كلمة منفعة
الرجل النبيل، لا يبني راحته على تعب الآخرين.بل النبيل هو الذي يضحي براحته، لكي يريح غيره.
— راحتك وراحة غيرك
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 5 انجيل معلمنا مرقس الإصحاح رقم 5 الأصحاح الخامس : سلطانه على الأرواح النجسة والموت إذ واجه السيد الرياح الملموسة وأخضعها، أعلن سلطانه أيضًا على الرياح غير المنظورة، أي الأرواح النجسة التي تفسد حياة الإنسان وسلامه الداخلي، وأخيرًا واجه الموت محطمًا شوكته. 1. المسيح وساكن القبور 1-20. 2. لقاؤه مع يايرس 21-24. 3. شفاء نازفة الدم 25-34. 4. إقامة ابنة يايرس 35-43. 1. المسيح وساكن القبور في الأصحاح السابق واجهت الأجساد رياح مضادة، إذ ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وقد قام السيد يرد للإنسان سلامه الجسدي ويجعل من الطبيعة صديقًا له، أما الآن فتواجه النفوس الأرواح الشريرة أو "لَجِئون" التي تود أن تحطمها تمامًا، وتذلها، حتى تجعل من الإنسان ساكنًا في القبور. يرى بعض الدارسين أن القصة تبدأ من عدد 6 أما الأعداد الخمسة الأولى فهي أشبه بمقدمة وضعها الإنجيلي ليعلن غاية القصة ألا وهي أن للسيد سلطان فائق على هذه القوى غير المنظورة التي تسيطر على الإنسان، فتنزع عنه إنسانيته وتعزله عن البشرية ليسكن في القبور فاقد الحرية ومحطمة لنفسه كما لجسده. وقد سبق لنا دراسة هذا العمل الإلهي أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير (مت 8: 28 الخ.)، غير أنه يليق بنا أن نلاحظ هنا الآتي: أولاً: يذكر الإنجيلي متى أنهما مجنونان (مت 8: 28 الخ)، أما الإنجيليان مرقس ولوقا (8: 26 الخ) فيذكران شخصًا واحدًا. يعلل القديس أغسطينوس هذا بأن الإنجيليين اكتفيا بذكر الشخص المشهور، والذي كانت المنطقة هناك متألمة لأجله، بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهما ذكرا شخصًا واحدًا يعاني أكثر من الآخر، وأن من يشفي شخصًا يشفي الآخر أيضًا، إذ هدفهما لا سرد القصة كحدثٍ تاريخيٍ، وإنما إعلان إمكانية الشفاء. ثانيًا: يرى البعض أن السيد المسيح إذ انطلق إلى منطقة أممية، بحلوله تقدس الموضع، مهيئًا الطريق لتنصير الأمم، طاردًا عنهم عدو الخير الذي سيطر عليهم زمانًا. ما فعله السيد المسيح مع هذا المسكين بقى يعمله خلال تلاميذه ليطهر كل بقعة من سيطرة عدو الخير، واهبًا ملكوته السماوي لكل نفس. ثالثًا: تطلع المرتل إلى البشرية، وقد سحبتها الخطية من الفردوس الإلهي كما من بيتها، وانطلقت بها إلى القبور ليعيش الإنسان نفسه مسكنًا للروح النجس، فيصير في عزله داخلية عن الشركة مع الله مصدر حياته، يعاني من الوحدة القاتلة، حتى وإن كان في أحضان والديه أو بين أصدقائه أو أقربائه. صار في حاجة إلى الله نفسه كمخلص له ينقذه من "الروح الشرير" ليرده من جديد إلى البيت الإلهي والفردوس الداخلي، إذ يقول: "الله مسكن المتوحدين في بيت، مخرج الأسري إلى فلاح" (مز 68: 6). أقول ما اشتهاه المرتل في الله مخلصه أو ما ترجاه في المسيا القادم إليه قد تحقق في هذا الإنسان الذي سكنه روح نجس حرمه من السكنى في بيته، وعزله عن حياة الشركة حتى مع أقربائه ليعيش في عزلة داخلية كما في عزلة جسدية وسط القبور، وقد جاء السيد المسيح يطرد منه الروح النجس بقوة، ليرده إليه، فيشاركه بيته السماوي ويكون له موضع في السيد المسيح، بهذا يستقر في حضن الآب! وصف الإنجيلي هذا المسكين الذي يعاني من العزلة المرة، قائلاً: "كان مسكنه في القبور، ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل... وكان دائمًا ليلاً ونهارًا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة" [3-5]. لقد حولته الخطية كما إلى وحش ثائر، ليس من يقدر أن يضبطه، أو كالتنين البحري الذي قيل عنه: "من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟ وأُعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف... وأُعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة" (رؤ 13: 4-5، 7)... وقد جاء السيد المسيح بسلطان يحطم سلطان هذا الوحش. هذا ما أعلنه ذات المرتل بقول: "المهدي عجيج البحار، عجيج أمواجها، وضجيج الأمم" (مز 65: 7). يقول القديس أمبروسيوس: [مثل هذه النفوس تبدو كأنها ساكنة في قبور، فإن أجساد غير المؤمنين ليست إلا نوعًا من القبور يُدفن فيها الأموات (النفوس الميتة) حيث لا تسكن فيها كلمة الرب. لقد اندفع إلى الأماكن الخالية، أي الأماكن القفرة من فضائل الروح التي تجنبت الناموس وانفصلت عن الأنبياء فرفضتهم النعمة.] رابعًا: ساد اليهود الاعتقاد بأن الشياطين تفضل ثلاثة مناطق لسكناها: البرية أو الأماكن الخربة، والمياه في أعماقها، والقبور. الأولى تشير إلى اشتياق الشيطان نحو الإنسان أن يفقده كل حيوية، وينزع عنه كل ثمرٍ روحيٍ، ليجعل منه برية قاحلة أو خراب بلا ساكن. والثانية تشير إلى رغبة العدو أن يدخل بالإنسان إلى دوامة الحياة ليلهيه عن أبديته، فيكون كمن في أعماق المياه بلا رجاء. والثالثة أي القبور، فتشير إلى طبيعة الشيطان كمقاتل للإنسان يبغي موته، كما تعلن عن راحة إبليس في نتانة الأعمال الميتة وفسادها. لهذا أعلن السيد سلطانه الإلهي وعمله فينا بانطلاقه إلى البرية يصارع العدو وجهًا لوجه، كما انطلق إلى المياه بالأردن ليحطم سلطان العدو تحت أقدامنا، واهبًا إيّانا البنوة لله الغالبة للشرير والشر، وها هو يلتقي بساكن القبور ليخلصه من الروح النجس ويرده إلى بيته. خامسًا: لم يحتمل الروح النجس أن يرى يسوع، فإنه من بعيد ركض، وصرخ بصوت عظيم، وقال "مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي، أستحلفك بالله أن لا تعذبني" [8]. إن قارنا بين هذه الكلمات التي نطق بها الروح النجس الساكن إنسانًا أمميًا بالكلمات التي نطق بها روح نجس آخر كان ساكنًا إنسانًا يهوديًا، إذ قال: "آه مالنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت قدوس الله"! (مر 1: 24) لأدركنا حالة الارتباك التي سادت مملكة إبليس سواء كان الساقط تحت سلطانها أممين أو يهودًا. فقد أدرك العدو أن مملكته تنهار وسلطانه يزول، والعقاب قد اقترب جدًا بمجيء "يسوع الناصري ابن الله". يقول القديس كيرلس الكبير: [تأمل سلطان المسيح غير المنهزم، فقد ارتعب أمامه الشيطان، فإن كلمات المسيح بالنسبة له نار ولهيب، وكما يقول المرتل: "ذابت الجبال قدام الرب" (مز 97: 5)، أي ذابت القوات العظيمة المتعجرفة.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ظنت الشياطين أن عقوبتهم قد اقتربت جدًا، فارتعبوا كمن سيحل بهم العقاب فورًا.] لقد حسبت الشياطين أن طردهم من الإنسان عذابًا لهم، إذ يجدون راحتهم في مملكتهم التي يقيمونها في القلب الفاسد، وانهيار هذه المملكة يتبعه العقاب الأبدي أيضًا. ولعله بمجيء السيد المسيح أدرك عدو الخير أن النهاية قد اقتربت، فقد جاء مشتهى العالم كله في ملء الزمان. سادسًا: أراد السيد المسيح أن يظهر قسوة عدو الخير لذلك سأل الروح النجس: "ما اسمك؟ فأجاب قائلاً: اسمي لجئون، لأننا كثيرون" [9]. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [حقًا سأله الرب لا ليعرف شيئًا، وإنما لكي يدرك من هم حوله أن كثيرين يسكنونه.] ما حدث مع هذا المسكين يمثل صورة حية للإنسان حين يخضع لخطيةٍ ما أو لشيطانٍ ما، فالخطية تسلمه إلى أخرى، والشيطان إلى آخر ليكون مستعبدًا للجئون، وكما يقول القديس يوحنا سابا: [الآلام (الخطايا) متشابكة بعضها ببعض، إن خضعت لألم ما فبالضرورة تصير عبدًا لبقية رفقائه.] يرى البعض أن كلمة "لجئون" في الأصل معناها "جندي"، وكأنه يقول أننا فرقة عسكرية لا تكف عن الحرب. وقد قيل أنه اسم فرقة رومانية قوامها ستة آلاف جندي. هذا ويلاحظ أن هذا العدد كان يتحدث قبلاً بصيغة المفرد، إذ لم يكن يرد أن يكشف عن نفسه، لكن إذ اعترف بأنه لجئون صار يتحدث بصيغة الجمع. سابعًا: سألته الشياطين أن يسمح لها بالذهاب إلى قطيع الخنازير، فمن جانب أدركت الشياطين أن السيد المسيح لن يسمح لهم بدخول إنسانٍ آخر، إذ رأته جاء يكرم البشرية بتجسده، ولا طلبت منه الدخول في حيوانات طاهرة، يمكن أن تستخدم كتقدمة في هيكل الرب، فاستأذنت أن تدخل الخنازير النجسة، وقد سمح لها السيد ليعلن للحاضرين قيمة النفس البشرية، فهي أثمن من ألفين من الخنازير! وأيضًا ليكشف لهم بطريقة ملموسة شر الشياطين وطبيعتهم المحبة للهلاك حتى بالنسبة للحيوانات غير العاقلة، ويكشف أنها لا تستطيع أن تدخل كائنًا ما بدون إذنه! يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على طلب الشياطين هذا بقوله: [يدأت الشياطين تتضرع إليه ليأمرها حتى تدخل في قطيع الخنازير، وهنا يجب ملاحظة مراحم الله، إذ لم يبدأ بدينونة أحد، لكن كل واحد يعمل لدينونته، لم يطرد الشياطين إلى قطيع الخنازير، إنما هم طلبوا ذلك، لأنهم لم يستطيعوا احتمال بهاء شعاع النور الإلهي. وكما أن مرضى العيون لا يستطيعون احتمال التطلع في ضوء الشمس، مفضلين الظلام، هاربين من النور، هكذا تهرب الشياطين من بهاء النور الأبدي مرتعبة قبل حلول الوقت حيث ينتظرها العذاب... ما هو قطيع الخنازير هذا إلا أولئك الذين قيل عنهم: "لا تطرحوا قدسكم للخنازير" (مت 7: 6)؟ هؤلاء الذين يشبهون الحيوانات الحقيرة التي بلا نطق ولا فهم، يدنسون حياتهم بالأعمال النجسة... فيقودهم تصرفهم إلى الهاوية إذ لا يقدرون المكافأة، وباندفاعهم من فوق إلى أسفل الشر يختنقون في المياه بين أمواج هذه الحياة ويهلكون بسبب الاختناق وسدّ قنوات التنفس. هكذا الذين ينقادون بكل ريح لا يمكن أن تكون لهم شركة محيية مع الروح. إذن الإنسان يجلب التعاسة لنفسه بنفسه، فإن لم يعش عيشة الخنازير لا يكون للشيطان سلطان عليه، وحتى إن نال سلطانًا عليه فلا يكون لهلاكه وإنما لتجربته.] ثامنًا: من هم هؤلاء الرعاة الذين قيل عنهم: "وأما رعاة الخنازير فهربوا، وأخبروا في المدينة وفي الضياع، فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسًا ولابسًا وعاقلاً، فخافوا... فابتدوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم" [14-17]. أ. يمثل هؤلاء الرعاة نظرة الكثيرين، أنه لا يليق أن نهتم بعضو واحد في الجماعة إن كان خلاصه وبنيانه يكلف البعض خسارة مادية. هؤلاء لا يقَّدرون قيمة النفس البشرية، أيا كانت هذه النفس! أما الله فيهتم بكل نفسٍ، فهي ثمينة عنده، يقدم حياة ابنه الحبيب مبذولة لأجلها. ب. يمثل هؤلاء الرعاة العاملين والخدام الذين يميلون للحياة الراكدة، حتى وإن كان عملهم رعاية خنازير، فإن تجلى عمل السيد المسيح الواهب التعقل والسلام الداخلي للنفوس خافوا واضطربوا مشتهين أن يمضي من تخومهم! يرى القديس أمبروسيوس أنهم يمثلون معلمي الفلسفة ورؤساء المجمع اليهودي، إذ كانت نفوسهم ضعيفة لا تحتمل كلمة الله ولا ثقل حكمته. تاسعًا: لم يقاومهم السيد بل تركهم ودخل السفينة، وإذ طلب إليه ذاك الذي كان مجنونًا أن يكون معه لم يدعه بل سأله أن يذهب إلى بيته وأهله يخبرهم كم صنع الرب به ورحمه، فمضى وابتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع، فتعجب الجميع [18-20]. إن كان رعاة الخنازير يرمزون للمجمع الذي قبل الحياة الراكدة التي بلا روح عن الكرازة بالإنجيل، فإن رب المجد يسوع تركهم ودخل سفينة الكنيسة، أي ترك الأمة اليهودية التي فُقدت ليحل وسط كنيسة العهد الجديد. أما هذا الرجل فقد أرسله للكرازة يمهد الطريق للعمل الإنجيلي بين الأمم، وبالفعل انطلق إلى العشر مدن التي ترمز للعالم الأممي والوثني. العشر مدن Decapolis: عبارة عن تسع مدن شرق الأردن هي: هيبوس، دمشق وجدارا، جيراسا، فيلادلفيا (ربة عمون أو عمان)، ديون، رافاتا، كاناتا، بيلا، ومدينة غرب الأردن هي سكيتوبوليس (بيسان). وتعتبر هذه المدن إغريقية، سكنها اليونان أثر هجوم الإسكندر الأكبر على الشرق ، كانت مدن مزدهرة تجاريًا لموقعها الجغرافي الطبيعي وسط سوريا ، لكنها كانت مستقلة عن سوريا من الجانبين السياسي والتجاري. 2. لقاؤه مع يايرس إن كان شفاء مجنون كورة الجدريين يكشف عن قبول الأمم لعمل السيد المسيح، وموقف رعاة الخنازير هناك يعلن عن موقف المجمع اليهودي الرافض للمخلص، فإن الإنجيلي لم يسدل الستار عند هذا الحد، بل قدم لنا قصة إقامة الصبية ابنه يايرس رئيس المجمع اليهودي ملتحمة بقصة شفاء نازفة الدم، ليعلن أنه بعد شفاء الأمم (نازفة الدم) يتمتع اليهود بالخلاص في آخر الأزمنة، إذ يقبلون السيد المرفوض منهم قبلاً ويقومون كهذه الصبية. وقد سبق لنا عرض أقوال القديسين هيلاري أسقف بواتييه وأغسطينوس في هذا الشأن. والآن نكتفي بمقتطفات من كلمات القديس أمبروسيوس: [سبق أن قلنا أن المسيح ترك المجمع في شخص الجدريين، إذ خاصته لم تقبله (يو 1: 11)، أما نحن فقبلناه، قبلنا ذاك الذي كنا ننتظره، فلم يرفض من كانوا ينتظرونه، لكن إن عاد الآخرون إليه يرفض رجوعهم. لقد كان لرئيس المجمع ابنة وحيدة وكان يطلب شفاء المجمع الذي قد أوشك على الموت، لأن المسيح تركه. تُرى من يكون رئيس المجمع هذا سوى الناموس! من أجله لم يهمل الرب المجمع نهائيًا بل حفظ شفاء الذين لم يؤمنوا منهم. وبينما كان كلمة الله مسرعًا نحو ابنة هذا الرئيس ليخلص بيت إسرائيل، تمتعت الكنيسة المقدسة التي اجتمعت من الأمم بالخلاص المُعد للآخرين. جاء كلمة الله لليهود فجذبه الأمم، أصحاب الناموس لم يؤمنوا به بل آمن به أولاً الآخرون، الذين هم كتلك المرأة التي أنفقت كل معيشتها على الأطباء، إذ خسر شعوب الأمم كل مواهبهم الطبيعية وبددوا ميراثهم من الحياة... اقتربت منه بالإيمان وبالحكمة عرفت أنها نالت الشفاء. هكذا فعلت شعوب الأمم المقدسة التي آمنت بالرب، وخجلت من خطيتها فتركتها وتقدمت بالإيمان... واتزرت بالحكمة فأدركت الشفاء وتشجعت لتعرف أنها اغتصبت ما هو ليس لها. لماذا جاءت من ورائه؟ لأنه مكتوب: "وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون" (تث 13: 4). وما معنى أن تكون ابنة الرئيس على وشك الموت في سن الثانية عشر إلا أن يشير هذا الأمر إلى المجمع فإنه إذا (صار فاقد) القوة اقتربت الكنيسة؟ ضعف الواحد هو قوة الآخر، لأن "بزلتهم صار الخلاص للأمم" (رو 11: 11)، ونهاية الواحد هو بداية للآخر، لا بداية بالطبيعة إنما بالخلاص، "لأن المعصية قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ليدخل ملء الأمم" (رو 11: 25).] هذا وكلمة "يايرس" تعني "المستنير"، فإن كان يايرس يشير إلى الناموس، وابنته تشير إلى الأمة اليهودية التي سقطت تحت المرض حتى أوشكت على الموت، فإنها لا تستطيع أن تنعم بالقيامة من هذا الموت ما لم تتمتع بروح الاستنارة ويقودها الناموس لا إلى الحرف القاتل، وإنما إلى ذاك القادر أن يقيم من الأموات. 3. شفاء نازفة الدم أولاً: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه المرأة لم تجسر أن تقترب من المخلص علانية، ولا أن تأتي إليه من أمامه لأنها حسب الشريعة تُحسب نجسة، فجاءت من ورائه وتجاسرت لتلمس هدب ثوبه. يكمل القديس حديثه فيقول أنها شفيت لا من أجل هدب الثوب في ذاته وإنما من أجل إيمانها. يرى القديس أغسطينوس في هدب الثوب رمزًا لمعلمنا بولس الرسول الذي دعا نفسه "آخر الكل"، فبكرازته التقت الشعوب الأممية بالسيد المسيح وتمتعت بالخلاص الإلهي، هذه الشعوب التي لم تشاهد السيد حسب الجسد لكنها جاءت بالإيمان الذي كرز به معلمنا بولس لتتلامس معه من ورائه وتتمتع بالشفاء. يعلق القديس أمبروسيوس على هذا التلامس بقوله: [إن كنا ندرك عظمة ابن الله يمكننا أن نفهم أننا لا نستطيع إلا أن نلمس هدب ثوبه، أما على ثوبه فلا نقدر أن نبلغه. إن أردنا أن نبرأ، فلنلمس بالإيمان هدب ثوبه من ورائه، فإن الله لا يحتاج إلى أعين يرى بها إذ ليس له الحواس الجسدية، إنما فيه معرفة كل الأشياء. طوبى لمن يلمس ولو هدب ثوب الكلمة إذ من يقدر أن يحويه؟] كان كل عبراني يلتزم بعمل أربعة أهداب لثوبه حسب الوصية (عد 15: 38-40)، ويصنع عليها عصابة من إسمانجوني، إشارة إلى أنه من شعب الله المختار. فإن كان ذيل الثوب الذي يتلامس مع الأرض به عصابة إسمانجونية أي سماوية، فإن هذا يعني أنه يليق بالإنسان في كليته أن يكون سماويًا! هذا بالنسبة للإنسان العبراني بوجه عام أما السيد المسيح فهو ابن الله السماوي إن تلامسنا معه إنما نلتقي برب السماوات نفسه! ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن الأطباء الذين التجأت إليهم هذه المرأة وأنفقت كل معيشتها عليهم هم تعاليم الفلاسفة، إذ يقول: [تعاليم الفلاسفة ألهبت بالأكثر الجوع للحق دون أن تشبعه... أما لمسة هدب ثوبه (مر 5: 27) فهي صرخة القلب المؤمن.] ثالثًا: إن كان الرب قد شفى هذه المرأة نازفة الدم، فإن هذا الشفاء كلفه الحب الباذل، إذ يقول الإنجيلي: "التفت يسوع بين الجمع شاعرًا في نفسه بالقوة التي خرجت منه، وقال: من لمس ثيابي؟" [30] لم يكن الأمر مجرد لمسة هدب ثوب لكن "قوة خرجت منه". هذا لا يعني خسارة أو فقدان إنما التهاب حب انطلق نحوها، كما نشعل فتيلة من شعلة نار، فالشعلة لا يصيبها ضرر أو فقدان، إنما تقدم نارًا من عندها للغير. لقد قدم السيد المسيح "قوة" انطلقت خلال صليبه لتشفي النفوس المريضة، إنه يقدم عطاءً داخليًا حقيقيًا، وبذلاً فائقًا سحب قلب الكنيسة تمامًا، فيقول الرسول: "الذي بذل نفسه لأجلنا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير، حسب إرادة الله وأبينا" (غل 1: 4)، ويقول السيد نفسه: "أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11). رابعًا: إذ قالت المرأة للسيد "الحق كله" سمعته يقول لها "يا ابنة"، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دعاها "ابنة" لأنها خلصت بالإيمان، فإن إيماننا بالمسيح يجعلنا أبناء له.] لقد آمنت بالقادر أن يهب خلاصًا وترجمت إيمانها عمليًا بانطلاقها نحو وسط الجماهير لتلتقي به خلال هدب ثوبه... أعلنت إيمانها حيًا فتمتعت بعمل السيد المسيح فيها. 4. إقامة ابنة يايرس إن كان يايرس كرئيس مجمع قد ذهب بنفسه إلى السيد المسيح الذي حسب المجمع كخارج عن ديانته لا يجوز ليهودي مخلص أن يتعامل معه، وجاء ليرتمي عند قدمي معلم متجول طالبًا منه المعونة، فقد تمتع يايرس بدخول السيد إلى بيته ومعه ثلاثة من تلاميذه، وكأن بيته قد صار هيكلاً مقدسًا يحل فيه رب السماء نفسه! لم يدخل السيد إلى الصبية ومعه جموع كثيرة، لأنه أراد أن يؤكد أن ليس للجميع أن يتمتعوا بقوة القيامة بل للذين يريدونها ويشتاقون إليها. لم يكن إقامة الصبية استعراضًا لعمل فائق معجزي، إنما كان كشفًا عن السيد المسيح كواهب القيامة يختبره من يلتصق به ويتتلمذ على يديه. دخل السيد إلى البيت ليجد مراسيم الجنازة قد بدأت حيث يشق الأقرباء ثيابهم، ويصرخ البعض بمرارة مع ضربات محزنة على الناي، ويجز البعض شعرهم. وسط هذا المنظر الكئيب قال: "لماذا تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية لكنها نائمة" [39]. لقد ماتت في نظر الناس لا يستطيعون أن يردوا لها الحياة، أما بالنسبة له فهي نائمة إن أراد يوقظها في الوقت الذي يشاءه. على أي الأحوال تركهم السيد يضحكون عليه، حتى يصير ضحكهم شهادة حق أنها ماتت وأنه أقامها. أمسك السيد المسيح بيد الصبية [41]. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [فليمسكني الكلمة ويدخلني إلى حجاله، ليبعد عني روح الشر ويحوطني بالروح المحي، ليأمر فيُعطى لي فآكل الخبز السماوي الذي هو كلمة الله.] ركز كثير من الآباء على العبارة، "وقال أن تعطى لتأكل" [43]، لتأكيد أن إقامتها لم تكن خيالاً بل حقيقة ملموسة. في هذا يقول القديس جيروم: [عندما كان يقيم أحدًا من الأموات يأمر بتقديم طعام له حتى لا يُظن أن القيامة وهم.] ويقول القديس أمبروسيوس [تمت مراسيم الجنازة لتأكيد الموت، وقد عادت الروح سريعًا بكلمة الرب، وقام الجسد منتعشًا أُعطى طعامًا لتصدق شهادة الحياة .] أخيرًا فقد سبق فرأينا أن القديس أغسطينوس يرى في حالات الإقامة التي وردت في الأناجيل المقدسة تشير إلى إقامة النفوس من موت الخطية. الصبية ابنة يايرس التي كانت على سريرها تشير إلى النفس الميتة بخطية الفكر الداخلي ولم تمارسها عمليًا بل كامنة في بيتها، والشاب ابن الأرملة (لو 7: 14-15) يمثل النفس التي ماتت بالخطية التي انتقلت من الفكر إلى القول أو العمل وظهرت خلال السلوك خارج بيتها، وأخيرًا إقامة لعازر بعد أربعة أيام (يو 11) تشير إلى إقامة النفس التي ماتت خلال ممارستها للخطية كعادة مستمرة في حياتها. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الخامس الآيات (1-20): في كتاب إنجيل متى (مت28:8-34) الآيات (21-43): في كتاب إنجيل متى (مت18:9-26) (مر 1:5-20):- وجاءوا إلى عبر البحر إلى كوره الجدريين. ولما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس. كان مسكنه في القبور ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل. لأنه قد ربط كثيرا بقيود وسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود فلم يقدر أحد إن يذلله. وكان دائما ليلا ونهارا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة. فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له. وصرخ بصوت عظيم وقال ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي استحلفك بالله أن لا تعذبني. لأنه قال له اخرج من الإنسان يا أيها الروح النجس. وسأله ما اسمك فأجاب قائلا اسمي لجئون لأننا كثيرون. وطلب إليه كثيرا أن لا يرسلهم إلى خارج الكوره. وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فإذن لهم يسوع للوقت فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير فاندفع القطيع من على الجرف إلى البحر وكان نحو ألفين فاختنق في البحر. وأما رعاة الخنازير فهربوا واخبروا في المدينة وفي الضياع فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسا ولابسا وعاقلا فخافوا. فحدثهم الذين رأوا كيف جرى للمجنون وعن الخنازير. فابتداوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم. ولما دخل السفينة طلب إليه الذي كان مجنونا أن يكون معه. فلم يدعه يسوع بل قال له اذهب إلى بيتك وإلى اهلك واخبرهم كم صنع الرب بك ورحمك. فمضى وأبتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع فتعجب الجميع. ولما جاء إلى العبر= أى عبروا البحيرة فى الآيات السابقة رأينا عواصف تواجه السفينة، ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وهنا نرى أن الشيطان يواجه نفوس البشر ليحطمها ويذلها. والمسيح أتى ليخلصنا من سطوة هذا العدو المهول. بمقارنة الأناجيل الثلاثة نجد أن هناك فروق فى القصة:- 1. متى يذكر أنها حدثت مع شخصين أما لوقا ومرقس فيقولان أنها حدثت مع شخص واحد. ويبدو أنها فعلاً قد حدثت مع شخصين لكن كان أحدهما هو المشهور، أو أن أحدهما كان الأكثر شراسة ووحشية. وكان أن إكتفى مرقس ولوقا بذكر الشخص الأكثر شهرة. 2. يقول معلمنا متى أن الحادثة وقعت فى كورة الجرجسيين. ويقول مرقس ولوقا أنها فى كورة الجدريين. وهذا لأن القصة حدثت فى مدينة جرجسة وهى إحدى المدن العشر، وهذه المدينة تقع فى مقاطعة إسمها كورة الجدريين، ومتى إذ يكتب لليهود يذكر إسم البلدة فهم يعرفونها، اما مرقس ولوقا إذ يكتبان للأمم يكتبان إسم المقاطعة ونلاحظ فى القصة. 1. عنف وسطوة الشيطان على الإنسان روحاً وجسداً وكان هذا بسبب سقوط الإنسان فى الخطية.لا يلبس ثوباً = فالشيطان يفضح. 2. مجرد عبور السيد فى الطريق فضح ضعف الشيطان وأذ له فصرخ الشيطان على لسان المجنون ما لنا ولك.. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا فإذ رأت الشيطان المسيح على الأرض ظنوا أنه جاء يحاكمهم، وجوده عذاب لهم. 3. الشياطين دفعت المجنونين للقبور كما تدفعنا لقبور نجاسة الخطية فالموت والقبور إشارة للنجاسة. ونلاحظ أنهما كانا يقطعان السلاسل التى يربطونهما بها. وكل خاطىء يتملكه روح الشر يقطع كل القيود الدينية والاجتماعية ليجرى نحو قبور الخطية ونجاسة الشهوة وهناك يؤذى نفسه ويجرحها، فالخطية نار من يحضنها يحترق وتؤذيه. 4. الشياطين تجد راحتها فى دفع الإنسان للخطية لتتلذذ بإيذائه لنفسه. هم يجدون راحتهم فى مملكتهم التى يقيمونها فى القلب الفاسد.ولكننا من قول الشياطين أجئت قبل الوقت لتعذبنا نفهم أنهم واثقين من إنهيار مملكتهم. وقولهم قبل الوقت= أى وقت الدينونة. 5. طلبت الشياطين أن تذهب لقطيع الخنازير لتسبب كراهية الناس فى هذه المنطقة للرب فيرفضه الناس، وأيضاً فهى تفرح بأى أذى يصيب الناس. 6. سمح السيد للشياطين أن تدخل فى الخنازير للأسباب الآتية:- أ‌- لم تحتمل الخنازير دخول الشياطين بل سقط القطيع كله مندفعاً إلى البحر ومات فى الحال، ومن هذا نعلم شر الشياطين. مما فعلوه بأجساد الحيوانات ونعرف ما يحدث لمن تمتلكهم الشياطين. ولكن نرى أن ما حدث للمجنونين كان أقل بكثير مما حدث للخنازير،وهذا يوضح أن الله لم يسمح للشياطين أن تؤذى المجنونين إلاّ فى حدود معنية. ب-بهذا يعلن السيد أنه يسمح بهلاك قطيع خنازير من أجل إنقاذ شخصين فنفهم أهمية النفس البشرية عنده. ج- نفهم من القصة أن الشياطين لا تقدر أن تفعل شىء، حتى الدخول فى قطيع خنازير إلاّ بسماح منه. د- كان هذا تأديباً لأصحاب الخنازير فتربيتها ممنوعة حسب الناموس. هـ لم تطلب الشياطين الدخول فى إنسان فهى تعرف أن المسيح الذى اتى ليشفى الإنسان سيرفض هذا حتماً. وهى لم تطلب الدخول فى حيوانات طاهرة يقدم منها ذبائح فالمسيح سيرفض، ولكنها تطلب الدخول فى حيوانات نجسة. ومن هذا نتعلم شىء عن عالم الأرواح....فنحن معرفنا ناقصة جداً عن عالم الأرواح فنحن لا نعرف كيف تسكن روح الإنسان فى الإنسان، ولا كيف تسكن روح شريرة فى الإنسان ولا كيف تدخل الأرواح الشريرة فى الحيوانات، ولكن من هذه القصة نفهم أن المسيح يسمح بدخول الأرواح الشريرة للحيوانات النجسة أو للإنسان الذى يحيا فى نجاسة، فمن يقبل أن يسلم حياته للشيطان ويحيا فى النجاسة يكون معرضاً لأن تدخل فيه الأرواح الشريرة وتحطم حياته. فالإنسان الذى يعيش عيشة الخنازير يتمرغ فى خطاياه يكون للشيطان سلطان عليه، ويدفعه للهلاك كما دفع الخنازير للهلاك. 7. هذان المجنونان يمثلان الإنسان أو البشرية التى بقيت زماناً طويلاً مستعبده لعدو الخير بسلاسل الخطية وقيود الشر، لا تقوى على العمل لحساب مملكة الله، تعيش خارج المدينة أى خارج الفردوس، لا تستطيع السكن مع الله فى مقدسه. وهى قد تعرت من ثوب النعمة الإلهية تؤذى نفسها بنفسها، تعيش فى البرارى منعزلة عن شركة الحب مع الله والناس.يصيح ويجرح فى نفسه = حينما يستحوذ الروح الشرير على إنسان يورثه قلقه وبؤسه. 8. أصحاب الخنازير رفضوا المسيح بسبب خسارتهم. وهذا هو منطق العالم للآن الذى يخاصم المسيح بسبب أى خسارة مادية، بل قد يرفضه بسببها. 9. المسيح عبر البحيرة وتعرضت السفينة للغرق لينقذ نفسا هذين المجنونين. 10. لجيئون = هى كلمة لا تينية تعنى لمن كان تحت حكم الرومان ويفهم لغتهم العدد الكثير والقوة والطغيان. وقيل أنها إسم فرقة رومانية قوامها ستة ألاف جندى. والمسيح بسؤاله عن إسمه يكشف قوته. ما إسمك والسؤال موجه للشيطان وليس للرجل، فالشيطان قد إمتلك الرجل وسلبه عقله وشخصيته. وسؤال السيد لإبليس هنا ما إسمك، ليعلن شخصيته أمام الناس، فالإسم هو الرمز الخارجى للشخصية. ونلاحظ أنه بعد هذا السؤال تكلم الشيطان بلغة الجمع لأننا كثيرون. 11. وطلب إليه (لو 31:8) طلب الشيطان من المسيح أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية= فالهاوية هى مكان عذاب حقيقى لهم ينتظرهم حتماً. وهذا معنى قولهم أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الوقت ( مت 29:8). والمسيح لم يرسلهم إلى الهاوية، فهذا محدد له وقت هو يوم الدينونة. 12. لاحظ قول لوقا كيف خلص المجنون آية (36). فلهذا آتى المسيح المخلص لكى يخلصنا من سطوة الشياطين ويشفينا روحياً. 13. الرعاة وجمهور الكورة الذين رفضوا المسيح مفضلين عليه أن يسكنوا مع خنازيرهم، هؤلاء يشبهون من يفضل حياة الخطية والنجاسة عن التوبة (2 بط 21:2،22). 14. علاقة خلاص هذا المجنون قبوله للمسيح إذ هو أراد أن يتتلمذ للسيد المسيح، لكن المسيح فضل أن يتحول هذا الشخص لكارز. وهذا هو الإنجيل أن مريم المجدلية التى كان بها سبعة شياطين تتحول إلى كارزة بالقيامة ولمن؟ للتلاميذ. وهذا المجنون البائس يطلب من الرب بعد أن شفاه أن يتحول إلى كارز بكم صنع به يسوع. هناك من يتصور أن الشيطان أو أى قوة شيطانية لها سلطان عليه (كالأعمال والسحر والحسد). ومن هذه القصة نفهم عكس هذا. فلا سلطان للشيطان مطلق. بل المسيح له سلطان عليه. وإن كان دخول الخنازير احتاج لسماح من المسيح فهل يكون للشيطان سلطان على الإنسان الذى فداه المسيح وسكن فيه الروح القدس. أما من يفارقه الروح فللشيطان سلطان عليه (شاول الملك) والشيطان يذل من هذا الإنسان ويعذبه ليلاً ونهاراً (مر5:5) أى دائم العذاب. (مر 21:5-43):- ولما اجتاز يسوع في السفينة أيضا إلى العبر اجتمع إليه جمع كثير وكان عند البحر. وإذا واحد من رؤساء المجمع اسمه يايرس جاء ولما رآه خر عند قدميه. وطلب إليه كثيرا قائلا ابنتي الصغيرة على أخر نسمة ليتك تأتى وتضع يدك عليها لتشفى فتحيا. فمضى معه وتبعه جمع كثير وكانوا يزحمونة. وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة.وقد تألمت كثيرا من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئا بل صارت إلى حال اردا. لما سمعت بيسوع جاءت في الجمع من وراء ومست ثوبه. لأنها قالت أن مسست ولو ثيابه شفيت. فللوقت جف ينبوع دمها وعلمت في جسمها أنها قد برئت من الداء. فللوقت التفت يسوع بين الجمع شاعرا في نفسه بالقوة التي خرجت منه وقال من لمس ثيابي. فقال له تلاميذه أنت تنظر الجمع يزحمك وتقول من لمسني. وكان ينظر حوله ليرى التي فعلت هذا. وأما المرأة فجاءت وهي خائفة ومرتعدة عالمة بما حصل لها فخرت وقالت له الحق كله. فقال لها يا ابنة إيمانك قد شفاك اذهبي بسلام وكوني صحيحة من دائك. وبينما هو يتكلم جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين ابنتك ماتت لماذا تتعب المعلم بعد. فسمع يسوع لوقته الكلمة التي قيلت فقال لرئيس المجمع لا تخف أمن فقط. ولم يدع أحدا يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب. فجاء إلى بيت رئيس المجمع ورأى ضجيجا يبكون ويولولون كثيرا. فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون لم تمت الصبية لكنها نائمة. فضحكوا عليه أما هو فاخرج الجميع واخذ أبا الصبية وأمها والذين معه ودخل حيث كانت الصبية مضطجعة. وامسك بيد الصبية وقال لها طايبثا قومي الذي تفسيره يا صبية لك أقول قومي. وللوقت قامت الصبية ومشت لأنها كانت ابنة اثنتي عشرة سنة فبهتوا بهتا عظيما. فأوصاهم كثيرا أن لا يعلم أحد بذلك وقال أن تعطى لتأكل. من وضع قصص الإنجيليين الثلاثة معاً، نفهم أن يايرس، رئيس المجمع كانت إبنته مريضة، وقد إقتربت من الموت، فذهب للسيد المسيح يسأله أن يأتى ويشفيها، والسيد قبل أن يذهب، لكن موضوع نازفة الدم فى الطريق وشفائها عطل السيد. وجاء خبر أن البنت قد ماتت، لكن يايرس أصر على أن يذهب السيد ويقيمها = تعال وضع يدك عليها فتحيا ( مت 18:9 ) وواضح أن متى يختصر القصة ويقدم خلاصة الموضوع. وهنا نحن أمام معجزتين متداخلتين 1) شفاء نازفة الدم 2) إقامة إبنة يايرس 1) شفاء نازفة الدم : كثيرون ساروا وراء المسيح وواحدة نالت الشفاء لأنها تقدمت 1) بإيمان 2) بنفس منكسرة تتقدم فى الخفاء بإنسحاق لتتلامس مع الرب. وبحسب الناموس فنازفة الدم هى نجسة تنجس من يتلامس معها، لكن السيد القدوس لا يتنجس منا بل بتلامسه معنا يشفينا ويقدسنا. والسيد أعلن ما فعلته هذه المرأة ليعلن إيمانها فنتشبه بها وحتى لا ينخسها ضميرها لأنها نالت العطية خلسة، ولأن المسيح أعجب بإنسحاقها. ونلاحظ قول مرقس عنها، وقد تألمت كثيراً من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئناً بل صارت إلى حال أردأ. بينما أن لوقا كطبيب يحترم مهنة الطب لا يقول هذا بل يقول أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد. هذه المرأة تشير لأن العالم غير قادر على شفاءنا من أمراضنا. فقط المسيح. والسيد بعد أن شفاها جسدياً منحها السلام لنفسها = إذهبى بسلام إن مسست ثَوْبَهُ فقط … من لمسنى = هناك من يلمس السيد بإيمان فيشفى وهناك كثيرين يزحمونه ويلتقون حوله بلا إيمان فلا يأخذون شيئاً. وهو يشفى أمراض أجسادنا وأنفسنا وأرواحنا. ولاحظ حال المرأة قبل شفاء المسيح لها 1) مريضة جسدياً 2) نجسة طقسياً بسبب النزف 3) بلا مال (أنفقت كل أموالها). قوة قد خرجت منى= هذه اللمسة بإيمان تخرج قوة شافية من السيد فكثيرون يملأون الكنائس وقليون من يتلامسوا بإيمان مع يسوع فينالوا قوة. والقوة التى خرجت منه لا تعنى أن قوته نقصت بسببها، فهذا كإشعال شمعة من نار شمعة أخرى دون أن تنقص شعلة الثانية.والتحام قصتى نازفة الدم وإبنة يايرس يعنى أن المسيح هو قوة شفاء وحياة. 2) إقامة إبنة يايرس : لاحظ أيضاً أن يايرس كان فى درجة إيمانية أقل من قائد المئة. فيايرس قال للسيد تعال وضع يدك، أما قائد المئة فقال قل كلمة فقط، لكن يايرس طلب بلجاجة = كثيراً. قام المسيح بعمل ثلاثة معجزات إقامة من الأموات تمثل عمله الإلهى فى إقامتنا من موت الخطية. ونلاحظ أن السيد قادر أن يقيمنا من أى درجة من درجات الموت. 1- بنت يايرس= كانت مازالت فى بيت أبيها = تشير للخطية خلال الفكر الخفى فى الداخل. وهذه تحتاج إلى لمسة 2- إبن أرملة نايين = هذا حُمِلَِ فى نعش إلى الطريق= وهذا يشير لأن الخطية خرجت من مجال الفكر إلى حيز التنفيذ. وهذه إحتاجت أن يوقف السيد الجنازة ويأمر الشاب أن يقوم، رمز لتدخل الله ليوقف حركة الخاطىء نحو قبر الخطايا، فلا يكمل الشرير طريق شره وتتحول الخطية إلى عادة ودفع الشاب لأمه يشير لأن المسيح يعيد الخاطىء لحضن الكنيسة. 3- لعازر= هنا حدث عفونة للجسد = الخطية تحولت إلى عادة إرتبطت بالشخص وإرتبط الشخص بها. وها نسمع أن السيد إنزعج وأمر برفع الحجر ونادى لعازر ليخرج، وطلب حل رباطاته. ونلاحظ أن اليهود كانوا يستأجرون فى حالات الموت ندابات ومزمرون وهذا لا يرضى المسيح فأخرجهم. ونجدهنا أن المسيح يعتبر أن الموت هو حالة نوم كما قال فى حالة لعازر، وهذا يعطينا أن لا ننزعج من الموت فهو حالة مؤقتة يعقبها قيامة بالتأكيد. ونلاحظ أن قليلين هم الذين رأوا معجزة قيامة البنت، إشارة لأن قليلون هم من يتمتعوا بقوة القيامة. وقليلين (حوالى 500 أو اكثر قليلاً ) هم من رأوا المسيح بعد قيامته.وقال أن تعطى لتأكل = ليثبت أن قيامتها ليست خيالاً أو وهماً. تأمل:- الكنيسة آمنت بقول السيد أن الموت ما هو إلاّ نوم فعبرت عن هذا فى ليتورجيتها قائلة " ليس موت لعبيدك بل هو إنتقال"
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس شفاء المجنون * شفاء نازفة الدم * إقامة ابنة يايرُسَ (1) شفاء مجنون كورة الجدريين ( ع 1 - 20 ) : ع 1 - 2 : نجد شرحاً لهذه المعجزة فى ( مت 8 : 28 - 34 ) ، ولنلاحظ الآتى : " كورة الجدريين " : هى شرق الأردن ، وكانت منطقة تجارية يسكنها اليونانيون ، ولها إسم آخر تُعرف به ، وهو " كورة الجرجسيين "0 " إنسان به روح نجس " : عند وصول المسيح لشرق بحر الجليل ، إستقبله مجنونان يعيشان فى القبور ، ذكر القديس مرقس أحدهما ، وهو الأشد اضطراباً وهياجاً ، ووضّح أيضاً سبب حالته هذه ، وهى أن شيطاناً يسكنه ويسيطر على تصرفاته. ع 3 - 5 : " مسكنه فى القبور " : ربط بين الشيطان والقبور ، فمكان الشيطان دائماً حيث الموت والنجاسة ، وهى أعلام مملكته. والكلام بعد هذا عن قوة الشيطان وسلطانه على هذه النفس ، بحيث لم يقدر أحد أن يحرره من سلطانه ، أو يذل هذا الشيطان ويخضعه. " ليلاً ونهاراً " : تصوير للعذاب الدائم الذى تعانى منه النفس التى ، بشهواتها ، أخضعت نفسها لسلطان الشيطان ، فلا تعرف سبيلاً للراحة ، بل تزيد فى جرح نفسها بالخطايا ( الحجارة ). ع 6 - 7 : إندفع هذا الإنسان بكل عذابه نحو المسيح وسجد له ، وعندئذٍ صرخ الشيطان معترفاً بألوهية السيد المسيح وبحقيقته كإبن الله ، وبسلطانه المطلق فى تعذيبه العذاب الأبدى. ع 8 - 9 : الكلام هنا للمسيح ، إذ أمر الشيطان بترك الإنسان. وسبب سؤال المسيح عن إسم الشيطان ، ليس أنه كان خفياً عليه ، بل لِيُعلِمنا نحن عن شراسة الشيطان وقسوته فى امتلاك النفس ، ثم قوة سلطانه على مملكة الشياطين كلها ، مهما كان عددهم. ع 10 - 12 : " وطلب. . . كثيراً " : ليس سهلاً على الشيطان فى كبريائه إعلان هزيمته ، بالرغم من اعترافه بسلطان المسيح عليه ، ولهذا طلب عدم مغادرة الكورة ، أى المكان. ولمعرفة الشيطان أن المسيح سوف يخرجه لا محالة من الإنسان ، طلب عِوَضاً عن ذلك أن يدخل فى قطيع من الخنازير ، وهى من الحيوانات النجسة فى شريعة العهد القديم. ع 13 : " أذِنَ " : توضح لنا أنه مهما بلغت قوة الشيطان ، فلا يستطيع شيئاً دون أن يسمح الله به. لماذا أذن المسيح ؟! : لعل القارئ يسأل لماذا سمح للشيطان بأن يدخل فى قطيع الخنازير ، ويهيّجه ويدفعه نحو البحر ويغرق نحو ألفين ، وهو عدد القطيع كله ؟! سمح المسيح بذلك تأديباً لأصحاب الخنازير الذين قاموا بتربيتها ، مخالفين لوصية الله ، وبيعها بأسعار رخيصة تغرى الناس على شرائها. . . فكانت عقوبة المسيح عادلة إذن على من خالف الشريعة وأعثر الناس. ع 14 - 17 : خرج الرعاة فى ذعر ورعب إلى أصحاب القطيع ، وبالطبع أخبروا كل من قابلهم فى المدن وضواحيها ، فخرج الجميع للمشاهدة والتحقق. وإذ أتوا إلى مكان الرب ، وجدوا المجنون فى صورة جديدة لم يعتادوها. . . هادئاً. . . جالساً. . . عاقلاً. . . وابتدأ الجمع الذى شاهد المعجزة فى قصها على من لم يرها. أما أصحاب الخنازير ، الذين كانت الخنازير عندهم أهم من الإنسان ، فقد ساءتهم خسارة القطيع ، فطلبوا من الرب مغادرة المكان!! ع 18 - 20 : كعرفان بالجميل ، ورغبة صادقة من الرجل الذى شُفى ، أراد تبعية المسيح والدخول معه إلى السفينة. ولكن السيد المسيح منعه ، وطلب منه شيئاً آخر ؛ أولاً : أن يذهب لأهل بيته ليتعزَّوْا بعودته سليماً. . . ثانياً : أن يشهد لله وعمله فى شفائه. وقد أطاع الرجل ، وابتدأ ينادى ويخبر كل الناس بما صنع المسيح له. " العشر المدن " : هى المنطقة شرق بحر الجليل ، والتى كانت كورة الجدريين إحداها. راجع أيضاً تفسير ( مت 4 : 24 - 25 ). + نتعلم من هذا الرجل شيئاً هاماً ، وهو أن على الإنسان أن يخضع مشيئته لله ولا يتمسك برأيه. . . نقدم رغباتنا لأبينا نعم ، ولكن ندع له الإختيار. . . فرغبة الرجل كانت رغبة مباركة ، وهى الوجود مع المسيح. . . ولكن المسيح كلفه بخدمة أخرى ، ففرح بها ، وانطلق يخدم باجتهاد. . . فلنتعلم نحن أيضاً ألا نتشبث بآرائنا ، ونترك قيادة حياتنا لحكمة واختيار إلهنا. (2) لقاء يايرُسَ وشفاء نازفة الدم ( ع 21 - 34 ) : ع 21 : " العَبْرِ " : هو الجانب الغربى من البحر ، والذى عاد إليه المسيح بعد معجزة شفاء المجنون. وكالعادة ، كانت الجموع ، إما تتبعه ، أو تنتظره حال وصوله. ع 22 - 24 : " رؤساء المجمع " : أى أحد شيوخ اليهود ذوى المكانة العالية من الناحية الدينية والإجتماعية ، وإسم يايرُسَ معناه " المستنير " ، ويمثل اليهودى المستنير بالناموس ، فيؤمن بالمسيح ويقدّم له السجود. " طلب. . . كثيراً " : أى طلب بلجاجة ، مما يوضّح سوء حالة الإبنة من ناحية ، وأبوة يايرُسَ الحانية ورغبته فى شفائها من ناحية أخرى ، واضعاً آخر آماله ورجائه فى زيارة المسيح لها ، وأسلوبه المؤدب فى الطلب ، إذ سبق وسجد للمسيح فى أول الأمر ، ثم ترجّاه قائلاً : " . . ليتك تأتى وتضع يدك عليها. . فتحيا ". وإذ رأى المسيح هذه المشاعر ، ذهب معه. وكالعادة ، تبعته الجموع فى ازدحام. + إلهى الحبيب. . . ما أعذب الكلمات التى نطق بها يايرُس " ليتك تأتى ". نعم ياربى ، ليتك تأتى وتضع يدك علىّ فأطهر من خطاياى وأُشفَى من ضعفاتى. . . ليتك تأتى لتحررنى من الماديات ومحبة العالم. أخى الحبيب. . . إجعل هذه الطِلبةُ التى نطق بها يايرُس كصلاة بين شفتيك ، ففى كل إحساس بالضعف أو التعب أو الضيق ، قل : " ليتك تأتى ياربّى يسوع ". ع 25 - 26 : فى الطريق إلى بيت يايرُسَ ، تقابل المسيح مع المرأة نازفة الدم ( راجع مت 9 : 20 ) ، التى شرح القديس مرقس حالتها بالتفصيل كمدخل للمعجزة. " اثنتى عشرة سنة " : أى كمال زمن آلامها ومعاناتها النفسية بجانب الجسدية ، إذ تعتبر النازفة نجسة ولا تستطيع الإقتراب من الهيكل أو أن تؤدى الممارسات الدينية ؛ وكيف يكون أيضاً حال جسد بعد نزف مدة طويلة كهذه ؟! " أطباء. . . أنفقت. . . أردأ " : يستكمل القديس مرقس رسم صورتها ، فهى اليائسة بعد مرورها على الأطباء واختبار كافة الأدوية ، وهى الفقيرة إذ أنفقت كل أموالها ، وصار حالها أردأ ، أى زادت الآلام وعَجَزَ المال والطب عن شفائها ، فى إشارة لعجز البشر ، بكل إمكانياتهم ، والإحتياج للمسيح المخلّص. ع 27 - 28 : " لما سمعت " : شأنها شأن كثيرين ممن سمعوا عن المسيح ومعجزات شفائه ، ولم يدفعها احتياجها أو يأسها من الشفاء فقط ، بل كان هناك أيضاً إيمان يحركها ، إذ قالت فى نفسها : " إن مسست " ، وهو إيمان بسيط ، ويكشف لنا أيضاً عن احترامها لوصية الناموس فى عدم لمسها لإنسان بسبب نجاستها ، فأخذت قرار بألا تلمس سوى ثيابه. ع 29 : لحظة لمسها لثياب المخلّص كانت لحظة شفائها ، وشعرت بقوة عجيبة وجديدة تسرى فى جسدها. + أخى الحبيب. . . ألا تسأل معى كيف شُفيت النازفة حتى دون أن تطلب ؟! إنه الإيمان البسيط المتضع الذى فقده كثيرون فى هذه الأيام !! فشعورها بعدم الإستحقاق ، جعلها تأتى من ورائه وتستحى أن تطلب ، وإيمانها جعلها تزاحم الجمع ، بالرغم من ضعف جسدها ، فنالت ما أرادت. يا إلهى ، أعطنى أن أكون مثلها فى فضائلها : مؤمناً. . متضعاً. . مثابراً. . مجاهداً. ع 30 - 32 : " القوة التى خرجت " : تعبيراً عن إدراك السيد المسيح لما حدث. وكلمة " خرجت " ، معناها أنه هو صاحب السلطان على الشفاء ومانحه ، وليست ثيابه المجردة. + أخى الحبيب. . . يعلمنا التقليد الراسخ فى كنيستنا إكرام أجساد ورفات القديسين ، والإحتفاظ فى كنائسنا ببعض الذخائر من رفاتهم. . . ويتبارك الناس بلمسهم والتشفع بهم من أجل الشفاء أو نوال البركة. ولمن يقاوم هذا التقليد ، نقول أن ثياب المسيح كانت تحمل قوته كلها. . . هكذا رفات القديسين تحمل قوة الله ذاته ، فالشافى فى كل الأحوال هو الله بكامل سلطانه ، ولكنه يعطى الإكرام لأسماء أولاده القديسين. " من لمس ثيابى ؟ " : بالطبع كان المسيح يعلم من الذى لمس ثيابه ، ولكنه أراد بهذا السؤال شيئين : الأول : إعلان إيمان المرأة المتضعة. الثانى : إعلان المعجزة ذاتها للجميع. ولكن ، لعدم فهم التلاميذ مقصد السيد ، سألوا بتعجّب : أفى وسط هذا الزحام تسأل من لمسنى ؟ أما المسيح ، فاستمر ينظر حوله ، معطياً المرأة فرصة للإعلان عن نفسها. ع 33 - 34 : فهمت المرأة جيداً أنها المعنية بكلام المسيح دون غيرها ، وزادها هذا خوفاً وارتباكاً ، ولكنه لم يمنعها من التقدم والإقرار بالحقيقة ، فضعفها البشرى لم يدفعها للهرب ، بل أقرت بالحقيقة. وكان رد المسيح عليها مطمئناً ، نازعاً لكل قلق ، فمدح إيمانها وأوضح أنه السبب فى شفائها ، وباركها ، وأمر لها بدوام الشفاء. + ربّى يسوع. . أنعم علىّ بشجاعة نازفة الدم ، حتى أقترب إليك لأنال دوام الشفاء من خطاياى. (3) إقامة إبنة يايرُسَ ( ع 35 - 43 ) : ع 35 - 36 : العودة هنا لقصة إبنة يايرُسَ المريضة ، بعد الإنتهاء من شفاء نازفة الدم. . . إذ فى طريق عودة يايرُسَ إلى بيته ، أتى قوم من منزله ليخبروه بوفاة إبنته ، وأنه لا حاجة إذن لقدوم المسيح فلم يتصور أحد أن المسيح يستطيع شيئاً مع الموت إلا أن المسيح تدخّل فى الحديث ، وتكلم مع يايرُسَ مباشرة ، وشجعه ، قائلاً له : " لا تخف " ، وأعطاه أيضاً السلاح الوحيد لطرد الخوف ، وهو الإيمان. ع 37 : " ولم يدع أحداً. . . " : تبعه الجمع حتى بيت يايرُسَ ، ولكن عند دخول البيت ، لم يسمح المسيح لأحد بالدخول ، سوى بطرس ويعقوب ويوحنا من التلاميذ ، وهؤلاء الثلاثة هم من اصطحبهم أيضاً على جبل التجلى ( ص 9 ) ، وكذلك فى جثسيمانى ليلة صلبه. ع 38 - 40 : وكما هو متوقع فى هذه الأحوال وخاصة لصغر سن الإبنة كان الحزن والبكاء والعويل عظيماً ، وفاجأهم المسيح بسؤال وحقيقة أدهشت الجمع والأهل. " لماذا. . تبكون ؟ " : سؤال يبدو غريباً فى مثل هذا الموقف. . . وهل يمكن عمل شىء أخر سوى البكاء ؟! " لم تمت الصبية " : وهى الحقيقة الغير قابلة للتصديق ، فالموت كان واضحاً وواقعاً ، والجموع شهود على ذلك ، وهل لا نستطيع التفريق بين النوم والموت ؟! " فضحكوا عليه " : يبدو أنهم تعجبوا أو سخروا من قول المسيح ، إذ كانوا متأكدين من موت الصبية ، إلا أن المسيح أخذ والديها مع الثلاثة تلاميذ ، ودخل الحجرة حيث الصبية راقدة. ع 41 : أمسك المسيح بيد الصبية ، وناداها بالأمر أن تقوم من موتها ، وهو وحده صاحب السلطان على الموت. وعبارة : " طليثا ، قومى " كانت تعبيراً سريانياً منتشراً ، حرص القديس مرقس على ذكره كما نطق به المسيح ثم ترجمه لمعناه : " يا صبية ، لك أقول قومى ". ع 42 - 43 : " قامت. . . ومشت " : أى عادت لكمال صحتها ، ولم تمر بفترة نقاهة مثلاً أى تمت القيامة والشفاء واندهش الجميع إندهاشاً عجيباً ، فما حدث كان فوق تصديق أى عقل. " فأوصاهم. . أن لا يعلمَ أحدٌ " : مثل هذا الخبر لا يمكن كتمانه ، فقد ذكر القديس متى أنه : " خرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها " ( 9 : 26 ). أما طلب المسيح فكان سببه ، ربما الرغبة فى عدم إثارة حسد الرؤساء عليه ، أو أن يكون إيمان الناس به عن اقتناع وليس عن الإنفعال بالمعجزات. . . وطلب أن تُعطَى لتأكل ، وهذا تأكيد أيضاً أن قيامتها كانت بجسدها الحقيقى وليس خيالاً. + إن دخول المسيح إلى بيت يايرُسَ قَلَبَ الحزن إلى فرح ، ولازال يقف على أبواب قلوبنا ، ومازلنا نريد أن يقيم كل من مات بالخطية ، ويعيد الفرح إلى القلب بدلاً من الكآبة والحزن. . . إفتح له أيها الحبيب ، تكلم معه وأخبره أنك تحتاج أن يلمسك بيده ليقيمك صحيحاً فى التوبة ، وليعطيك أن تأكل من جسده ودمه الحقيقى ، معلناً شفاءك وقيامتك.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح