كلمة منفعة
هكذا قال السيد المسيح: (من له أذنان للسمع، فليسمع) (مت 13: 43) ذلك لأن هناك من لهم آذان، ولكنهما لا تسمعا. وعن أمثال هؤلاء قال السيد: (لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون) فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة (قلب هذا الشعب قد غَلُظَ. وآذانهم قد ثقل سمعها) (إش 6: 10).
— من له أذنان
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس والعشرون الفصح * العشاء الرّبّانى * القبض على المسيح ومحاكمته (1) الفصح والصليب ( ع 1 - 2 ) : " هذه الأقوال " : وهى حديثه وإجابته على تلاميذه عند جبل الزيتون ، حيث أعلن علامات خراب أورشليم ونهاية العالم0ثم كلامه عن الإستعداد والأمانة وعمل الرحمة ، وهو المذكور فى ص 24 و 25 0 " بعد يومين " : لأن هذا الكلام كان فى يوم الثلاثاء ليلاً ، أى ليلة الأربعاء ، فبعد يومين ، أى يوم الجمعة ، عيد الفصح0 " الفصح " : معناه عبور ، وهو أعظم أعياد اليهود ، بدأ فى مصر عندما ذبح كل رب أسرة خروف ولطّخ بابه بالدم ، فعبر الملاك المهلك عنهم وقتل أبكار المصريين ، فسمحوا لهم بالخروج من مصر وتحرروا من عبوديتهم ( خر 12 )0بعد أن أعد المسيح قلوب تلاميذه لقبول آلامه وموته من أجلهم ، ثم قيامته ليقيمهم من خطاياهم ، وبعد أن دخل أورشليم وتحدث عن الإستعداد للأبدية ، ينبههم إلى اقتراب الفصح بعد يومين بالتحديد0وذبْح هذا الخروف كان مرتبطاً بتحررهم من عبودية مصر ، ولكنه فى الحقيقة كان رمزاً لموت المسيح على الصليب ليحرر العالم من عبودية الخطية ، لذا قال لهم أنه قد جاء الوقت ليُصلَب ويموت من أجلهم0ويبدو أن الأمر كان صعباً على استيعابهم ، فلم يدركوا أنه سيتم فعلاً بعد يومين ، وكان هذا بنعمة الله ، حتى يحتملوا الساعات الصعبة المقبلة0 + الله يريد أن يحميك من الشر إن تمسكت به وآمنت بقوته ، فلا يستطيع إبليس أن يؤذيك ، بل يحوّل الله كل الضيقات لمنفعتك ونموّك الروحى0 (2) التشاور للقبض على يسوع ( ع 3 - 5 ) : " رؤساء الكهنة " : الرئيس الحالى والرؤساء السابقين ، لأن الرومان كانوا يعزلون الرئيس ويقيمون غيره ، بالإضافة إلى رؤساء فرق الكهنة الأربعة وعشرين0 " الكتبة " : المسئولون عن نسخ الكتب المقدسة ومعرفتها وتعليمها للشعب0 " شيوخ الشعب " : الرؤساء المعتبرين أعضاء المجمع ، وهو السنهدريم ( ص 5 : 21 - 22 )0 " دار رئيس الكهنة " : إجتمع مجمع السنهدريم فى دار قَيَافَا رئيس الكهنة ، حتى لا يشعر الشعب بسبب اجتماعهم إذا اجتمعوا فى الهيكل0إزداد حقد قادة اليهود الدينيين المتمثلين فى رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ المعتبَرين عندهم ، لأن الجموع تبعته وتركتهم ، منجذبين إلى كلامه ومعجزاته ، فاجتمعوا فى دار رئيس الكهنة قَيَافَا ، حتى يُعِدُّوا مؤامرة للتخلّص منه ، واتفقت مشورتهم الشريرة على التحايل للقبض عليه بطريقة ماكرة ، حتى لا يثيروا الشعب الذى يحبه ، وقرروا أيضاً ألا يكون هذا فى يوم عظيم مثل عيد الفصح ، لأن تجمع الشعب قد يعطلهم عن إتمام مقاصدهم الشريرة0ولكنهم عدلوا عن فكرتهم هذه عندما أظهر لهم يهوذا الإسخريوطى استعداده لتسليمه لهم خفية ، وكان هذا بسماح من الله حتى يتمَّم الفداء يوم عيد الفصح ، لأنه كان رمزاً له ، ولكيما يشاهد ذلك الجموع الكثيرة المحتشدة من اليهود فى هذا العيد ، والتى كانت تصل إلى ثلاثة ملايين ليُنشَر خبر موت المسيح وقيامته ، أى بشرى الخلاص0 + إنك بخطاياك تسىء إلى المسيح وتسبب القبض عليه وصلبه ، والكنيسة تذكرك بهذا فى صوم يوم الأربعاء من كل أسبوع ، حتى تتوب وترفض الإشتراك مع هؤلاء الأشرار فى القبض على يسوع0 (3) ساكبة الطيب ( ع 6 - 13 ) : ع 6 - 7 : جاء المسيح إلى بيت عنيا ( ص 21 : 17 ) للمرة الأخيرة فى حياته على الأرض ، ودخل بيت رجل يسمى سمعان ، كان مشهوراً بـ " الأبرص " ، لعل المسيح كان قد شفاه من بَرَصِهِ ، فاهتم بطلب زيارته له فى بيته0وجاءت إمرأة تحب المسيح ، وتريد التعبير عن حبها له ، فاشترت زجاجة عطر غالى الثمن ، وسكبته على رأسه ، وهذه المرأة هى مريم أخت لعازر ، كما ذكر يوحنا البشير ( 12 : 3 ) ، لأنها عُرفت بمحبتها للمسيح ، وتسكن فى نفس القرية ، وكانت حريصة على سماع كلامه0ولم يذكر متى ومرقس البشيران إسمها خوفاً عليها من اضطهاد اليهود ، أما يوحنا فقد كتب إنجيله بعد خراب أورشليم بزمن طويل ، ولم يعد هناك خوف منهم0أرادت هذه المرأة أن تعبّر عن حبها للمسيح ، فهى تمثل الكنيسة الشاكرة لمسيحها على عطاياه ومعجزاته ورعايته لها0وهى تعلن عن وجود مؤمنين قليلين إمتلأت قلوبهم بالحب وسط أشرار كثيرين سينادون بعد أيام بصلبه0 " قارورة طيب " : إناء صغير ثمين توضع فيه الأطياب الغالية ، له رقبة طويلة تُسَدُّ فوهتها بمادة ثابتة ، فلا يمكن فتحه إلا بكسر هذه الرقبة0 " على رأسه " : كانت العادة سكب الطيب على الرأس إكراماً للشخصيات المحبوبة وذات المقام الكبير ، وقد ذكر مرقس أيضاً ذلك ( 14 : 3 )0أما يوحنا فقد ذكر أنها سكبته على قدميه دليلاً على اتضاعها ( ويُفهم ضمناً أنها سكبت جزءاً منه على رأسه كالعادة المتبعة )0 " متكئ " : كانت العادة فى الولائم الجلوس على سرير وليس كرسى ، والإستناد بالذراع الأيسر على المائدة ، أما الرِّجلان فتمتدان على السرير وتتجه القدمان إلى الخلف ، ويأكل بيده اليمنى وهو متكئ برأسه على يده اليسرى ، وهذا يمكَّن مريم من الوصول إلى رأسه بسهولة0وقد ذكر مرقس مثل متى هذه الحادثة دون الإهتمام بالترتيب الزمنى للأحداث ، أما يوحنا فذكرها فى وقتها وهو قبل الفصح بستة أيام ( 12 : 1 ) ، أى قبل دخول المسيح أسبوع آلامه لخلاص البشرية التى ظهرت محبتها له فى شخص مريم ، قبل احتمال الآلام من الجموع فى أورشليم0أما متى ومرقس فذكرا الحادثة قبل الفصح بيومين ، حين تشاور يهوذا الإسخريوطى على تسليم المسيح لليهود ، ليعلنا أنه إن كان التلميذ قد خان ، فيوجد من البشر من يحب المسيح مثل مريم0وهذه الحادثة مختلفة عن حادثة سكب المرأة الخاطئة للطيب أثناء كرازة المسيح فى الجليل ، والتى تمت فى بيت شخص فرّيسى يدعى سِمعان أيضاً ، وذكرها القديس لوقا فى ( 7 : 37 - 38 )0 + إنتهز اليوم فرصة لتقدم محبتك للمسيح فى صلوات وتسابيح ، فقد تكون هذه آخر فرصة فى حياتك0 ع 8 - 9 : رأى التلاميذ وكل المجتمعين فى بيت سِمعان هذا الحب العظيم المقدم للمسيح ، وبدلاً من أن يشعروا بتقصيرهم فى تقديم المحبة له مثل مريم ، أخذوا يلومونها0والحقيقة أن الذى أعلن هذا اللوم هو يهوذا الإسخريوطى وليس التلاميذ ، لأن الصندوق كان معه وكان سارقاً له ( يو 12 : 4 - 6 ) ، وأثار بكلامه باقى التلاميذ وكذا المجتمعين فى البيت ، فاعتبروا محبتها عدم حكمة ، بل إتلاف ، إذ الأجدر فى نظرهم " أنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ، ويُعْطَى ( ثمنه ) للفقراء " ، وليس سكبه على المسيح0وهكذا يغطون تقصيرهم فى تقديم المحبة بحجج تبدو منطقية ، وهى الإهتمام بالفقراء ، مع أن الغرض شرير ، لأن يهوذا كان يريد أن يوضع المال فى الصندوق ليسرق منه جزءاً كبيراً0 " كثير " : يذكر مرقس ( 14 : 5 ) ويوحنا ( 12 : 5 ) الثمن ، وهو يقدر بثلاثمائة ديناراً ، وهو مبلغ كبير جداً0 + لا تلم من يقضون وقتاً طويلاً فى الصلاة ، أو زيارة الأماكن المقدسة ، أو فى قضاء خلوات روحية ، بل على العكس ، إقتدِ بهم ، فهى رسالة لك حتى تقدم محبة مثلهم لله0 ع 10 - 11 : صمتت مريم ، ولكن المسيح دافع عنها مؤكداً عظمة محبتها ، ولم يرفض تقديم المحبة للفقراء كما علّمهم فى الأصحاح السابق ، ولكن الفقراء موجودون دائماً ، أما هو ، فقد أوشكت أيامه على الأرض أن تنتهى0ونلاحظ رقة مشاعر المسيح ، أنه ، رغم علمه بشر يهوذا ، وأن الدافع لكلامه هو محبة المال وليس محبة الفقراء ، لم يلمه أو يعاتب الحاضرين ، بل مدح مريم ، وأيدهم فى تقديم المحبة للفقراء طوال عمرهم0وترك فرصة ليهوذا حتى يتوب ويخجل من شره الدفين ، ولكنه ، للأسف ، لم يبالِ ، وصمم على خيانة المسيح وبيعه لليهود0 ع 12 : ثم أضاف مدحاً ثانياً للمرأة ، وهو أن حبها هذا طيب مسكوب على جسده الذى سيموت على الصليب ، فهو بمثابة عطور لتكفين الجسد ، مؤكداً أهمية تقديم المحبة0وكانت العادة عند اليهود وضع الأطياب على أجساد المنتقلين ، تكريماً لهم ، ومازالت هذه العادة عند شعوب كثيرة0 ع 13 : يضيف المسيح أن هذا الحب العظيم سيُكتب فى الإنجيل الذى يُبَشَّرُ به العالم كله ، تعليماً لكل أولاده عن أهمية تقديم الحب الخالص له كشكر وتجاوب مع محبته ؛ وهذا يُظهر ألوهية المسيح الذى علم أن الإنجيل سينتشر فى العالم كله ، وستُكتب فيه هذه الحادثة0 + ثق أن محبتك التى تقدمها للمسيح ستعلَن أمام كل البشرية فى يوم الدينونة ، وتظل معلنة إلى الأبد0فليكن هذا مشجعاً على تقديم العبادة المستمرة لله ، وصنع الرحمة مع كل محتاج مهما كلفك هذا من جهد ومال0 (4) خيانة يهوذا ( ع 14 - 16 ) : " رؤساء الكهنة " : لعله مجمع السنهدريم المجتمع فى بيت رئيس الكهنة ( ع 3 )0 " ثلاثين من الفضة " : أى ثلاثين شاقل فضة ( تساوى 360 جراماً ) ، وهو ثمن بخس لا وجه لمقارنته بما قدمته مريم فى الطيب المسكوب على رأس المسيح0وكان هذا المبلغ هو ثمن بيع العبد !! كان يهوذا الإسخريوطى حاملاً لصندوق المال الذى يُنفق منه على احتياجات المسيح وتلاميذه ، وكان بعض المحبين يضعون تقدماتهم فيه ، ولكنه للأسف كان سارقاً للصندوق ، أى كان محباً للمال ، ولم تجذبه محبة المسيح وكل التعاليم والمعجزات التى شاهدها0وعندما خابت آماله فى أن يصير المسيح ملكاً أرضياً ، ويملك هو معه ويحقق أطماعه المادية ، باع أغلى شخصية أمامه ، وهى المسيح ، ليقتنى المال الذى صار عبداً له ، وانتهز فرصة شر رؤساء اليهود ومحاولتهم التخلص منه ، فذهب إليهم معلناً استعداده أن يسلمه لهم مقابل مقدار من المال ، ففرحوا جداً ، إذ يستطيعون بهذا القبض عليه بحيلة ، ولا يحدث شغب فى الشعب0فعرضوا عليه ثمناً ضئيلاً جداً ، وهو " ثلاثين من الفضة " ، فقبله لأنه محب للمال ، فهو أغلى شىء فى نظره0 + عجيب أن المرأة تحب المسيح وتسكب الطيب عليه ، أما التلميذ فيتذمر ، بل يتطاول ويبيعه بثمن عبد !! فلا تنزعج إذا خانك إنسان ، فقد فعلوا هكذا بسيدك يسوع المسيح0فاحتمل من أجله ، وهو يسندك ويعوضك ، وصَلِّ لأجل الخائن لعله يتوب0 (5) تقديم الفصح ( ع 17 - 25 ) : ع 17 - 19 : " أول أيام الفطير " : " أول " حسب الترجمة اليونانية " بروتو " أى قبل ، وهى نفس الكلمة المذكورة فى ( يو 1 : 15 ) ، عندما تكلم يوحنا المعمدان عن المسيح أنه كان قبله0ومعنى هذا أن المسيح عمل الفصح قبل الفصح اليهودى بيوم ، والذى يسمى " عيد الفصح " أو " عيد الفطير " ، لأنه يؤكل مع الفصح فطير بحسب الشريعة ( خر 12 : 8 ، 11 )0وفى نفس وقت تقديم اليهود فصحهم ، كان المسيح يُصلب ، لأنه هو الفصح الحقيقى المرموز إليه بالخروف المذبوح الذى يقدمه اليهود0إقترب عيد الفصح ، وكان كل يهودى يعمل الفصح داخل بيته مع أسرته0ولكن ، واضح من سؤال التلاميذ للمسيح عن المكان الذى يختاره ليعمل الفصح فيه ، أنه لم يكن له بيت خاص0وقدم المسيح مفهوماً جديداً للأسرة ، ليس فقط المرتبطة جسدياً ، ولكن المرتبطة روحياً0فاجتمع الإثنا عشر ومعهم المسيح ، رب الأسرة ، أو رأس الجسد الذى هو الكنيسة0فقد أرسلهم إلى شخص معيّن ، يقول التقليد إنه مرقس الرسول ، حيث عمل الفصح فى بيته ، فأعد أهل البيت الفصح مع التلاميذ بحسب الشريعة اليهودية ، وهو رمز للمسيح المصلوب الذى سيقدم نفسه عن العالم كله فى اليوم التالى ، أى الجمعة العظيمة0 " وقتى قريب " : أى إقترب من وقت آلامه وصلبه الذى سيتم بعد يوم0 " أعدوا الفصح " : الخروف المذبوح والأعشاب المرة ، والأطباق وكؤوس الخمر000إلخ مما يلزم الفصح حسب الشريعة0 ع 20 - 21 : " المساء " : من الساعة الثالثة إلى الخامسة مساءً ، وهو ميعاد أكل الفصح حسب الشريعة ( خر 12 : 6 )0فيما كان المسيح يأكل الفصح مع تلاميذه ، وبينهم يهوذا الإسخريوطى الخائن الذى سيسلمه لليهود ، كان يسوع يحمل قلب الأب نحوه ، مهتماً بخلاصه ، وبرفق قال لتلاميذه أن أحدهم سيسلمه لليهود ، ولم يذكر إسمه لعل قلبه ينخسه ويتوب0وقد حدثت يوم الخميس مجموعة أحداث ، وهى : (1) أعداد الفصح0 (2) خلاف بين التلاميذ حول من هو الأعظم فيهم ( لو 22 : 24 )0 (3) أكل الفصح0 (4) غسل أرجل التلاميذ أثناء أكل الفصح0 (5) إعلان المسيح أن أحد تلاميذه سيسلمه0 (6) العشاء الربانى وتأسيس سر الإفخارستيا0 (7) المسيح يخبر تلاميذه أنهم سيتركوه وبطرس سينكره0 (8) خطاب المسيح الوداعى وصلاته المذكوران فى ( يو 14 - 17)0 (9) الترنم والخروج من المدينة0 (10) صلاة المسيح فى جَثسيمانِى0 (11) القبض على المسيح0 + إن الله يرسل لك تنبيهات ورسائل كثيرة برفق ، لعلك تتوب0فلا تهمل محبته الرقيقة ، فتخسر حياتك بعيداً عنه مثل يهوذا0 ع 22 - 23 : تأثر التلاميذ بخبر أن أحدهم سيخونه ، وحتى لا يتركهم المسيح يتشككون فى أنفسهم ، أعطى علامة لمن سيسلمه ، وحتى ينبّه يهوذا مرة ثانية لعله يتوب0وكانت العلامة أن يمد الخائن يده فى الصَّحفةِ التى يأكل فيها المسيح ويأكل منها0ولكن ، للأسف ، لم ينتبه يهوذا وأكل من الطبق0ومن حزن التلاميذ ، لم ينتبهوا لهذه العلامة ، فلم يكلموا يهوذا0وكان من عادة اليهود أن رئيس المتكأ يقدم اللقمة للشخص العظيم الجالس على المائدة ، فهكذا كانت العلامة إكراماً ومحبة ليهوذا مقدمة من المسيح ، لعلها تخجله وتنخس قلبه فيتوب عن شره ، فقد مد يهوذا يده فى طبق المسيح ، فمد المسيح يده وأعطاه اللقمة0وواضح أن اللقمة من طعام الفصح ، وبعدها خرج يهوذا ولم يأكل من العشاء الربانى0 ع 24 : نبّه المسيح يهوذا للمرة الثالثة ، معلناً الويل لهذا الخائن ، فعذابه الأبدى سيكون شديداً ، بل يا ليته " لم يولد " ، حتى لا يصنع هذه الخيانة العظيمة0وقد أوضح المسيح أنه ينبغى أن يسَلّم لليهود ويموت بإرادته بواسطة أحد أحبائه الذى يخونه ( مز 41 : 9 ) ، حتى يطمئن تلاميذه أنه يفعل هذا لخلاصهم وخلاص البشرية كلها ، ولكنه هنا فقط ينبّه يهوذا ويعطيه فرصة للتوبة ومراجعة نفسه0 ع 25 : تجاسر يهوذا ( ليس عن توبة بل عن رياء ) وسأل المسيح : " هل أنا هو ( الذى يسلمك ) يا سيدى ؟ " فرد عليه المسيح ، كتنبيه رابع له : " أنت قلت " وهو تعبير يهودى معناه الموافقة0ولم ينتبه يهوذا ، لأن محبة المال كانت قد أعمت عينيه ، وكذا لم ينتبه ويفهم التلاميذ ، لدهشتهم أن يكون أحدهم هو مسلّمه ، ولانغماسهم فى الحزن على ما سيتم لمعلمهم0 + أسرع اليوم للتوبة والإعتراف مادام لك فرصة ، قبل أن يأتى يوم تفقد فيه إحساسك بالتوبة مهما كانت التحذيرات الإلهية لك0 (6) سر الشكر ( ع 26 - 30 ) : ع 26 - 28 : بعد أن إنتهى المسيح من أكل الفصح مع تلاميذه ، أسس سر الشكر ، أى أعطاهم جسده ودمه الأقدسين ، فأخذ خبزاً وباركه وحوّله إلى جسده ، وأعطاهم ليأكلوا ، معلناً أن هذا هو جسده الحقيقى0وكذلك الكأس أيضاً ، حوّل الخمر التى فيها إلى دمه ، معلناً أنه سيُسفك من أجل البشرية كلها على الصليب0وهكذا أعطى كنيسته أعظم الأسرار ، وهو سر التناول ، لنتحد به على مر الأزمنة ، فلا نرى فقط المسيح كما رآه أهل زمانه ، بل نلمسه ويدخل فينا ، ويتحد بنا فيحيا فينا ونحن فيه ، ونتحد أيضاً مع بعضنا البعض بتناول كل واحد من جسده ودمه ، فنصير كلنا أعضاء فى جسده الذى هو الكنيسة0 " فيما هم يأكلون " : أى بعد انتهائهم من أكل الفصح مباشرة ، أسس سر الإفخارستيا ( الشكر ) ، لأن الفصح رمز له0 " الخبز " : وهو خبز مختمر ، لأننا قبل الفصح بيوم0ولذا فالكنيسة تقدم على المذبح خبزاً مختمراً وليس فطيراً ، لأن المسيح حمل خطايانا التى يشير إليها الخمير ، ومات على الصليب ، فمحا عنا كل عقاب0 " التلاميذ " : يمثلون كنيسة العهد الجديد كلها ، ولذا ففى طقس القداس ، يقسم الكاهن جسد المسيح إلى 12 جزءاً يمثلون الإثنى عشر تلميذاً حول الجزء الأوسط المسمى الجزء السيدى ، أى الأسباديكون ، أى المسيح وسط شعبه ، أو المسيح رأس الكنيسة0 " دمى " : الذى ترمز إليه دماء الحيوانات فى العهد القديم ، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( عب 9 : 22 )0 " العهد الجديد " : كان الدم يستخدم قديماً لتثبيت العهود بسفك دم الحيوانات ، كما حدث مع إبراهيم ( تك 15 : 9 - 19 )0 " كثيرين " : إعلان أن فداء المسيح للعالم كله ، وكل من يؤمن به ويتناول من هذا الدم ، ينال الخلاص من خطاياه0 " مغفرة الخطايا " : تأكيد أن سر الشكر يغفر الخطايا ، مشتركاً بهذا مع سر التوبة والإعتراف0 ع 29 : يعلن المسيح حقيقة جديدة لتلاميذه ولكل المؤمنين به ، وهو أنه لن يعمل سر الشكر ثانية على الأرض ، أى لن يحوّل نتاج الكرمة ، وهو الخمر ، إلى دمه ، حتى يشربه مع أولاده فى الملكوت الأبدى ، ولكن بشكل جديد يناسب وجودهم فى الروح ، أى يمتد حبنا واتحادنا ونمونا فى معرفة المسيح بالملكوت الأبدى ، ليس بتناول خبز وخمر يتحولان إلى جسده ودمه ، ولكن نتحد به بطريقة روحية تناسب حالتنا الروحية فى السماء0 " اليوم " : يوم اجتماعى معكم فى الملكوت الأبدى0 ع 30 : " سبحوا " : كان اليهود معتادين أن يسبحوا بالمزمورين 115 و 116 فى نهاية أكلهم الفصح0وبعد تسبيحهم ، حدثهم المسيح حديثاً طويلاً ، ثم صلى صلاته الشفاعية ( يو 14 - 17 )0قدموا صلوات وتسابيح تليق بسر الشكر ، كما يحدث فى القداس الإلهى أثناء توزيع الأسرار المقدسة ، وخرج معهم إلى جبل الزيتون المجاور لأورشليم ، حيث اعتاد أن يقضى معهم فترات خلوة هادئة ، وذلك ليودعهم الوداع الأخير قبل أن يموت0 + لم يكتفِ المسيح بعظات وتوصيات لك ، بل يعطيك القوة لتنفيذها ، وهى جسده ودمه اللذان تتناولهما ويتحدان بك ، فيعملا فيك لتنفيذ كلامه ، فتصير أصعب الوصايا سهلة بقوته0فاحرص على التناول بمداومة من الأسرار المقدسة ، لأنها أكبر قوة فى العالم تحفظك من حروب إبليس وتنميك فى معرفة الله كل يوم0 (7) التلاميذ يشكون فى المسيح ( ع 31 - 35 ) : ع 31 : فيما كان المسيح سائراً مع تلاميذه إلى جبل الزيتون ، أخبرهم بحقيقة مُرّة ، وهى شكهم فيه أنه هو المسيح المخلّص ، إذ كانوا مازالوا يفكرون فيه كملك أرضى ، فعندما يروه يُقبض عليه ، يشكون فيه0وهذا إتمام لنبوات العهد القديم ، أن يضرب الشيطان الراعى بالقبض عليه وصلبه ، فتتبدد رعيته ( زك 13 : 7 )0ولكن ، إذ ضرب الشيطان المسيح بصلبه ، حوّل المسيح هذه الضربة على الشيطان فقيده بصليبه ، وجمع كل أولاده ليخلّصهم ويفديهم0 " الراعى " : هو المسيح0 " الرعية " : هم تلاميذ المسيح0 ع 32 : رغم الحقيقة المُرّة ، وهى شك تلاميذ المسيح المقرّبين إليه فيه ، فهو سيتمم خلاصهم على الصليب ، ويموت ، ويقوم من الأموات ، ويظهر لهم فى الجليل حيث تعوّد أن يسير معهم فى الحقول من مدينة إلى أخرى0فهو يشجعهم مرة أخرى بأنه سيقوم ، ولكنهم للأسف لم يستوعبوا كلامه ؛ وكرر المسيح أنه سيظهر لهم فى الجليل عند ظهوره بعد قيامته للمجدلية ( ص 28 : 10 ، 7 )0 + الله الحنون يحبك رغم ضعف إيمانك ، ويشجعك بكلامه وعطاياه0فاثبت أثناء الضيقة ، واثقاً أنه سيسندك ويظهر فى حياتك واضحاً0 ع 33 - 34 : إندفع بطرس بعاطفة بشرية ، يعلن إيمانه بالمسيح وثباته فيه مهما كانت الظروف ، وحتى لو شك فيه الجميع0فأوضح له المسيح أنه ، لضعفه ، لن يحتمل مواجهة الموقف الصعب ، وهو القبض عليه لقتله0وحينئذٍ ، أى فى هذه الليلة ، قبل أن يصيح ديك ، سينكره ، ليس فقط مرة واحدة ، بل ثلاث مرات ، تأكيداً لضعفه البشرى0فكلام بطرس يُظهر محبته للمسيح ، ولكن ، فى نفس الوقت ، يُظهر خطأه فى الإندفاع والكبرياء بشعوره أنه أفضل من غيره فى ثبات إيمانه0 ع 35 : أكد بطرس تمسكه بالمسيح ولو إلى الموت ، وكذلك أيضاً جميع التلاميذ0ولم يجيبهم المسيح ، حتى يتبيّنوا بأنفسهم مدى ضعفهم ، إذ ساعة الضيقة ، عند القبض عليه ، هرب الكل وتركوه ( ع 56 )0 + اُطلب معونة الروح القدس فتسندك وقت الضيقة حتى تتمسك بإيمانك ، فصعب عليك أن تواجه الضيقة وحدك0 (8) الصلاة فى جثسيمانى ( ع 36 - 46 ) : ع 36 - 38 : " ضيعة " : حقل أو مكان فيه زراعات ، ويبدو أن صاحبها كان يعرف المسيح ، فاعتاد أن يذهب هناك مع تلاميذه0 " ههنا " : غالباً عند مدخل البستان0 " تلاميذه " : يقصد الثمانية تلاميذ ، لأن يهوذا قد تركهم0والثلاثة ، أى بطرس ويعقوب ويوحنا ، سيدخلون معه فى البستان0 " حتى الموت " : شدة الحزن يمكن أن تؤدى إلى الموت ، فهو يعبّر عن صعوبة الأحزان التى يشعر بها0وصل المسيح مع تلاميذه إلى جبل الزيتون فى بستان ، يبدو أنه قد تعوّد أن يختلى معهم فيه ، ويسمى بستان جثسيمانى ، ومعناه " معصرة الزيت " ، وهو قريب من أورشليم ، وترك تلاميذه ليختلوا أو يصلّوا ، وتقدم معه الثلاثة المقربون ، بطرس ويعقوب ويوحنا ابنى زبدِى ، ليصلّوا على انفراد ، فقد كان لهؤلاء الثلاثة قامة روحية ، فيستطيع أن يكشف لهم ما فى نفسه ، فقال لهم : " نفسى حزينة جداً حتى الموت "0وهذا الحزن كان لأنه ، البار، سيحمل خطايا العالم كله ، فكيف يتفق البر مع الخطية ؟! كم هو مؤلم للنفس والروح ، بالإضافة لحزنه على اليهود الذين سيرفضونه ، ويصلبونه ، وهو يطلب خلاصهم0وطلب من تلاميذه الثلاثة أن يصلّوا ، بل يستمروا فى الصلاة بسهر ويقظة0تأثر التلاميذ ، وإن كانوا لم يفهموا بالضبط كل أبعاد هذا الحزن ، لأن الروح القدس لم يكن قد حلّ عليهم بعد ليفهموا الخلاص المقدّم لهم0هذا يؤكد لاهوت المسيح ، إذ احتاج نفسياً لأصدقائه المقرّبين ، وهم التلاميذ ، أن يصلّوا معه فى البستان ، والثلاثة تلاميذ على وجه الخصوص يكونون أقرب إليه فى عمق البستان0 ع 39 : بعد ذلك ، ترك التلاميذ الثلاثة وتقدَّم وحده ليصلّى ، وقد ابتعد عن تلاميذه حتى لا يزعجهم إذا رأوا شدة حزنه0وكان يشعر بصعوبة كأس الآلام ، ليس فقط الجسدية فى الصلب والموت ، بل بالأحرى النفسية عندما يتركه الجميع ، والأكثر منها الروحية بحمله خطايا العالم وهو البار القدّوس0وهذا تأكيد لناسوته الذى يتألم جسدياً ونفسياً ، ولكى يُظهر مدى طاعته وخضوعه لإرادة اللاهوت الذى فيه ، فيتحدث مع الآب قائلاً لتكن لا إرادتى بل إرادتك0 " خرَّ على وجهه " : وهنا ، يعلمنا طقس الصلاة والمطانيات ، أى السجود والتذلل أمام الله فى الضيقات ، ليسندنا بنعمته0 " أبتاه " : إعلان عن أهمية الشعور بأبوة الله فى الصلاة ، حتى تسندنا فى ضيقاتنا0 " الكأس " : الآلام التى سيقابلها0 + من حقك أن تصرخ نحو الله فى كل ضيقاتك ، وتطلب ما تحتاجه ، ولكن تلحقها سريعاً بصلاة " لتكن مشيئتك " ، فتُسلّم حياتك له ، وتتركه ، وهو الآب الحنون ، يختار لك ما يناسبك ، ويسندك فى ضيقاتك0 ع 40 - 41 : " التلاميذ " : أى الثلاثة ، بطرس ويعقوب ويوحنا0 " ساعة واحدة " : فترة قصيرة ، وليس بالتحديد ساعة زمنية0بعد أن صلّى وحده ، عاد إلى تلاميذه الثلاثة ، فوجدهم نياماً من التعب والحزن ، فأيقظهم ليصلّوا بعد أن عاتبهم برفق لنومهم ، موجهاً كلامه لبطرس : " أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة ؟ "0وأعلن أهمية الصلاة مع اليقظة الروحية ، حتى لا يسقطنا إبليس فى تجارب وخطايا0وأكّد أيضاً أن الروح ، إذا كان نشيطاً ويهتم بالصلاة ، يمكن أن يسند الجسد الضعيف المائل للكسل والراحة0فهو ، برفق ، يشجعهم أن أرواحهم يمكن أن تكون نشيطة ، فتسند جسدهم الضعيف من التعب والحزن0 + أكمل صلواتك وقراءاتك ليلاً مهما كنت مرهقاً ، فالله يفرح بمحبتك مهما كان تركيزك فيها ضعيفاً0 ع 42 - 44 : عاد المسيح ليصلّى وحده بنفس الكلام ، ورجع إلى تلاميذه فوجدهم نياماً مرة ثانية0وهذا يؤكد أنهم فى ساعة الضيقة لم يستطيعوا الوقوف معه ؛ وكم زاد هذا من أحزانه0ولكنه لم يكِلّ ، بل ذهب للمرة الثالثة يصلّى بنفس المعنى0 + ثابر فى صلواتك وعلاقتك بالله ، وتمسك بمبادئك مهما تخلى عنك من حولك أو حتى قاوموك ، فالمسيح يعلمك أهمية اللجاجة فى الصلاة ، خاصة فى وقت الضيقات0 ع 45 - 46 : عندما عاد إليهم ، عاتبهم باستنكار للمرة الثالثة ، ليس فقط الثلاثة ، بل كل التلاميذ ، قائلاً : " ناموا الآن واستريحوا "0فبدأوا ينتبهون ؛ حينئذٍ قال لهم أن ساعة القبض عليه وبداية دخوله فى آلام الصلب قد أتت ، وناداهم للإستيقاظ بسرعة ، لأن يهوذا الذى سيسلمه لليهود قد اقترب مع جند الهيكل للقبض عليه0يلاحظ : أن جند الهيكل هؤلاء كانوا من اليهود وليسوا من الرومان ، فهم شعبة من الحراس عينهم الكهنة للمحافظة على نظام الهيكل ، إذ لم يكن مسموحاً فى الشريعة بدخول الجند الرومان للهيكل حتى لا يتنجس0 (9) القبض على المسيح ( ع 47 - 56 ) : ع 47 - 49 : " أحد الاثنى عشر " : إظهاراً لخيانته ، إذ هو من المقرّبين ، فكيف يخون سيده ؟! " جمع " : يشمل جند الهيكل اليهود وجند الرومان المكلفين بحراسة الهيكل من الخارج ، وجند رئيس الكهنة ، وبعض التابعين للكهنة الذين يقاومون المسيح0 " كثير " : حضر عدد كبير لضمان القبض على المسيح ، لئلا يقاوم تلاميذه ومحبوه ذلك0 " شيوخ الشعب " : بعض أعضاء مجلس السنهدريم0 " قبّله " : إستخدم يهوذا تعبير المحبة وهو القبلة برياء ، ليتمم خيانته بالقبض على المسيح0فيما كان المسيح يوقظ تلاميذه ، أقبل تلميذه يهوذا الإسخريوطى ومعه عدد كبير من الجنود مسلحين بسيوف وعِصِىِّ ، وأعطى السلام للمسيح وقبّله ، وكانت هذه هى العلامة المتفق عليها ، أى القبض على من يقبّله ،وذلك للتأكيد ، فالمسيح معروف عند الجموع ، ولكن حتى لا يخطئ رجال رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ويقبضوا على آخر يشبهه0 ع 50 : عاتب المسيح يهوذا ونبهه ، فقد يتوب ، سائلاً إياه : " يا صاحب ، لماذا جئت ؟ " لعله يخجل مما يصنعه ( وهو خيانة المسيح وتسليمه لليهود ) ، ولكنه للأسف استمر فى شره ، وأمر الجمع الذين معه فقبضوا على المسيح0 + لا تتهاون بفرص التوبة المتوالية التى يسمح بها الله لك ، حتى لا يكون لك مصير يهوذا فى النهاية0 ع 51 - 52 : " واحد " : هو بطرس ( يو 18 : 10 - 11 ) ، ولم يذكره متى خوفاً عليه من اضطهاد اليهود ، أما يوحنا فذكره لأنه كتب إنجيله بعد خراب أورشليم ، ولم يعد هناك خوف بعد انكسار قوة اليهود0 " قطع أذنه " : بطرس صياد سمك ، وليس له خبرة فى استخدام السيف ، فلم يستطع أن يصيب إلا أذن هذا العبد فقطعها0 " مكانه " : أى غِمْدِهِ ( جرابه )0اضطرب بطرس عندما رأى معلمه وحبيبه يُقبض عليه ، فاندفع وأخذ سيفاً ، لأنه كان مع التلاميذ سيفان كما ذُكر فى ( لو 22 : 38 )0وفى محاولة للدفاع عن المسيح ، قطع أذن عبد رئيس الكهنة المسمى مَلْخُسَ ( يو 18 : 10 ) ، لكن المسيح أمره أن يعيد سيفه إلى غِمْدِهِ ، وأعلن أن من يحيا بالعنف سيقاسى من العنف0وقد أراد المسيح أن ينزع الشر من قلب بطرس وكل تلاميذه نحو من يعاديهم ، فقد جاء ليثبّت المحبة فى قلوب أولاده حتى نحو الأعداء ، وليؤكد أن المحبة أقوى من العنف0وقد استطاع بموته ، المزمع أن يتم ، أن يدوس الموت ، ويخلّص أولاده من خطاياهم ، ويقيّد إبليس ثم يقوم منتصراً ، معلناً نصرة الحب وقوته0 ع 53 : 54 : " أتظن " : بمعنى : هل تشك فى قدرتى بعد أن رأيت معجزاتى الكثيرة ؟ " اثنى عشر جيشاً من الملائكة " : أى بدلاً من الإثنى عشر تلميذاً الضعفاء0نبه المسيح بطرس وكل التلاميذ إلى قوته العظيمة ، فجند السماء كلهم تحت طاعته ، أى الملائكة الذين كل ملاك فيهم له قوة أكثر من جميع البشر ، يستطيع أن يطلب أكثر من اثنى عشر جيشاً منهم ، ويقصد عدداً وفيراً جداً0ولكنه ، بإرادته ، يسلّم نفسه ويموت ليخلّص أولاده ، كما كتبت النبوات عنه فى العهد القديم ، مثل ( اش 53 : 7 )0 ع 55 : عاتب المسيح أيضاً الجمع على خروجهم بالليل ومعهم سيوف وعصى للقبض عليه ، كأنهم يقبضون على لص هارب ، مع أنه كان معهم كل يوم يعظ فى الهيكل وسط الجموع ، وذلك ليُظهر خداعهم وضعفهم ، فقد أتوا للقبض عليه بعيداً عن الجموع حتى لا يقاومهم أحد ؛ ولعله بهذا العتاب أراد أن يعطيهم فرصة للتوبة أيضاً0 " كل يوم " : أى أيام كثيرة ، كان يعلّم فيها جهاراً فى الهيكل0 " أجلس " : أى أعلّم فى هدوء ، ولا أصنع شغباً مما يفعله المجرمون0 " أعلم فى الهيكل " : أى جهاراً بوضوح أمام الكل ، فلا يحتاج الأمر أن تأتوا ليلاً كأنى هارب من العدالة0 " لم تمسكونى " : لأنه ليس لديكم أية تهم علىَّ ، ولخوفكم من الشعب الذى يعتبرنى معلماً عظيماً0 ع 56 : أكد المسيح أن ما يفعلونه هو إتمام لنبوات الأنبياء ، وعندما قبضوا عليه ، خاف التلاميذ كلهم وهربوا ، حتى لا يُقبَض عليهم ، فقد ضاع ملجأهم وقوتهم ، إذ كانوا يظنون أنه يحميهم من بطش الرومان واليهود ( اش 63 : 3 ، 5 )0وطبعاً ، تركهم للمسيح سبّب له ألماً نفسياً ، لتراجعهم عن وعودهم ألا يتركوه حتى ولو إلى الموت0لكن ، بمحبته ، إلتمس لهم العذر ، إذ سامحهم على ضعفهم بعد قيامته0 + لا تنزعج إذا تركك الأحباء ساعة الضيقة ، فالله لن يتركك0ولا تغضب منهم ، بل إلتمس لهم العذر ، وهو الضعف البشرى0 (10) المحاكمة الدينية ( ع 57 - 68 ) : ع 57 : تم اقتياد يسوع إلى دار قيافا رئيس الكهنة ، حيث اجتمع الكتبة والشيوخ تمهيداً لمحاكمته ( اُنظر تفسير ع 66 )0 ع 58 : رغم ضعف التلاميذ وهروبهم ، فإن محبة بطرس قد دفعته لأن يتبع الجمع الذى قبض على المسيح ، ويدخل ويجلس فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة ، ليعلم ماذا يصنعون بمعلمه0وكذلك تبعه يوحنا تلميذه الذى استطاع أن يدخل داخل البيت ، إذ كانت له علاقة برئيس الكهنة ( يو 18 : 15 ) ، ولكنهما ، رغم محبتهما ، لم يستطيعا أن يدافعا عنه لضعفهما البشرى0 ع 59 - 61 : عجز اليهود طوال حياة المسيح أن يجدوا خطأ واحداً فيه ، رغم محاولاتهم الكثيرة لاصطياده بكلمة0وفى هذه المحاكمة ، كانوا مصرين أن يجدوا فيه أى خطأ ، ولو بشهادة زور0فجمعوا كثيرين ليلفقوا له التهم الباطلة ، ولكنهم لم يتفقوا ، وظهر كذبهم أمام الحاضرين ، فلم يستطيعوا الإستناد على كل الشهادات الزور0ثم قام فى النهاية رجلان ، يشهدان على المسيح شهادة زور ، وهى قوله أنه يستطيع هدم هيكل سليمان ثم يبنيه فى ثلاثة أيام0وهذا لم يحدث ، بل إنه قال لتلاميذه : " انقضوا هذا الهيكل ، وفى ثلاثة أيام أقيمه " ( يو 2 : 19 )0وكان المسيح يقصد هيكل جسده ، أى أنهم يصلبونه ، ويقوم فى اليوم الثالث0ولم يستطيعا إثبات شهادتهما ، فصار المجمع كله فى حيرة ، وعجز عن اتهام المسيح0وقد فهم الكهنة كلام المسيح أنه قاله عن جسده وليس عن الهيكل ، بدليل كلامهم مع بيلاطس بعد موت المسيح ، عندما قالوا : " تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حى ، إنى بعد ثلاثة أيام أقوم " ( ص 27 : 63 )0 " شاهدا زور " : لأن عدد إثنين هو أقل عدد لاعتماد الشهادة بحسب الشريعة0 ع 62 : إحتار رئيس الكهنة ، إذ لم يجد أية تهمة على المسيح ، فسأله لماذا لا يجيب على الشهادة التى قدمها الشاهدان ، لعله يجد فى إجابته أى خطأ يدينه عليه0 ع 63 : " استحلفك " : أى القَسَمَ بالله كما تنص الشريعة لتأكيد الكلام0كان المسيح صامتاً ، ولم يرد على كل الإتهامات الباطلة ، لأنه يعرف كراهيتهم ومقاومتهم له ، وأنهم لا يريدون أن يعرفوا الحق0وفى حيرة وضيق ، سأله رئيس الكهنة هل هو المسيا المنتظر ، أى المسيح إبن الله ؟ وللأسف ، لم يكن يقصد أن يفهم ، لأن النبوات التى يعرفها فى الكتب المقدسة تؤكد أنه هو ، ولكنه كان يريد أن يمسك أى خطأ عليه ، مثل الإدعاء أنه المسيح وهو مجرد رجل عادى0 ع 64 : رد عليه المسيح قائلاً : " أنت قلت " ، وقد أجاب بهذا ليُنهى حيرتهم ، ويعطيهم فرصة ودليلاً ليصلبوه ويقتلوه ، فهو يسلّم نفسه بإرادته لأجل خلاصنا0بل أعلن بوضوح لاهوته قائلاً أنه سيجلس عن يمين العظمة الإلهية ، أى فى كمال القوة والمجد الإلهى ، ويظل فى مجده حتى مجيئه الثانى على سحاب السماء ليدين العالم حسبما ذكرت النبوات ( مز 110 : 1 ) ، وكما أعلن بنفسه فى حديثه عن الدينونة ( ص 24 : 30 )0 " من الآن " : أى بعد ساعات ، سيتمم الفداء على الصليب ، ويرتفع إلى مجده فى السماء0 " ابن الإنسان " : أى الذى ترونه فىَّ من صورة الضعف كإنسان ، سيتحوّل بعد ساعات إلى مجده السماوى ، وهو الذى سيدينكم0فإن كنتم تحاكموننى الآن ، فأنا سأحاكمكم حكماً أبدياً فى اليوم الأخير0 ع 65 : أخيراً وجد رئيس الكهنة سبباً للحكم عليه بالموت ، فمزق ثيابه تعبيراً عن ضيقه لهذا التجديف0وكان هذا التمزيق معناه نهاية الكهنوت اليهودى ، ليبدأ الكهنوت المسيحى بالمسيح رئيس الكهنة الذى قدّم نفسه ذبيحة على الصليب ، مخلّصاً لكل المؤمنين به0وهذا يُظهر مدى شر رئيس الكهنة ، الذى لم يفحص هل هو المسيح إبن الله أم لا ، بل اعتبر كلامه تجديفاً ، واتخذها فرصة للحكم عليه ، وهيَّج المجمع لإصدار حكم الموت على المسيح0 ع 66 : طلب رئيس الكهنة من المجمع أن يحكموا على المسيح ، فأصدروا حكمهم عليه بالموت باعتباره مجدفاً ، والشريعة تقضى برجم المجدف ، ولكنهم لم يرجموه خوفاً من الشعب ، بل طلبوا تأييد السلطة المدنية لحكم الموت ، ونالوا ذلك عن طريق بيلاطس الذى أمر بصلبه ، لأن الرومان يحكمون بالصلب على المجدفين0وجدير بالذكر أنه قد تمت محاكمة المسيح ست مرات : الأولى : فى بيت حنَّان حما قَيَافَا ورئيس الكهنة السابق ( يو 18 : 19 - 24 )0 الثانية : المذكورة فى ( ع 57 ) ، وكانت فى بيت قَيَافَا رئيس الكهنة الحالى ، حيث اجتمع الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب ، ليحاكموه ويمسكوا أخطاء عليه بحسب ناموسهم ، فتكون لهم حجة فى قتله0وحوكم المحاكمة الثالثة فى صباح يوم الجمعة ( ص 27 : 1 - 2 ) ، أمام مجمع السنهدريم ، لأنه لا يصح بحسب الشريعة إصدار الحكم ليلاً ، فاعتمدوا حكم قَيَافَا فى صباح الجمعة ( يو 18 : 28 )0ثم تمت محاكمته مدنياً ثلاث مرات أخرى ، إثنتين أمام بيلاطس ( ص 27 : 2 - 24 ؛ مر 15 : 1 - 15 ) ، وواحدة أمام هيرودس ( لو 23 : 6 - 12 )0 ع 67 - 68 : بدأ الإستهزاء بالمسيح وتعذيبه ، فبصق جنود رؤساء الكهنة عليه ولكموه ، وغطوا وجهه ثم لطموه قائلين : " تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك "0أى أنه يدّعى النبوة وهو رجل ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه0 + إحتمل المسيح كل العذاب الجسدى والنفسى فى صمت من أجل محبته لنا0فتذكّر أن خطاياك هى التى سببت لفاديك كل هذه الإهانات ، حتى ترفضها فى خزى وخجل ، فتتوب ، ويغفر لك الله0 (11) إنكار بطرس ( ع 69 - 75 ) : ع 69 - 70 : فيما كان بطرس جالساً فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة ، رأته جارية فقالت للجالسين أنه من تلاميذ المسيح ، وقد رأته معه وسط الجموع عندما كان يعلّم ويصنع معجزات0أما بطرس فأنكر ذلك ، معلناً أنه لا يعلم شيئاً عن المسيح ، قائلاً : " لست أدرى ما تقولين ! " ، وذلك ليحمى نفسه من بطشهم والقبض عليه0وقد صاح الديك هنا لأول مرة ( مر 14 : 68 ) ، وكان ذلك نحو منتصف الليل ، فى بداية محاكمة المسيح فى بيت قيافا ، والتى استمرت حوالى ثلاث ساعات ، وهذا هو الإنكار الأول0 ع 71 - 72 : خاف بطرس وقام من مكانه ، ووقف فى دهليز ، أى ممر خارج البيت ، فرأته جارية أخرى ، لعلها سمعت كلام الجارية الأولى ، وقالت للواقفين أنه من تابعى يسوع0أما بطرس فأنكر ، بل أخذ يقسم أنه لا يعرفه ، وهذا هو الإنكار الثانى0وقد بدأت المرارة داخل قلبه بعد سماعه صياح الديك ، فهو يتمزق بين خوفه من اليهود وضيقة من نفسه لإنكاره المسيح0 ع 73 : ثم جاءت مجموعة من الرجال الواقفين فى الساحة الخارجية ، ورأوه يتكلم مع الجارية ، فشهدوا أنه من تلاميذ المسيح ، والدليل لغته التى ينطقها ، فهى مثل أهل الجليل ، فطريقة النطق تختلف من منطقة إلى أخرى0ويُفهم من باقى الأناجيل أن كثيرين عرفوه وأعلنوا أنه من تلاميذ يسوع ، أى حاصروه بالإتهامات ، أما هو فرد عليهم بالإنكار0 ع 74 : أخذ بطرس ينكر ويحلف مؤكداً أنه لا يعرفه ، بل لعن المسيح لتأكيد إنكاره ، حتى ينجى نفسه من أيديهم0وبهذا ، أنكر المسيح لثالث مرة0وهنا ، صاح الديك صياحه الثانى ، وكان ذلك فى الهزيع الثانى ، أى حوالى الساعة الثالثة صباحاً0 + إن الخوف يُفقد الإنسان اتزانه ، فيسقط بسهولة فى خطايا كثيرة000تمسّك بالله واطلب معونته ، فتهرب من الخوف وكل الخطايا التابعة له0 ع 75 : عندما صاح الديك ، تذكر بطرس تنبيه المسيح له ، أنه سينكره ، فأفاق لنفسه ، وخرج من دار رئيس الكهنة ، وقد شعر بخيانته للمسيح حبيبه ومعلمه ، وقدم توبة من القلب فى دموع كثيرة0فرغم أن المسيح لم يكن قد قام من الأموات وأظهر قوته ، ولكن الحب حرك بطرس ، فندم لأنه جحد محبة سيده0 + إن أخطأت ، فالحب هو المحرك الأول لحياة التوبة0تذكر محبة الله لك وعنايته بك ، وموته على الصليب عنك ، وجسده المقسوم ودمه المسفوك الذى تناولته من المذبح ، حتى تعود بالتوبة ، ولا تتمادى فى خطاياك مهما كانت الإغراءات والدوافع المحيطة بك ، فليس شىء أغلى من الحب فى العالم كله0