كلمة منفعة
ليس الإيمان هو مجرد عقائد جامدة تحفظها عن ظهر قلب، من علم اللاهوت وتعليم الكنيسة، بل الإيمان هو بالحري يقين داخلي عميق، وثقة كاملة بالله وصفاته وعمله.
— الإيمان
إنجيل يوحنا 20
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الإصحاح العشرون
20
زيارة القبر الفارغ * ظهورات المسيح بعد القيامة
[ 1 ] زيارة المجدلية وبطرس و يوحنا للقبر الفارغ ( ع 1 - 10 )
ع 1 : " أول الاسبوع : " و هو الأحد ، يوم اعلان النصرة و انكسار سلطان الموت ، و قد صار يوم الرب بدلا من السبت لكل المسيحيين منذ الكنيسة الأولى في العصر الرسولي .
" و الظلام باقي " ما اروع حب المجدلية للرب فمع أول خيوط الفجر ، عند فتح أبواب أورشليم خرجت من المدينة لتزور القبر ، وكان الظلام ما زال يغطي الجهة الغربية تماما ... و لم تبال بانها امرأة ... كان كل ما تمنته أن تلقي تظرة علي القبر من الخارج ، و لكنها عاينت القبر الفارغ إذ أن الملاك كان قد دحرج الحجر كما ذكر في ( مت 28 : 2 )
ع 2 - 4 : اسرعت في خروجها كاول مبشرة بالقيامة ، و سبقتها لهفتها لبيت بطرس أولا الاكبر و الأكثر شهرة ، ثم بيت يوحنا حيث تقيم العذراء مريم . و إذ لم تدرك بعد ابعاد القيامة ، ابلغتهم ، بحسب رؤيتها ، انهم اخذوا الرب إلى مكان مجهول . و ظهرت أيضا لهفة بطرس و يوحنا في جريهما نحو القبر و سبق يوحنا لصغر سنه .
ع 5 - 7 : كان جسد الميت يلف كله باكفان أما راسه فكانت تغطي بمنديل اكبر يشملها كلها ، و هو قطعة منفصلة .و الغرض من ذكر هذه التفاصيل إثبات شئ واحد ، و هو أن الجسد لم يسرق ، و ذلك لان الذي يريد سرقة الجسد لن يكون لديه الوقت لفك كل هذه الاكفان الملفوفة ، بل سياخذ الجسد كله ثم يتخلص من الاكفان بعيدا .
و لا يفوت القديس يوحنا ذكر بعض التفاصيل ليشركنا معه في المشهد ، فانحناؤه يوضح انخفاض باب القبر ، و عدم دخوله بعد نظر الاكفان يظهر رهبة الموقف . أما دخول بطرس فيؤكد طبعه الجرئ و باقدامه اللذين اعتدنا عليهما .
ع 8 : ثم جاءت شجاعة يوحنا بعد بطرس فدخل أيضا ، و تحول التعجب إلى ايمان و هو ايمان بما قالته لهما المجدلية و شكا فيه . ايمان يعجز أمامه العقل و اللسان بان المسيح قام و خرج بذاته من هذا القبر المعتم .
ع 9 - 10 : كان موت المسيح صدمة للتلاميذ لأنهم لم يفهموا نبوات العهد القديم عن قيامته ... و ينتهي هذا المشهد بعودة التلميذان إلى أورشليم حيث منزليهما .
[ 2 ] ظهور السيد المسيح للمجدلية ( ع 11 - 18 )
ع 11 - 12 : رجع التلميذان و لكن حب مريم ربطها بالقبر فلم تستطع أن تتركه ، بل انحنت لانخفاض باب القبر ، و اطلت داخلا فنظرت ملاكين ظهرا في صورة الناس ، و قد وصفهما كل من مرقس " شابا " ( 16 : 5 ) و لوقا " رجلان " ( 24 : 4 ) و يوضح القديس يوحنا أيضا وضع جلوسهما.
ع 13 - 14 : العجيب أن مريم لم تخف من وجود هذين الملاكين و اللذين لم يسبق وجودهما .
" لماذا تبكين ؟ " لم يعن هذا السؤال عدم معرفتهما سبب بكائها بل استنكاره إذ ينبغي الفرح لقيامة السيد من الاموات. و تاتي اجابتها لتعبر بالفعل عن عدم قناعتها ، أو لنقل عدم ادراكها لهذه القيامة ، فهي لا زالت تعتقد أن الجسد اخذ و لا تعلم مكانه.
و لما فرغت من اجابتها " التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفا " . و لأنها في حيرة و حزن لم تعلم من هو لأنه كان بعيدا عن خيالها و تعوقعاتها أن يكون هذا هو شخص الرب يسوع .
ع 15 : كان القبر منحوتا في جدار داخل بستان و لذلك كان اسرع احتمال قفز إلى عقل المجدلية أن المتكلم و المستيقظ في هذا الوقت المبكر من الصباح ، لابد أن يكون البستاني . و لم تلتفت أو تدقق في هيئته أو صوته . لان حدث القيامة لم يكن واردا في حسبانها . أما سؤال المسيح لها فبالطبع لم يكن من باب الاستفسار ، و هو العالم بافكار القلوب . و لكن لتنبيهها و تقديم نفسه لها .
ع 16 : ناداها الرب باسمها فكانت استجابتها كالحمل الذي يعرف صوت راعيه ، وبدت و كانها تفيق من حلم وغفلة إلى يقظة القيامة غير مصدقة فاجابت : " ربوني " أي يا معلم . و هو التعبير و اللقب الذي كان ينادي به المسيح . و لهذا فهي تعلن لنا بهذه الإجابة معرفتها لشخص القائم من الاموات .
ع 17 : " لا تلمسيني " في ( مت 28 : 9 ) نعمل أن مريم المجدلية و مريم الاخري امسكتا بقدميه فلماذا قال السيد هنا لا تلمسيني ؟
يذهب البعض في تفسيره لهذا الموقف أن مريم في المرة الأولى لمست المسيح بالفعل و لكن عاودتها بعض الشكوك في القيامة و لهذا منعها المسيح من لمسه ، كنوع من التاديب الروحي علي شكها في القيامة .
أما القديس ذهبي الفم ، فيقول إن السيد أراد أن ينقل المجدلية من حال التعلق العاطفي بشخصه إلى حقيقة القيامة و مجد لاهوته الجديد ، و كأنه يتدرج بها في النضوج ، فاطما إياها من مشاعرها الجسدية إلى مشاعر روحية ارقي .
و هناك رايا ثالثا يذهب بان ما قصده المسيح هو : لا تعيقيني و لا تبطئي من اعلان القيامة فهناك عمل الاخبار للتلاميذ الذي عليك القيام به ، ثم " إني لم اصعد بعد إلى أبى " أي لست صاعدا سريعا بل سابقي أربعين يوما فليست هذه هي الفرصة الوحيدة التي سوف تريني فيها .
" أبى و ابيكم " أبى خاصة و أبوكم عامة ، أي أبى الاقنومي الذي أنا ابنه الكلمة و أبوكم أي الابوة العامة لله لكل ابنائه المؤمنين .
" الهي و الهكم " إلهي لان الأب في مجده اعظم من الابن المتجسد علي الأرض ومجده مخفي و إن كان الاثنان واحدا ، أما الهكم فلانكم خلقته .
ع 18 : فاسرعت المجدلية لتخبر التلاميذ برؤيتها للمسيح القائم ، و كل الحديث الذي دار بينهما و انه سيصعد إلى السماء بعد فترة يظهر فيها لهم .
[ 3 ] الظهور الاول للتلاميذ ( ع 19 - 25 )
ع 19 : في مساء أحد القيامة ، يصور القديس يوحنا كيف كان حال التلاميذ العشرة ( لاختفاء يهوذا و غياب توما ) من خوف ، و كيف كانت الأبواب مغلقة باحكام من الداخل عليهم ، و لكن في إثبات لعقيدة جسد القيامة الممجد ، و الغير خاضع للقوانين المادية .
فوجئ التلاميذ بالسيد المسيح في وسطهم ، ملقيا عليهم سلامه الالهي ليطمئن قلوبهم و يحررهم من الخوف الذي حبسوا انفسهم داخله .
+ هكذا نحن جميعا ... لدينا أبواب مغلقة و اسوار مرتفعة من مخاوف أو قلق ... و كلنا نطلب سلامك و اشراق نورك الالهي علينا ، حتى تطمئن قلوبنا ونطرح الخوف خارجا.
ع 20 : قدم المسيح برهان قيامة جسده ، فهو اذن ليس روحا أو خيالا ، و لكنه جسد قائم يحمل جراحات الصليب ... و لهذا كان فرح التلاميذ عجيبا إذ راوا الرب و تحققوا من قيامته ... و لا يوجد شئ في الوجود يعادل الفرح برؤية الرب .
+ و الله اعطانا أن نراه باعين الإيمان في حياتنا اليومية ، و هي عطية حرم نفسه منها كل إنسان لا يعترف به ، أو يحيا خارج كنيسته . و هذه العطية بمثابة عربون لمن يثبت في حبه لله ، فنراه هناك في السماء فيكمل فرحنا به . فرح بلا هم و لا كابة و لا تنهد و لا قلق كما تصلي الكنيسة في اوشية الراقدين .
ع 21 : كرر المسيح التحية بسلامه الممنوح لهم مرة ثانية ليزيد من احساسهم بالطمانينة ثم انتقل إلى شئ آخر ، و هو عمل التلاميذ المقبل . فكما أرسلني الأب من اجل عمل الفداء الذي لا يقدمه آخر سواي ، هكذا أرسلكم انتم مبشرين و شهودا لهذا الفداء الذي تم .
ع 22 : " نفخ ... الروح القدس " قال السيد المسيح سابقا عن الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمه . و هنا يمنح التلاميذ هبة الروح القدس بالنفخة في وجوههم ، لان سلطانه هو سلطان الأب ذاته ونشير هنا لشيئين :
أن هذه النفخة كانت تاسيسا لسر الكهنوت في العهد الجديد .
أن هذه النفخة ، في التفليد الرسولي ، صارت مثل الخميرة التي استلمها الرسل من السيد المسيح و اودعوها داخل أسرار الكنيسة ، فالكاهن أيضا في سر المعمودية ينفخ فيوجه المعمد قائلا " اقبل الروح القدس " و كذلك في سر الكهنوت ينفخ الأسقف في وجه القس و يردد ذات العبارة ... و يستخدمها أيضا الكثير في سر الاعتراف كنفخة لمغفرة الخطايا ... و هكذا .
ع 23 : آية توضح دون أي لبس أو شك ، سلطان الروح القدس الكائن في سر الكهنوت و الذي منحه السيد المسيح في الاية السابقة لرسله الذين اودعوه الكنيسة .
ونكتفي هنا بما اورده القديس كيرلس الكبير في شرحها : " إن المغفرة تليق بطبيعة الله وحده ، و لكن الذين وهبهم روحه القدوس أعطاهم أن يحوزوا قوة المغفرة ، لأنه كيفما صنعوا يكون الروح القدس الساكن فيهم من خلال سر الكهنوت هو الذي يغفر أو يمسك الخطايا . علي أن العمل يكون بواسطة الإنسان الكاهن و هذا السلطان مرجعه الروح القدس و ليس قداسة الإنسان ( راجع حادثة بطرس مع سفيرة و حنانيا : اع 5 : 1 - 10 ) و قول بطرس " لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب علي الروح القدس ؟ " ( ع 3 ) ولم يقل : لتكذب علي ؟ أما سر مغفرة الخطايا التوبة الاعتراف فهو الاقرار أمام الروح القدس ، الذي يستخدم يد الكاهن في نقل خطايا المعترف إلى حساب دم المسيح الكفاري . و يعلن أيضا الروح القدس من خلال الكاهن مغفرة الله لهذه الخطية . و لهذا كان سر الاعتراف من اكثر الأسرار المفرحة و المعزية للإنسان و خاصة التي يمارسها بفهم و وعي .
ع 24 - 25 : كان توما يمثل الشخصية العقلانية التي تعرقل الإيمان القلبي البسيط حتى انه رفض تصديق باقي الرسل الاطهار و شهادة نساء القيامة ، و كان له أيضا سابقة ( راجع ص 14 : 5 ) بل أعلن في تحد غير خفي ، انه لن يؤمن ما لم يري و يحس جراحات الصليب ماديا . و ذكر القديس يوحنا موقف توما الرسول هنا ، لأنه يعتبره مقدمة لاحداث الظهور القادم للمسيح وسط تلاميذه .
[ 4 ] الظهور الثاني للتلاميذ ( ع 26 - 31 )
ع 26 - 27 : في الأحد التالي تكرر الظهور بنفس ملابساته ، و الاختلاف الوحيد هو وجود توما الغائب سابقا . و بعد أن القي السيد سلامه علي التلاميذ وجه كلامه مباشرة إلى توما و غاية كلمات المسيح كلها : " و لا تكن غير مؤمن بل مؤمنا "
+ و اسلوب المسيح مع توما يعطينا مثلا لاتساع القلب و اللطف و طول الاناة ، حتى لمن شك و اشترط علي الله أن يستجيب لطلباته حتى يؤمن بقيامته ، ليعلمنا بذلك المعني الحقيقي للاتضاع و التنازل و الاشفاق علي الناس في ضعفاتهم الروحية .
و يذهب البعض أيضا أن كلام المسيح لم يخلو من العتاب الرقيق .
ع 28 : هنا يعاتب السيد المسيح بلطف أيضا توما علي شكه ، فما كان جدير بتلميذ عاش مع المسيح اكثر من ثلاث سنوات رأي فيها المعجزات و سمع التعاليم ، أن يكون موقفه هكذا مطالبا بالرؤية المادية للمسيح القائم . و لهذا يعلن أيضا السيد المسيح عن طوباوية ، أي البركات التي ينالها كل من يؤمن به في كل العصور دون أن يقف عقله عائقا أمام إيمانه .
ع 30 - 31 : يوضح القديس يوحنا هنا غاية كتابة انجيله كله و هو انه لم يكن كتابا لحصر المعجزات و العجائب التي لن تسعها كل كتب العالم ( ص 21 : 25 ) بل كان له غرض واحد فقط هو الإيمان أن يسوع الإنسان هو المسيح الإله ، و هو اقنوم الكلمة ابن الله الأزلي و المساوي . و كأن يوحنا و هو يختم انجيله يذكرنا بما سبق واعلنه عن شخص السيد المسيح في اصحاحه الاول ، أن الكلمة هو ابن الله ، و أن الكلمة كان الله ، و يعطي لكل القارئين خلاصة كل انجيله و الغرض منه ، و هو انه لا حياة و لا ابدية خارج اسم المسيح ؛ فالذين قبلوه هم فقط الذين صاروا ابناء الله .
+ إلهنا الحبيب اعطنا أن يكون لنا هذا الإيمان الحي و العامل الذي هو سر غلبة العالم ، كما قال القديس يوحنا في رسالته الأولى : " منهو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله ؟ " ( 5 : 5 )
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح