كلمة منفعة
آدم أخطأ، ولم يطلب التوبة، ولا سعى إليها..وإذا بالسيد المسيح، القدوس الذي هو وحده بلا خطية، يقف أمام المعمدان، كتائب، نائبًا عن آدم وذريته، مقدمًا عنهم جميعًا معمودية توبة في أسمى صوره.
— تأملات في الغطاس
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس شفاء المجنون * شفاء نازفة الدم * إقامة ابنة يايرُسَ (1) شفاء مجنون كورة الجدريين ( ع 1 - 20 ) : ع 1 - 2 : نجد شرحاً لهذه المعجزة فى ( مت 8 : 28 - 34 ) ، ولنلاحظ الآتى : " كورة الجدريين " : هى شرق الأردن ، وكانت منطقة تجارية يسكنها اليونانيون ، ولها إسم آخر تُعرف به ، وهو " كورة الجرجسيين "0 " إنسان به روح نجس " : عند وصول المسيح لشرق بحر الجليل ، إستقبله مجنونان يعيشان فى القبور ، ذكر القديس مرقس أحدهما ، وهو الأشد اضطراباً وهياجاً ، ووضّح أيضاً سبب حالته هذه ، وهى أن شيطاناً يسكنه ويسيطر على تصرفاته. ع 3 - 5 : " مسكنه فى القبور " : ربط بين الشيطان والقبور ، فمكان الشيطان دائماً حيث الموت والنجاسة ، وهى أعلام مملكته. والكلام بعد هذا عن قوة الشيطان وسلطانه على هذه النفس ، بحيث لم يقدر أحد أن يحرره من سلطانه ، أو يذل هذا الشيطان ويخضعه. " ليلاً ونهاراً " : تصوير للعذاب الدائم الذى تعانى منه النفس التى ، بشهواتها ، أخضعت نفسها لسلطان الشيطان ، فلا تعرف سبيلاً للراحة ، بل تزيد فى جرح نفسها بالخطايا ( الحجارة ). ع 6 - 7 : إندفع هذا الإنسان بكل عذابه نحو المسيح وسجد له ، وعندئذٍ صرخ الشيطان معترفاً بألوهية السيد المسيح وبحقيقته كإبن الله ، وبسلطانه المطلق فى تعذيبه العذاب الأبدى. ع 8 - 9 : الكلام هنا للمسيح ، إذ أمر الشيطان بترك الإنسان. وسبب سؤال المسيح عن إسم الشيطان ، ليس أنه كان خفياً عليه ، بل لِيُعلِمنا نحن عن شراسة الشيطان وقسوته فى امتلاك النفس ، ثم قوة سلطانه على مملكة الشياطين كلها ، مهما كان عددهم. ع 10 - 12 : " وطلب. . . كثيراً " : ليس سهلاً على الشيطان فى كبريائه إعلان هزيمته ، بالرغم من اعترافه بسلطان المسيح عليه ، ولهذا طلب عدم مغادرة الكورة ، أى المكان. ولمعرفة الشيطان أن المسيح سوف يخرجه لا محالة من الإنسان ، طلب عِوَضاً عن ذلك أن يدخل فى قطيع من الخنازير ، وهى من الحيوانات النجسة فى شريعة العهد القديم. ع 13 : " أذِنَ " : توضح لنا أنه مهما بلغت قوة الشيطان ، فلا يستطيع شيئاً دون أن يسمح الله به. لماذا أذن المسيح ؟! : لعل القارئ يسأل لماذا سمح للشيطان بأن يدخل فى قطيع الخنازير ، ويهيّجه ويدفعه نحو البحر ويغرق نحو ألفين ، وهو عدد القطيع كله ؟! سمح المسيح بذلك تأديباً لأصحاب الخنازير الذين قاموا بتربيتها ، مخالفين لوصية الله ، وبيعها بأسعار رخيصة تغرى الناس على شرائها. . . فكانت عقوبة المسيح عادلة إذن على من خالف الشريعة وأعثر الناس. ع 14 - 17 : خرج الرعاة فى ذعر ورعب إلى أصحاب القطيع ، وبالطبع أخبروا كل من قابلهم فى المدن وضواحيها ، فخرج الجميع للمشاهدة والتحقق. وإذ أتوا إلى مكان الرب ، وجدوا المجنون فى صورة جديدة لم يعتادوها. . . هادئاً. . . جالساً. . . عاقلاً. . . وابتدأ الجمع الذى شاهد المعجزة فى قصها على من لم يرها. أما أصحاب الخنازير ، الذين كانت الخنازير عندهم أهم من الإنسان ، فقد ساءتهم خسارة القطيع ، فطلبوا من الرب مغادرة المكان!! ع 18 - 20 : كعرفان بالجميل ، ورغبة صادقة من الرجل الذى شُفى ، أراد تبعية المسيح والدخول معه إلى السفينة. ولكن السيد المسيح منعه ، وطلب منه شيئاً آخر ؛ أولاً : أن يذهب لأهل بيته ليتعزَّوْا بعودته سليماً. . . ثانياً : أن يشهد لله وعمله فى شفائه. وقد أطاع الرجل ، وابتدأ ينادى ويخبر كل الناس بما صنع المسيح له. " العشر المدن " : هى المنطقة شرق بحر الجليل ، والتى كانت كورة الجدريين إحداها. راجع أيضاً تفسير ( مت 4 : 24 - 25 ). + نتعلم من هذا الرجل شيئاً هاماً ، وهو أن على الإنسان أن يخضع مشيئته لله ولا يتمسك برأيه. . . نقدم رغباتنا لأبينا نعم ، ولكن ندع له الإختيار. . . فرغبة الرجل كانت رغبة مباركة ، وهى الوجود مع المسيح. . . ولكن المسيح كلفه بخدمة أخرى ، ففرح بها ، وانطلق يخدم باجتهاد. . . فلنتعلم نحن أيضاً ألا نتشبث بآرائنا ، ونترك قيادة حياتنا لحكمة واختيار إلهنا. (2) لقاء يايرُسَ وشفاء نازفة الدم ( ع 21 - 34 ) : ع 21 : " العَبْرِ " : هو الجانب الغربى من البحر ، والذى عاد إليه المسيح بعد معجزة شفاء المجنون. وكالعادة ، كانت الجموع ، إما تتبعه ، أو تنتظره حال وصوله. ع 22 - 24 : " رؤساء المجمع " : أى أحد شيوخ اليهود ذوى المكانة العالية من الناحية الدينية والإجتماعية ، وإسم يايرُسَ معناه " المستنير " ، ويمثل اليهودى المستنير بالناموس ، فيؤمن بالمسيح ويقدّم له السجود. " طلب. . . كثيراً " : أى طلب بلجاجة ، مما يوضّح سوء حالة الإبنة من ناحية ، وأبوة يايرُسَ الحانية ورغبته فى شفائها من ناحية أخرى ، واضعاً آخر آماله ورجائه فى زيارة المسيح لها ، وأسلوبه المؤدب فى الطلب ، إذ سبق وسجد للمسيح فى أول الأمر ، ثم ترجّاه قائلاً : " . . ليتك تأتى وتضع يدك عليها. . فتحيا ". وإذ رأى المسيح هذه المشاعر ، ذهب معه. وكالعادة ، تبعته الجموع فى ازدحام. + إلهى الحبيب. . . ما أعذب الكلمات التى نطق بها يايرُس " ليتك تأتى ". نعم ياربى ، ليتك تأتى وتضع يدك علىّ فأطهر من خطاياى وأُشفَى من ضعفاتى. . . ليتك تأتى لتحررنى من الماديات ومحبة العالم. أخى الحبيب. . . إجعل هذه الطِلبةُ التى نطق بها يايرُس كصلاة بين شفتيك ، ففى كل إحساس بالضعف أو التعب أو الضيق ، قل : " ليتك تأتى ياربّى يسوع ". ع 25 - 26 : فى الطريق إلى بيت يايرُسَ ، تقابل المسيح مع المرأة نازفة الدم ( راجع مت 9 : 20 ) ، التى شرح القديس مرقس حالتها بالتفصيل كمدخل للمعجزة. " اثنتى عشرة سنة " : أى كمال زمن آلامها ومعاناتها النفسية بجانب الجسدية ، إذ تعتبر النازفة نجسة ولا تستطيع الإقتراب من الهيكل أو أن تؤدى الممارسات الدينية ؛ وكيف يكون أيضاً حال جسد بعد نزف مدة طويلة كهذه ؟! " أطباء. . . أنفقت. . . أردأ " : يستكمل القديس مرقس رسم صورتها ، فهى اليائسة بعد مرورها على الأطباء واختبار كافة الأدوية ، وهى الفقيرة إذ أنفقت كل أموالها ، وصار حالها أردأ ، أى زادت الآلام وعَجَزَ المال والطب عن شفائها ، فى إشارة لعجز البشر ، بكل إمكانياتهم ، والإحتياج للمسيح المخلّص. ع 27 - 28 : " لما سمعت " : شأنها شأن كثيرين ممن سمعوا عن المسيح ومعجزات شفائه ، ولم يدفعها احتياجها أو يأسها من الشفاء فقط ، بل كان هناك أيضاً إيمان يحركها ، إذ قالت فى نفسها : " إن مسست " ، وهو إيمان بسيط ، ويكشف لنا أيضاً عن احترامها لوصية الناموس فى عدم لمسها لإنسان بسبب نجاستها ، فأخذت قرار بألا تلمس سوى ثيابه. ع 29 : لحظة لمسها لثياب المخلّص كانت لحظة شفائها ، وشعرت بقوة عجيبة وجديدة تسرى فى جسدها. + أخى الحبيب. . . ألا تسأل معى كيف شُفيت النازفة حتى دون أن تطلب ؟! إنه الإيمان البسيط المتضع الذى فقده كثيرون فى هذه الأيام !! فشعورها بعدم الإستحقاق ، جعلها تأتى من ورائه وتستحى أن تطلب ، وإيمانها جعلها تزاحم الجمع ، بالرغم من ضعف جسدها ، فنالت ما أرادت. يا إلهى ، أعطنى أن أكون مثلها فى فضائلها : مؤمناً. . متضعاً. . مثابراً. . مجاهداً. ع 30 - 32 : " القوة التى خرجت " : تعبيراً عن إدراك السيد المسيح لما حدث. وكلمة " خرجت " ، معناها أنه هو صاحب السلطان على الشفاء ومانحه ، وليست ثيابه المجردة. + أخى الحبيب. . . يعلمنا التقليد الراسخ فى كنيستنا إكرام أجساد ورفات القديسين ، والإحتفاظ فى كنائسنا ببعض الذخائر من رفاتهم. . . ويتبارك الناس بلمسهم والتشفع بهم من أجل الشفاء أو نوال البركة. ولمن يقاوم هذا التقليد ، نقول أن ثياب المسيح كانت تحمل قوته كلها. . . هكذا رفات القديسين تحمل قوة الله ذاته ، فالشافى فى كل الأحوال هو الله بكامل سلطانه ، ولكنه يعطى الإكرام لأسماء أولاده القديسين. " من لمس ثيابى ؟ " : بالطبع كان المسيح يعلم من الذى لمس ثيابه ، ولكنه أراد بهذا السؤال شيئين : الأول : إعلان إيمان المرأة المتضعة. الثانى : إعلان المعجزة ذاتها للجميع. ولكن ، لعدم فهم التلاميذ مقصد السيد ، سألوا بتعجّب : أفى وسط هذا الزحام تسأل من لمسنى ؟ أما المسيح ، فاستمر ينظر حوله ، معطياً المرأة فرصة للإعلان عن نفسها. ع 33 - 34 : فهمت المرأة جيداً أنها المعنية بكلام المسيح دون غيرها ، وزادها هذا خوفاً وارتباكاً ، ولكنه لم يمنعها من التقدم والإقرار بالحقيقة ، فضعفها البشرى لم يدفعها للهرب ، بل أقرت بالحقيقة. وكان رد المسيح عليها مطمئناً ، نازعاً لكل قلق ، فمدح إيمانها وأوضح أنه السبب فى شفائها ، وباركها ، وأمر لها بدوام الشفاء. + ربّى يسوع. . أنعم علىّ بشجاعة نازفة الدم ، حتى أقترب إليك لأنال دوام الشفاء من خطاياى. (3) إقامة إبنة يايرُسَ ( ع 35 - 43 ) : ع 35 - 36 : العودة هنا لقصة إبنة يايرُسَ المريضة ، بعد الإنتهاء من شفاء نازفة الدم. . . إذ فى طريق عودة يايرُسَ إلى بيته ، أتى قوم من منزله ليخبروه بوفاة إبنته ، وأنه لا حاجة إذن لقدوم المسيح فلم يتصور أحد أن المسيح يستطيع شيئاً مع الموت إلا أن المسيح تدخّل فى الحديث ، وتكلم مع يايرُسَ مباشرة ، وشجعه ، قائلاً له : " لا تخف " ، وأعطاه أيضاً السلاح الوحيد لطرد الخوف ، وهو الإيمان. ع 37 : " ولم يدع أحداً. . . " : تبعه الجمع حتى بيت يايرُسَ ، ولكن عند دخول البيت ، لم يسمح المسيح لأحد بالدخول ، سوى بطرس ويعقوب ويوحنا من التلاميذ ، وهؤلاء الثلاثة هم من اصطحبهم أيضاً على جبل التجلى ( ص 9 ) ، وكذلك فى جثسيمانى ليلة صلبه. ع 38 - 40 : وكما هو متوقع فى هذه الأحوال وخاصة لصغر سن الإبنة كان الحزن والبكاء والعويل عظيماً ، وفاجأهم المسيح بسؤال وحقيقة أدهشت الجمع والأهل. " لماذا. . تبكون ؟ " : سؤال يبدو غريباً فى مثل هذا الموقف. . . وهل يمكن عمل شىء أخر سوى البكاء ؟! " لم تمت الصبية " : وهى الحقيقة الغير قابلة للتصديق ، فالموت كان واضحاً وواقعاً ، والجموع شهود على ذلك ، وهل لا نستطيع التفريق بين النوم والموت ؟! " فضحكوا عليه " : يبدو أنهم تعجبوا أو سخروا من قول المسيح ، إذ كانوا متأكدين من موت الصبية ، إلا أن المسيح أخذ والديها مع الثلاثة تلاميذ ، ودخل الحجرة حيث الصبية راقدة. ع 41 : أمسك المسيح بيد الصبية ، وناداها بالأمر أن تقوم من موتها ، وهو وحده صاحب السلطان على الموت. وعبارة : " طليثا ، قومى " كانت تعبيراً سريانياً منتشراً ، حرص القديس مرقس على ذكره كما نطق به المسيح ثم ترجمه لمعناه : " يا صبية ، لك أقول قومى ". ع 42 - 43 : " قامت. . . ومشت " : أى عادت لكمال صحتها ، ولم تمر بفترة نقاهة مثلاً أى تمت القيامة والشفاء واندهش الجميع إندهاشاً عجيباً ، فما حدث كان فوق تصديق أى عقل. " فأوصاهم. . أن لا يعلمَ أحدٌ " : مثل هذا الخبر لا يمكن كتمانه ، فقد ذكر القديس متى أنه : " خرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها " ( 9 : 26 ). أما طلب المسيح فكان سببه ، ربما الرغبة فى عدم إثارة حسد الرؤساء عليه ، أو أن يكون إيمان الناس به عن اقتناع وليس عن الإنفعال بالمعجزات. . . وطلب أن تُعطَى لتأكل ، وهذا تأكيد أيضاً أن قيامتها كانت بجسدها الحقيقى وليس خيالاً. + إن دخول المسيح إلى بيت يايرُسَ قَلَبَ الحزن إلى فرح ، ولازال يقف على أبواب قلوبنا ، ومازلنا نريد أن يقيم كل من مات بالخطية ، ويعيد الفرح إلى القلب بدلاً من الكآبة والحزن. . . إفتح له أيها الحبيب ، تكلم معه وأخبره أنك تحتاج أن يلمسك بيده ليقيمك صحيحاً فى التوبة ، وليعطيك أن تأكل من جسده ودمه الحقيقى ، معلناً شفاءك وقيامتك.