كلمة منفعة
هناك وسائل عديدة تستطيع إن تنجح بها في معاملة الناس وتكسب قلوبهم، وبهذا تقودهم بالحب في طريق روحي، وكما قال الكتاب "رابح النفوس حكيم".
— كيف تعامل الناس؟
إنجيل مرقس 4
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع
مثل الزارع وحبة الخردل * هياج البحر
(1) مثل الزارع ( ع 1 - 20 ) :
يلاحظ أن مثل الزارع قد سبق شرحه فى ( مت 13 : 1 - 23 ) ، وسيراعَى هنا الإختصار.
ع 1 - 2 : " عند البحر " : حدث هذا أكثر من مرة ، فالبحر هنا هو بحر الجليل. وعند ازدحام الجمع على المسيح ، إستخدم السيد أحد قوارب الصيد ، وجلس عليه فى مواجهة الجموع الذين على الشاطئ ليعلمهم. والبحر يرمز عادة للعالم المضطرب ، والمالح أى الذى يعطش كل من يشرب منه ، والسفينة ترمز للكنيسة مصدر التعليم والنجاة. " بأمثال " : أحد الأساليب التى استخدمها السيد كثيراً فى التعليم ، وهناك الوعظ المباشر كالموعظة على الجبل. وهنا ، يستخدم مثلاً تصويرياً يرتبط بالبيئة وأذهان الناس ، ليسهّل المعنى المراد تصويره.
ع 3 - 4 : "الزارع" : هو الله ، وكذلك كل خادم أمين يستخدمه الله فى نشر كلمته ( البذار ). "خرج" : أى نزل وتجسد من أجل الفداء والكرازة بكلمته ، بذاره ، التى سقط بعضها على الطريق فلم ينبت ، إذ جاءت طيور السماء وأكلته. يلاحظ أن السيد المسيح سيعود ويشرح لتلاميذه بالتفصيل معنى هذا المثل وأنواع الأراضى فى الأعداد ( 14 - 20 ).
ع 5 - 6 : والبعض سقط بين الأحجار على تربة صخرية ، فلم يقدر الجذر على تخلل الصخور ، ومات الزرع بعد أن نبت بسرعة ، وأحرقته الشمس ، خاصة وأن جذوره لم تستطع أن تمده بالماء والغذاء.
ع 7 - 8 : وسقط البعض فى أرض كان من الممكن أن تعطى ثمراً ، لولا امتلائها بالأشواك والحشائش الغريبة غير النافعة ، التى حجبت عنها الشمس والهواء ، وأعاقت الجذور عن النمو ، فاختنقت وماتت. سقط الجزء الأخير من الحبوب على أرض جيدة ، فأعطى ثمراً متنوعاً مقداره ثلاثين أو ستين أو مائة.
ع 9 : "من له أذنان" : تعبير استخدمه المسيح أكثر من مرة ، والمقصود به دعوة المستمع إلى حُسن الإصغاء والفهم والتأمل ، ليس فقط فى المعنى الحرفى ، بل أيضاً فى المعنى الروحى الأعمق.
+ إلهى الحبيب. . . كنتَ حريصاً على كلمتك أن تصل لكل إنسان حتى تأتى بثمارها ، ولهذا كلّمت كل الناس بكل أنواع الكلام ليفهموا. . . ولكن ، ماذا أفعل أنا ؟ لماذا لا أتحدث مع الناس عنك أو بكلامك ، فكلامك مفرح ومُعزِّ ، وفهمه والعمل به هو الطريق للأبدية ؟ أعطنى يا إلهى أن أتحدث بكلامك بدلاً من كلامى ، وبحكمتك عوضاً عن فهمى ، فتكون التعزية لى وللآخرين.
ع 10 - 11 : بعد انصراف الجموع ، وعند الإنفراد بالمسيح ، سأله الإثنا عشر مع بعض التابعين له عن معنى المثل ، فسُرَّ بهم لأنهم سألوه ليعرفوا المعانى الروحية. "أعطى لكم" : هِبة خاصة ونعمة يعطيها الله لخدامه الأمناء لفهم المعانى الروحية الخفية والرمزية ، فيشبعوا أولاً بها ، ثم يشرحونها للآخرين ، كل واحد بحسب استيعابه.
ع 12 : الكلام هنا ، هو تذكير من المسيح لتلاميذه بنبوة إشعياء عن الشعب الذى قاوم تعليم النبى فى زمانه ( 6 : 9 - 10 ). والمقصود من ذلك أنه ليس كل من يسمع ، ولا كل من ينظر ، يؤمن بالكلام أو يفهمه ، بل فى كثير من الأحيان لا يقبله ويقاومه ، فيحكم الإنسان بذلك على نفسه ، ولا يستحق مغفرة الخطايا.
ع 13 - 14 : بدأ السيد يشرح لهم المثل ، وأوضح أنه أبسط من غيره من الأمثال. وبدأ بأن الله هو الزارع ، الحريص على أن يلقى بكلمته فى قلوب البشر ، والقادر أن يغيّر طبيعة الإنسان إن أراد الإنسان ذلك.
ع 15 : " الطريق " : هم أصحاب القلوب المتكبرة ، لأن الطريق أعلى من الحقل ، وهو بلا سور يحفظه ، أى بلا تدقيق. ومن كثرة مرور الناس على الطريق ، يصبح صلباً ، فهو يشبه الناس الذين يسمحون للأفكار الشريرة أن تدخل فيهم ، فتقسّى قلوبهم فلا يقبلون كلام الله. ثم يأتى الشيطان ويخطف الكلمة فلا تأتى بأى ثمر.
+ إلهى. . . أعطنى أن أكون حقلاً منخفضاً ومتضعاً ، ولا أكون طريقاً متكبراً ، فكلمتك لا تعرف سوى القلب المتضع لتأتى منه بالثمر.
ع 16 - 17 : " الأماكن المحجرة " : هى أرض لها تربة خفيفة تخفى بداخلها أحجاراً صلبة ، كالقلوب المرائية التى تظهر الرحمة وتخفى القسوة ، تشير أيضاً لعبادة الأحجار الأصنام دون الله. وهى أرض لم يمر فيها المحراث الخشبى الذى يرمز للصليب ليفتت قساوتها ، حتى يقبل أصحابها الكلمة. وحتى إن استقبل هؤلاء كلمة الله بفرح ، يكون هذا مؤقتاً وغير ثابت ، لا يصمد أمام التجارب أو الضيق أو الإضطهاد.
ع 18 - 19 : " الشوك " : المزروعين بين الشوك تخنقهم هموم العالم واهتماماته المادية الباطلة ، وما يصاحب هذا من قلق وغرور بسبب الغِنى. ويقول القديس أكليمنضس الإسكندرى : "لا تلُمْ المال ، بل سوء استخدامه".
ع 20 : أما الأرض الجيدة ، فهى من يسمعون ويعملون ويثمرون ثماراً متدرجة. وهى أرض منخفضة ( متضعة ) ، محروثة ( حملت الصليب ) ، معرضة للشمس ( أى تقف أمام مسيحها كل يوم ) ، مرويّة بالروح القدس وبدمه الكريم. . . ونلاحظ من المثل الآتى :
(1) كلمة الله متاحة للجميع ، ومتروك للإنسان درجة التجاوب معها ، أو حتى رفضها.
(2) أن هناك مستويات للشبع والتأمل فى كلمة الله ( التلاميذ ) ، وهناك مستوى القبول والفهم ( الجموع ) ، وكلاهما مقبول.
(3) أن عدد الأراضى السيئة ثلاث والجيدة ثلاث ، وهذ يذكّرنا بمثل العذارى الحكيمات والجاهلات ( مت 25 : 1 - 13 ) ، فى أن دعوة ونعمة الله واحدة للجميع. ولكن ، ماذا عن رد فعلك أيها الحبيب ؟!
(2) دعوة الكرازة ( ع 21 - 25 ) :
ع 21 : بعد شرح المثل للتلاميذ ، أكمل المسيح حديثه بسؤال استنكارى ، الغرض منه دعوة التلاميذ للعمل الكرازى الجاد. "يؤتى بسراج" : السراج هو كلام المسيح وشرحه وتعليمه الذى أنار به قلوب وعقول تلاميذه. وكما استناروا ، عليهم إنارة قلوب الآخرين بذات الكلام ، وهى مسئولية تقع علينا نحن أيضاً ، فيجب ألا ننشغل بالعالم الذى يرمز إليه المكيال فى إخفائه لكلمة الله ، أو نتكاسل ونرقد على السرير ، تاركين عمل الله ، بل علينا أن نرفعه عالياً على المنارة حتى يضىء العالم كله بتعليم المسيح. وترمز " المنارة " كذلك إلى الكنيسة المضيئة فى وسط العالم المظلم ، فهى المسئولة عن نشر تعليم المسيح. ولنلاحظ أن طقس بناء الكنائس حرص على بناء المنائر تأكيداً لهذا المعنى.
ع 22 - 23 : أى ما شرحته لكم على انفراد من أسرار الملكوت ليس لإخفائه ، بل لإعلانه والتعليم به ، وهى مسئوليتكم. . ولأهمية الموضوع ، كرر السيد المسيح ما قاله للجموع فى ( ع 9 ) بأن من له أذنان للسمع فليسمع.
ع 24 - 25 : طلب المسيح من تلاميذه أن يفهموا الحقيقة التالية ، وهى : عدل الله أمام محبة وتعب خدامه. فكل من قدّم تعباً من أجل انتشار الملكوت والكرازة ، ستكون له المكافأة بزيادة ، ويعطيه الله هنا القوة على العمل. أما من ليس له رغبة فى العمل ، فحتى مواهبه الطبيعية التى لم يستخدمها ، ستؤخذ منه هنا ، ويعاقب على تقصيره فى الأبدية.
(3) مثلا نمو الزرع وحبة الخردل ( ع 26 - 34 ) :
ع 26 : "ملكوت الله" : هناك فرق بين تعبيرى " ملكوت الله " و "ملكوت السماوات". . . فملكوت السماوات يعنى الأبدية وما بعد المجىء الثانى للمسيح. أما ملكوت الله ، فيعنى أمرين : الأول : هو انتشار الإيمان على الأرض ومُلك الله على قلوب الناس ، والثانى : هو عمل الله فى الإنسان من أجل نمو الإيمان بداخله ( ص 1 : 14 - 15 ). " إنساناً " : ترمز للمسيح نفسه أو للخادم الأمين الموصل لكلام المسيح ، والبذار هى كلمات الله وتعاليمه ووصاياه ، والأرض هى قلب الإنسان أو البشر عامة.
ع 27 : " البذار يطلع وينمو " : إشارة واضحة لعمل الروح القدس فى الكنيسة والإنسان ، فالروح القدس هو المسئول عن النمو الروحى فى حياة كلٍ منا ، ولهذا تنمو البذار فى القلب ويتجاوب معها الإنسان. " وهو لا يعلم " : بالطبع تعود هذه الكلمات على شخص الخادم الذى ألقى بكلمة الله فى القلوب ، لأن مسئولية النمو والإثمار هى مسئولية الله نفسه وليس الخادم ، كما قال بولس الرسول : " ليس الغارس شيئاً ولا الساقى ، بل الله الذى ينمى " ( 1كو 3 : 7 ).
ع 28 : " الأرض من ذاتها " : إشارة إلى طبيعة البشر الجديدة بعد المعمودية فى أنها مستجيبة لعمل الله ، وتميل للخير. ويوضح لنا السيد المسيح هنا أن النمو الروحى فى حياة الإنسان هو نمو تدريجى ، وليس انقلاباً وتغييراً فى لحظة. . . فيبدأ كنبات بسيط فى بداية التوبة ، وبعد ذلك سنابل ، أى الأعمال الصالحة ، ثم يصير قمحاً أى ثمراً ناضجاً ثابتاً ، وكذلك هو مصدر غذاء روحى لآخرين.
ع 29 : " متى أدرك الثمر " : أى عند كمال النضج. والمقصود انتشار ملكوت الله على قلوب الناس. " المنجل " : هو سكين نصف دائرى يُستخدم فى الحصاد.
المعنى العام : عند اكتمال الزمن ونهاية الأيام ، يرسل الله ملائكته الحصادين ( مت 13 : 39 ) لاقتطاف هذا الثمر ، وينتقل الناس إلى السماء ليحاسبوا على أعمالهم.
+ إلهى الحبيب. . . إجعلنى أرضاً صالحة أقبل كلامك الذى يصل إلىِّ ، واجعلنى خاضعاً لروحك القدّوس. . . فأنا فعلاً أريد أن أنمو ، وليس لى سوى عملك فى حياتى الذى أحتاجه بقوة ، ثبّت فىَّ كلامك ، واشغل قلبى بحبك ، واجعلنى أشتهى خدمتك ، وأكون مستحقاً لملكوتك السمائى فى مجيئك الأخير.
ع 30 : سؤال سأله المسيح ، ليس بغرض الحصول على إجابة من مستمعيه ، بل ليوضح لنا حرصه على توضيح الحقائق الإيمانية بأمثلة بسيطة تتناسب مع عقول الناس.
ع 31 - 32 : لازال حديث المسيح هنا مرتبطاً بالحديث السابق فى نمو عمل الله داخل حياة الإنسان ، وكيف وإن بدأ صغيراً فى القلب ، كحبة خردل واحدة وهى الصغرى بين الحبوب ، إلا أن رعاية الله تجعلها شجرة هائلة تضم أغصاناً وفروعاً ، أى فضائل روحية متنوعة ، حتى أن النفوس التى بلا مأوى تجد الراحة بداخلها.
+ أليست هذه هى كنيسة الله التى تبدو ضعيفة فى عينى العالم ؟ ولكنها واحة الراحة لكل المتعبين والتائهين فى العالم. . . فإلى متى يا أخى تظل متغرباً عن كنيستك ؟ تعال واستظل ، تجد الراحة والماء والمرعى ، ومسيحك المنتظر باشتياق ليتعهد نموك وإثمارك.
ع 33 - 34 : بحسب طاقة المستمعين وفهمهم ، كان الرب يتكلم بالأمثال والتشبيهات. أما على انفراد ، أى مع تلاميذه فى جلساتهم الخاصة ، فكان يفسر لهم كل شىء.
(4) هياج البحر ( ع 35 - 41 ) :
ع 35 - 36 : فى نفس اليوم الذى تحدث فيه المسيح بالأمثال ، طلب من التلاميذ عبور بحر الجليل إلى شرق الأردن ، فقام التلاميذ بصرف الجموع ، وأخذوا الرب بدون استعدادات كما كان إلى السفينة. والسفينة هنا تشير إلى الكنيسة التى تحمل دائماً مسيحها بداخلها وحوله الرسل ، أى آبائها وخدامها.
ع 37 - 38 : هبت رياح مضادة وعنيفة ومعاكسة ، وهى تشير إلى التجارب والحروب التى تتعرض لها النفس أو الكنيسة فى العالم ، والأمواج العالية تشير إلى الشهوات التى يحاول الشيطان أن يملأ بها النفس. والمسيح فى كل هذا لم يترك سفينته ( كنيسته ) ، بل كان يمتحن إيمان خدامها أثناء الضيقة ، ويُظهر ضعفهم وسرعة التجائهم إليه. فأيقظوه وعاتبوه لإهماله لهم ، بدلاً من أن يطلبوا منه باتضاع وبثقة فى قدرته على إنقاذهم.
ع 39 : " . . انتهر. . وقال. . : تحدث المسيح مع البحر والرياح بسلطان السيد على عبيده ، وأمرهما بالخَرَسِ ، فجاءت الإستجابة فورية وسريعة ، وصار هدوء عظيم.
ع 40 - 41 : كان كلام المسيح مع التلاميذ توبيخاً وعتاباً على نقص إيمانهم أمام الشدة ، وعلى أسلوب كلامهم الغير لائق معه. وبعد الهدوء ، صار خوف أعظم داخل قلوب التلاميذ ، وتساءلوا فيما بينهم عن حقيقته ، واكتسبوا خبرة روحية جديدة عن قدرة المسيح الذى تطيعه الرياح والبحر وكل الطبيعة.
+ ونتعلم من هذه المعجزة أكثر من شىء :
(1) أن وجود المسيح داخل الكنيسة لا يمنع حدوث التجارب والإضطهادات.
(2) أن الغرض من التجارب عامة هو امتحان للإيمان والثقة فى عمل الله.
(3) سماح الله بالتجارب لنا ، هو لنعرف ضعفاتنا ، ونلتجئ إليه فينقذنا ويعضدنا.
(4) أنه مهما كانت الدالة فى حديثنا مع أبينا السماوى ، فلا يجب أبداً أن تكون على حساب احترام كرامة إسم الله ومهابته ومخافته فى قلوبنا.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح