِّرهم برباطهم معًا في أخوة روحيّة خلال الميلاد الجديد كأبناء لله، مما يجعلهم يتقبلون الآلام بغير تذمر، وفي تسليم وفي فرح، بل في "كل فرح".
وربما قصد بكلمة "كل" هنا أنها النهاية القصوى للفرح، أو عدم تقبُّل شيء غير الفرح، أو كل صنوف الفرح، إذ تحل بهم صنوف متنوعة من التجارب. وكأنه يقول لهم: حينما تحل بكم لا تجربة ولا إاثنتين بل تجارب متنوعة، يليق بكم لا أن تفرحوا بل تفرحوا كل الفرح.
وكلمة "تقعون" في اليونانيّة لا تعني السقوط أو الدخول في تجارب، إنما تعني حلول التجارب واحاطتها بالإنسان من الخارج، كما تحمل معنى المفاجأة في الحلول وعدم توقعها. بهذا فإن الرسول لا يتكلم عن التجارب التي تنبع من داخل النفس، بل التي تحل بنا من الخارج.
فخلال هذا النسب الجديد نتقبل هذه التجارب المتنوعة بكل فرح قائلين: "كحزانى ونحن دائمًا فرحون" (2 كو 6: 9). لأن هذه الآلام ليست بسبب الخطيّة، بل هي سمة الرب المتألم "مكملين نقائص شدائد المسيح في أجسادنا" (كو 1: 24).
وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ["لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2 كو 1: 5)... إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في 3: 10).]
ويكتب البابا أثناسيوس الرسولي إلى شعبه الذي تحل به التجارب على أيدي الأريوسيين قائلاً: [لنفرح عالمين أن خلاصنا يحدث في وقت الألم. لأن مخلصنا لم يخلصنا بغير ألم، بل تألم من أجلنا مبطلاً الموت، لهذا أخبرنا قائلاً: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33). وهو لم يقل هذا لكل إنسان بل للذين يخدمونه خدمة صالحة بجهادٍ وإيمانٍ، أي أن الذين يعيشون بالتقوى من جهته يُضطهدون.]
"عالمين أن امتحان إيمانكم ينشىء صبرًا" [3].
سر الفرح أن التجارب مهما اشتدت هي بالنسبة للمؤمن الحقيقي امتحان. هذا الامتحان يُعين الإنسان أن يكون له صبر، إذ يتشبه بالرب يسوع.
ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا،حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم.
"وأما الصبر فله عمل تام".
التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: "لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء" [4].
1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة.
ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي.
لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم: [أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد... إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم... فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا... فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات.]
2. كاملين وغير ناقصين في شيء... أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة.
حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع 3: 2)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: "بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم" (1 بط 5: 10).
كيف نحتمل التجربة؟
أ. باقتناء الحكمة السماوية
"إن كان أحد تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، فسيُعطَى له" [5].
بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم" (حك 9: 56).
وإنه "يعطي الجميع" أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟
ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: "ولكن ليطلب بإيمان". وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر 11: 24).]
ليطلب الحكمة "غير مرتاب البتة"، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة.
"لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه" [6] فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا.
"فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب. رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه" [7-8].
وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب!]
ب. باقتناء التواضع
تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: "وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه" [9].
"وأما الغني فباتضاعه".
يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول "الأخ" حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة!
ج. إدراك زوال العالم
إذ يدرك المؤمن حقيقة غربته على الأرض يرتفع نظره إلى حياة أفضل، محتملاً كل ألمٍ وتجربةٍ بغير تذمر، إذ كل ما في هذا العالم يزول.
"لأنه كزهر العشب يزول. لأن الشمس أشرقت بالحر، فيبَّسَتْ العشب، فسقط زهره، وفني جمال منظره. هكذا يذبل الغني في طرقه" [10-11].
تأثر الرسول بالمنظر الساحر الذي في تلك البقاع حيث تغطي أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال في الصباح، لكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف وتُجمع للوقود. وقد استخدم إشعياء نفس التشبيه (40: 67)، وكذلك أيوب (14: 2).
إن الشمس التي تهب حياة للزرع تُفني جمال زهر العشب، هكذا شمس التجارب التي تُزيد المؤمن بريقًا، تُهلك المتكلين على غناهم فيذبلون في طرقهم.
إذًا ليرفع الأغنياء أنظارهم إلى السماويات، بدلاً من أن ينشغلوا بجمال زهر عشب الغِنَى الذي سرعان ما يذبل، وبهذا تتحول تجاربهم إلى موضوع كل فرح.
"طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" [12].
وإذ يرتفع نظرنا إلى السماويات، تاركين الغِنَى الزمني، نشتهي الدخول في مدرسة التجارب العمليّة. وإذ نتخرج فيها نعلن حبنا لله فننال "إكليل الحياة" الذي هو نصيب المحبين. إنها تُخرِّج رجالاً في الروحانيّة، لذا يقول الرسول "طوبى للرجل..." لذلك تاق الآباء إليها:
فيقول الأب تادرس: [يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغني الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 10).]
ويقول القديس أغسطينوس [إن كنتَ ذهبًا، فلماذا تخاف النار، فإنه في الكور يحترق الزغل وتخرج أنت نقيًا؟ وإن كنت حنطة، فلماذا تهاب الدراس، مع أنك لا تظهر على ما أنت عليه إلاَّ به حيث يُنتزع عنك "التبن" ويظهر أصلك وشرفك؟]
3. التجارب الداخلية
"لا يقل أحد إذا جُرِّب إني أُجَرَّب من قِبَل الله، لأن الله غير مُجرِّب بالشرور، وهو لا يُجرِّب أحدًا" [13].
بحثت الفلسفات كثيرًا عن مصدر الشر، فنادى البعض بوجود إلهَيْن، أحدهما علة الخير والآخر علة الشر... وآخرون نادوا أن الله علة الخير والشر.
والشر هنا لا يعني ما قد يحل بنا من تجارب أو كوارث أو ضيقات، بل الخطيّة والظلمة. الأمر الذي لا يتفق مع طبيعة الله كلّي الصلاح الذي فيه كمال مطلق. وهنا يقطع الرسول بأن الله غير مُجرِّب بالشرور وبالتالي لا يُجَرِّب أحدًا.
حقًا قيل عن الله إنه يجلب شرًا، وهذا كقول القديس أغسطينوس من قبيل حب الله أن يحدثنا بلغتنا قدر فهمنا، فهو يجلب التأديب الذي نسميه شرًا لخيرنا. أما الشر أي الخطيّة، فلا يحرضنا الله عليها، بل ولم يخلق فينا عواطف أو دوافع أو طبيعة شريرة، بل كل ما خلقه فينا هو حسن جدًا. ونحن بإرادتنا في شخص آدم انحرفنا عما هو حسن لنشبعه بما هو ليس حسن. فالحواس والعواطف والدوافع كلها بلا استثناء يمكن أن تًوجه كطاقات للخير متى سلمت في يد الله، وكطاقات للشر متى نُزِعَت عنا نعمته...
إذن الله لا يجربنا بالشرور، إنما يسمح لنا بالتجارب الخارجيّة لامتحاننا.
يقول البابا ديونيسيوس الإسكندري:
[ربما تقول: ما هو الفرق بين كون الإنسان يُجَرَّب، وبين سقوطه في تجربة أو دخوله فيها؟ حسنًا متى انهزم إنسان بالشر، ساقطًا بسبب عدم جهاده دون أن يصونه الله بدرعه، نقول أنه دخل في تجربة وسقط فيها وصار أسيرًا تحتها. أما من يثبت ويحتمل فهذا الإنسان يكون مجرَّبًا وليس داخلاً في تجربة أو ساقطًا فيها.
هكذا اقتاد الروح السيد المسيح لا ليدخله في تجربة بل ليجربه الشيطان (مت 4: 1).
إبراهيم أيضًا لم يُدخله الله في تجربة بل جربه...
والرب جرب (امتحن) تلاميذه...
هكذا عندما يجربنا الشرير يجذبنا إلى الشر لأنه "مُجرِّب بالشرور". أما الله فعندما يجربنا (يمتحنا) يسمح لنا بالتجارب بكونه غير مُجَرِّب بالشرور.
الشيطان يجذبنا بالقوة بقصد إهلاكنا، والله يقودنا بيده ويدربنا لأجل خلاصنا. [
إذن الشر ليس مصدره الله. فلماذا نسقط في الشر؟
"لكن كل واحد يُجَرِّب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطيّة، والخطيّة إذا كملت تنتج موتًا" ]14-15[.
ا. الانجذاب والانخداع: يقوم عدو الخير بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجيّة كثيرة بلا حصر، من لذات جسديّة وملذات العالم وكراماته وأحزانه. هذه المثيرات مهما اشتدت ليست لها قوة الإلزام بل الخداع لكي ما يخرج الإنسان من حصانة الله، ويفلت من بين يديه، منجذبًا ومنخدعًا وجاريًا وراء الخطيّة.
يؤكد ربنا يسوع المسيح قائلاً: "خرافي تسمع صوتي... ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 27-28)، أي لا توجد قوة مهما بلغت يمكن أن تخطف نفس المؤمن الذي يسمع لصوت الرب ويتبعه، أما إن امتنع المؤمن عن الاستماع لصوت الرب وقَبِلَ باختياره الإنصات إلى صوتٍ آخر، للحال ينخدع وينجذب من دائرة الرب إلى دائرة الخطيّة.
من يُقبِل إلى الرب لا يخرجه خارجًا (يو 6: 37)، إذ هو الباب إن دخل به أحد يخلص ويجد مرعى (يو 10: 9)، ولكن إن شاء الخروج عن الرب، فلا يلزمه الرب بالبقاء، عندئذ ينطلق من عناية الله تجاه خداعات العدو.
ب. الحبل: يُشبِّه الرسول الشهوات بامرأة زانية تجذب إليها الإنسان وتخدعه. وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها فتحبل. "ثم الشهوة إذا حبلت..." أي تكون كالجنين الذي ينمو يومًا فيومًا، الذي هو الخطيّة.
ج. الولادة: وإذ يكتمل نمو الجنين تلد ابنًا هو "الموت"، لأن الخطيّة تحمل في طياتها جرثومة الموت.
تحدَّث كثير من الآباء عن هذه المراحل الثلاث. فيطالبوننا أن نصارع الخطيّة في طورها الأول وهي تحاول أن تخدع حيث لا سلطان لها علينا، ويمكننا برشم علامة الصليب وبصرخة خفيفة داخليّة تجاه الرب أن نتخلص منها. أما إذا تركنا الخطيّة لتتعدى الطور الأول إلى الثاني حيث نقبلها ونرضيها. فإن إرضاءنا لها- مهما كان إغراؤها- هو بإرادتنا ونحن مسئولون عنه.
هذا ما يؤكده القديس مرقس الناسك قائلاً يأنه لا يمكن أن تسيطر علينا خطيّة فجأة، لكن إما أننا سبق أن قبلناها بإرادتنا، أو قبلنا خطيّة مشابهة لها أو باعثة لها. فمثلاً لا تسيطر أفكار شهوة على إنسان عفوًا، اللهم إلاَّ إذا كان قد سبق أن ترك لأفكاره العنان بإرادته يتلذذ بها، أو سقط بإرادته في الكبرياء والعجرفة وحب الظهور الذي يُوَلِّد السقوط، أو سقط في الغضب بإرادته حيث تنزع عنه نعمة الله، أو أتخم معدته وتلذذ بالنَّهم.
إذن يليق بنا أن ندرك مراحل الخطيّة الثلاث (الانجذاب لها، التلذذ بها، تنفيذها) حتى نحاربها بالرب يسوع منذ بدايتها. وهذا أكثر أمانًا لنا. وقد تحدث القديس أغسطينوسعن هذه المراحل الثلاث فقال:
[الخطية تكمل على ثلاث مراحل:
ا. إثارتها (الانجذاب لها والانخداع بها).
ب. التلذذ بها (الحبل بها).
ج. إرضاؤها (الولادة).
تحدت الإثارة عن طريق الذاكرة أو الحواس كالنظر أو السمع أو الشم أو التذوق أو اللمس. فإن نتج عن هذا لذة لزم ضبطها. فلو كنا صائمين، فبرؤيتنا الطعام تثور شهوة التذوق، هذه الشهوة تنتج لذة. فعلينا ألاَّ نرضيها بل نضبطها إن كان لعقلنا - الذي يمنعنا من إرضائها - السيادة. أما إذا أرضيناها فستكون الخطيّة قد كملت في القلب فيعلم بها الله ولو لم يعلم بها البشر.
إذن هذه هي خطوات الخطيّة: تتسلل الإثارة بواسطة الحواس الجسدانيّة كما تسللت الحيّة في إثارة حواء، لأنه حيث تسربت الأفكار والتصورات الخاطئة إلى نفوسنا تكون هذه نابعة من الخارج من الحواس الجسديّة. وإن أدركت الروح أي إحساس خفي عن غير طريق هذه الحواس الجسديّة، كان هذا الإحساس مؤقتًا وزائلاً، فتسلل هذه التصورات إلى الفكر في دهاء الحيّة...
وكما أن للخطيّة مراحل ثلاث أي الإثارة واللذة والإرضاء، هكذا تنقسم الخطيّة إلى ثلاثة أنواع:
ا. خطيّة القلب (لم تنفذ عمليًا).
ب. خطيّة بالعمل.
ج. خطيّة كعادة.
وهذه الأصناف الثلاثة تشبه ثلاثة أموات:
ا. الميت الأول كما لو كان في المنزل ولم يُحْمَل بعد، وذلك عند إرضاء الشهوة في القلب (وهو صبية صغيرة).
ب. الميت الثاني كما لو كان قد حُمِل خارج المنزل، وذلك عندما يبلغ الرضا حد التنفيذ (وهو شاب أكبر من الصبية).
ج. الميت الثالث كما لو كان في القبر قد أنتن، وذلك عندما تكون الخطيّة قد بلغت حد العادة (وهو رجل أكبر من الشاب).
ونرى في الإنجيل أن الرب أقام هذه الأنواع الثلاثة من الأموات مستخدمًا عبارات مختلفة عند إقامتهم. ففي الحالة الأولى قال: "طليثا قومي" (مر 5: 41). وفي الثانية: "أيها الشاب لك أقول قم" (لو7: 14). وأما في الثالثة فقد انزعج بالروح وبكى وبعد ذلك صرخ بصوت عظيم "لعازر هلم خارجًا" (يو 11: 33-44).]
4. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح
"لا تضلوا يا إخوتي الأحباء . كل عطيّة صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" [16-17].
في كل مرة نصلي نقول: "فلنشكر صانع الخيرات..." لأننا لا نعرف مصدرًا للخيرات غير الله. وهنا يحذرنا الرسول ألاَّ نضل، فنظن أنه يمكن أن يصدر عن الله غير الخير والصلاح، أو نحسب أننا نقدر أن ننال صلاحًا بطريق آخر غير الله. نَسَبُ الشر إلى الله ضلال، لأن الله "أب الأنوار". وطلب الصلاح من غير الله ضلال، لأنه هو "أب" لا يقبل أن يلتجىء أولاده إلى أب غيره!
إذن كل عطيّة صالحة أي لخيرنا، وكل موهبة تامة مُقدَّمة كهبة مجانيّة ليس فيها عيب أو نقصان هي من فوق نازلة، أي يوجد فيض مستمر من السماء تجاه البشر، من الأب نحو أولاده.
يقول الأب شيريمون: [يبدأ الله معنا ما هو صالح، ويستمر معنا فيه، ويكمله معنا. وذلك كقول الرسول "والذي يُقدِّم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويُكَثِّر بذاركم ويُنْمِي غلات برّكم" (2 كو 9: 10). هذا كله من أجلنا نحن، لكي بتواضع نتبع يومًا فيومًا نعمة الله التي تجذبنا. أما إذا قاوْمنا نعمته برقبة غليظة وآذان غير مختونة (أع 7: 51)، فإننا نستحق كلمات النبي إرميا القائل "هل يسقطون ولا يقومون؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا، تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا؟" (إر 8: 4-5).]
ويؤكد الرسول أنها من عند "أبي الأنوار. الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".
وكما يُدْعَى إبليس أب الأشرار (يو 8: 44)، يُدْعَى الله "أب الأنوار" أي القديسين النوارنيين أو الملائكة. إنه النور الحقيقي وواهب النور. إنه ليس كالشمس المنظورة التي تعكس نورها على الكواكب الأخرى، لكنها تتغير ويأتي اليوم الذي فيه تزول، إنما هو شمس البرّ الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران!
أب ينير أولاده، وأبوته المنيرة ثابتة لا تتناقص، يجذب أولاده ليستنيروا منه. كيف يتم ذلك؟ خلال أشعة محبته المعلنة في عطاياه الزمنيّة والروحيّة يجذب أنظارنا وينير عقولنا، فنراه ونعشقه، وعندئذ لا ننشغل حتى بعطاياه الصالحة ومواهبه التامة، إنما نقول له مع القديس أغسطينوس: [قبل هذه الأعمال الجسديّة أعمالك الروحيّة التي هي سماوية ومتلألئة هكذا... لكنني جُعْتُ إليك، وعشطتُ لك... لك أنت بذاتك أيها الحق "الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".]
عطيّة واحدة خلال كل عطاياه التي بلا حصر ومواهبه التامة يلزم ألاَّ تفارق ذهننا أبدًا، وهي عطيّة الميلاد الجديد الذي نلناه بالمعموديّة، فصرنا له أولادًا وهو أب لنا، إذ:
"شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" [18].
يا لها أشرف عطيّة أننا بالرب يسوع "كلمة الحق" الذي مات عنا بالجسد وقام وهبنا بروحه القدوس أن نولد لله والكنيسة ولادة جديدة روحيّة بالمعموديّة.
بهذه الولادة يجدر بنا أن نرتبط بالرب يسوع "البكر"، فنصير نحن أيضًا "باكورة من خلائقه".
وكما كان الله يُلزِم عابديه أن يقدموا له البكور وأوائل الثمار مخصصة له، معتبرًا أنهم بذلك قدموا كل الثمار له. هكذا يقبلنا الله كباكورة من خلائقه، محفوظين ومخصصين لله (عب 12: 23)، وبهذا نرتبط بكنيسة الأبكار مكتوبين في السماوات.
هكذا انتقل بنا يعقوب الرسول الحديث عن التجارب الخارجيّة كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخليّة، أي التحفظ من الخطيّة، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا، معلنًا حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولادًا له. لكن ما موقفنا نحن كأولاد لله؟ هذا يحدثنا عنه الرسول بطريقة عمليّة.
5. موقفنا كأولاد لله
أولاً: الإسراع في الاستماع
"إذًا يا إخوتي الأحباء. ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم" [19].
يترجم البعض عبارة "إذًا يا إخوتي الأحباء" "أنتم تعرفون هذا. ولكن يا إخوتي الأحباء..." كأن ما قد سبق أن تحدث به هو أمر يعرفه المؤمنون، كتبه الرسول من أجل التذكرة فقط، وإنما يطلب أن نََتَنَبَّه إلى واجبنا العملي والتزامنا كأولاد لله.
وأول واجب نلتزم به هو أننا إذ ولدنا بكلمة الحق بالمعموديّة يليق بنا ألاَّ نفارق "كلمة الحق" بل نسرع دومًا للجلوس عند أقدام ربنا يسوع "كلمة الحق" مع مريم أخت لعازر، مُنْصِتين إلى حديثه العذب المملوء حبًا.
هذا هو واجبنا، وهذا أيضًا هو حقنا، وهذا هو نصيبنا الذي لن يُنْزَع منا إلى الأبد، أن نجلس متواضعين عند أقدام الرب يناجينا ونناجيه. حقًا ما أصعب على الإنسان في وسط دوامة هذه الحياة، أن يهرب! يهرب من أجل نفسه التي هي أغلى ما عنده، لكي يخلع عنه كل اهتمام واضطراب مُنصِتًا بكل جوارحه لعريس نفسه، هذا الذي يبعث صوته في داخل النفس سرورًا وفرحًا وتبتهج عظام الإنسان في تواضع وانسحاق وليس في كبرياء وعجرفة.
ثانيًا: مبطئًا في التكلم
"إذًا يا إخوتي الأحباء. ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم" [19].
إذ يسرع الإنسان للإنصات إلى كلمة الحق يتشرب بروح أبيه الذي لا يشهد للحق بكثرة الكلام بل بالعمل. وبهذا نتفهم الوصيّة "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت 5: 16). حسن للإنسان أن يشهد للحق، لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفسٍ خائرة ضعيفة تخفي ضعفها وراء المظهر، من أجل هذا يوصي الحكيم قائلاً "أرأيت إنسانًا عجولاً في كلامه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم 29: 20).
ويقول القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: [كثيرًا ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فما ندمت قط.]
وكشف لنا مار إسحق مفهوم الصمت أنه ليس مجرد امتناع عن الكلام بل هو حديث سري مع الرب يسوع، لذلك نصح الراغب في الصمت أن يقتني ثلاث خصال: خوف الله، صلاة دائمة، عدم انشغال القلب بأي أمر.
كما يقول أيضًا: [من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى.]
إذن كما يقول الكتاب "للسكوت وقت وللتكلم وقت" (جا 3: 7). بوجد ثلاثة أنواع للسكوت وثلاثة أنواع للكلام:
1. الصمت المقدس، وهو أن يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله.
2. الصمت الباطل، وهو أن يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.
3. الصمت الشرير، وهو أن يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.
1. الكلام المقدس: وهو الحديث الذي يقول عنه القديس باسيليوس الكبير: [يُظهر رائحة بخور تدبيرنا الداخلي المملوءة حكمة.] أي يتكلم الإنسان فيما هو لبنيان نفسه وبنيان الآخرين.
2. الكلام الباطل: وهو الحديث الذي ليس للبنيان وبلا معنى، وهذا نعطي عنه حسابًا (مت 12: 36).
3. الكلام الشرير: الذي يهدم النفس ويهدم الآخرين.
من أجل هذا يقول الأب بيمين: [إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد.]
ثالثًا: مبطئًا في الغضب
"مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" [19-20].
دُعِيَ الله بطويل الأناة وبطيء الغضب، لهذا يجدر بأولاده أن يتشبهوا بأبيهم، فلا يطلبوا الانتقام ولا ينفعلوا، بل في طول أناة يترفقوا بالجميع.
فغضب الإنسان لا يصنع برّ الله، وكما يقول القديس أغسطينوس أن الإنسان مهما ارتكب من خطيّة يستطيع في نفس اللحظة أن يقف نادمًا ويشعر بمحبة الله طويل الأناة، لكن في لحظات الغضب لا يقدر الإنسان أن يقف للصلاة، بهذا يحرم نفسه من برّ الله.
ويقول أيضًا: [لا تظنوا أن الغضب أمر يستهان به، إذ يقول النبي: "تعكرت (ذبلت) من الغضب عيناي" (مز 6: 7)، وبالتأكيد لا يقدر مُتَوَعِّك العينين أن يعاين الشمس، وإن حاول رؤيتها تؤذيه ولا تبهجه.]
ويوضح لنا يوحنا كاسيان خطورة الغضب فيقول:
[يجب أن نستأصل سم الغضب المميت من أعماق نفوسنا. فطالما بقي الغضب في قلوبنا وأَعْمَى بظلمته المؤذية عين الروح (القلب) لا نستطيع الحصول على التمييز والحكم السليم، ولا نستطيع أن ننال النظرة الداخليّة الصادقة أو المشورة الكاملة، ولا أن نكون شركاء للحياة أو نحتفظ بالبرّ، أو حتى يكون لنا المقدرة على النور الروحي الحقيقي "تعكَّرت من الغضب عيناي" (مز 6: 7). ولا نستطيع أن نصير شركاء للحكمة، ولو وُجد حكم جماعي بأننا حكماء، لأن "الغضب يستقر في حضن الجهلاء" (جا 7: 9). ولا نستطيع أن ننال الحياة غير المائتة، لأن الغضب يُهْلِك حتى الحكم (راجع أم 15). ولا نقدر أن نحصل على القوة الضابطة للبرّ حتى لو ظن البشر فينا أننا كاملون وقديسون، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله". كما لا نستطيع نوال الوقار والكرامة التي تُعطَى حتى في العالميات، ولو ظنوا بنا أننا نبلاء وذوو شرف، لأن "الرجل الغضوب يُحتقر". ولا يمكن أن تكون لنا مشورة صالحة... "لأن السريع الغضب لا يعمل بالحق" (أم 14: 17). ولا نستطيع التحرر من أي اضطرابات خطيرة أو نكون بلا خطيّة، ولو لم يسبب لنا أحد اضطرابًا... "لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام، والسخوط كثير المعاصي" (أم 29: 22).]
رابعًا: مقتلعًا بذار الشر، غارسًا بذار كلمة الله
"لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة، القادرة أن تخلص نفوسكم" [21].
إذ يحدث الرسول يعقوب الذين وُلِدوا "بكلمة الحق" لهذا يوجه أنظارهم إلى "كلمة الحق" القادرة أن تأتي فيهم بثمر كثير.
ولكي تمتليء حياتهم بكلمة الحق ويتجاوبوا معها يَلْزم أن تتم في داخل قلوبهم عمليتان متلازمتان، بل هما عمليّة واحدة لها جانبان، وهي عمليّة طَرْح النجاسة وبَذْر كلمة الله. فبالولادة الثانية صرنا أبناء الله وبسِرّ الميرون حل الروح القدس فينا، وصار لنا بالروح القدس أن نُفْرِغ من قلبنا كل ما هو ليس حقًا (النجاسة) ليملك فينا ما هو حق (كلمة الله).
من أجل هذا توصي الكنيسة الإشبين: [ازرعوا فيهم الخصال الجميلة. ازرعوا فيهم الطاعة والمحبة والطهارة. ازرعوا الرحمة والصدقة والعدل. ازرعوا فيهم التقوى والصبر والصلاح...]
إذن لنطرح عنا كل نجاسة، وربما قُصِدَ بها هنا الغضب السابق ذكره. ولا نقف عند طرح كل روح الغضب، بل لنقبل في وداعة كلمة الله المغروسة القادرة. هذه الكلمة هي البذار التي تأتي بثمر كثير.
نلاحظ أن الرسول يُحَدِّث أناسًا مؤمنين ومُعَمَّدين ومع ذلك يقول: "قادرة أن تخلص نفوسكم" ولم يقل "خلصت نفوسكم"، لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته، وليس أمرًا حدث وانتهى. وكأن الرسول ينصحنا أن نخضع بروح الوداعة، لا العجرفة، لكلمة الله، لأنه يلزمنا أن نثابر كل أيام غربتنا حتى لا نفقد الطريق.
هذا الخضوع يلزم أن يكون عمليًا وليس مجرد حفظ للكلمة أو استماع نظري لها، إذ يقول الرسول: "ولكن كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم" [22].
"لأنه ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (رو 2: 13). وقد شبه الرب السامعين غير العاملين برجلٍ جاهلٍ يبني بيته على الرمل، فتهب الرياح وتسقط الأمطار فيسقط ويكون سقوطه عظيمًا (مت 7: 26-27)، ويشبهه الرسول بالآتي:
"لأنه إن كان أحدكم سامعًا للكلمة وليس عاملاً، فذاك يشبه رجلاً ناظرًا وجه خلقته في مرآة . فإنه نظر ذاته وللوقت نسي ما هو" [23- 24].
يشبهه بالرجل الذي ينظر في مرآة، ومن شيمة الرجال ألا يمعنوا النظر فيها، أما أبناء الله فيليق بهم أن يُمْعِنوا النظر في كلمة الله التي هي كالمرآة تكشف لهم ضعفهم ونقائصهم. وهي أيضًا تُذَكِّرهم بخلقتهم الروحيّة الجديدة أي بميلادهم السماوي، وهذا يبعث فيهم روح الجهاد، ويجعلهم يتجاوبون مع الإمكانيات الإلهيّة الموهوبة لهم. لأنه متى أدرك الإنسان مركزه كابن لله لا يكف عن الالتصاق بأبيه ومناجاته متشبثًا بحقوقه للحياة المقدسة.
"ولكن من اطلع على الناموس الكامل، ناموس الحريّة، وثبت، وصار ليس سامعًا ناسيًا، بل عاملاً بالكلمة، فهذا يكون مغبوطًا في عمله" [25].
إذ يُمْعِن النظر في الناموس ناموس الحريّة، أي الإنجيل، الذي حررنا بقوة الدم من سلطان الخطيّة، وَوَهَبْنا حريّة الأبناء، فإنه بهذا تصير كلمة الله بالنسبة له عمليّة، فلا يكون سامعًا ناسيًا بل ثابتة فيه. في أعماق نفسه الداخليّة.
هذا العمل يَهَب لنا عذوبة بالرغم من صعوبة الوصيّة، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصيّة أبيهم، لهذا يكون كل منا "مغبوطًا في عمله". بهذا يقول الإنسان لخالقه: "نيرك هيِّن وحِمْلَك خفيف" رغم ما يجاهد به وثابر فيه ويتحمله ويتخلى عنه من أجل الرب!
خامسًا: ملجمًا لسانه
"إن كان أحد فيكم يظن أنه دَيِّنْ وهو لا يلجم لسانه، بل يخدع قلبه، فديانة هذا باطلة" [26].
الديانة الحقيقيّة هي التي تنبع من الداخل، من القلب، إذ "مَجْد ابنة الملك من الداخل"، و"الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات" (لو 6: 45). على هذا الأساس ظن البعض أنه لا حاجة لضبط اللسان بدعوى أن القلب طيب والعبادة بالروح... لكن الرب الديان يقول: "من فضلة القلب يتكلم اللسان" (مت 12: 34).
ويقول الشيخ الروحاني: [من يحذر بلسانه لن يسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه.]
يقول الأب بيمين: [من يضبط فمه فإن أفكاره تموت، كالجرّة التي يوجد فيها حيَّات وعقارب، سِدْ فمها (فوهتها) فإنها تموت.]
وسأل أخ شيخًا: [يا أبي إني أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الشيخ: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذي هو باب القلب مفتوح سايب؟ ]
إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه، فبينما يظن أنه دَيِّن إذ بديانته باطلة.
سادسًا: يرحم إخوته
"الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم" [27].
لم يقل الرسول "الديانة الطاهرة... هي الإيمان" إنما كشف عن الجانب العملي ليس تجاهلاً أو استهتارًا بالإيمان، لكن تأكيدًا للأعمال المرتبطة بالإيمان. فإذ يقيم الآب نفسه أبًا للأيتام وقاضيًا للأرامل (مز 68: 5) لهذا فإن من كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يتمثل بأبيه.
والجميل في الكنيسة الأولى أنها اهتمت بالأرامل، إذ أعطت للأرامل اللواتي ينذرن أنفسهن للخدمة مكانة خاصة تلي مكانة العذارى مباشرة، حتى أن القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أرسل إلى أرملة شابة يعزيها في زوجها هنأها أنها صارت "أرملة".
وقد اهتمت الكنيسة بتحويل طاقات هؤلاء الأرامل إلى العبادة أو الخدمة التي تتناسب معهن، الأمر الذي جعل كثيرًا من القديسين كتبوا بفيض عن "الترمل وشروطه وقوانينهن ونظامهن".
سابعًا: يحفظ نفسه بلا دنس
"وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" [27].
بدأ أولاً بالترفق بالمتألمين أي اليتامى والأرامل، لأنه بدون رحمة بالآخرين كيف نستعين برحمة الله لكي تحفظنا من دنس العالم وشهواته؟ إذن لنرحم فيما هو قليل ليرحمنا الله في الكثير.
وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس، لا يعطي لإبليس أي حق للملكيّة في داخله، بهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
آية (1):- " 1يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يُهْدِي السَّلاَمَ إِلَى الاثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا الَّذِينَ فِي الشَّتَاتِ."
عبد : تعنى خادم بلا حقوق، معتمداً إعتماداً كلياً على سيده فى طاعة كاملة ولم يذكر الرسول نسبه حسب الجسد للرب يسوع بل يدعو نفسه عبداً له. مع أنه كان من حقه أن يقول "يعقوب أخو الرب" وهكذا فعلت العذراء حين قالت "هوذا أنا أمة الرب" بعد أن قال لها الملاك أنها أم الرب. والعبد كان بحسب الناموس يحصل على حريته بعد سبع سنين عبودية، ولكن إن أحب سيده الذى وجده يعطف عليه يقول لسيده سأستمر عبداً لك بحريتى أنا وزوجتى وأولادى العمر كله فلن أجد من يعطف على مثلك. وبهذا المفهوم يستعبد يعقوب نفسه للرب فليس أحن منه ولا من يعوله سواه. هذا لمن إكتشف شخص الرب فهو بحريته يستعبد نفسه له. ومن عرف الرب حقيقة سيعرف أن العبودية له تحرر أما العبودية لأى شخص آخر فهى تذل (المال والجنس...الخ)، فمن يستعبد لأى شئ آخر لا يستطيع أن يتحرر منه، أما من يُستعبد للرب فهو حر، وبحريته يستطيع أن يترك الرب وقتما يشاء. من إكتشف شخص الرب ومحبته يترك له حرية التصرف فى نفسه وزوجته وفى أولاده وفى كل ماله. كيف لا يحب لهذه الدرجة من رأى الآب يفتح أحضانه له كإبن، والإبن يعطيه نفسه على الصليب ويقبله كعروس والروح القدس يجعله هيكلاً يسكن فيه. فيعقوب احب الرب لدرجة أنه يستعبد نفسه له أى يترك للرب كل التصرف فى حياته وكل ماله. ولكن كم أقرباء بالجسد للمسيح وقد رفضوه وأهانوه (مر3: 21). لذلك فإن إفتخرنا فلا نفتخر بالجسد والقرابة الجسدية بل بعبوديتنا للمسيح (2كو5: 15،16)
عبدالله والرب يسوع = هنا يساوى يعقوب بين الله والرب يسوع
الرب يسوع = الرب فى السبعينية هو يهوه.
آية (2):- " 2اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، "
تجارب متنوعة = مرض / موت / خسائر مادية / فشل دنيوى / إضطهاد...
وكان المسيحيون حينئذ يعانون من إضطهاد اليهود الذى بدأ بإستشهاد إسطفانوس وهكذا قال السيد المسيح "طوبى للمطرودين من أجل البر".
كل فرح = أى النهاية القصوى للفرح أو عدم تقبل أى شئ غير الفرح فلا مكان سوى للفرح، أى لاشئ يفرحنى سوى ذلك. ولاحظ تطابق هذه الاية الإنجيلية مع طقس الكنيسة. فالكنيسة تصلى بالطقس الفرايحى إبتداء من أول توت، عيد الشهداء حتى عيد الصليب. فالإستشهاد والصليب كله فرح فى طقس الكنيسة.
تقعون = فى اليونانية لا تعنى السقوط أو االدخول فى تجارب وإنما تعنى حلول التجارب وإحاطتها بالإنسان من الخارج مثل رجل وقع بين لصوص. كأن التجارب تحاصر هذا الإنسان من كل ناحية (فى العمل والأسرة والجيران...). فالرسول لا يتكلم عن التجارب التى تنبع من داخل النفس (أى الخطايا) بل التى تحل بنا من الخارج. ومايدفعنا للفرح أنها شركة صليب مع المسيح، ومن يشترك فى الألم والصليب يشترك معه فى مجده (2كو 6: 9) + (رو8: 17) + (كو1 :24) + (2كو1: 5) + (فى 3: 12).
ياإخوتى = فهم عائلة واحدة، عائلة الله، وكلنا أعضاء فيها، نلنا البنوة والإتحاد بالمسيح فى المعمودية، ورأس العائلة هو المسيح المتألم، مما يجعلنا نقبل الألم فى تسليم بل بكل فرح، لكى نشترك مع من أحبنا فى ألامه. وهناك فرق كبير بين التسليم والإستسلام. فالإستسلام هو كمن وقع فى يد أسد فهو يستسلم لأنه غير قادر على المقاومة، أما التسليم فهو أننى أضع حياتى فى يد من يحبنى ولا يصنع لى سوى الخير. هو إله حنون يخطط لخلاص نفسى وكل مايصنعه هو لهذا الهدف.
لماذا نفرح فى التجارب
1. عادة ما يأتى الشيطان ليهمس فى أذاننا وقت التجارب بأن الله قاسى، لا يحبنا إذ سمح بهذه الألام لنا، ولكن الشيطان كذاب وأبو الكذاب يو8: 44 ولنعلم أن :-
2. الله إستمر فى خلقة العالم ألاف الملايين من السنين ليجد آدم جنة يحيا فيها.
3. الألم دخل للعالم بسبب خطية آدم وليس بسبب قسوة الله "أنا إختطفت لى قضية الموت... وطبعاً إختطفت لى قضية الألم".
4. إذاً الألم ليس غضب من الله وكراهية وإلا فهل كان الله غاضباً على المسيح وعلى بولس وعلى الطفل أبانوب.
5. قيل عن المسيح أن الله يكمل رئيس خلاصهم بالألام (عب 2: 10) ومن هنا نفهم أن الألم صار وسيلة للكمال. ولكن الألم يكمل المسيح أى ليصير المسيح مثلى مختبراً الألم،ليشابهنا فى كل شئ. أما الألم لى أنا فيكملنى لأشبهه انا الناقص الخاطئ.
6. المسيح جاء ليتألم معى ويشترك معى فى الألم علامة محبة منه. والمسيح كإله قدير "حول العقوبة لى خلاصاً" فصار الألم طريق الكمال وبالتالى طريق السماء. ببساطة صار الألم لإصلاح العيوب التى فى فأكمل.
7. الله إستخدم الألم مع أيوب لينزع من داخله خطية كانت ستحرمه من السماء والله إستخدم الألم مع بولس ليحميه من الكبرياء، حتى لا يسقط فيه.
8. صار الألم (والتجارب) كمشرط الجراح الذى ينزع من داخلنا حب الخطايا والميول المنحرفة، فكل منا تسكن الخطية فيه، لذلك ترك المسيح الألم لنا بعد الفداء (رو 7).
9. الشيطان فى كذبه يستغل معاناتى من الألم ويشتكى الله بأنه قاس، ويخفى عن عينى محبته فى تكوين العالم لأجلى، ولا يذكرنى سوى بالألم.
10. هناك تعليم خاطئ، أن الله يجربنى ليعلم ما فى قلبى !! ولكن هذا خطأ. فالله فاحص القلوب والكلى ولا يحتاج لأن يجربنى حتى يعرف ما فى داخلى. بل هو يسمح بالتجارب لأكمل، فهو صانع خيرات "من تألم فى الجسد كف عن الخطية" (1بط 4: 1)، "وبضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22). وهذا التعليم الخاطئ كم سبب من ألام لأناس ظنوا أن الله يجربهم ليعرف ما فى قلوبهم.
11. الله له أدوات يكمل بها الإنسان فهو يعطى عطايا مادية وبركات مادية وروحية تفرح الإنسان ويسمح فى نفس الوقت بألام فهى طريق الكمال. وكلاهما (العطايا والألام) هى طريق السماء. فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رو8 : 28).
12. المشكلة الأساسية هى أننا مولودين بالخطية "بالخطية ولدتنى أمى"، "والخطية ساكنة فى جسدى" (رو 7 : 17) وفى داخلنا عصيان وتمرد على الله. وأشهر إنحراف فى داخلنا هو محبة العالم والتلذذ به ونسيان الله وتركه. بل تحول العالم بدلاً من أن يكون أداة نحيا بها ليكون إله نسعى وراءه. لذلك فمحبة العالم عداوة لله (يع 4 : 4) صرنا نتعبد للعالم، ولا نعرف طريقاً للذة سوى العالم وشهواته، ولم نعد نعرف أن الله قادر أن يشبعنا ويعطينا لذات روحية تسمو على اللذات العالمية. بل نسينا الله فصارت محبة العالم عداوة لله.
ولذلك سمح الله بالألام أن تستمر... ولكن هل الألام تنقى ؟ حاشا بل التنقية هى بدم المسيح "دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية" (1 يو 1 : 7)، "والمتسربلون بثياب بيض فى السماء غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم فى دم الخروف" (رؤ 7 : 14) إذا ما فائدة الضيقة :
1. بها نزهد فى محبة العالم.
2. نرتمى فى حضن المسيح فيطهرنا دمه من كل خطية.
أما من يجرى وراء العالم فكيف يطهره دم المسيح.
التجارب هى فطام عن العالم، هى كأم تضع مراً على إصبع طفلها حتى لا يضعه فى فمه.
والعجيب أن الله لا يتركنى وسط التجارب، بل يعطينى عزاء وصبراً لأتحمل، وهذا ما قالته عروس النشيد شماله (التجارب) تحت رأسى ويمينه (تعزياته) تعانقنى (نش 2 : 6). وهنا نجيب على السؤال لماذا نفرح فى التجارب :
1. علامة حب من الله فمن يحبه الرب يؤدبه (عب 12 : 6). وبهذا يجذبنا الله من محبة العالم.
2. طالما سمح الله بالتجارب فهو ينوى أن يخلصنى من طبيعتى الساقطة والإنحرافات التى فى داخلى. فالفرح هو لأننى سأكمل بها وهى طريقى للسماء.
3. طالما هى شركة ألم مع المسيح فهى شركة مجد. إذا هى طريقى للمجد.
4. بها تزداد تعزياتنا. ولكن لماذا لا نتعزى ؟
أ. من لا يتعزى هو من شك فى محبة الله وصدق خداع الشيطان أن التجربة علامة عداوة من الله. فقرر أن يتصادم مع الله، وإمتنع عن الصلاة، لأن الله قاسى ولا يريد أن يستمع لى ويخرجنى من التجربة. مثل هذا الإنسان تجده يشتكى الله دائماً أمام الناس، ويتصور أن الله يحب الناس كلها إلا هو. هو صدق خداع إبليس.
ب. إمتنع عن الصلاة وطلب تعزيات الله.
5. والحل
أ. أن يصدق هذا الإنسان أن الله يحبه وبالتجارب يكمله ويعده للسماء.
ب. أن يؤمن بالله، ليس بأن الله واحد، فهذه حتى الشياطين تؤمن بها، بل بأن الله صانع خيرات.
ت. يقف ليصلى طالباً التعزيات، ويقول لله " أنا أثق أن ما تسمح به هو للخير ولكنى لست فاهم، ولكنك لا تخطىء فيما تسمح به يا رب.
6. التجارب لها هدف هام جداً. فبها نكتشف يد الله القدير. ربما بالخيرات المادية والروحية نكتشف الله الحنون، ولكن بالتجارب نكتشف يد الله القوية التى تستطيع أن تخرجنى من الضيقة.
7. الله أب حنون يعلم التأثير المؤلم للتجربة على الانسان ، لذلك لا يتركه وحده بل يقول له " أنا معك " ويعطيه التعزية والفرح مما يجعله ينتصر على التجربة بل لا يشعر بها تقريبا . ويبدو ان هناك فهم خاطئ عند كثيرين ، وهم الذين يتصورون أنه طالما الرب معنا فلا يمكن ان نتألم . وكان هذا موقف جدعون حينما قال له الملاك الرب معك (قض6 : 12) فقال جدعون للملاك " إذا كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه " . ولكن ما حدث لهم من ضيقات كان لتأديبهم. وهذا من محبة الله (عب12 : 6) . ويقول الكتاب " وكان الرب مع يوسف فى بيت فوطيفار ومعه فى السجن " (تك39 : 2 ، 21) ورأينا ما حدث له من رعاية الله له والنعمة التى أعطاها له الله فى أعين الجميع. وأنظر نتيجة تدابير الله مع يوسف . وهذا نفس ما حدث للثلاثة فتية ، فهم لم يشعروا بألام النار ، بل تعزوا بوجود ابن الله معهم وسطها ، وحُلَّتْ أربطتهم ، بل كانوا شهادة للملك بأن الله مع أولاده يحميهم . إذاً لنفهم ان الله معنا فى الضيقة يحفظنا فيها ويعزينا والنتيجة دائما للخير وهذا ما يفرحنا. أما ناقصى الفهم فمنطقهم"هل جزاء طهارة يوسف وحفظه للوصية أن يباع كعبد ويدخل السجن"! والإجابة أن تدبير الله كان لخير يوسف ولمصر ولكل المنطقة .
تردد هذا السؤال عبر الكتاب المقدس لماذا الألم للأبرار ؟ قاله أيوب وأرمياء وأساف (مزمور 73). وهذا سؤال الفلاسفة عبر العصور. وهنا يعقوب يقول بل نفرح فى الألم لأنه تحول إلى وسيلة للخلاص. وإذا فهمنا هذا لن نقول "لماذا أتت التجارب" بل نقول "لماذا لا تأتى التجارب" والفاهم يقول "لماذا لست أنا المجرب" ولا يقول "لماذا أنا المجرب يا رب".
الألم دخل للبشرية بسبب خطيتى. والمسيح فى محبته جاء ليشترك معنا فى ألامنا، ويقول لنا الأن إحتملوا معى بعض الألام " أما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة " قال الأنبا بولا " من يهرب من الضيقة يهرب من الله ".
وقال أبونا بيشوى كامل " من ليس له صليب فليبحث له عن صليب، نفس بلا صليب كعروس بلا عريس ".
وبولس الرسول بالرغم من كل ألامه كان يقمع جسده ويستعبده، فهو يبحث عن صليب فوق صليب. فمن فهم مفهوم الصليب يجرى وراءه.
آية (3):- " 3عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. "
إمتحان إيمانكم = إمتحان لا تعنى أن الله لا يعرف إيماننا فيمتحننا لكى يعرف، بل الله يعرف فهو فاحص القلوب والكلى، لكن نحن لا نعرف ما هى طبيعة إيماننا والله بهذا الإمتحان يكشف لنا طبيعة ونوعية إيماننا. هكذا سأل المسيح فيليبس " من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء، وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل (يو 6 : 5 – 7) فلقد كان إيمان فيليبس ضعيفاً، والسيد أراد أن يظهر له هذا الضعف ليصلح من إيمانه. فالله يمتحن إيماننا ليظهر ضعفات إيماننا ويظهر لنا إيماننا المشوه من جهة الله، وأخطائنا الإيمانية، ويكشف عن معرفتنا المشوهة من جهة المسيح فالتجارب لازمة لتظهر نوعية إيماننا. فهناك من يتصادم مع الله مع أول تجربة، وهناك من لا يثق فى غفران المسيح ويظل مثقل بالذنوب ومع كل تجربة يظن أن الله ينتقم منه فيزداد إبتعاداً عن الله. وماذا أفعل لو إكتشفت ضعف إيمانى أو أن معلوماتى عن الله مشوهة ؟ هناك حل واحد... المخدع على أن أتعلم أن أدخل مخدعى وأصلى وأدرس كتابى المقدس وأعطى للروح القدس فرصة ليحكى لى ويعرفنى بمن هو المسيح "هذا يأخذ مما لى ويخبركم" (يو 16 : 14). وإصلاح الإيمان فى منتهى الأهمية، فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (عب 11 : 6). وهذا سبب آخر للفرح بالتجربة، أنها ستكشف لى حالة إيمانى المريضة فأذهب لحجرتى لأسمع صوت الروح القدس الذى يصحح ويشفى إيمانى، ويعطينى ثقة ومحبة لشخص المسيح. إذا التجارب التى يسمح بها الله لابد أنها ستصلح شيئاً فى داخلى. لكن لابد من الصبر والقبول وعدم التذمر حتى تؤتى التجربة بثمارها. أما التذمر فيعطل عمل الله.
ينشىء صبراً = التجارب المتلاحقة مع رؤية يد الله القدير تجعل الإيمان يزداد. وهذا ما حدث مع داود، فلقد كانت له خبرات سابقة مع أسد ودب قتلهم وهذا أعطاه إيمان قوى وقف به أمام جلياط. لذلك فالتجارب المتلاحقة مع الشكر وعدم التذمر تزيد الإيمان. والإيمان يولد صغيراً وينمو، لذلك قال التلاميذ للسيد "زد إيماننا " (لو 17 : 5) وإيمان أهل تسالونيكى كان ينمو (2 تس 1 : 3) وبولس الرسول يقول أن الإيمان ينمو بالشكر وعدم التذمر (كو 2 : 7) ومع التجارب تزداد التعزيات التى يعطيها الله كمسكن للألام حتى نحتمل التجربة ومع زيادة الإيمان ومع التعزيات ينشأ الصبر. فالصبر ليس صبر الخضوع والإستسلام وليس هو شجاعة بشرية ولكنه توقع بثقة فى تدخل الله كما عمل معنا مرات كثيرة سابقاً ، هو عطية إلهية نتيجة إيمان ينميه الله وتعزيات يعطيها الله (2 كو 1 : 5). ولذلك تعلمنا الكنيسة الشكر فى كل حين وعلى كل حال. ولكن الصبر حقاً هو عطية من الله ولكن الجهاد البشرى المطلوب هو الشكر مع عدم التذمر حتى نحصل على هذه العطية.
آية (4):- " 4وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ."
ولماذا نصبر، ولماذا يعطينا الله صبراً وما فائدته ؟ أن نكون تامين وكاملين فكما رأينا أن فائدة التجارب أن نصبح كاملين. إذاً حتى نكمل علينا أن نصبر على التجربة حتى تأتى بثمارها وتكمل. فنحن مولودين بالخطية، لنا طبيعة متمردة عاصية، نحب العالم وهذا عداوة لله، والله يعالج كل هذا بأنه يسمح ببعض التجارب حتى نزهد فى محبة العالم ولا نتعلق به بل نشتاق للسمائيات ونبدأ نتذوق لذتها محتقرين لذة الأرضيات وبهذا نكمل. هذا هو العمل التام للصبر أن نكمل. لكن علينا أن لا نتذمر وسط التجربة بل نشكر عالمين أن كل ما يسمح به الله هو للخير ولبنياننا وحتى نتزين بالفضائل وحتى ننال إكليلاً أبدياً (1 بط 5 : 10). أما التذمر فهو يوقف ويعطل عمل الله ويوقف تعزيات الله التى بها نحتمل التجربة.
آية (5):- " 5وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ."
إن كان أحد تعوزه حكمة = الحكمة هى معرفة هدف الله من التجارب وأنها للفائدة وحتى نكمل، وأن الله يحبنا جداً، بل هو طاقة محبة متجهة لنا نحن البشر. أما الجهل فهو أن نشعر أن الله يكرهنى إذ سمح ببعض الألام. والحكمة إذاً أن نتقبل الألام بشكر وصبر وبدون تذمر. والله سيعطى لمن يطلب هذه الحكمة حتى يفهم محبة الله له ، دون أن يعيره الله بسبب ضعفه وجهله وخطاياه السابقة . ومن يعطيه الله حكمة سيفهم إرادة الله من التجربة ويفرح بها ويعلم أنها للخير.
آية (6):- " 6وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. "
بإيمان = ما الذى يمنع الله من الإستجابة لصلواتنا ؟ عدم الإيمان. والإرتياب فى وعود الله. وهذه خطية أن لا نثق فى الله (مر 11 : 24) لأن هذا المرتاب يكون متردداً بين حالة الإيمان والثقة بالله وحالة عدم الإيمان بل الإعتماد على حكمته البشرية التى تقوده للتذمر على الله، وهذا تجده مرة يصلى ومرة يمتنع عن الصلاة نهائياً ظاناً أن الله لا يستجيب، تجده مرة يذهب للكنيسة ومرات لا يذهب فلماذا يذهب والله لا يستجيب. هذا يشبه موجاً من البحر تخبطه الريح.والتجارب هنا شبهها بالريح التى تدفع الموجة(أى المؤمن) فتصطدم بالصخور التى هى الشك، وتتحول إلى رذاذ. والرذاذ لا قوة له إشارة لضعيف الإيمان والمتشكك فهذا تكون صلاته عديمة القوة = بلا جدوى . وقارن مع المرأة التى لمست ثوب المسيح بإيمان فخرجت من المسيح قوة شفتها . والموج بطبيعته أنه يرتفع وينخفض وبهذا يشبه المرتاب الذى يعلو إيمانه يوماً وينخفض يوماً أخر. أما لو كان إيمانه ثابتاً فسيكون كالبحر الهادىء ولا يتحول إلى رذاذ. وماذا أفعل لو كان إيمانى ضعيفاً ؟ هنا نفعل كما فعل هذا الرجل ذو الإيمان الضعيف حين سأله السيد أتؤمن ؟ فقال أؤمن يا سيد فأعن عدم إيمانى. فهل تركه السيد ؟ لا بل شفى إبنه وبهذا حقق طلبه وشفى عدم إيمانه. فلنقف أمام الله وعوضاً عن التصادم مع الله بسبب التجربة، لنصلى "أعن عدم إيمانى".
آية (7):- " 7فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. "
هذا المرتاب لن يحصل على شىء من الله، وحين يصلى تكون صلاته بلا نفع.
آية (8):- " 8رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ."
رجل ذو رأيين = أى لم يسلم الأمر لله بالكامل. متقلقل = لم تثبته الحكمة الإلهية فهو يشك فى الله وفى محبته، هذا يكون بلا حكمة.
آية (9):- " 9وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ، "
ربما يقصد بالأخ المتضع أنه الفقير الذى سلبوا أمواله أثناء الإضطهاد، أو يقصد به أى مجرب مضطهد من أعداء أقوياء. على هذا المسكين أن لا يخجل من مسكنته، بل يفتخر بإرتفاعه = فهو فى ألمه صار شريك ألام مع المسيح وبالتالى شريك أمجاد مع المسيح، وارث للمجد، وهذا هو الإرتفاع الحقيقى.
آية (10):- " 10وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ. "
وأما الغنى = وهنا لم يقل الأخ حتى لا يظنوا أنه يداهن الأغنياء بسبب غناهم. والمسيحى عليه أن لا يفتخر بغناه أو مركزه فى المجتمع، فكل ما فى العالم إما سيزول أو سنتركه ونموت. على الغنى أن يشعر أن كل مالديه هو لاشئ. بل هو إذا أتى لصليب المسيح ودمه الغافر سيشعر أن كل شئ لديه هو تفاهة بجانب ذلك الدم الثمين، وحينئذ لن يفتخر بما لديه بل بدم المسيح الذى سفك لأجله وكان سبباً فى الأمجاد الحقيقية المعدة له فى السماء. إذاً على الغنى أن يتضع ويشبه سيده الذى أخلى ذاته لأجله (2كو10: 17). ونفس المفهوم قاله أرميا (9: 23). وإذا اتضع وأدرك أن العالم باطل وأنه لا شىء، فعليه أن يفتخر إذ أنه أدرك الحقيقة. فالعالم كزهر العشب يزول = إشارة لعدم يقينيه الغنى ولذبول الأغنياء وسط مسراتهم (مثال لذلك بيلشاصر).
آية (11):- " 11لأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضًا فِي طُرُقِهِ. "
يشبه الغنى بزهر الشعب الذى ييبس ويسقط ويفنى جمال منظره هكذا فالغِنى أيضاً إلى زوال. ولاحظ أن هذا المنظر معتاد لأهل فلسطين، حيث تغطى أزهار شقائق النعمان منحدرات التلال فى الصباح، ولكن ما أن تظهر الشمس وتهب الرياح الحارة حتى تجف هذه الأزهار وتجمع للوقود، وهكذا أمجاد وأموال هذا العالم. والشمس تشير للتجارب، فالشمس التى تعطى حياة للزروع هى نفسها التى تجفف وتفنى جمال زهر العشب. وبنفس المفهوم فالتجارب تزيد المؤمنين بريقاً، وتهلك المتكلين على غناهم فيذبلون فى طرقهم.
آية (12):- " 12طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ."
طوبى للرجل الذى يحتمل التجربة = لأن من يحتمل يتدرب على حياة التسليم ويكتسب الصبر وينمو روحياً ويكمل، ويتقابل مع المسيح المتألم ويزداد معرفة بشخص المسيح فيحبه ويختبر التعزيات السماوية وينتظر بشوق ورجاء إكليل أبديته والمجد المعد له = إكليل الحياة = إستعارة من البطولات الرياضية، وهذا الأكليل هو لمن يغلب
(2كو12: 1). لأنه إذا تزكى = تزكى أى تنقى من محبة العالم التى هى عداوة لله فكانت التجارب له هى كالنار التى تصفى الذهب من الشوائب، صارت نافعه له (1بط1: 7). هذا إذا إحتملها بصبر ودون تذمر.
آية (13):- " 13لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا."
كان يعقوب يكلم أناساً واقعين تحت تجارب عنيفة من اليهود. ويقول لهم أن التجارب هى علامة حب من الله وأنها تكمل، وتنزع الفساد الداخلى وبها نستعد للسماء ولهذا نفرح بها. والله يعطى صبر وتعزيات تكون كمسكن (بنج) حتى تتم عملية نزع الفساد بنجاح. ثم يتطرق يعقوب لنوع آخر من التجارب ناشئ عن شهوات داخلية وخطايا. ويقول أنه على الإنسان الذى يجرب من تجارب خاطئة كهذه ألا ينسب هذه التجارب لله، كما لو أن الله هو الذى يدفع الإنسان لإرتكاب الشرور أو الخطيئة. وهذا الإتهام يهين الله. هنا يعقوب يرد على هرطقة إنتشرت أيامه تقول أن الله هو سبب التجارب الشريرة، فهو يجرب الناس بالشرور.
إذاً التجارب نوعان :-
1. ما يسمح به الله لنمونا وتزكيتنا ولوقايتنا من الشرور لنكمل.
2. ما هو من الشيطان أو من الخطية الساكنة فينا.
وعلينا إحتمال الأولى بصبر ومقاومة الثانية، ومن يغلب فى الإثنين يكلل.
الله غير مجرب بالشرور = أى أن الله قدوس وسماوى، مرتفع تماماً عن صنف الشرور، منزه عن كل شر، وكله خير. ولن ندرك كمالاته طالما كنا فى الجسد. وهو لا يشعر بأى جذب للشر بل يكرهه تماماً. لذلك هو لا يجرب أحداً بالشرور التى هى خطايا. فهو لا يتلذذ بالخطايا ولا بسقوط أحد فيها. المعنى أن الله لا يتعامل فى هذا الصنف. لكن مصدرالخطايا هو أنا وشهواتى وإبليس وليس الله. الله خلقنا فى أحسن صورة ولم يخلق فينا عواطف أو دوافع شريرة،ونحن فى آدم انحرفنا والأن ننحرف بإرادتنا. ولكن من يريد أن يسلم عواطفه ومشاعره لله يقدسها له. أما إبليس فهو شرير ومجرب بالشرور بقصد إهلاكنا.
الأيات (14-15):-" 14وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. 15ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا. "
إذا حدث أن إنساناً ما قد لحقت به تجارب شريرة، فعليه أن يدرك أن هذا يرجع إليه لا إلى الله، وأن مصدر هذه التجارب هو شهوته التى إنجذب بها وإنخدع ومال إليها. علينا إذن أن لانبحث عن سبب التجارب الشريرة خارج دائرتنا، بل نبحث فى قلوبنا. فأى شر لن يضرنا ما لم يجد ترحيباً فى الداخل.
إنخدع=الكلمة الأصلية تعنى أكل الطعم.
إنجذب = الأصل أننا فى حضن الله ثابتين فى المسيح، ومن يقبل الخطية ينجذب من الأحضان الإلهية ، فلا شركة للنور مع الظلمة، هو ينجذب من ملجأه الحصين إذ خبأ له الشيطان السم فى العسل فتصور أن الشر لذيذ. ولنلاحظ أننا تحت قوتى جذب. فالنعمة (قوة عمل الروح القدس فى) تجذب من ناحية، والشر يحاول أن يجذب ويخدع مستغلاً ضعف طبيعتنا. وعدو الخير يقوم بإثارتنا بمثيرات داخلية وخارجية من ملذات حسية وملذات العالم وكراماته وأحزانه، ولكن هذه كلها مهما إشتدت ليس لها قوة الإلزام، بل هى خادعة لكيما يخرج الإنسان من حصانة الله. ولكن لا ننسى أن قوة جذب النعمة أقوى من قوة جذب الخطية (يع4: 6). والمسيح ينادى على خرافه ويستميلهم إليه (يو 10: 27). والقرار قرارى أنا وحدى، أن أبقى فى حضن الله وفى حظيرته ، أو أخرج فأصبح خروفاً ضالاً منجذباً من شهوته. وإستخدم يعقوب هنا صورة رائعة ليشرح ما يحدث. فهو قد صور الشهوة على أنها إمرأة ساقطة تحاول أن تغوينى لأقع فى حبائلها. ولو قبلت عرضها أى قبلت الفكر وبدأت أخطط لكيفية تنفيذه فكأننى إتحدت به وصرنا واحداً، أى صرت واحداً مع المرأة وإتحدت معها وبهذا صارت المرأة حبلى. وإذا خرجت الخطية لحيز التنفيذ فكأن المرأة ولدت، وماذا ولدت ؟ موتاً.
روعة هذا التصوير أن الشهوة منفصلة عن الإنسان، والإنسان حر فى أن يقبل غوايتها أو يرفضها. أنا شىء وشهوتى شىء آخر وبإرادتنا نتحد أو نظل منفصلين. وهناك قوة جبارة تحفظنى هى النعمة. إذاً داخلى ميول خاطئة لكن أنا غير متحد بها إلا لو إنخدعت وإنجذبت وبدأت أخطط لها.
إذاً هناك مراحل ثلاث للخطية :-
1. مرحلة الفكر:- مجرد فكرة خطرت ببالى، فكرة ألقاها الشيطان. وهذه ليست خطية إذا رفضتها وصرخت لله أن ينجينى من هذا الفكر. هنا المرأة أى الشهوة تحاول خداعى، ومن يرفض لا تصير عليه خطية. هذا ما قاله الأباء أن الإنسان غير مسئول عن الطيور التى تطير أمام عينيه، لكنه مسئول عنها لو عششت فى رأسه. أى عملت لها عشاً فى رأسه، أى انجذب الإنسان للفكر وأعجب به وبدأ يتلذذ به ويخطط لتنفيذه. ومن يصارع الخطية فى طورها الأول يتخلص منها بسهولة (علامة الصليب يرشمها مع الصراخ بصرخة خفية داخلية وبإسم يسوع وبشفاعة القديسين) أما لو تركها الإنسان للطور الثانى أو الثالث فيكون هذا بإرادته، ويكون هنا من الصعب التخلص منها. فى هذا الطور يحاول عدو الخير أن يثير حواس الإنسان وفكره وذاكرته لمحاولة جذبه لإسقاطه.
2. الشهوة إذا حبلت تلد خطية:- هذا هو الطور الثانى. هنا حدث نوع من الإتحاد مع المرأة (بين الإنسان وشهوته). رأينا المسيح ينادى على خروفه حتى لا يخرج. لكن المسيح يحترم حرية الإنسان، فإن لم يشأ الإنسان أن يسمع وخرج، يبدأ الطور الثانى أو المرحلة الثانية، وفيها يسلم الإنسان إرادته للشهوة. هنا يشبه الرسول الشهوة بإمرأة زانية تجذب الإنسان إليها وتخدعه، وإذ يقبلها ويتجاوب معها يتحد بها، فتحبل ويتكون جنين فى بطنها الذى هو الخطية. هنا الخطية لم تحدث حتى الآن. ولكن بدأ الإنسان يتلذذ بأفكاره الخاطئة وترك لها العنان وإتخذ قراراً بتنفيذها، ويخطط لتنفيذها.
3. والخطية إذا كملت تنتج موتاً:- هنا خرجت الخطية لحيز التنفيذ أى تم تنفيذ الخطية وهذه هى المرحلة الثالثة أو الطور الثالث. هنا إكتمل نمو الجنين وولدت إبناً هو الموت، فالخطية تحمل فى طياتها جرثومة الموت. وأجرة الخطية موت.
الأيات (16-17):-" 16لاَ تَضِلُّوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ. 17كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ. "
لا تضلوا = أى لا تصدقوا الهرطقة المنتشرة بأن الله مجرب بالشرور. بل علينا أن ننسب لله كل خير يأتى علينا، فهو صانع خيرات. فهو أبى الأنوار = الأنوار هى كلمة فلكية تشير للكواكب المنيرة. فالله لا يخلق سوى النور، أما الظلمة فالله لم يخلقها بل هى إنعدام النور. والنور هنا إشارة لصلاح الله وخيريته، وأنه المصدر الوحيد لكل نور طبيعى أو أخلاقى. إذا الله ليس مصدراً للشرور ولا يعرف كيف يضع شراً فى قلب أحد.
وإذا كان الله هو مصدر كل نور وكل صلاح وكل خير، فعلينا أن لا ننسب لأنفسنا أى خير أو صلاح نحن فيه، فكل عطية صالحة مصدرها الله. وهذا ما قاله بولس الرسول " إذا كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ " (1 كو 4 : 7).
وليس عنده تغيير أو ظل دروان = وهذا أيضاً تعبير فلكى. ففى الفلك هناك تغيير ناشىء عن دوران الكواكب، فيحدث ليل ونهار، شتاء وصيف أما الله فلا يتغير أبداً ولا يبدل مشيئته ومخططاته التى هى نور وصلاح دائم. أما الدوران والتردد فهو فينا نحن. الله لا يتغير بمعنى أن إرادته نحونا دائماً مقدسة. لا نرى منه سوى إرادة مقدسة وخير وحب وصلاح وطهارة. وخلال أشعة محبته المعلنة فى عطاياه الروحية والزمنية يجذب أنظارنا وينير عقولنا فنراه ونحبه.
إذاً لا يعقل أن نرى منه يوما عطايا صالحة ثم نرى منه يوما آخر تجارب شريرة.
آية (18):- " 18شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ."
شاء = إرادة الله أن الجميع يخلصون (1 تى 2: 4). والله صنع هذا الخلاص أولاً بأنه خلقنا ولما سقطنا فدانا وصرنا نولد ولادة ثانية = شاء فولدنا بكلمة الحق إن أشرف عطية حازها الإنسان أننا بالرب يسوع كلمة الحق الذى مات عنا بالجسد وقام ووهبنا بروحه القدوس أن نولد لله ولادة جديدة روحية بالمعمودية. فهل بعد كل هذا الحب والإرادة الخيرة نحونا يقول إنسان أن الله مجرب بالشرور. وبهذه الولادة التى بها نتحد بالرب يسوع (رو 6 : 5) نصير باكورة من خلائقه والباكورة مقدسة لله أى مكرسة له ومخصصة له. إذا فنحن نصيب الله المكرس له. كما كانت الباكورات تقدس للهيكل، هكذا نحن صرنا قدساً للرب. وهذا تم بالمعمودية والميرون. وهذا يعنى أنه طالما صار الجسد مقدساً فليس من حقى أن أخطىء به.
والمسيح هو باكورتنا، ونحن المسيحيين باكورة العالم كله. كان المسيح باكورة إذ قدم قرباناَ وذبيحة، فهل نقبل أن نكون ذبائح حية وقدوة للعالم.
فى الايات التالية بعد هذا ينتقل الرسول من الحديث عن التجارب الخارجية كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخلية أى التحفظ من الخطية، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا معلناً حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولاداً له... لكن ما موقفنا الآن نحن كأولاد الله... هذا ما يحدثنا عنه الرسول بصورة عملية فيما يأتى. والرسول يستعرض هنا بعض صور التجارب المختلفة :-
1. التسرع فى الكلام.
2. الغضب.
3. النجاسة.
4. خداع النفس.
5. نسيان الكلمة.
6. إنفلات اللسان.
ثم يستعرض العلاج :-
1. الشبع بالإنجيل ليصير مغروساً فى القلب.
2. العمل بالإنجيل وتنفيذ وصاياه الحية.
3. إفتقاد اليتامى والأرامل والتحفظ من الدنس الموجود فى العالم.
آية (19):- " 19إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، "
هنا نرى وصايا خاصة بالتعامل مع الناس.
مسرعاً فى الإستماع. مبطئاً فى التكلم = هنا يعالج الرسول عيب خطير فى حوارنا مع بعضنا البعض. فنحن لا نعطى فرصة لمن يريد أن يتكلم حتى يعبر عن نفسه، بل نقاطعه لنعلن رأينا نحن، كأن الجميع لا يفهمون شيئاً وأنا وحدى الذى أفهم فهناك من يريد أن يثبت ذاته فى أى حديث ويتكلم كمن لا يوجد غيره.
وهنا نسمع الطريقة الصحيحة للحوار. أن نعطى للمتكلم فرصة كافية ولا نقاطع المتكلم، عموماً من يسمع للناس بهدوء لن يخطئ فى الرد عليهم.
ويقصد ايضاً الرسول أن نستمع لشكوى الناس من ألامهم. فهناك من يتألم ولا يجد من يستمع إليه، فلنستمع لمن يتكلم بوداعة، ونفتح قلوبنا للناس. عموماُ فالذى تعلم من المسيح تجده لا يتكلم كثيراً بل يعمل كثيراً. ولنبطئ الحديث عن حقائق الإيمان خصوصاً وسط من يعلمون. فمن يتكلم كثيراً يخطئ، ومن يتسرع فى الكلام يخطئ (أم 29: 20). وقال القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك " كثيراً ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فلم أندم قط ". حسن للإنسان أن يشهد للحق لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفس خائرة ضعيفة تخفى ضعفها وراء المظهر. لكن الكتاب يعلمنا أنه " للسكوت وقت وللتكلم وقت (جا3: 7). ومارإسحق يحدثنا عن الصمت بأنه ليس هو عدم الكلام بل إنشغال القلب فى حديث سرى مع الرب يسوع لذلك هناك :-
1. صمت مقدس فيه يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله. هذا معنى "صلوا بلا إنقطاع".
2. صمت باطل فيه يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.
3. صمت شرير فيه يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.
والأهم من كل هذا أن نكون مستعدين لسماع كلمات الرب يسوع فى إنجيله. فهل يمكن أن نهرب من إنشغالات العالم، ونخصص كل يوم وقتاً لنسمع فيه كلمة الله ونجلس عند قدميه كما فعلت مريم. ونسمع عظات تتكلم عن المسيح.
مبطئأً فى الغضب = الله طويل الأناة بطئ الغضب، وعلى أولاده أن يتشبهوا به. فهل يستطيع إنسان غضوب أن يبشر ويكون سبباً فى إنتشار إسم المسيح.
آية (20):- " 20لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ. "
الإنسان الغضوب يعطل عمل الله الذى كله بر، سواء مع نفسه أو مع الآخرين وهذا معنى لايصنع بر الله. فهو لا يقدر فى لحظات غضبه أن يقف للصلاة ولا أن يسبح الله كما قال القديس أغسطينوس. بل يسبب أحقاد الآخرين ضد المسيحية. راجع (أم 22 :24+ 29: 22 + 15: 18). عموماً فألتأنى أحسن علاج للغضب.
آية (21):- " 21لِذلِكَ اطْرَحُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ وَكَثْرَةَ شَرّ، فَاقْبَلُوا بِوَدَاعَةٍ الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُخَلِّصَ نُفُوسَكُمْ. "
إطرحوا = بمعنى إخلعوا الثياب الوسخة أى أرفضوا التفكير فى الشرور والجلوس فى أماكن الشر. تخلصوا من كل شر حتى لو ظهر أمام العالم أنه مساير لروح العصر.
فإقبلوا = حرف الفاء يشير أنه حين نترك الشر سنتقبل الكلمة المغروسة.
فالقلب المملوء شراً ليس فيه مكان لأفكار الخير وحين نترك الشر نقبل كلمة الله.
الكلمة = هى كلمة الله فى الكتب المقدسة. وهذه الآية تتفق مع مثل الزارع. فالبذرة هى كلمة الله. والظروف المواتية لنموها هى القلب النقى الأمين الخالى من كل شر ونجاسة (أحجار وشوك) وأحقاد. وقبولنا لكلمة الله سيكون له ثمار كثيرة.
ومن ضمن النجاسات والشرور التى يجب أن نطرحها عنا الغضب حتى نستطيع أن نقبل كلمة الله. فى وداعة. فالثائر الغضوب لا يمكن أن يقبل كلمة الله.
والرسول يكلم أناساً مؤمنين ومع هذا يقول لهم قادرة أن تخلص نفوسكم = ولم يقل خلصت نفوسكم. لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته وليس أمراً حدث وإنتهى. لاحظ أن الرسول ينصحنا بأن نخضع لكلمة الله بروح الوداعة وليس بروح العجرفة.
آية (22):- " 22وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ."
تفسير هذه الأية فى (رو2: 13) " لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون " وفى تشبيه السيد المسيح لمن يسمع ولا يعمل تجده فى (مت 7: 26، 27). وفى الأيات التالية نجد تشبيه الرسول نفسه لمن يسمع ولا يعمل.
الأيات (23-24):-" 23لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَامِعًا لِلْكَلِمَةِ وَلَيْسَ عَامِلاً، فَذَاكَ يُشْبِهُ رَجُلاً نَاظِرًا وَجْهَ خِلْقَتِهِ فِي مِرْآةٍ، 24فَإِنَّهُ نَظَرَ ذَاتَهُ وَمَضَى، وَلِلْوَقْتِ نَسِيَ مَا هُوَ. "
من يسمع الكلمة ولا يعمل بها يشبهه الرسول هنا بمن يرى وجه خلقته فى مرآة و يرى العيوب التى فى وجهه (قذارة مثلاً)، وبالرغم ممارآه فهو يمضى دون أن يصلح شيئاً من عيوبه. بل يظل طوال النهار يفكر فى وسامته وينسى العيوب التى كانت فيه. والكتاب المقدس هو كمرآة تكشف خفايا الروح وتظهر لنا خطايانا حتى نندم عليها ونقدم عنها توبة، المهم هو محاولة ترك الخطية وليس سماع الكلمة فقط وهكذا نستمع لعظات نكتشف فيها عيوبنا وسرعان ما نغادر المكان وننسى ما سمعناه من تعليم أو وعظ. ومعنى ذلك أن الإكتفاء بالاستماع لكلمة الله دون العمل بها لا يعمق الكلمة فى داخلنا. ومن مثل السيد المسيح (مت 7 : 26، 27) نفهم أنه حين نعمل أى نحاول تنفيذ ما سمعناه يكون هذا هو الأساس الصخرى الذى يحفظ البيت من السقوط. أو هو الذى يثبت كلمة الله فى داخلنا. وبدون العمل تنسى كلمة الله ويضيع تأثيرها تماماً كمن يبنى بيته على الرمال فلا يجد ما يرتكز عليه.
إن تنفيذ الوصية والعمل بها يجعلنا نختبر المسيح ونعرفه حقيقة، ومن يعرفه سيرفض أفكار الشيطان عنه بأن المسيح قاس إذا هبت رياح التجارب.
آية (25):- " 25وَلكِنْ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى النَّامُوسِ الْكَامِلِ نَامُوسِ الْحُرِّيَّةِ وَثَبَتَ، وَصَارَ لَيْسَ سَامِعًا نَاسِيًا بَلْ عَامِلاً بِالْكَلِمَةِ، فَهذَا يَكُونُ مَغْبُوطًا فِي عَمَلِهِ."
من إطلع = نظر بتفرس وتأمل وبحث وإجتهاد، ليس كمن ينظر فى مرآة بطريقة سطحية ويمضى وللوقت ينسى ماهو. بل ينظر ويدقق ليرى عيوبه ويستمع للوصايا وينفذها ليصلح من عيوبه.
الناموس الكامل = بالمقارنة مع ناموس موسى الذى كان ناقصاً ولم يصل بأى أحد للكمال، مثلاً كل ما وصل إليه "لا تزن". لذلك جاء المسيح "لا لينقض الناموس بل ليكمل" ويقول من نظر لإمرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه.
ناموس الحرية = بالمقارنة مع ناموس موسى الذى كان مؤد بنا إلى المسيح (غل 3: 24) هو إذن كان للتأديب أى يفرض على ما لا أريد أن أعمله. هو أوامر على من يسمعها أن ينفذها وإلا يعاقب فهو ناموس عبودية. اما ناموس المسيح فهو وصايا مكتوبة بالروح القدس على القلوب، ومن كتبت على قلبه ينفذها عن حب سكبه الروح القدس فى قلبه (رو5: 5) + (يو14: 23) + (أر31: 33) أما ناموس موسى فكان مكتوباً على ألواح حجرية خارج القلب. اما الروح القدس فحول القلب الحجرى إلى قلب لحم (حز 11 : 19). والمحبة التى يسكبها الروح القدس تحول القلب الحجرى إلى قلب لحم فيطيع الوصية لا عن خوف بل عن حرية، حباً فى المسيح، لذلك هو ناموس كامل يخاطب من ولد من الله بطبيعة جديدة تشتمل على رغبات وأشواق بحسب كلمة الله. هذه الولادة ترقى طبيعة الإنسان وتنميها وتكملها. بل أن الإنسان الداخلى فينا والذى هو على صورة المسيح بحريته يختار طريق المسيح فالمسيح داخلنا. وبهذه الطبيعة نعمل الأعمال الصالحة ومشيئة الله ونتشبه به فى صفاته لأننا صرنا أبناءه. لقد حررنا المسيح بقوة الدم من سلطان الخطية ووهبنا حرية الأبناء. بهذا تصير كلمة الله بالنسبة لنا عملية فلا يكون الواحد منا بعد ذلك سامعاً ناسياً بل كلمة الله ثابته فيه. فى أعماق نفسه الداخلية. هذا العمل يهب لنا عذوبة رغم صعوبة الوصية، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصية أبيهم. ومن هو هكذا أى يفعل هذا العمل يكون مغبوطاً فى عمله هذا.
آية (26):- " 26إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِيكُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ دَيِّنٌ، وَهُوَ لَيْسَ يُلْجِمُ لِسَانَهُ، بَلْ يَخْدَعُ قَلْبَهُ، فَدِيَانَةُ هذَا بَاطِلَةٌ. "
ظهرت هرطقة فى أيام يعقوب، غالباً كانت بسبب فهم خاطئ لرسالة رومية كما قال بطرس الرسول (2بط3: 15، 16). وهذه الهرطقة قالت أنه طالما نحن قد آمنا بالمسيح فلنفعل ما يحلو لنا، وسنناقش هذا فى الإصحاح التالى. ولكن فى هذه الأية والأية التالية يعلمنا الرسول يعقوب أن الإيمان وحده لا يكفى بل يظهر أهمية أعمالنا وأن أعمالنا تظهر نوعية إيماننا. وهنا يقدم يعقوب صورة للتدين الحقيقى والتدين الظاهرى الكاذب. والله الذى يكشف أعماق القلب يعرف الحقيقة. فالبعض ظنوا أنه لا حاجة لضبط لسانهم بدعوى أن القلب طيب وأن العبادة بالروح وليس باللسان. والرسول يقول لا فبداية كل شئ هو اللسان وقارن مع إصحاح (3) فاللسان هو الدفة التى تقود السفينة أى الحياة كلها ولكن السيد المسيح يقول من فضلة القلب يتكلم اللسان (مت12: 34). ولنفهم هذا فلنتصور أن القلب هو خزان يمتلئ بكل ما يوضع فيه عن طريق فتحاته. وفتحات هذا الخزان (العيون /الأذان / اللسان / الأفكار) وتصور معى انسان كل كلامه بطال (نجاسة مثلاً) فالقلب سيمتلئ نجاسة، ومن فضلة القلب يتكلم اللسان، وحينما يتكلم بكلام نجاسة يزداد القلب إمتلاء بالنجاسة. لذلك نسمع هنا أن من يعمل هذا يخدع قلبه. فمن يتكلم كلام بطال ملأ قلبه كلام بطال. إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه فبينما يظن أنه دين إلا أن ديانته باطلة، وقد لوث حياته كلها وقاد السفينة للخطر، لذلك فنحن سوف نعطى حساباً عن كل كلمة بطالة نقولها (بطالة أى فارغة بلا معنى). فالكلام البطال يملأ القلب بكلام بطال فتصير حياتنا باطلة. وكلام التذمر يملأ الحياة مَراراً وتصير الحياة كلها فى تصادم مع الله. إذن الكلام البطال خداع للقلب.
والقلب المقصود به ينبوع الأفكار والعين الداخلية المدركة للأمور وموضع الفرح والحزن الداخلى وكل المشاعر والعواطف، وأهداف الإنسان وإتجاهاته وتصميماته (مز 33 : 11) + (إش 6 : 10) + (نش 3 : 11) + (حز 11 : 21). إذن من الواجب أن ألجم لسانى ولا أنطق بأى كلمة لا معنى لها وليس لها هدف مهم بناء. والعكس فمن يعلم نفسه لغة التسبيح والشكر تصبح حياته كلها سلام وفرح.
سأل أخ شيخاً "يا أبى إنى أشتهى أن أحفظ قلبى" فقال له الشيخ "كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذى هو باب القلب مفتوح سايب".
آية (27):- " 27اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ. "
الديانة الطاهرة هى... إفتقاد اليتامى = ولم يقل إنها الإيمان أى الإيمان النظرى، أو بعض الممارسات الطقسية دون أعمال. وهذا ليس إستهتاراً بالإيمان لكن كشف للجانب العملى للإيمان وتأكيداً للأعمال المرتبطة بالإيمان. والله أقام نفسه أباً للأيتام وقاضى للأرامل (مز 68 : 5) فمن كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يمتثل بأبيه.
إفتقاد = زيارة ومعونة وتعزية.
حفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم = دنس العالم أى عاداته الخاطئة.
ولكى يحدث هذا فلابد من عمل نعمة الله فينا. ولكى تعمل فينا نعمة الله علينا أن نرحم الآخرين (إفتقاد اليتامى) ليرحمنا الله. لذلك هو بدأ بإفتقاد اليتامى والأرامل ثم تحدث عن حفظ الإنسان نفسه بلا دنس. إذن فلنرحم المحتاج حتى لو كان هذا ضد رغبتنا. لنرحم فيما هو قليل فيرحمنا الله فى الكثير. وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس لا يعطى لإبليس أى حق ملكية فيه وبهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.
ونلاحظ أننا لن نستطيع أن نعمل هذا ولا ذاك سوى بإيمان حى. فالمؤمن الحقيقى سيرحم أخوه ولا يبخل عليه. وحركة الرحمة هذه ستأتى من الإيمان الداخلى، لكنه الايمان الحى العامل بالمحبة والذى به نتشبه بالمسيح بعمل نعمته فينا (غل4 : 19).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
الإيمان والتجارب وسلوك أولاد الله
(1) مقدمة وتحية (ع1) :
ع 1 : يفتتح يعقوب الرسول رسالته بقوله " يعقوب عبد الله والرب يسوع " ليظهر لاهوت السيد المسيح ، ورغم أنه لُقِّب بأخي الرب ظلَّ محتفظاً باتضاعه فدعا نفسه عبداً ليسوع المسيح . وكما كان العبد ليس له سلطان على جسده أو زوجته أو أولاده ، فيقول الرسول يعقوب أنه " عبد " بفرح لأنه سلَّم كل حياته وماله للرب ، كما قالت السيدة العذراء " هوذا أنا أمة الرب " ، ففرحتها أنها ستكون والدة الإله الكلمة المتجسد لم تنسها أنها عبدة الله . الشتات : تشتت المسيحيون الذين من أصل يهودي بعد استشهاد استفانوس في كل أنحاء العالم بسبب الإضطهاد ، فكتب لهم يعقوب الرسول هذه الرسالة ليشددهم ويشجعهم ويقوي إيمانهم . وكتب أيضاً لجميع المؤمنين المُضطَّهدين ولجميع من آمنوا من اليهود الذين كانوا قبلاً يعيشون بين الأمم .
+ ليتنا لا ننسى أننا عبيد لله ونسلم له كل حياتنا مهما كان لنا من دالة البنوة .
(2) كيف نحتمل التجارب ؟ ( ع 2 - 12 ) :
ع 2 : إحسبوه : إعتبروه . كل فرح : بركات كثيرة للتجارب تفرح النفس . تقعون : تعني وقوع تجارب من الخارج على المؤمن ولكن دون أن يسقط الإنسان في خطية . وهذا النوع من التجارب لتزكية الإنسان كما امتحن الله إبراهيم . والله يعطي التجربة على قدر احتمال الإنسان ولكن إن أخطأ الإنسان أثناء التجربة كما تذمر أيوب ، فالله يسنده حتى يتوب وبهذا يستفيد أيضاً من التجربة . عندما يسمح الله بتجارب تأتي علينا لا ننزعج بل نثق في البركات الكثيرة التي سننالها منها وتفرح قلوبنا . وفي الأعداد التالية تظهر بركات التجارب وهي :
ع 3 : 1- الصبر :
أول وسائل احتمال التجربة والنجاح فيها هو الصبر عليها ، لأنَّ الألم شئ صعب على الإنسان ولكن بالصبر عليه ننال بركات .
ع 4 : 2- أعمال الكمال :
الوسيلة الثانية هي مصاحبة الصبر بالأعمال الروحية مثل الصلاة والصوم والمطانيات والشكر ، والإستمرار في هذه الأعمال بسعي نحو الكمال المسيحي . وهكذا ننموا روحياً في علاقتنا بالله .
ع 5 : 3- الحكمة :
التجربة تخلق مشاكل فيحتار الإنسان كيف يتصرف ويحتاج للحكمة ليتصرف حسناً ويعبر التجربة . ويقدم الرسول حلاً بسيطاً وهو طلبها من الله بإيمان وهو بالطبع سيعطي ، وعطاؤه يتميز بأمرين :
أ- بكثرة وسخاء أكثر مما نطلب .
ب- بمحبة أبوية فلا يعيرنا بضعفنا وجهلنا بل على العكس يستر علينا ويكرمنا .
ع 6 - 8 : 4- الإيمان :
إنَّ الله مستعد أن يعطينا الحكمة ولكن بشرط الإيمان وأن نكون مستعدين أن نفعل ما يطلبه منا ، ونثق أنَّ التجربة هي للخير وأما المرتاب أي الشكَّاك فيشبه موج البحر ، يرتفع ويندفع إلى الشاطئ ثم يتراجع ، مثل هذا الإنسان يعيش قلقاً مضطرباً غير قادر على اتخاذ القرار الصائب . لأنَّ عقل المرتاب غير مقتنع بأنَّ طريق الله هو الأفضل ، ومثل هذا لابد أن يتأكد أنه لن ينل شيئاً من عند الرب لأنه لا يؤمن بحكمة الله وقدرته .
رجل ذو رأيين : شخص يتردد بين الإتكال على الله والإستناد على عقله وقدراته وقوى العالم . أو يتردد بين التمسك بوصايا الله واستخدام وسائل العالم الشريرة ، فيستخدم أحد الإتجاهين أحياناً ثم الإتجاه الآخر . وهذا سيعاني من الإضطراب وعدم الإستقرار في كل أمور حياته .
ع 9 : 5- الإتضاع :
الإنسان الروحي ، أمام التجربة ، يتذكر خطاياه ويتوب ويصلي بتذلل أمام الله ، وعندما يتضع هكذا يرفع عنه الله مشاعر الضيق ويعزي قلبه فترتفع روحه ويبارك الله ويشكره . وهذا هو الإفتخار برفع الله له أي الشكر .
ع 10 : 6- غربة العالم :
الذي يشعر بغربة العالم وزواله يستطيع أن يتقبل التجربة وخسارة الماديات لأنها زائلة في نظره ، ويشبهها الرسول بالزهور التي سرعان ما تسقط في الأرض وتذبل . وبالتالي يجدر بالأغنياء وكذا كل واحد منا الشعور بأنَّ كل ما نملكه زائل ، فإن أخذته التجارب لا ننزعج ونثق أنَّ الثروة الحقيقية هي في الحياة مع الله وملكوت السموات ، أما من يعتمد على الماديات فسيذبل مثلها أي لا يتمتع بالسعادة الحقيقية مع الله على الأرض ولا ينال شيئاً في السماء .
ع 12 : يختتم الرسول كلامه عن احتمال التجربة فيبشر من يحتملها ، متبعاً الوسائل السابق ذكرها في الآيات الماضية مجتازاً التجربة بنجاح ، بنوال الإكليل السماوي في الملكوت أي التمتع مع الله إلى الأبد .
+ لا تنزعج من التجارب التي تمر بك ، فمهما بدت صعبة ، ثق أنَّ معونة الله لن تتركك والله سمح بها لتتقدم في حياتك الروحية وتخلص بها من كل شر .
(3) التجارب الداخلية وصلاح الله ( ع 13 - 18 ) :
ع 13 : إذا جرب : سقط في خطية بسبب التجربة . ينتقل إلى نوع آخر من التجارب وهي التجارب الداخلية ، أي تفاعل القلب مع الشر والسقوط في خطية . فإن حدث هذا لا يظن الإنسان أنَّ الله هو الذي خلق له طبيعه مائلة للشر أو دفعه للشر بهذه التجربة . لماذا ؟ .. لأنَّ الله بار وقدوس وكامل فلا يستطيع أحد أن يجربه بمعنى أن يسقطه في خطية . وهو بالتالي ، لأنه نوراني ، لا يميل بطبيعته إلى الظلمة أو إسقاط الناس فيها ، بمعنى أن يجربهم ليسقطهم . أما التجارب السابقة التي هي امتحان إلهي فهي تعني محاولة الله لترقيه الإنسان لدرجات أعلى ليكافئه مكافأة أكبر .
ع 14 : السبب الحقيقي للوقوع في التجربة هو تحرك الشهوة في قلب الإنسان وانخداعه بحيل إبليس ، فينجذب إلى لذة الخطية الخارجية ويسقط في شرها ومرارتها .
ع 15 : يوضح خطورة التفاعل الداخلى والسقوط في التجربة ، فالإنسان ينجذب إلى لذة الخطية لميوله الشهوانية الشريرة وهذا يشبهه بالحَبَل . والشهوة تسقط الإنسان في خطية فعلية ويشبه الخطية بالمولود من الحَبَل . ثم عقوبة الخطية هي الموت والعذاب الأبدي . فإذا استمر الإنسان في خطاياه طوال عمره تكمل خطيته ويُحكمَ عليه بالموت الأبدي ، وذلك مثل إنسان يشتهي حب التملك فيسقط في خطية السرقة ثم يُحكمَ عليه بالسجن ، فهذه تجربة تفاعل الإنسان معها داخلياً بمشاعر شريرة . وعلى عكس ذلك يوسف الصديق الذي احتمل العبودية في بيت فوطيفار ثم آلام السجن فنال مكافأة الله وهي عرش مصر ، فهذه تجربة خارجية لتزكية يوسف ومكافأته .
+ طرد الأفكار الشريرة ينجيك من خطايا كثيرة ، فالشيطان يفتت قوتك ويضعفك بكثرة الأفكار حتى إذا عرض عليك الخطية الفعلية بعد ذلك يسهل سقوطك . فاحترس من الأفكار والمناظر والكلمات حتى لا تسقط في تجارب صعبة تهلك حياتك .
ع 16 : ينهينا الرسول عن إتهام الله بأنه سبب خطايانا ومشاكلنا ، فسبب خطايانا كما ذكر هو انجذابنا بشهواتنا إلى الشر أما الله فصالح ومصدر كل البركات .
ع 17 : أبي الأنوار : مصدر كل نور وخير على الأرض . ليس عنده تغيير ولا ظل دوران : الكواكب تدور ويتغير مكانها وينتج عن ذلك تغير الجو في فصول السنة وتعاقب الليل والنهار ، وكان الظل قديماً يعرف به الزمن ، أما الله فليس عنده أي شئ من هذا لأنه ثابت وكامل . يعلن الرسول أنَّ مصدر كل العطايا الصالحة التي نتمتع بها وكل المواهب والقدرات التي عندنا هو من الله المعطي البركات ، وهو ثابت ومستمر في عطائه وليس مثل البشر المتغيرين ، فمهما بدوا صالحين فإنهم يتغيرون ويموتون .
ع 18 : كلمة الحق : المسيح . باكورة من خلائقه : كان اليهود قديماً يقدمون باكورة زرعهم وبهائمهم لله فتكون مقدسة ومتميزة عن غيرها لأنها لله . هكذا المؤمنون هم باكورة من العالم حتى يؤمن الكثيرون غيرهم ، وبسببهم يبارك الله الأرض كلها بما فيها من حيوانات ونباتات .
+ أعظم نعمة نلناها هي الولادة الجديدة بالمعمودية ، فصرنا أولاد المسيح المخلص وبداية للكنيسة التي ستضم الكثيرين الذين يؤمنون على مر الأزمان .
(4) سلوك أولاد الله ( ع 19 - 27 ) :
ع 19 - 21 : ينبه الرسول الإنسان المؤمن إلى بعض الفضائل الهامة في حياته وهي أن يكون :
1- مسرعاً في الإستماع : الإنسان الذي يسمع جيداً يفهم أكثر ويجد فرصة أن يطلب الله ليرشده فيما سيقوله ؛ وهو أيضاً مريح للآخرين ويقيم علاقة محبة أقوى معهم وينتج ذلك أن يكون " مبطئاً في التكلم " أي غير مندفع . كما يقول سليمان الحكيم " أرأيت إنساناً عجولاً في كلامه الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به " ( ام 29 : 20 ) ، إذاً ماذا هل نصمت أم نتكلم ؟ .. يقول القديسون " الكلام من أجل الله جيد والسكوت من أجل الله جيد أيضاً " .
2- مبطئاً في الغضب : المسيحي الحقيقي لا يغضب على الآخرين ، بل يكون متشبهاً بأبيه السماوي الطويل الأناة " لأنَّ غضب الإنسان لا يصنع بر الله " . ولكن الغضب المقبول هو غضب الإنسان على نفسه أي التوبة ويسمى أيضاً الغضب المقدس .
3- لذلك إطرحوا كل نجاسة وكثرة شر : إذ يهدأ الإنسان في كلامه مع الآخرين ، يلزمه أن ينتبه إلى التوبة ورفض كل أنواع النجاسة سواء الأفكار الشريرة والمناظر السيئة والكلام الدنس وكل أفعال الزنا والشرور الكثيرة المرتبطة بها .
4- إقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم : التوبة تمنح الإنسان نقاوة فيقبل كلام الله الذي يقرأه في الكتاب المقدس أو يسمعه في الكنيسة ويخضع له باتضاع وهدوء ، فتنغرس الكلمة في قلبه وتؤثر فيه وتقوده في طريق الخلاص . وهذا يوضح أهمية قراءة كلمة الله وحضور الإجتماعات الروحية .
ع 22 : 5- عاملين بالكلمة : لأنَّ من يسمع ولا يعمل يخدع نفسه بأنه متدين ويعرف كثيراً ، ولكن المقياس ليس بالمعرفة بل بتنفيذ الوصية عملياً .
ع 23 ، 24 : يشبه الرسول من يسمع الكلمة ولا يعمل بها برجل ينظر في مرآة ولم يصلح من منظره بل يمضي وينسى عيوبه . أما المؤمن فيجب أن ينظر بتمعن في كلمة الله التي هي مرآة تكشف له ضعفه وأخطاءه ونقائصه ، فيقبلها بوداعة ويصلح من ذاته ساعياً إلى القداسة والحق والكمال ليتشبه بأبيه السماوي ويحافظ على صورته التي أخذها بالولادة الجديدة .
ع 25 : إذا كان ناموس موسى أوامر بالحرف وفرائض وأحكام يعمل بها الإنسان كعبد وكواجب وفرض ثم ينساها ، فناموس المسيح غير ذلك ، فهو ناموس الحرية التي لأولاد الله عن حب . وسمي " الناموس الكامل " لأنه يوصل الإنسان للكمال بالنعمة وعمل الروح القدس . ومن يثبت في كلام الله مطبقاً إياه في حياته ، تكون أعماله مباركة من الله ويتمتع بالفرح والسلام .
ع 26 : 6- ملجماً لسانه : من يعتقد في نفسه القداسة والتدين ولكن لا يضبط لسانه ، فهو يوهم نفسه بتقوى مزيفة ويخدع نفسه أنه يعرف الله وهو لا يعرفه لأنه يثور ويغضب ويشتم ويدين الآخرين ويظن أنه صار مصلحاً لهم .
ع 27 : 7- الرحمة : يلخص يعقوب الرسول مفهوم الديانة الطاهرة بأنها :
1- أعمال رأفة مرتبطة بالإيمان والرحمة بالأيتام والأرامل الذين ليس لهم أحد يعولهم .
2- حفظ الإنسان قلبه في نقاء وقداسة وطهارة الفكر ويضع كلمة الله في حياته موضع التنفيذ بصبر وحب وفرح .
ولذلك ينبغي على المؤمن أن يبتعد عن كل مصادر التلوث السمعي والبصري ليصير مقدساً لله جسداً ونفساً وروحاً .
+ قدم محبتك لكل من حولك واشفق على الجميع فلا يوجد إنسان لا يتعرض لمتاعب ، واهتم خاصة بمن لا يهتم بهم الآخرون أو يعانون من الإحساس بالوحدة وثق أنَّ عمل الرحمة هذا يملأ قلبك سلاماً ويفيض عليك مراحم الله ويفرح قلبك عندما ترى الإبتسامة على وجوه من رحمتهم .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح