كلمة منفعة
قد يلجأ البعض إلى توبيخ غيره، عملًا بقول القديس بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس الأسقف: (عظ وبخ انتهر) (2تى 4: 2) وأمام هذا التوبيخ نضع بعض ملاحظات:
— قواعد التوبيخ
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 26
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 26
الأصحاح السادس والعشرون :
فِصح الملكوت الجديد
دخل السيِّد أورشليم ليُحفظ كخروف الفِصح، مقدّمًا ذاته الذبيحة الفريدة عن البشريّة كلها، وحياته فدية عن الجميع.
1. الفِصح والصليب 1-2.
2. التشاور ضدّه 3-5.
3. سكب الطيب لتكفينه 6-13.
4. خِيانة يهوذا 14-16.
5. تقديم الفِصح 17-25.
6. العشاء الأخير 26-30.
7. تحذيرهم من الشك 31-35.
8. في جثّسيماني 36-46.
9. القبض على السيِّد 47-56.
10. المحاكمة الدينيّة 57-68.
11. إنكار بطرس 69-75.
1. الفِصح والصليب
"لما أكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه: تعلمون أنه بعد يومين يكون الفِصح، وابن الإنسان يسلّم ليصلب" [1-2].
في حديث السيِّد المسيح مع تلاميذه يربط الفِصح بالصليب بكونه الفِصح الفريد الذي قدّمه السيِّد بنفسه، ليعبُر بالبشريّة المؤمنة من العبوديّة القاتلة إلى الراحة الحقيقيّة، ويرفعهم من الاهتمام بالحياة الأرضيّة ليدخل بهم إلى حضن أبيه. وقد سبق لنا دراسة هذه العلاقة أثناء دراستنا الاصحاح الثاني عشر من سفر الخروج.
+ يتحقّق سرّ الفِصح في جسد الرب... فقد أُقتيد كحَمل، وذُبح كشاه، مخلِّصًا إيّانا من عبوديّة العالم (مصر)، ومحرِّرنا من عبوديّة الشيطان كما من فرعون، خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضائنا الجسديّة بدمه... إنه ذاك الواحد الذي خلَّصنا من العبوديّة إلى الحرّية، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، ومن الظلم إلى الملكوت الأبدي.
الأب ميليتو أسقف ساردس
+ إننا نعبُر من محبَّة الجسد إلى العفَّة، ومن جهلنا القديم إلى معرفة الله الحقيقيَّة، ومن الشرِّ إلى الفضيلة على رجاء الدخول إلى أمجاد البرّ عِوض عار الخطيّة، ونعبر من الموت إلى عدم الفساد.
القدّيس كيرلّس الكبير
2. التشاور ضدّه
"حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يُدعى قيافا، وتشاوروا لكي يمسِكوا يسوع بمكر ويقتلوه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغَب في الشعب" [3-5].
تهتم الكنيسة بهذا التصرّف، فكرَّست يوم الأربعاء على مدار السنة فيما عدا أيام الخماسين، لكي يصوم المؤمنون تذكارًا لهذا التشاور. لقد اجتمعت السلطات الدينيّة معًا ليدبِّروا قتله عِوض أن يشهدوا للحق ويكرزوا به. كان يليق برئيس الكهنة الذي يشفع في الشعب أن يفرح بمجيء رئيس الكهنة الأعظم القادر وحده أن يدخل بالجميع إلى حضن أبيه السماوي، ويليق بالكتبة أن يتهلّلوا، لأن ما كانوا يحفظونه على الرقوق - أي كلمة الله المكتوبة - قد تحقّق بمجيء الله المتجسّد ليحل وسط الشعب، يلتقون به ويتحدّون معه، وكان يلزم لشيوخ الشعب وهم يرون الشعب قد اِلتف حول الملك المسيّا أن يتهلّلوا. كنّا نتوقع أن يجتمع هؤلاء جميعًا في دار رئيس الكهنة يُعلنون فرحهم بالمسيّا الملك الذي يُحقّق ما عجزوا عنه هم وأسلافهم، لكن شكليّة العبادة وحرفيّة الناموس وطلب الكرامات الزمنيّة والجري وراء الكراسي، هذه كلها قد أغلقت قلوبهم عن الحق، فسعوا وراءه ليقتلوه. حقًا لقد اِجتمعوا معًا في دار رئيس الكهنة يضمُّهم معًا فهمِهم الحرفي القاتل والتصميم على تدبير مؤامرة لقتل "الحياة" عينَه، ولم يدروا أن ما يفعلونه إنّما يقتل حَرْفهم القاتل، لقد ظنّوا أنهم قادرون على قتل الحياة بالصليب، ولكن كان هذا الصليب وحده القادر أن يصلِب حَرْفهم القاتل واهبًا إيّاهم الروح الذي يبني. لقد حسبوا أنهم قادرون أن يكتموا أنفاس النور بظلمتهم، ولم يدركوا أن النور يبدّد ظلمتهم ليستنيروا هم بنوره.
لقد خافوا من الشعب المجتمع للاحتفال بعيد الفِصح السنوي، ولم يُدركوا أنهم بهذا التشاور ساهموا في تحقيق الفِصح الجديد الفريد، القادر أن يعبّر بهم من الحرف القاتل إلى الروح المحيي.
+ وقف حشد اليهود مع رئيسهم ضدّ مجد المسيح، وناضلوا ضدّ رب الجميع، لكنهم لم يُدركوا أنهم إنّما فعلوا ذلك ضدّ أنفسهم، ناصبين لأنفسهم الشباك. لقد حفروا لأنفسهم حُفرًا لهلاكهم، وكما يقول المرتّل: "تورَّطت الأمم في الحُفرة التي عملوها، في الشبكة التي أخفوها اِنتشبت أرجلهم" (مز 9: 15)، لأن المخلّص رب الكل وإن كانت يمينه كليّة القُدرة وقوّته تطرد الفساد والموت، لكنّه خضع بإرادته، إذ صار جسدًا ليذوق الموت من أجل حياة الكل، لكي يُبطل الفساد، وينزع الخطيّة عن العالم، ويخلّص الذين هم تحت يد العدوّ الطاغية غير المحتمل.
القدّيس كيرلّس الكبير
3. سكب الطيب لتكفينه
كانت الأحداث تتكاتف معًا لتحقيق الفِصح بالصليب، الأمر الذي من أجله تجسّد ابن الله. ففي بيت عينا في بيت سمعان الأبرص تقدّمت امرأة لتسكب قارورة طيب كثير الثمن وهو متكئ - كنبوّة عن تكفينه - وكأن ما فعلته هذه المرأة يمثّل عمل محبّة تقدّمه الكنيسة كلها لهذا الجسد الطاهر، الذي قبل الموت بإرادته من أجل خلاصها، كسِرّ الفِصح الحقيقي.
كثيرات اِلتقيْن بالسيِّد المسيح ممثِّلات الكنيسة المتَّحدة بعريسها، أمّا هذه فتبدو لي أنها فاقت جميعهن بعد القدّيسة مريم والدة الإله التي حملت ربّنا في أحشائها لتُمثل الكنيسة وقد صارت ملكوته، تحمل في داخلها سرّ حياتها وبهجتها.
التقت الكنيسة التي لم يروها من قبل بعريسها، خلال المرأة السامريّة (يو 4) التي تزوَّجت بخمسة رجال والذي كان معها ليس برجلها، فجاء الرجل الحق يدخل بها إلى البئر الحقيقي ليُرويها فتفيض على كل العالم بسرّ شبعها.
وفي وسط زحام البشريّة التقت كنيسة العهد الجديد سرّيًا مع طبيبها الحقيقي تلمس ثيابه، فيتوقّف نزف دمها (مت 9) ويزول عنها دنسها، خلال القوّة التي انطلقت إلى أعماقها الداخليّة!
وتقدّمت الكنيسة التي كانت قبلاً قد سقطت تحت حكم الموت كامرأة زانية أُمسِكت في ذات الفعل (يو 8: 2-11) فاغتصبت مراحمه الغافرة.
وانطلقت الكنيسة كأرملة فقيرة تدخل هيكل الرب لا تعرف ما تقدّمه سوى فِلْسين، هما كل ما تملكه كتقدِمة حب مقبولة!
والتقت الكنيسة كأم ابني زبدي تقدِّم أبناءها للعريس، لكي ينعموا بملكوته الأبدي خلال شركتهم معه في كأسه واِصطباغِهم بصِبغتِه.
وفي شخص مرثا تقدّمت الكنيسة تخدم عريسها (لو 10) في شخص اخوته الأصاغر، كتقدّمة محبّة فائقة.
وفي بيت سمعان الفرّيسي اقتحمت المرأة الخاطئة المجلس (لو 7) لتقف عند قدميّ السيِّد من ورائه باكية، وكانت تَبِل قدميه بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها، تُقبِّل قدميه وتدهنهما بالطيب (لو 7: 38) ممثّلة سرّ العضويّة الكنسيّة. إنه دخول إلى السيِّد المسيح لتلتقي به دون أن تعوقها الحياة الفرّيسيَّة التي لسمعان. فتقف النفس في اتّضاع تسكب دموع التوبة على قدمي المخلّص، وتنحني برأسها أيضًا، فكرها وشعرها أيضًا، جمالها الجسدي تمسح به القدمين. أنها تُعلن توبتها الممتزجة بالفرح، إذ تُقبِّل قدميه وتسكب الطيب عليهما، فتُعلن رائحة المسيح الذكيّة في حياتها.
أما هذه المرأة التي التقت بالسيِّد في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص، فجاءت تُعلن أروع لقاء للعروسين - الكنيسة مع عريسها - في حِجالِه السماوي لتسكُب كل حياتها رائحة طيب كثير الثمن يملأ السماء والأرض برائحة الحب الذكيّة ـ ما جاء عن هذا اللقاء يدخل بنا إلى أسرار فائقة، أقف أمامها في دهشة لا أعرف كيف أُعبِّر عنها. أنها تحمل سرّ حياة أبديّة لا يمكن للغة البشريّة أن تُسجّلها كما هي!
أولاً: هذه المرأة غالبًا هي القدّيسة مريم أخت لعازر ومرثا، والتي عُرفت بجلساتها الهادئة عند قدميّ المخلّص تسمع له وتتحدّث معه، بينما كانت مرثا ترتبك بخدمات كثيرة. لقد عرَفت كيف تبيع كل شيء لتقتني اللؤلؤة الكثيرة الثمن.
خلال لقائها المستمر مع السيِّد تعرَّفت على سرّ الصليب وأدركت موته وتكفينه، لا كأحداث تاريخيَّة تترقبْها في تخوُّف واضطراب، وإنما كأعمال إلهيّة فائقة. لهذا كانت تبذل كل الجهد أن تدَّخِر كل ما يمكن ادِّخاره لتقدِّم قارورة الطيب الكثيرة الثمن في الوقت المناسب وفي المكان المناسب. ففي قارورة الطيب رأى السيِّد قلب الكنيسة عروسه وقد أدركت سرّ موته، كسرّ طيب مفرح ومبهج للنفس، لهذا أعلن بقوَّة أنه حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُذكر ما فعلته هذه المرأة. ويقول الإنجيلي مرقس أنها كسرت القارورة! يا له من سرّ عجيب، فإن الكنيسة وقد رأت السيِّد يقدّم حياته مبذولة على الصليب، وينابيع حبّه لها تتفجَّر خلال الجنب المطعون، تقدّمت هي أيضًا في شخص مريم كقارورة طيب تكسرها بإرادتها لتُفجِّر رائحة حبّها خلال الطيب. وهكذا يمتزج الحب بالحب، والألم بالألم، والصليب بالصليب، والجنب المطعون بالقارورة المنكسرة والمسكوبة على الجسد المقدّس!
ثانيًا: تمّ اللقاء في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص. إنه "بيت عنيا" موطن مريم، جاء إليه السيِّد مفضِّلاً إيّاه عن أورشليم، فيه يستريح كل ليلة. "بيت عنيا" تعني "بيت العناء" أو "بيت الألم"، فقد جاء إلينا إلى أرض آلامنا، لكي نلتقي به خلال الألم، نُدرك دفنه، لنُدفن معه، نقدّم له حياتنا مبذولة من أجله.
اِلتقت به في بيت سمعان الأبرص، ولعلّ سمعان هذا كان أبرصًا طهَّره السيِّد. لقد جاء إلينا، إلى حياتنا البرصاء الدنسة لا ليحتقرها ولا ليأنف منها لأنها لا تقدر أن تُدنِّس القدّوس بل هو يطهرها. هنا تلتقي الكنيسة مقدَّسة وطاهرة بعريسها المتكئ في بيتها لتقدّم له تقدمة شكر! وكما لم تستطيع فرّيسيَّة سمعان أن تحرم المرأة الخاطئة من الالتقاء به لتقدِّم توبتها (لو 7)، فإنه لم يكن ممكنًا لبرص سمعان هنا إعاقة اِلتقاء مريم الشاكرة بمصدر تقديسها.
ثالثًا: كان توقيت اللقاء دقيقًا للغاية، فقد جاء بعد إقامة لعازر شقيقها من الأموات كتقدّمة شكر. فرحت بإقامة أخيها من القبر فجاءت بإرادتها لكي تُدفن هي مع عريسها في القبر المقدَّس وتقوم به وفيه. في آخر يوم يأتي فيه السيِّد إلى بيت عنيا، إذ كان ذلك يوم الأربعاء بعد تشاور القادة اليهود لقتله، ولم يبق سوى خميس العهد حيث يُقبض على السيِّد لمحاكمته وصلبه، فلو تأخَّرت يومًا واحدًا لما نالت هذه الكرامة العظيمة، لما استحقَّت أن تتنبَّأ عن تكفينه. إنه بالروح الإلهي أدركت في أعماقها الوقت اللائق للالتقاء به بهذه الصورة الفريدة.
+ لقد قبِل السيِّد أن يُسكب الطيب فوق رأسه حتى يُعطِّر الكنيسة بنسائم عدم الفساد. لا تدهنوا بعفونة تعليم رئيس هذا العالم (إبليس) لئلا يقودكم إلى الأسْر بعيدًا عن الحياة المُعدَّة لكم.
القدّيس أغناطيوس أسقف أنطاكية
+ المسيح ليس في حاجة إلى طيب، ولا الشهداء في حاجة إلى نور الشموع، لكن المرأة سكبت الطيب تكريمًا للمسيح فقبِل ورَع قلبها.
القدّيس جيروم
4. خِيانة يهوذا
يقول الأب يوسف: [أي شيء يمكن أن تقدّمه أكثر فائدة للعالم كلّه مثل بركات آلام الرب المخلِّصة؟! ومع هذا فإن الخائن الذي سلَّم الرب للآلام لم ينتفع شيئًا من خيانته، بل أصابه ضرر بالفعل، إذ قيل عنه "ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد" (مت 26: 24). فثِمار عمله لا ترتد إليه حسب ما جاءت به من نتائج فعليّة، بل حسب ما أراد هو واِعتقد.]
في الوقت الذي تسلَّلت فيه القدّيسة مريم لتلتقي مع عريسها في بيت عنيا، تُعلن شوقها أن تُدفن معه، إذ بيهوذا "التلميذ" يبيع السيِّد بدراهم قليلة كعبد. لقد كان يهوذا مع السيِّد أغلب الأيام يقضي الساعات الطويلة، بل وأحيانًا الأيام، يراه يصنع أعمالاً عجيبة ويسمعه كثيرًا، بل ونال منه سلطانًا للكرازة وعمل الآيات، لكن قلبه لم يلتقي معه بسبب محبّة المال، أمّا المرأة فلم ترى هذا كلّه ولا سمعت مثله ولا نالت سلطانًا، لكنها تعرَّفت عليه بنقاوة قلب. لقد أعمى الطمع قلب يهوذا ليبيع سيّده، أمّا المرأة فتقدّمت بالحب في حرارة الروح لتتقبّل عمل الخلاص وحق الكرازة الخفيّة.
لم تكن مريم كيهوذا تنعم بالتملذة... فإن سرّ القوّة لا يكمن في مركز الإنسان أو عمله، بل في حياته الداخليّة... يقولالقدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الإنسان الفاضل وإن كان عبدًا أو سجينًا فهو أكثر الناس سعادة!... ضعيفة هي الرذيلة وقويّة هي الفضيلة.]
لقد قدّمت مريم غناها عطيّة للرب لتبقى غنيَّة في داخلها، حتى وإن بدت بلا أموال، وباع يهوذا سيّده بالفضّة ليبقى فقيرًا حتى وإن تمتّع بالفضّة في يديه. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من هو ليس غنيًا في نفسه لا يمكن أن يكون غنيًا، كما أنه لا يمكن أن يكون فقيرًا من هو ليس بفقيرٍ في ذهنه. فإن كانت النفس هي أسمى من الجسد، فالأعضاء الأقل سُموًا ليس لها سلطان تؤثّر به حتى على ذاتها، أمّا ما هو أسمى فإنه يؤثر عليها ويغيِّرها]، كما يقول: [لا نفع للمال إذا كانت النفس فقيرة، ولا ضرر من الفقر إن كانت النفس غنية.]
إن كانت القدّيسة مريم تمثِّل النفوس الأمينة التي تتقدّم بالحب إليه. فإن يهوذا يمثّل النفوس الخائنة التي تسعى وراء الشرّ وتبيع سيّدها بمُتعة زمنيّة.
يلزمنا هنا أن نُدرك أنه ليس كل خطيّة يسقط فيها الإنسان هي خيانة الرب، وإنما الجري وراءها والبحث عنها، يطلبها الإنسان مستهينًا بالدم، فهذه تُحسب خيانة!
+ اليد التي تناولت العطيّة المقدّسة منذ لحظات قامت لتتسلَّم أجرة تآمرها لموت سيّدها.
القدّيس كيرلّس الأورشليمي
+ عندما أعدَّ التلاميذ الفِصح أكله المسيح معهم، إذ أطال أناته على الخائن، وقبل أن يضمه إلى مائدة محبّته المترفِّقة اللانهائية - مع أنه كان خائنًا، وكان الشيطان قد وجد له موضعًا فيه.
+ يقول "واحد من الاثنى عشر" (26: 14، 47). هذا أمر غاية في الأهمّية إذ يوضّح خطيّة الخيانة بأكثر جلاء. فإن الذي كرَّمه مساويًا إيّاه بالبقيَّة، وزيّنه بالكرامات الرسوليّة، وجعله المحبوب وضمّه للمائدة المقدّسة... صار طريقًا ووسيلة لقتل المسيح.
+ أي موضع وجده الشيطان في يهوذا؟ إنه لم يقدر أن يقترب إلى كل الذين أشرت إليهم (الطوباوي بطرس أو يعقوب أو يوحنا...) لأن قلوبهم كانت راسخة ومحبّتهم للمسيح ثابتة، لكن الشيطان وجد له موضعًا في الخائن، من أجل مرض الطمع المرّ الذي يقول عنه الطوباوي بولس "أصل كل الشرور" ( 1تي 6: 10) كان قد هزمه.
القدّيس كيرلّس الكبير
5. تقديم الفِصح
كلما اقتربت ساعة الصليب كان الإنجيليُّون يبرزون كل تصرُّف للسيِّد المسيح بتفاصيله، لتكشِف عن أسرار عمله الخلاصي.
"في أول أيام الفطير تقدّم التلاميذ إلى يسوع، قائلين له: أين تريد أن نُعد لك لتأكل الفِصح؟ فقال اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلّم يقول: إن وقتي قريب، عندك أصنع الفِصح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدّوا الفِصح" [17-19].
لِمَ سأل التلاميذ السيِّد هذا السؤال؟
أولاً: ربّما لأن التلاميذ إذ تبعوا السيِّد تركوا كل شيء، فصاروا كمن ليس لهم موضع يُعدُّون فيه الفِصح. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من هذا يتَّضح أنه لم يكن له بيت ولا مكان للإقامة، كما يُفترض أنهم هم أيضًا كانوا هكذا، وإلا لتوسَّلوا إليه أن يذهب هناك.]
ثانيًا: كان الفِصح في الطقس اليهودي يتمّ على مستوى عائلي، تقوم كل عائلة بذبح خروف الفِصح، وإن لم يكن في استطاعة العائلة ذلك يمكنها أن تنضم إلى عائلة أخرى، لكن السيِّد المسيح قدّم مفهومًا جديدًا للفِصح الجديد، فإن العائلة التي تحتفل به، إنّما رأسها السيِّد المسيح نفسه، وأعضاؤها يرتبطون بعلاقة روحيّة في المسيح، وليس خلال قرابة دمويَّة.
"ولما كان المساء اِتَّكأ مع الاثني عشر، وفيما هم يأكلون قال: "الحق أقول لكم إنَّ واحدًا منكم يسلّمني" [20-21].
العجيب أن السيِّد تحدّث عن خائنه وسط الجماعة دون أن يُشير إليه، كان مهتمًّا بخلاص نفسه دون أن يجرح إحساساته، ولكن إذ رأى السيِّد أن التلاميذ حزنوا جدًا، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: "هل أنا هو يا رب" [22]، خاف السيِّد عليهم من هذا الاضطراب لئلا يهلكوا يأسًا، فاضطّرّ أن يُشير إليه.
ولئلا يظن التلاميذ أن ما يحدث للسيِّد يتم عن ضعف أكَّد: "إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي يُسلِّم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد" [24]. لقد أعلن السيِّد بؤس يهوذا حتى يؤكِّد أن ما يتم وإن كان بتدبيرٍ إلهيٍ لكن ما يفعله يهوذا لا يتم بغير إرادته؛ لقد كان يهوذا شرِّيرًا وقد استخدم الله شرُّه لتحقيق الأمور الإلهيّة.
6. العشاء الأخير
إذ كانوا يأكلون الفِصح اليهودي الرمزي "أحضر يسوع الخبز، وبارك وكسَّر وأعطى التلاميذ، وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلّكم، لأن هذا هو دمي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" [26-28].
يُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على العشاء الأخير، قائلاً: [بأيَّة وسيلة يمكن للإنسان الذي على الأرض وقد اِلتحف بالمائت أن يعود إلى عدم الفساد؟ أجيب أن هذا الجسد المائت يجب أن يشترك في قوّة واهب الحياة النازلة من الله. أمّا قوّة واهب الحياة التي لله الآب فهي الابن الوحيد الكلمة، الذي أرسله إلينا مخلّصًا وفاديًا. كيف أرسله إلينا؟ يخبرّنا يوحنا الإنجيلي بكل وضوح: "والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يو 1: 14)... عندما نأكل جسد المسيح المقدّس، مخلّصنا جميعًا، ونشرب دمه الكريم ننال الحياة فينا، إذ نكون كما لو أننا واحد معه، نسكن فيه وهو يملك أيضًا فينا... لا تشك فإن هذا حق مادام يقول بنفسه بوضوح: "هذا هو جسدي، هذا هو دمي" (يو 6)، بل تقبل كلمة المخلّص بإيمان، إذ هو الحق الذي لا يقدر أن يكذب .]
لقد تحقّق ذلك في المساء [20] وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [المساء علامة أكيدة عن تمام الأزمنة، وأن الأمور قد جاءت الآن إلى ذات النهاية .]
إذ أكمل السيِّد الفِصح حتى لا يُحسب متراخيًا في الشريعة، قدّم ذاته فِصحًا جديدًا عن البشريّة كلها، معلنًا أن ذبيحة الصليب لم تتم اعتباطًا وإنما بإرادته يسلّم نفسه للصليب. قام بتحويل الخبز والخمر إلى جسده ودمه الأقدسين ذبيحة حقيقيّة واهبة للغفران [28]. لقد قدّمها لكنيسته لكي تتمتّع بها عبر الأجيال تأكيدًا لاستمرار ذبيحة الصليب، كذبيحة حيّة وفريدة خلالها ينعم على المؤمنين بجسده ودمه الأقدسين كسِرّ حياتهم... يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كثيرون يقولون الآن أرغب في رؤية هيئته وملابسه ونعاله، آه ها أنت تراه وتلمسه وتتناوله! حقًا أنت تريد ملابسه وها هو يعطي لك ذاته، لا لكي تراه فحسب بل تلمسه وتتناوله وتقبله في داخلك.]
يكمّل السيِّد كلماته: "وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرْمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" [29]. ما هو هذا الجديد الذي نشربه معه في ملكوت أبينا إلا تمتّعنا بشركة الاتّحاد مع الله في ذبيحة ابنه في السماوات على مستوى جديد. إنه اِمتداد لليتورجيّة الحاليّة ولكن بطريقة لا ينطق بها!
بعد التناول "سبَّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون" [30]. لقد تمَّت ذبيحة الشكر لتختم بالتسابيح، الأمر الذي تعيشه الكنيسة في كل قداس إلهي حيث تختم ليتورجيَّا الإفخارستيا بالتسابيح المفرحة خاصة المزمور 150.
7. تحذيرهم من الشك
إذ اِنطلق السيِّد بتلاميذه إلى جبل الزيتون فقد انطلق بإرادته ليتقبّل الكأس من يدي الآب، حيث يقبل أن يحمل ثقل خطايانا على كتفيه مقدّمًا نفسه ذبيحة إثم عنّا.
في طريقه إلى الصليب حذّر تلاميذه وشجَّعهم محدِّثًا إيّاهم عن الصليب والقيامة معًا، إذ يقول: "كلّكم تشكّون فيّ في هذه الليلة، لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدّد خراف الرعيّة، ولكن بعد قيامي أسبقُكُم إلى الجليل" [31-32]. بالصليب أراد العدوّ أن يضرب الراعي ليُبدّد خراف الرعيَّة، لكن قد تحوّل الصليب إلى قيامة، فيسبقنا السيِّد إلى الجليل. ولما كانت كلمة "جليل" تعني "دائرة أو مقاطعة"، فكأن السيِّد بقيامته قد سبقنا إلى دائرة جديدة أو مقاطعة جديدة. إنه بكر الراقدين الذي يحمل فيه الحياة المقامة لكي ندخل به وفيه إلى دائرة هذه الحياة الجديدة المقامة.
لقد ظنّ بطرس الرسول أنه قادر أن يقف بجانب السيِّد ولا يشك فيه أبدًا، لكن ما لم يعرفه بطرس عن نفسه كان يعرفه خالقه مؤكدًا له: "الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تُنكرني ثلاث مرّات" [34]. لقد كان بطرس واثقًا في ذاته بغير أساس، إذ قال: "ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك" [36]. وما قاله بطرس الرسول قاله أيضًا جميع التلاميذ.
ما أحوجنا أن نرتمي في حضن الله العارف بضعفنا، فلا نثق بذواتنا بل في نعمة الله القادرة أن تقيمنا من الضعف. قد نظن أننا قادرون على الحياة الفاضلة المقدّسة، ولا ندري أننا ضعفاء كل الضعف يمكن أن نسقط في لحظات! وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ليتنا لا نفتخر بأنفسنا بل بالأحرى نفتخر بعطاياه.]
والعجيب أن السيِّد المسيح الذي حذّر تلميذه من نتيجة تجربة الشيطان له إذ ينكره ثلاث مرّات أعطاه كلمة تعزية أنه يعود فيقوم بل ويسند إخوته (لو 22: 31-34).
8. في جثّسيماني
إذ جاء السيِّد بتلاميذه إلى جثسيماني، قال للتلاميذ: "اِجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلِّي هناك، ثم أخذ بطرس وابنيّ زبدي، واِبتدأ يحزن ويكتئب" [36-37]. "جثسيماني" كلمة آراميَّة تعني "معصرة زيت". وكأن السيِّد يدخل بإرادته إلى المعصرة. ولم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يدخلوا معه، إنّما اختار بطرس وابنيّ زبدي كشهود يرونه إلى حين، لكنهم لا يستطيعوا أن يعاينوا لحظات العصر، فقد تركهم قليلاً وسألهم أن يسهروا فلم يستطيعوا، بل ناموا. وتكرّر الأمر ثانية، فكان يسألهم أن يسهروا معه ولم يقدروا، وفي المرة الثالثة قال لهم: "ناموا الآن واستريحوا" [40].
بروح النبوّة رآه إشعياء النبي في جثسيماني وقد اِجتاز المعصرة الحقيقية، فقال "من ذا الآتي من آدوم بثياب حُمر... من بصرَة هذا البهي بملابسه.. المتعظِّم بكثرة قوّته؟! أنا المتكلِّم بالبرّ، العظيم للخلاص. ما بال لباسَك مُحمر، وثيابك كدائِس المِعصرة؟! قد دُستُ المِعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 1-3).
لقد اجتاز السيِّد المِعصرة وحده وهو يقول: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" [38]. أمّا سِرّ حزنه فهو ليس الخوف من الآلام الجسديّة، إنّما ثقل الخطيّة التي لا يقبلها السيِّد ولا يطيقها، لكنّه من أجل هذا جاء، ونيابة عنّا خضع في طاعة للآب ليحمل موت الخطيّة فيه. إنه يصرخ: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، لكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" [39]. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن إرادة الآب وإرادة الابن واحدة لأن لهما روح واحد، لماذا إذن قال هذا؟ لقد جاء نيابة عنّا نحن الذين رفضنا إرادة الله فخضع للصليب بسرور من أجل الطاعة للآب، وفي نفس الوقت كان يريد ذلك. هذا ما أعلنه السيِّد نفسه بقوله: "هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو 3: 16). وكأن البذل هنا هو من إرادة الآب المحب. وفي نفس الوقت يقول الرسول: "أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)، باذلاً نفسه المملوءة حبًا.]
+ من المستحيل أن ابن الإنسان كان يقول: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، تحت إحساس بالخوف!... فالرب يسوع لا يستعفي من ذبيحة الموت حتى تصل نعمة الخلاص للجنس البشري كله.
العلاّمة أوريجينوس
+ "نفسي حزينة جدًا حتى الموت". لنقدّم الشكر أن ليسوع جسد حقيقي ونفس حقيقيّة، فلو أن الرب لم يأخذ الطبيعة الإنسانيّة بكاملها لما خلّص البشريّة. لو أنه أخذ جسدًا فقط بلا نفس لخلص الجسد دون النفس مع أننا نحتاج إلى خلاص النفس أكثر من خلاص الجسد. لقد أخذ الجسد والنفس معًا ليخلّصهما، يخلّص الإنسان بكامله كما خلقه.
القدّيس جيروم
+ بكونه الله الذي لبس جسدًا قام بدور الضعف الجسدي حتى لا يوجد عذر لدى الأشرار مُنكري التجسّد. فمع قوله هذا إذا بأتباع ماني لا يصدّقون، وفالنتيوس ينكر التجسّد، ومرقيون يَدَّعي أنه كان خيالاً... لقد أظهر نفسه أنه يحمل جسدًا حقيقيًا.
القدّيس أمبروسيوس
يرى القدّيس كيرلّس الكبير أن سرّ حزن السيِّد المسيح هو رفض إسرائيل ابنه البكر له، إذ يقول:
+ كما بكى على لعازر في ترفُّق بالجنس البشري كلّه بكونه صار فريسة للفساد والموت، هكذا نقول أنه حزن هنا إذ رأى أورشليم، وقد أحاطت بها المآسي الكبرى، ولم يعد لمصائبها علاج.
+ لم تكن آلامه عملاً تحقّق بغير إرادته، لكن من جانب آخر كانت خطيرة، إذ تؤدي إلى رفض مجمع اليهود وخرابه. لم تكن إرادته أن يكون إسرائيل قاتلاً لربِّه، معرِّضًا نفسه للدينونة واللوم والحرمان من عطايا الله... بينما كانوا قبلاً شعبه، وحدهم كانوا شعبه ومختاريه وورثة!
القدّيس كيرلّس الكبير
لقد دخل السيِّد إلى صلاة أيضًا لتعليمنا، إذ يقول لتلاميذه: "اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة، أمّا الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف" [41].
يقول القدّيس جيروم: [بينما روحي قويّة تقودني للحياة، إذ بجسدي ضعيف يسحبني للموت.] فالحاجة ملحَّة إلى الصلاة ليسند الله روحنا ويقيم جسدنا من ضعفه. ويحدّثنا القدّيس كيرلّس الكبير عن ضرورة اقتدائنا بالسيِّد وقت التجربة، قائلاً: [كان يصلّي عندما كان الذين يريدون أن يمسكوه على الأبواب. لا يفهم أحد أنه يقدّم هنا توسُّلات كمن هو في حاجة إلى قوّة أو عون من آخر، إذ هو نفسه قوّة الله الآب القدير وسلطانه، إنّما صنع ذلك لتعليمنا، لكي ينزع عنّا التراخي عند حلول التجربة، وعندما يضغط الاضطهاد علينا وعندما تلقى شباك الغدر ضدّنا، وتكون شبكة الموت مُعدَّة لنا. فإن وسيلة خلاصنا هي السهر وإحناء الركب وتقديم التوسُّلات وسؤال العون من فوق حتى لا نضعف ويصيبنا هلاكًا مرعبًا.]
إن كان السيِّد قد سألهم أن يسهروا، لكن بعد أن صلَّى ثلاث مرّات عاد إليهم وهو يقول: "ناموا الآن واستريحوا، هوذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلّم إلى أيدي الخطاة" [45]. إذ يسلّم السيِّد نفسه للموت ننام نحن ونستريح، إنه علّة راحتنا، يدخل إلى الصليب ليدفع الدين عنّا، يتألّم فنستريح، ويصلب فنكلّل!
9. القبض على السيِّد
كان لابد للسيِّد المسيح وقد احتل آخر الصفوف - ليحمل آلامنا ويشرب عنّا الكأس حتى النهاية - أن يتقبّل الألم على يديّ أحد تلاميذه، وخلال قُبلة ليكون الجرح غاية في المرارة. لقد رآه النبي مجروحًا فسأله: "ما هذه الجروح في يديك؟" (زك 13: 6) فيجيب السيِّد في مرارة: "هي التي جُرحتُ بها في بيت أحبائي" (زك 13: 6). وتزداد الجراحات مرارة أنها جاءت مغلَّفة بغلاف الحب الغاش، والكلمات الليِّنة التي تحمل وراءها سُم الشرّ. ونحن أيضًا إذ نتَّحد بالسيِّد المسيح يلتقي بنا من هو من "أهل بيتنا"، كيهوذا مقاطعًا روح الحق فينا، إذ يقول: "أعداء الإنسان أهل بيته".
لقد أعطى السيِّد الفرصة الأخيرة ليهوذا فإنه حتى في لحظات القبض عليه عاتبه بكلمات لطيفة: "يا صاحب لماذا جئتَ؟!" [50].
بقُبلة سلَّم يهوذا سيّده وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [إنك تقدّم قُبلة يا من لا تعرف سرّ القُبلة، فالمطلوب ليس قُبلة الشفتين وإنما قُبلة القلب والنفس.]
مدّ بطرس الرسول يده واستل سيفه ليضرب ملْخَس عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه [51]...، فأمره السيِّد أن يرد سيفه إلى غِمده وشَفى أُذن العبد، قائلاً: "لأن كل الذين يأخذون بالسيف فبالسيف يُأخذون، أتظن إنّني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيُقدّم لي أكثر من اِثني عشر جيشًا من الملائكة، فكيف تكمل الكتب إنه هكذا ينبغي أن تكون؟! [52-54]
حينما يستخدم الإنسان العنف في خدمته تحت ستار الدفاع عن السيِّد المسيح الحق، إنّما يكون كبطرس الذي يضرب بالسيف فيقطع أُذن العبد ويفقده الاستماع لصوت الكلمة. كلمة العنف تُزيد المقاومين عنادًا، تفقدهم سمعهم الروحي للحق، فلا يشتهوا الرجوع عن مقاومتهم ولا يتوقون للحق.
بسرور احتمل السيِّد جراحات مقاوميه لكنّه لم يحتمل دفاع تلميذه عنه بالسيف، فإن ما حمله بطرس من مرارة تجاه صالبي السيِّد كان في نظره أمر من سيف الأشرار. كما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لا يريد المسيح أن يُدافع عنه ضدّ جراحات المضطهد، بل أراد أن يشفي الكل بهذه الجراحات.]
+ لم يرد لنا أن نستخدم السيوف في مقاومة أعدائنا بل بالأحرى نستخدم الحب والوقار، فنكسب من هم ضدّنا. يعلّمنا بولس تعليمًا مشابهًا بقوله: "هادمين ظنونًا وكل علوّ يرتفع ضدّ معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 5)، لأن الحرب من أجل الحق روحيّة والسلاح الذي يجعلنا قدّيسين عقلي ومملوء محبّة الله.
القدّيس كيرلّس الكبير
+ لقد قطع بطرس الأذن اليُمنى لعبد رئيس الكهنة، وكان هذا العمل بمثابة علامة على عجز اليهود عن السمع الجيد، لأنهم لهم ينصتوا جيدًا لكلمات المسيح، بل أكرَموا الأذن اليُسرى أي طاعة هواجسهم التابعة عن تعصبُّهم فصاروا "مضَلّين ومضِلَّين" (2 تي 3: 13). وكما يقول الكتاب لأنهم عندما عاشوا حسب الناموس لم يهتمّوا بالوصيّة قدر اهتمامهم بتعاليم الناس (مت 15: 19).
+ كأن بطرس كشف ما في أعماقهم أن أذنهم اليُمنى الروحيّة قد قُطعت إذ اهتموا بالأُذن اليُسرى والسماع للأضاليل... لكن السيِّد جاء ليُصلِح هذه الأذن اليُمنى ويهبها سماعًا روحيًا.
القدّيس كيرلّس الكبير
10. المحاكمة الدينيّة
وقف الديّان أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ليُحاكَم كمجدِّفٍ يسندهم شاهدا زور، وكان هو صامتًا. وُجه الاتهام إليه كمجدِّف بكونه قال: "إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام ابنيه" [61]، وكان ذلك شهادة زور، فإنه لم يقل هذا بل قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه" (يو 2: 19). وكان يتحدّث عن هيكل جسده (2: 12)، أمّا هم ففهموه يتحدّث عن هيكل أورشليم. أما الجانب الثاني من التجديف فهو أنه يقول عن نفسه أنه المسيح ابن الله وعندما سأله رئيس الكهنة في ذلك، أجاب "أنت قلت، وأيضًا أقول لكم من الآن تُبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة، وآتيًا على سحاب السماء" [64].
إذ لم يحتمل رئيس الكهنة إجابة السيِّد مزَّق ثيابه، وكان ذلك علامة نزع الكهنوت اللاوي واِنتهائه، فيظهر كهنوت جديد على طقس ملكي صادق.
يُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على سؤال رئيس الكهنة للسيِّد المسيح: "اَستحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟" [63]، قائلاً: ٌ[اِخبرني لماذا تسأله؟ هل لتعرف إن كان هو المسيح؟ فإنك تستطيع بسهولة أن تعرفه من الناموس والأنبياء. اِبحث في كتابات موسى، فتراه مصوِّرًا فيها بطرق متعدّدة... افحص كتابات الأنبياء فإنك تسمعهم يُعلنون معجزاته الإلهيّة العجيبة.]
11. إنكار بطرس
كان بطرس جالسًا خارجًا في الدار، فاصطادته جارية لتتهمه أنه كان مع يسوع، فأنكر قدام الجميع. وإذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى واِتَّهمته كالأولى فأنكر، وبعد قليل جاء القيام يُعلنون أن لُغته تظهره، فابتدأ يَلعن ويحلف أنه لا يعرفه وللوقت صاح الديك.
النفس التي تبقى متراخية في حالة جلوس خارجًا ولا تدخل مع السيِّد إلى الصليب لتتعرَّف على أعماقه الداخليّة لا تقدر أن تشهد بل تُنكر، وإذ تخرج إلى الدهليز أي تحيا بلا حياة سرّيّة تكرّر إنكارها له، ويصطادها الكثيرون ليدفعوها إلى الإنكار. أمّا النفس التي تدخل إلى الصليب، وتقترب منه كيوحنا، فلا تُنكر بل تتقبّل من السيِّد المسيح أُمُّه أُمًّا لها.
يتحدّث القدّيس كيرلّس الكبير عن ضعف بطرس الرسول وتوبته، قائلاً: [لم يكن المسيح قد قام من الأموات، ولا أبطل الموت، ولا نزع الفساد، لذلك كان الخوف من الموت فوق احتمال البشر... قد دان الرسول نفسه بضميره كما يظهر من بكائه مباشرة بعد ذلك ومن دموع توبته النازلة من عينيّه بسبب خطيّته الخطيرة... إنه لم يكن مهمِلاً في توبته، فكما سقط سريعًا في خطيّته هكذا بسرعة كانت دموعه تسقط بسببها، فإنه لم يبكِ فحسب وإنما بكى بمرارة. كإنسان سقط، وفي شجاعة قام مرّة أخرى إذ يعرف أن الله الرحوم يقول بأحد أنبيائه: "هل يسقطون ولا يقومون؟! أو يرتدّ أحد ولا يرجع؟!" (إر 8: 4). ففي رجوعه لم يفقد العلامة بل اِستمر كما كان عليه قبلاً كتلميذٍ حقيقيٍ.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [بكى بطرس لأنه أخطأ، كإنسان ضلَّ وبكى ولم يعتذر، لأن الدموع تغسل ما تخجل أفواهنا أن تنطق به... الدموع لا تسأل الغفران إنّما تناله... نظر إليه يسوع، فبكى بكاءً مرًا. لتنظر إلينا أيها الرب يسوع فنعرف البكاء على خطيَّتنا.]
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ
* خطاب السيد المسيح عن خراب أورشليم وإنقضاء الدهر يوم ثلاثاء البصخة (متى 24، 25؛ 1:26، 2)
* أربعاء البصخة: متى 3:26-5؛ 14:26-16
* مريم تدهن يسوع بالطيب في بيت عنيا (مت6:26-13+ مر3:14-9+ يو55:11-11:12)
* العشاء الأخير (متى 17:26-30)
* خطب المسيح الوداعية (متى 31:26-35)
* يسوع في جثسيماني (متى 30:26؛ 36:26-46)
* تسليم يسوع والقبض عليه (متى 47:26-56)
* محاكمته أمام رؤساء اليهود (متى 57:26-10:27)
(مت 26 : 1-2): "ولما اكمل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه. تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب."
هنا نرى السيد يعين ويتنبأ عن يوم موته.
بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب= لقد صار إبن الإنسان فصحنا الحقيقي وكان الفصح رمزاً له.
مت3:26-5،14-16 + مر1:14،2،10،11+ لو1:22-6
بالنسبة للسيد المسيح فقد إعتزل في هذا اليوم. غالباً في بيت عنيا. وفي هذا اليوم إجتمعت السلطات الدينية معاً ليدبروا قتل المسيح، وتآمر معهم يهوذا. وتهتم الكنيسة بهذا الأمر وتكرس يوم الأربعاء على مدار السنة فيما عدا أيام الخمسين، لكي يصوم المؤمنون تذكاراً لهذا التشاور الرديء.
وفي يوم أربعاء البصخة تقرأ القراءات عاليه مع قصة المرأة التي سكبت الطيب على قدمي المسيح وهي مريم أخت لعازر، ليظهر الفرق بين ما عملته مريم وما عمله يهوذا.
(مت3:26-5): "حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه. ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب."
رؤساء الكهنة أي من يمثلون الكهنة. حنان وقيافا+ رؤساء الفرق (فرق الكهنة الأربعة والعشرين). وشيوخ الشعب هم رؤساء العائلات ومنهم نجد مجمع السنهدريم أي المجمع الأعظم الذي له السلطة العظمى في كلا الأمور الروحية والمدنية. قيافا= هو رئيس الكهنة الفعلي. وكان حنان الذي عزله بيلاطس هو حما قيافا. ولكن غالباً كان حنان له تأثير ونفوذ كبير. ولذلك في محاكمة المسيح فحصه حنان أولاً أي سأله عن تلاميذه وخدمته، ثم أرسله إلى قيافا. وقيافا هذا كان صدوقياً. قالوا ليس في العيد= ولكن الله دبَّر أن يكون صلبه أمام يهود العالم كله لينتقل الخبر للعالم كله. ولماذا لم يكتشف رؤساء الكهنة شخص المسيح ويفرحوا به كرئيس الكهنة الأعظم؟!
كان هذا بسبب إهتمامهم بالكرامات الزمنية وخوفهم على مصالحهم الشخصية وشكلية عبادتهم. وهذا قد فهمه بيلاطس أنهم "أسلموه حسداً" (مر10:15). فالحسد أعمى عيونهم.
(مت 26 : 6-13): "وفيما كان يسوع في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص. تقدمت إليه امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فسكبته على رأسه وهو متكئ. فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا قائلين: «لماذا هذا الإتلاف؟ لأنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ويعطى للفقراء». فعلم يسوع وقال لهم: «لماذا تزعجون المرأة؟ فإنها قد عملت بي عملا حسنا! لأن الفقراء معكم في كل حين وأما أنا فلست معكم في كل حين. فإنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني. الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها».
فكسرت= كل من يقبل كسر جسده ويقدمه ذبيحة حية يكون له رائحة الطيب. فقارورة الطيب تشير للحياة التي طالما كانت مغلقة فلا فائدة منها، وعندما تنفتح بالحب للمسيح، بل عندما يهلكها الإنسان ويحطمها لأجل الرب تفوح منها رائحة مباركة أبدية. متكئ= هذه عادة رومانية وتعني الإستناد على المائدة. فكانوا يجلسون على الأرض ويتكئون بيدهم اليسرى على المائدة ويسندون رأسهم على يدهم اليسرى ويأكلون باليد اليمنى. فيما هو في بيت عنيا= بيت عنيا تعني بيت العناء والألم. فالمسيح أتى إلى بيت عنيا إستعداداً لأسبوع آلامه وللصليب ولكنه الآن في بيت أحبائه يفرح بحبهم له ونحن الآن في العالم في بيت الألم ولكنه مازال وسطنا يفرحنا ويعزينا بوجوده معنا. جاءت امرأة= نلاحظ أن متى ومرقس لم يذكرا إسمها. ولكن يوحنا ذكره وحده. كما نلاحظ أن متى ومرقس لم يوردا القصة في مكانها الزمني، بل في سياق قصة الآلام وبدء المشاورات لقتل المسيح. فهما أرادا أن يظهرا التضاد بين موقف الخيانة لليهود وموقف الحب من مريم (CNOTRAST) ومتى ومرقس لم يذكرا إسمها لأنهم خافوا أن يقتلها اليهود ولأنهم أرادوا أن يجعلوها كرمز لكل نفس أحبت المسيح وعلى إستعداد أن تكسر نفسها وحياتها (2كو10:4،11) + (رو35:8-39) لأجل المسيح الذي أحبها. صارت مريم تشير لكل نفس صادقة في لقائها مع السيد، صادقة في حبها وفي إحتمالها للآلام لأجله، تشير لكل نفس بل وللكنيسة كلها التي تقدم حياتها مبذولة كقارورة منكسرة لتعلن رائحة محبتها. ولاحظنا أن يوحنا قال أن الطيب سُكِبَ على قدميه أما متىومرقس فقالا أنه سُكِبَ على رأسه. وفي هذا إشارة لطيفة هي أن الحب يمكن أن يقدم للمسيح نفسه (في جلسة هادئة في الصلاة.. وهذا تمثله مريم..= سكب الطيب على رأسه) ويمكن أن نقدم الحب لأولاد المسيح.. وهذا تمثله مرثا الخادمة..= سكب الطيب على القدمين). فالمسيح رأس الكنيسة والكنيسة تحت قدميه.
(مت14:26-16): "حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي إلى رؤساء الكهنة. وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه."
ثلاثين من الفضة= ثمن شراء العبد حسب الناموس (خر32:21) المسيح بيع كعبد لكي يحررنا من العبودية. وتحققت بهذا نبوة زكريا (13:11). وكان الهدف من خيانة يهوذا أن يسلمه منفرداً بعيداً عن الجموع (لو6:22)، إذ هو يعرف الأماكن التي ينفرد فيها مع تلاميذه سراً. لقد أعمى الطمع أعين التلميذ، أمّا مريم فقد فتح الحب قلبها. وغالباً فقد كان رؤساء الكهنة قد دبروا أنهم يلقون القبض على المسيح بعد الفصح ولكن عرض يهوذا سهل عليهم الأمر وعدلوا خطتهم لتصير قبل الفصح. وربما هم إهتموا بأن يتعجلوا القضاء عليه، حتى لا تثور الجماهير ويملكوه فيثير هذا الرومان ويسلبوا الرؤساء اليهود ما تبقى لهم من سلطة.
العشاء الأخير
(مت17:26-30): "وفي أول أيام الفطير تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح. فقال اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له المعلم يقول أن وقتي قريب عندك اصنع الفصح مع تلاميذي. ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع واعدوا الفصح. ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر. وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم أن واحد منكم يسلمني. فحزنوا جداً وأبتدأ كل واحد منهم يقول له هل أنا هو يا رب. فأجاب وقال الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني. أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد. فأجاب يهوذا مسلمه وقال هل أنا هو يا سيدي قال له أنت قلت. وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم أني من الآن لا اشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديداً في ملكوت أبي. ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون."
كان طقس الفصح اليهودي يشمل أكل خروف الفصح على مستوى عائلي. فرب الأسرة يجتمع مع أسرته ويشتركون في أكل الخروف، وإن لم تكن الأسرة قادرة على شراء خروف تجتمع معها عائلة أخرى. ويأكلون خبز مع أعشاب مرة. وكان رب البيت يمسك الخبز في يده ويقول هذا هو خبز الغم والمحنة الذي أكله أباؤنا في مصر. ثم يقدم ثلاث كئوس خمر للحاضرين وكانت الكأس الثالثة تسمى كأس البركة. وكانوا بعد الكأس الأولى يغسلون أيديهم وأرجلهم. وفي الفصح يستخدمون خبزاً غير مختمر أي فطير. ومنذ هذه الليلة ولمدة 7أيام لا يأكلون سوى الفطير. ومساء الخميس أي عشية يوم الجمعة أسس السيد المسيح سر العشاء الرباني، قدًّم نفسه لكنيسته فصحاً حقيقياً، قدّم جسده ودمه مأكلاً حق ومشرباً حق. كان اليهود سيقدمون الفصح يوم الجمعة، أمّا المسيح فسبق وأسس هذا السر لأنه كان يعلم أنه وقت الفصح اليهودي سيكون معلقاً على الصليب فالتلاميذ في العشاء السري لم يأكلوا خروف الفصح بل أكلوا جسد المسيح فصحنا الحقيقي. والمسيح بكلماته هنا غيًّر مفهوم العيد تماماً:-
1. كانوا في عيد الفصح يذكرون ما حدث لهم في مصر من غم ومشقة. فصرنا لا ننظر للوراء أي للفداء الرمزي بل صرنا نذكر موته وجسده الذي أعطاه لنا.
2. عوضاً عن كأس الخمر صرنا نشرب دمه غفراناً للخطايا ولننال حياة أبدية.
3. لم يَعُدْ الفصح على مستوى عائلي كما كان عند اليهود، بل تغير مفهوم العائلة، وصارت العائلة هي كل المؤمنين والمسيح رأس هذه العائلة. فالمسيح أكل الفصح مع تلاميذه دون النظر لأن يجتمع كل منهم مع عائلته. قدّس المسيح العلاقات الروحية على العلاقة الجسدية.
4. لاحظ أنهم كانوا كغرباء يبحثون عن مكان يأكلون فيه الفصح.
(الآيات 17-19): إعداد الفصح يستغرق وقتاً كبيراً في تنظيف وإعداد البيت لئلا يكون فيه كسرة خبز مختمر+ شراء ما يحتاجونه، لذلك كان التلاميذ يحتاجون لوقت كبير ليعدوا الفصح يوم الجمعة. والمسيح تركهم يعدوا كيفما شاءوا دون أن يخبرهم صراحة عن أنه سيصلب غداً ولن يأكل معهم هذا الفصح، بل إستخدم الخبز والخمر في تأسيس الفصح الجديد، سر الإفخارستيا. وقتي قريب= لن يتمكن من اللحاق بالفصح فهو سيصلب. إلى فلان= السيد لم يحدد الإسم حتى لا يعرفه يهوذا فيتم تسليمه قبل أن يؤسس سر الفصح. والسيد لم يحدد الإسم لكنه حدَّد لهم علامة أنه شخص حامل جرة ماء (لو10:22) وكان هذا العمل تقوم به السيدات، وكان غريباً أن يحمل رجل جرة. وغالباً كان الشخص هو معلمنا مرقس كاروز ديارنا المصرية. وكان العشاء الرباني في منزله (أع13:12،14). وفي هذه العلية قضى التلاميذ العشرة أيام بعد صعود السيد وحتى حلول الروح القدس.
(الآيات 20-25): المسيح هنا يعطي يهوذا فرصة أخيرة ويحدثه برقة ويعلن له أنه يعلم بنيته الشريرة، كان مهتما بخلاص نفسه، ولذلك تكلم وسطهم دون أن يشير إليه حتى لا يجرح مشاعره. وإذ رأي السيد أن تلاميذه حزنوا وتشككوا في أنفسهم خاف عليهم وأعطى إشارة أن من يفعل هذا هو يهوذا يغمس يده في الصحفة= هو طعام عادي. ومع كل هذا لم يتب ولقد خرج دون أن يتناول الجسد والدم. ولقد أعلن السيد بؤسه المنتظر، ومع أن ما حدث كان بتدبير إلهي إلاّ أن يهوذا فعل كل شئ بإرادته. أنت قلت= تعبير يهودي يعني الموافقة، ومع هذا فكانت الخيانة قد أعمت عيني يهوذا. كان يهوذا شريراً وقد إستخدم الله شره لتحقيق الأمور الإلهية. سؤال: ما ذنب يهوذا والخلاص الذي تم هو كل الخير للبشر؟ والرد أن نيته كانت شراً وليست خيراً.
(الآيات 26-28): أخذ يسوع الخبز= الكلمة تشير للخبز المختمر. والإخوة الكاثوليك يستخدمون الفطير بدعوى أن السيد المسيح بلا خطية والخمير يشير للخطية. وكنيستنا تستخدم الخبز المختمر ولها رأي آخر أن المسيح حامل لخطيتنا ولكنه كما أن نار الفرن أفسدت الخميرة وقتلتها، فإن المسيح بنيران ألامه وصليبه وموته قتل خطيئتي. وشكر= لذلك يسمى السر سر الشكر. للعهد الجديد= هو تعاقد إلهي بدم الرب والسيد حول الخبز والخمر إلى جسده ودمه بطريقة سرية. ونحن عندما نأكل جسد الرب ونشرب دمه. ننال الحياة فينا، إذ نكون كما لو أننا واحد معه، نسكن فيه وهو يملك أيضاً فينا. مغفرة الخطايا= مع التوبة والإعتراف فسر الشكر يغفر الخطايا.
(آية29): ما هو هذا الجديد الذي نشربه معه في ملكوت الآب، إلاّ تمتعنا بشركة الإتحاد مع الله في إبنه في السموات على مستوى جديد. إنه إمتداد لليتورجية الحالية (أي ما يحدث في القداس الإلهي من صلاة وتناول) ولكن بطريقة لا ينطق بها. وقوله جديد أن يكون جديداً كل يوم، نستمر في فرحة هذا الإتحاد كأنها جديدة دائماً. بالمقارنة بما نحصل عليه على الأرض فنحن نشتهي الشئ وبمجرد حصولنا عليه يفقد لذته، أمّا الإتحاد بالله في السماء فيظل جديداً مفرحاً منعشاً وللأبد.
(آية30): هكذا تسبح الكنيسة المزمور 150 بعد نهاية القداس وأثناء التناول (عب12:2) فماذا نقدم لله على عطية جسده ودمه سوى التسبيح والشكر. وكان اليهود يسبحون المزامير 115-118 بعد أكل الفصح والتلاميذ سبحوا بعد أن أكلوا الفصح الجديد.
خطب المسيح الوداعية مت31:26-35 + مر27:14-31 + لو31:22-38
(مت31:26-35)
آية (31): "حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية."
في آية (30) رأينا السيد وقد أخذ تلاميذه وذهب إلى جبل الزيتون، رأيناه ذاهباً للموت بإرادته، وفي الطريق يحدثهم عن صلبه، ونرى في حديث السيد أن الشيطان أراد بضرب المسيح أن يضرب تلاميذه ويشتتهم، والسيد يخبرهم حتى لا ينهاروا ويفاجئوا بما سيحدث، ويشجعهم حتى لا يتبددوا. تشكون= لأنهم مازالوا يتصورونه ملكاً أرضياً ويشكون إذ يرونه مصلوباً.
آية (32): "ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل."
أسبقكم إلى الجليل= قضى السيد معظم وقت خدمته مع تلاميذه في الجليل، وعرفوه كمعلم مقتدر، صانع معجزات، عرفوه بحسب ما أبصرته عيونهم الجسدية، وكأن المسيح يريد أن يقول سنتقابل في الجليل مرة أخرى لتعرفونني كإله ظهر في الجسد وإنتصر على الموت فتكمل رؤيتكم (مت7:28) وهذا ما قاله الملاك.. هناك ترونه. أي هناك تعرفونه برؤية صحيحة تكمل فيها معلوماتكم عنه والتي سبق وعرفتموها في الجليل سابقاً.
آية (33): "فأجاب بطرس وقال له وإن شك فيك الجميع فأنا لا اشك أبداً."
من يثقون في ذواتهم هم أسرع ناس للسقوط، ولذلك نرى بطرس وقد أنكر المسيح بعد هذا القول بساعات قليلة. لقد كان بطرس واثقاً في ذاته بغير أساس. والعجيب أن بطرس يجادل المسيح، فهل بعد ما رأى من المسيح 3سنوات وأنه يعلم كل شئ، هل يتصور بطرس أنه يعلم أكثر من المسيح خالقه. ما أحوجنا أن نرتمي في حضن الله العارف بضعفنا فلا نثق بذواتنا بل في نعمة الله القادرة أن تقيمنا من الضعف.
يسوع المسيح في جثسيماني (مت30:26 ،36-46+ مر26:14 ،32-42+ لو39:22-46+ يو1:18)
(مت30:26 ،36-46)
الآيات (30،36): "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون. حينئذ جاء معهم يسوع إلي ضيعة يقال لها جثسيماني فقال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى امضي واصلي هناك."
سبحوا= كان اليهود معتادين أن يسبحوا بالمزمورين (115،116) في نهاية أكلهم الفصح وهنا هم قدموا تسابيح بعد تناولهم سر الشكر. وهذا ما تعمله الكنيسة أثناء التوزيع أنها تسبح بالمزمور (150).
جثسيماني= كلمة آرامية تعني معصرة زيت، وهي كانت في بستان للزيتون علي جبل الزيتون، وغالباً كان يملكه مارمرقس. وكان هذا البستان مفضلاً عند الرب يسوع ليجتمع فيه مع تلاميذه للصلاة والتعليم. ولقد أتى السيد مع تلاميذه إلى هذا المكان كمن يدخل بإرادته إلى المعصرة، ولقد رآه إشعياء بروح النبوة يجتاز المعصرة الحقة (أش1:63-3). رآه إشعياء يجتاز المعصرة وحده. وصلى يسوع ليس لأنه محتاج بل ليعلمنا الصلاة في ضيقاتنا فيسندنا الله.
الآيات (37،38): "ثم اخذ معه بطرس وابني زبدي وأبتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت امكثوا ههنا واسهروا معي."
بطرس وإبني زبدي= هم رأوه أيضاً في حالة التجلي، فمن رأى التجلي يكون مستعداً أن يعاين الآلام دون أن يشك. يحزن ويكتئب= ليس خوفاً من الآلام الجسدية وإنما لأجل ثقل الخطية التي لا يقبلها ولا يطيقها، ولكنه أتى ليحمل موت الخطية فيه. نفسي حزينة جداً حتى الموت= هو كإنسان كاد يموت لو لم يلقي معونة جسدية ليحتفظ بحياته لذا ظهر له ملاك يقويه. ونرى أن تلاميذه لم يستطيعوا حتى أن يشاركوه في أحزانه وصلاته بل ناموا.. حقاً لقد جاز المعصرة وحده. وشدة الحزن قد تؤدي للموت فعلاً.
آية (39): "ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يصلي قائلاً يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت."
إن إرادة الآب وإرادة الإبن واحدة فهما روح واحد، ولكنه جاء نيابة عنا نحن الذين رفضنا إرادة الله فخضع للصليب بسرور من أجل الطاعة للآب. وفي نفس الوقت كان المسيح يريد ذلك. ونرى في كلام المسيح أنه يعلن إرادة الآب المحب (يو16:3). لماذا طلب المسيح أن تعبر عنه الكأس [1] هل خاف؟ [2] هل هو لا يعلم أنه سيقوم؟ [3] هل إرادته غير الآب؟
1) لقد سلَّم المسيح نفسه بإرادته، فهو كان يمكنه الهرب وقت أن سقط الجند عند قوله أنا هو (يو6:18)، بل هو كان في إمكانه أن يؤذيهم كما سبق وفعل بشجرة التين بل هو قال لتلاميذه "قد إقترب الذي يسلمني" فلو أراد الهرب لهرب. وكان يمكنه أن يجتاز كما إجتاز من قبل دون أن يمسه أحد (لو29:4،30+ لو53:22+ يو10:10+ في6:2-8+ يو17:10+ يو1:17+ مت21:16-23+ مت46:21+ يو44:7+ يو59:8) بل هو ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم حين تمت الأيام لإرتفاعه (لو51:9). من هنا نفهم أنه لم يخاف الموت. وهناك من يسأل لماذا ذهب إلى بستان جثسيماني في جبل الزيتون ألا يعتبر هذا هروباً؟ والإجابة أن اليهود كانوا لا يريدون إلقاء الأيدي عليه وسط المدينة حتى لا يحدث شغب كثير بسببه. والدليل أن يهوذا كان يريد أن يسلمه خارجاً عن الجمع، والمسيح كان يعلم أن يهوذا كان عارفاً بأنه يذهب إلى بستان جثسيماني (يو2:18). ولو حدث قتل وشغب لكان هذا دليلاً لليهود أن بسببه صار شغب وقتل وبالتالي فهو يستحق الموت، وتكون حجتهم أنهم قتلوه ليمنعوا الشغب. وهو ذهب للبرية أيضاً ليعطي فرصة لتلاميذه أن يهربوا بعد إلقاء القبض عليه (يو8:18،9). فكان التلاميذ في ضعفهم سينكرون الإيمان كلهم كما فعل بطرس، فضلاً عن أن السيد كان قد إعتاد أن يصلي في البرية وهو لم يرد أن يصلي في العلية فيسمعونه، أي تلاميذه. ولو حدث القبض عليه في المدينة فسيدافع عنه أحباؤه، وهو لا يريد لأحد أن يدافع عنه. فهو يسلم نفسه بإرادته ولا يريد كرامة بشرية من أحد.
2) هو أعلم تلاميذه بقيامته (مت21:16)، بل كان يعلم كل شئ، وعلم أن بطرس سينكره 3مرّات، وعرف أن بطرس يصطاد سمكة بها استاراً (مت27:17) وهو علم حال السامرية وكان يعلم ضمائر الناس وتنبأ بما سيحدث لأورشليم وأعظم شئ في هذا المقال قوله ليس أحد يعرف الآب إلاّ الإبن (مت27:11). إذاً هو كان عارفاً بما سيحدث له، فلماذا إذاً صلّى لتعبر عنه هذه الكأس؟ هو بهذا أظهر أنه إنسان كامل يضطرب ويحزن، كما كان يجوع ويعطش.. وهو بسماحه أظهر إضطرابه لنعرف إنسانيته ثم أظهر شجاعته بعد ذلك مع الجند. وكان إظهار إضطرابه ليستدرج الشيطان ليقترب منه فيغلبه الرب، فهو كان يخفي عن إبليس تدبيره. وهو صلَّى هكذا لنتعلم أن نصلي "لتكن مشيئتك".
3) السيد قال أنا والآب واحد (يو30:10) وكل ما للآب هو لي (يو15:16). فإذا كانا واحدا في الذات فهما واحداً في المشيئات. والمشيئة الإلهية إتحدت أيضا بالمشيئة الإنسانية حين إتحد اللاهوت بالناسوت. وحتى قوله ما جئت لأصنع مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني (يو19:5،38:6) لا يعني وجود مشيئتان بل أن الجسد في ضعفه العادي يريد شيئاً ولكن المسيح لا ينفذه، لأن مشيئته هي أن يصنع مشيئة الآب. بل حتى القديسين صار لهم نفس الوضع فهم لا يصنعون سوى مشيئة الله ولا يستجيبون لنداءات الجسد. فكم بالأكثر من إتحد لاهوته بناسوته. لكل هذا نرى أنه أطاع حتى الموت موت الصليب. أي إنسان منا إذ علم أن هناك ضيقة تنتظره من المؤكد سيضطرب ويتمنى ألا تحدث، ويصلي. وبعد فترة من الصلاة يقنعه الروح القدس بأن يسلم الأمور لله، فيقول "لتكن مشيئتك" والمسيح لأن إنسانيته كانت كاملة إضطرب إذ أتت الساعة بينما هو كان يعرفها. وصلى. ولكن لم يأخذ الأمر معه وقتاً ما بين "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" وبين "ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" لقد أختزل الوقت إلى لا شئ. فإرادته هي إرادة الآب هي الإرادة الإلهية التي فيه.
قصص حزن المسيح تختلف من إنجيل لآخر فلماذا؟
لقد أخبر كل واحد من الإنجيليين بحال من أحواله، وبعضهم إشترك في بعض الأخبار. وعموماً هم إقتسموا الأخبار ومن هنا نرى تكامل الأربعة أناجيل.
لماذا كانت آلام المسيح رهيبة؟
كانت أحزان المسيح لا تحتمل، فأضف لآلام الجسد آلام النفس أيضاً، فهو تألَّم بسبب خيانة يهوذا تلميذه وهروب باقي تلاميذه وصراخ الجموع ضده وهو الذي كان يجول يصنع خيراً، وهلاك اليهود الذين أتى لخلاصهم. وهو كان عالماً بكل الآلام والإهانات التي ستقع عليه. ونضيف لهذا أن المسيح كان سيحمل خطايا البشر، وهذا ما فاق إحتماله لقداسته المطلقة، وكان سيتذوق الموت وهو الحياة نفسها، بل كان يعلم أن الآب القدوس سيحجب وجهه عنه حينما يحمل خطايا البشر، وهذه النقطة بالذات يصعب علينا أن نتصورها لأننا لا نعلم حقيقة العلاقة بين الآب والإبن. والمسيح أراد إظهار ضعفه وحزنه وإضطرابه ليطمع فيه الشيطان ويظن أنه قادر أن يغلبه، فيغلبه المسيح. وأيضاً كونه أظهر ضعفه فقد أظهر إنسانيته الكاملة.
لماذا صلّى المسيح 3 مرّات أو لماذا أيقظ السيد تلاميذه 3 مرّات؟
هذا فيه إشارة إلى رقم (3) رقم القيامة وهذا ما قاله بولس الرسول (رو11:13-14 + أف14:5) وكان المسيح يصلي ليعلم تلاميذه أن يصلوا عند أي تجربة، وهو كان يطلب منهم الصلاة في هذه الساعة بالذات والتي إقترب فيها إلقاء القبض عليه حتى لا يقل إيمانهم فيه ويضربهم إبليس بالشك. والسيد كما علّم تلاميذه التواضع بأن غسل أرجلهم علمهم الصلاة في الضيقات في هذه الليلة. وكما علمهم أن يصلوا منفردين، إنفرد عنهم ليصلي، ولكنه لم يبتعد كثيراً ليتعلموا طريقة الصلاة. وهم أخذ (3) تلاميذ فشهادة الثلاثة قانونية. وهم كانوا أقرب التلاميذ لنقاوتهم ومحبتهم الكاملة. وهو أرادهم أن يشهدوا حزنه على العالم الذي فسد وإسرائيل إبنه البكر الذي رفضه، وأن آلامه كانت حقيقية. ويشهدوا بهذا أمام العالم فيكره الناس الخطية التي سببت كل هذا للرب.
آية (41): "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف."
لاحظ كلمات التشجيع الروح نشيط والجسد ضعيف= أي أن السيد يعطيهم عذراً في نومهم، أن جسدهم ضعيف، لكن روحهم نشيطة.
آية (45): "ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة."
ناموا الآن وإستريحوا= هو توبيخ لطيف المقصود به ناموا الآن إن إستطعتم فلقد أتت الساعة التي تتفرقون فيها. والسيد يعاتبهم فهم لم يفهموا قوله إسهروا لذلك قال لهم ناموا. وربما قصد أنه غير محتاج إليهم في الأمور التالية التي ينبغي أن يحتملها وحده.
آية (46): "قوموا ننطلق هوذا الذي يسلمني قد اقترب."
هنا نرى السيد هو الذي يذهب ليقابل يهوذا= قوموا ننطلق. وهذا يثبت أنه سلم نفسه بإرادته.
- المسيح حمل كل خطايا البشر في جسده ليموت بها ليلغيها بقوة قيامته وقدوسيته.
يوم الجمعة (الجمعة العظيمة)
تسليم يسوع والقبض عليه (مت47:26-56+ مر43:14-52+ لو47:22-53+ يو2:18-12)
(مت47:26-56)
آية (47): "وفيما هو يتكلم إذا يهوذا أحد الإثني عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب."
كان اليهود قد زعموا لبيلاطس أن المسيح مقاوم لقيصر، وشخص هذه صفاته ربما يكون معه جيش من الثوار، لذلك أرسل بيلاطس جماعة عظيمة من الجند ولكن السيد بقوله أنا هو (يو6:18) جعلهم يسقطون على وجوههم. وربما ظن اليهود أن عنده شعب يسمع تعاليمه. وأنهم ربما يجدون مقاومة. شيوخ الشعب= أعضاء السنهدريم.
آية (48): "والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي اقبله هو هو امسكوه."
المسيح حمل كل آلامنا، ولكي تكمل آلامه كان عليه أن يشرب كأس الخيانة من أحد أحبائه (مز12:55-14) وبقبلة غاشة (زك6:13). فالجراح تزداد حينما تأتي من الأحباء. والقبلة كانت علامة للجنود الرومان فهم لا يعرفونه، أمّا اليهود فهم يعرفونه تماماً.
آية (50): "فقال له يسوع يا صاحب لماذا جئت حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وامسكوه."
المسيح يعطيه الفرصة الأخيرة ويعاتبه برقة= يا صاحب لماذا جئت. لعله يتوب.
الآيات (51،52): "وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فقال له يسوع رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون."
يوحنا ذكر إسم العبد وأنه ملخس (يو10:18) ولوقا أكمل القصة بأن السيد شفى أذن العبد (لو51:22). ومن هذه القصة نفهم أن إستخدام العنف مرفوض في الدفاع عن الدين، فحينما يستخدم الإنسان العنف في خدمته تحت ستار الدفاع عن السيد المسيح يكون كبطرس الذي يضرب بالسيف أذن العبد فيفقده الإستماع لصوت الكلمة، من نستخدم معهم العنف نغلق أمامهم باب الإيمان، بل كلمات العنف تزيدهم عناداً. ولكن قول المسيح= لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون= هي نبوة بخراب أورشليم بالسيف نظير صلبهم للمسيح. وهذا الكلام موجه للناس وليس للحاكم الذي له سلطة إستخدام السيف. وكان بطرس قاصداً ضرب عنقه ولكن الله لم يسمح بل سمح بقطع أذنه، وفي هذا إشارة لأن سيده وهو رئيس الكهنة قد إنغلقت أذنيه عن فهم النبوات. ولقد سمح الله بما حدث [1] إظهار حب بطرس [2] إظهار محبة المسيح وقدرته وشفاؤه لمن يريد أن يلقي القبض عليه ويظهر بالتالي أنه يسلم نفسه بإرادته [3] درس للجميع أن السيف ليس هو طريق المسيحيين [4] الآن يفهم تلاميذه قوله السابق "ليكن لكم سيف" وأنه يقصد بهذا الإستعداد الروحي وليس سيوفاً حقيقية. وبالإستعداد الروحي والذهني يكونون مستعدين لإحتمال الآلام القادمة. وبطرس الصياد لا خبرة له في إستعمال السيف، فكل ما إستطاعه قطع إذن ملخس العبد.
آية (53): "أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي اكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة."
أطلب إلى أبي= والسيد لم يقل أرسل أنا لأن التلاميذ لم يكونوا بعد قد تحققوا من ألوهيته. وهو قال "كل ما للآب هو لي بل هو قال سأرسل الروح القدس" فمن يُرسِلُ روح الله ألا يكون له سلطان أن يُرسِلُ ملائكة.
المحاكمات
تمت محاكمة المسيح دينياً ومدنياً. دينياً أمام حنان وقيافا ومدنياً أمام هيرودس وبيلاطس. وبيلاطس كان يميل لتبرئه المسيح (يو38:18 + 4:19،6) ولكنه حكم ضده تحت تأثير اليهود. ويوحنا يميز بدقة ما دار في المحاكمات الدينية وقدر العلماء وقوف المسيح أمام حنان حوالي الساعة الثانية صباحاً.
محاكمة المسيح أمام رؤساء كهنة اليهود (مت57:26-10:27 + مر53:14-72،1:15 + لو54:22-71 + يو13:18-27)
(مت57:26-10:27)
آية (59): "وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه."
يطلبون شهادة زور= إذاً هم أتوا بشهود معروف عنهم سوء السمعة فهم شهود زور معروفين، فالكتاب لم يقل أنهم شهدوا زوراً بل هم أصلاً شهود زور، هذه هي طبيعتهم السابقة قبل محاكمة المسيح. واليهود إحتاجوا لهم ليقفوا أمام بيلاطس.
الآيات (61-64): "وقالا هذا قال أني اقدر أن انقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام ابنيه. فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء ماذا يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتاً فأجاب رئيس الكهنة وقال له استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء."
يتضح في (61) طريقة التزوير في الشهادة، فالمسيح لم يقل أنا أنقض هيكل الله. بل قال عن هيكل جسده (يو19:2،21). وهو لم يقل أنا أنقض بل قال لهم أنقضوا.. وأنا أقيمه. فالمسيح يتكلم عماّ سيفعلوه بصلبهم له (انقضوا..) ثم قيامته بعد 3 أيام. وهم فهموا كلامه وهم كانوا يعلمون أنه قال أنه سيقوم بعد 3 أيام وقالوا هذا لبيلاطس (مت63:27). وهم لأنهم شهود زور فهم لم يشهدوا بأن المسيح صنع معجزات أكبر من إقامة الهيكل في 3أيام، فهو أقام لعازر بعد أن أنتن وكان سؤال رئيس الكهنة للسيد أستحلفك .. هل أنت المسيح إبن الله هو يسأل لا ليعرف الإجابة، بل ليسقط المسيح في مشكلة
1. إن رفض الإجابة يتهمه بأنه يستهين بالحلف بإسم الله.
2. إن قال نعم فهو سيدينه بتهمة التجديف.
3. إن قال لا فهو يكذب نفسه لأنه أعلن هذا أمام الجموع.
وفي الحالات الثلاث سيدينه ويحكم عليه أنه مستوجب الموت. فلأن شهادة الزور فشلت فهو يريد أن يصطاده بكلمة من فمه. والسيد عرف خبث ضمائرهم ووجد أن سكوته لا يصح فأجاب بأنه إبن الله حتى تكون الفائدة عامة للكل. والسيد عموماً كان صامتاً أثناء محاكمات اليهود والرومان له، فمن يتكلم كثيراً يشير إلى ضعفه، وهو يعلم نيتهم المسبقة، وأن حكمهم سيكون ظالماً فلماذا كثرة الكلام. ولكنه هو وحده يعلم متى يكون الكلام ومتى يكون الصمت. والسيد كان هنا واضحاً في إجابته أنت قلت أي كلامك صحيح بل زاد أنهم لن يعودوا يرونه في ضعف بل هو سيصعد للسماء وسيأتي للدينونة في المجيء الثاني.
- وإن كان رئيس الكهنة يبغي حقاً أن يعرف، كان عليه أن يفتش الكتب والأنبياء فيعلم.
- وهم يعرفون من دانيال أن عبارة "جالساً عن يمين القوة" تشير للمسيح. ويعني كلام المسيح أيضاً أنه بعد أن تصلبوني أقوم وينتشر الإيمان وترون معجزات على يد الرسل ستعرفون إنني أنا الذي قصده دانيال. عموماً من نبوة دانيال هم يعرفون أن لقب إبن الإنسان المقصود به المسيح.
آية (65): "فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً قد جدف ما حاجتنا بعد إلى شهود ها قد سمعتم تجديفه."
تمزيق رئيس الكهنة لثيابه علامة يهودية تشير للحزن والغيرة على الله لأن إسمه قد جُدِّفَ عليه. وهنا نرى علامة على نزع الكهنوت اللاوي ليظهر كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. ولكن رئيس الكهنة فعل ذلك ليثير الموجودين كلهم فيؤيدوه على قراره بقتل المسيح.
آية (67): "حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه وآخرون لطموه."
فعلوا هذا به لحسدهم (مت18:27). وما أفظع خطية الحسد والبغضة وهذا ما جعلهم يصرخون أصلبه أصلبه لما أراد بيلاطس أن يؤدبه (يجلده) ويطلقه. بل أن الحسد هو الذي دفع إبليس ليسقط آدم فيموت، وهذا ما حدث مع قايين.
الآيات (69-75): "أما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار فجاءت إليه جارية قائلة وأنت كنت مع يسوع الجليلي. فأنكر قدام الجميع قائلا لست ادري ما تقولين. ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك وهذا كان مع يسوع الناصري. فأنكر أيضاً بقسم أني لست اعرف الرجل. وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقا أنت أيضاً منهم فان لغتك تظهرك. فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف أني لا اعرف الرجل وللوقت صاح الديك. فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له انك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات فخرج إلى خارج وبكى بكاء مراً."
إنكار بطرس: كان بطرس جالساً خارجاً في الدار الخارجية (الحوش) فإصطادته جارية لتتهمه أنه كان مع يسوع فأنكر، وإذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى وإتهمته كالأولى ثم عرفه الجالسون في المكان من لغته، فالجليليين لهم لكنة مختلفة عن اليهود. فهم ينطقون السين مثل الثاء. ومن بقية الأناجيل يبدو أن كثيرين حاصروه بإتهاماتهم بأنه تلميذ المسيح. ولنلاحظ أن الخطية تبدأ بالتهاون في الصلاة في البستان، ثم كبرياؤه وثقته في ذاته، ثم هروبه مع التلاميذ، ثم جلوسه الآن مع من يبغضون الرب ثم الإنكار ثم القسم الكاذب ثم اللعن. فكل إنسان يسقط في الخطية يبدأ سقوطه في خطية صغيرة ثم يتدرج إلى الأكبر. ونلاحظ أن الخوف يفقدنا الرؤية والتمييز.
صياح الديك= يشير لصياح صوت الضمير فينا، أو صوت الروح القدس الذي يبكت على خطية. ونلاحظ أن الديك صاح مرة بعد أن أنكر أول مرة، وكان هذا كإنذار ليكف عن الإنحدار ولكن هذا لم يحدث، ثم صاح الديك بعد إنكاره ثالث مرة. ثم خرج إلى خارج= تشير لضرورة خروج الخاطئ من مكان الخطية وإعتزال شهوات العالم. إن بكاء بطرس غسل خطيته دون أن يقول كلمة إعتذار فالدموع تنال الغفران.
لغتك تظهرك= غالباً لأنه جليلي ولكن هناك رأي بأنه تشبه بالسيد في كلامه.
لماذا لم تتدخل العناية الإلهية وتحمي بطرس من الإنكار؟
لما قال المسيح لتلاميذه كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة، قال بطرس "أنا لا أشك" وكان في هذا كبرياء من بطرس، فهو شك في كلام المسيح بكبرياء، بينما هو راي من سابق عشرته للسيد معرفته بكل شئ، وهنا المسيح تركه ليشفيه وليتأدب. وكان من المفروض أن يقول بطرس للسيد، أعنى حتى لا أشك ولكنه أخطأ فتركه السيد ليسقط فيعرف ضعفه ولا يعود يثق في ذاته. ونلاحظ أنه بعد هذه السقطة وبعد أن تأدب قال للسيد حين سأله "أتحبني" أجاب "أنت تعلم أني أحبك" فهو أصبح لا يثق في ذاته، وقارن هذا القول بأنه سيبذل نفسه عن السيد بينما سيده يقول له ستشكون فيّ في هذه الليلة، فهل كان يتصور أن السيد لا يعلم. ونلاحظ أن المسيح كان يعلم مستقبل بطرس وأنه سيصنع معجزات ويؤمن على يديه ألوف، وهو سمح بسقوطه حتى لا يتكبر، كما سمح لبولس بشوكة في الجسد لئلا يرتفع. ونلاحظ أن المسيح لم يجعله يسقط بل هو رفع العناية الإلهية التي تحفظه. وهذا يفسر كلام المسيح له "وأنا طلبت إلى الآب حتى لا يفنى إيمانك" فالمسيح هو الذي يعتني بنا أما بطرس ففي كبريائه الأول ظن أن قوته وسيفه هما اللذان يحميانه. وبطرس صار لنا مثالاً، لذلك قال له المسيح "وأنت متى رجعت فثبت إخوتك".
لماذا أخبره السيد بما سيقع مقدماً؟
1. ليعلم أن السيد يعرف كل شئ فلا يعود يراجعه في شئ بل يثق أن عنده المعرفة الكاملة.
2. حتى لا يقول أن السيد لو أعلمني بما سيكون لتحذرت ولم أنكر.
3. حتى إذا تذكر معرفة السيد وأنه أخبره تزداد توبته وندامته.
الفرق بين يهوذا وبطرس
كان إنكار بطرس عن خوف طبيعي، أمّا يهوذا فقد خان دون مبرر وأخذ الثمن. وبطرس تاب وندم أمّا يهوذا فيأس وهلك ولما رآهم حكموا عليه بالموت وكان يظنهم يؤدبونه ويطلقونه تملكته الحيرة واليأس والندم وبدل التوبة إنتحر يأساً.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس والعشرون
الفصح * العشاء الرّبّانى * القبض على المسيح ومحاكمته
(1) الفصح والصليب ( ع 1 - 2 ) :
" هذه الأقوال " : وهى حديثه وإجابته على تلاميذه عند جبل الزيتون ، حيث أعلن علامات خراب أورشليم ونهاية العالم0ثم كلامه عن الإستعداد والأمانة وعمل الرحمة ، وهو المذكور فى ص 24 و 25 0 " بعد يومين " : لأن هذا الكلام كان فى يوم الثلاثاء ليلاً ، أى ليلة الأربعاء ، فبعد يومين ، أى يوم الجمعة ، عيد الفصح0 " الفصح " : معناه عبور ، وهو أعظم أعياد اليهود ، بدأ فى مصر عندما ذبح كل رب أسرة خروف ولطّخ بابه بالدم ، فعبر الملاك المهلك عنهم وقتل أبكار المصريين ، فسمحوا لهم بالخروج من مصر وتحرروا من عبوديتهم ( خر 12 )0بعد أن أعد المسيح قلوب تلاميذه لقبول آلامه وموته من أجلهم ، ثم قيامته ليقيمهم من خطاياهم ، وبعد أن دخل أورشليم وتحدث عن الإستعداد للأبدية ، ينبههم إلى اقتراب الفصح بعد يومين بالتحديد0وذبْح هذا الخروف كان مرتبطاً بتحررهم من عبودية مصر ، ولكنه فى الحقيقة كان رمزاً لموت المسيح على الصليب ليحرر العالم من عبودية الخطية ، لذا قال لهم أنه قد جاء الوقت ليُصلَب ويموت من أجلهم0ويبدو أن الأمر كان صعباً على استيعابهم ، فلم يدركوا أنه سيتم فعلاً بعد يومين ، وكان هذا بنعمة الله ، حتى يحتملوا الساعات الصعبة المقبلة0
+ الله يريد أن يحميك من الشر إن تمسكت به وآمنت بقوته ، فلا يستطيع إبليس أن يؤذيك ، بل يحوّل الله كل الضيقات لمنفعتك ونموّك الروحى0
(2) التشاور للقبض على يسوع ( ع 3 - 5 ) :
" رؤساء الكهنة " : الرئيس الحالى والرؤساء السابقين ، لأن الرومان كانوا يعزلون الرئيس ويقيمون غيره ، بالإضافة إلى رؤساء فرق الكهنة الأربعة وعشرين0 " الكتبة " : المسئولون عن نسخ الكتب المقدسة ومعرفتها وتعليمها للشعب0 " شيوخ الشعب " : الرؤساء المعتبرين أعضاء المجمع ، وهو السنهدريم ( ص 5 : 21 - 22 )0 " دار رئيس الكهنة " : إجتمع مجمع السنهدريم فى دار قَيَافَا رئيس الكهنة ، حتى لا يشعر الشعب بسبب اجتماعهم إذا اجتمعوا فى الهيكل0إزداد حقد قادة اليهود الدينيين المتمثلين فى رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ المعتبَرين عندهم ، لأن الجموع تبعته وتركتهم ، منجذبين إلى كلامه ومعجزاته ، فاجتمعوا فى دار رئيس الكهنة قَيَافَا ، حتى يُعِدُّوا مؤامرة للتخلّص منه ، واتفقت مشورتهم الشريرة على التحايل للقبض عليه بطريقة ماكرة ، حتى لا يثيروا الشعب الذى يحبه ، وقرروا أيضاً ألا يكون هذا فى يوم عظيم مثل عيد الفصح ، لأن تجمع الشعب قد يعطلهم عن إتمام مقاصدهم الشريرة0ولكنهم عدلوا عن فكرتهم هذه عندما أظهر لهم يهوذا الإسخريوطى استعداده لتسليمه لهم خفية ، وكان هذا بسماح من الله حتى يتمَّم الفداء يوم عيد الفصح ، لأنه كان رمزاً له ، ولكيما يشاهد ذلك الجموع الكثيرة المحتشدة من اليهود فى هذا العيد ، والتى كانت تصل إلى ثلاثة ملايين ليُنشَر خبر موت المسيح وقيامته ، أى بشرى الخلاص0
+ إنك بخطاياك تسىء إلى المسيح وتسبب القبض عليه وصلبه ، والكنيسة تذكرك بهذا فى صوم يوم الأربعاء من كل أسبوع ، حتى تتوب وترفض الإشتراك مع هؤلاء الأشرار فى القبض على يسوع0
(3) ساكبة الطيب ( ع 6 - 13 ) :
ع 6 - 7 : جاء المسيح إلى بيت عنيا ( ص 21 : 17 ) للمرة الأخيرة فى حياته على الأرض ، ودخل بيت رجل يسمى سمعان ، كان مشهوراً بـ " الأبرص " ، لعل المسيح كان قد شفاه من بَرَصِهِ ، فاهتم بطلب زيارته له فى بيته0وجاءت إمرأة تحب المسيح ، وتريد التعبير عن حبها له ، فاشترت زجاجة عطر غالى الثمن ، وسكبته على رأسه ، وهذه المرأة هى مريم أخت لعازر ، كما ذكر يوحنا البشير ( 12 : 3 ) ، لأنها عُرفت بمحبتها للمسيح ، وتسكن فى نفس القرية ، وكانت حريصة على سماع كلامه0ولم يذكر متى ومرقس البشيران إسمها خوفاً عليها من اضطهاد اليهود ، أما يوحنا فقد كتب إنجيله بعد خراب أورشليم بزمن طويل ، ولم يعد هناك خوف منهم0أرادت هذه المرأة أن تعبّر عن حبها للمسيح ، فهى تمثل الكنيسة الشاكرة لمسيحها على عطاياه ومعجزاته ورعايته لها0وهى تعلن عن وجود مؤمنين قليلين إمتلأت قلوبهم بالحب وسط أشرار كثيرين سينادون بعد أيام بصلبه0 " قارورة طيب " : إناء صغير ثمين توضع فيه الأطياب الغالية ، له رقبة طويلة تُسَدُّ فوهتها بمادة ثابتة ، فلا يمكن فتحه إلا بكسر هذه الرقبة0 " على رأسه " : كانت العادة سكب الطيب على الرأس إكراماً للشخصيات المحبوبة وذات المقام الكبير ، وقد ذكر مرقس أيضاً ذلك ( 14 : 3 )0أما يوحنا فقد ذكر أنها سكبته على قدميه دليلاً على اتضاعها ( ويُفهم ضمناً أنها سكبت جزءاً منه على رأسه كالعادة المتبعة )0 " متكئ " : كانت العادة فى الولائم الجلوس على سرير وليس كرسى ، والإستناد بالذراع الأيسر على المائدة ، أما الرِّجلان فتمتدان على السرير وتتجه القدمان إلى الخلف ، ويأكل بيده اليمنى وهو متكئ برأسه على يده اليسرى ، وهذا يمكَّن مريم من الوصول إلى رأسه بسهولة0وقد ذكر مرقس مثل متى هذه الحادثة دون الإهتمام بالترتيب الزمنى للأحداث ، أما يوحنا فذكرها فى وقتها وهو قبل الفصح بستة أيام ( 12 : 1 ) ، أى قبل دخول المسيح أسبوع آلامه لخلاص البشرية التى ظهرت محبتها له فى شخص مريم ، قبل احتمال الآلام من الجموع فى أورشليم0أما متى ومرقس فذكرا الحادثة قبل الفصح بيومين ، حين تشاور يهوذا الإسخريوطى على تسليم المسيح لليهود ، ليعلنا أنه إن كان التلميذ قد خان ، فيوجد من البشر من يحب المسيح مثل مريم0وهذه الحادثة مختلفة عن حادثة سكب المرأة الخاطئة للطيب أثناء كرازة المسيح فى الجليل ، والتى تمت فى بيت شخص فرّيسى يدعى سِمعان أيضاً ، وذكرها القديس لوقا فى ( 7 : 37 - 38 )0
+ إنتهز اليوم فرصة لتقدم محبتك للمسيح فى صلوات وتسابيح ، فقد تكون هذه آخر فرصة فى حياتك0
ع 8 - 9 : رأى التلاميذ وكل المجتمعين فى بيت سِمعان هذا الحب العظيم المقدم للمسيح ، وبدلاً من أن يشعروا بتقصيرهم فى تقديم المحبة له مثل مريم ، أخذوا يلومونها0والحقيقة أن الذى أعلن هذا اللوم هو يهوذا الإسخريوطى وليس التلاميذ ، لأن الصندوق كان معه وكان سارقاً له ( يو 12 : 4 - 6 ) ، وأثار بكلامه باقى التلاميذ وكذا المجتمعين فى البيت ، فاعتبروا محبتها عدم حكمة ، بل إتلاف ، إذ الأجدر فى نظرهم " أنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ، ويُعْطَى ( ثمنه ) للفقراء " ، وليس سكبه على المسيح0وهكذا يغطون تقصيرهم فى تقديم المحبة بحجج تبدو منطقية ، وهى الإهتمام بالفقراء ، مع أن الغرض شرير ، لأن يهوذا كان يريد أن يوضع المال فى الصندوق ليسرق منه جزءاً كبيراً0 " كثير " : يذكر مرقس ( 14 : 5 ) ويوحنا ( 12 : 5 ) الثمن ، وهو يقدر بثلاثمائة ديناراً ، وهو مبلغ كبير جداً0
+ لا تلم من يقضون وقتاً طويلاً فى الصلاة ، أو زيارة الأماكن المقدسة ، أو فى قضاء خلوات روحية ، بل على العكس ، إقتدِ بهم ، فهى رسالة لك حتى تقدم محبة مثلهم لله0
ع 10 - 11 : صمتت مريم ، ولكن المسيح دافع عنها مؤكداً عظمة محبتها ، ولم يرفض تقديم المحبة للفقراء كما علّمهم فى الأصحاح السابق ، ولكن الفقراء موجودون دائماً ، أما هو ، فقد أوشكت أيامه على الأرض أن تنتهى0ونلاحظ رقة مشاعر المسيح ، أنه ، رغم علمه بشر يهوذا ، وأن الدافع لكلامه هو محبة المال وليس محبة الفقراء ، لم يلمه أو يعاتب الحاضرين ، بل مدح مريم ، وأيدهم فى تقديم المحبة للفقراء طوال عمرهم0وترك فرصة ليهوذا حتى يتوب ويخجل من شره الدفين ، ولكنه ، للأسف ، لم يبالِ ، وصمم على خيانة المسيح وبيعه لليهود0
ع 12 : ثم أضاف مدحاً ثانياً للمرأة ، وهو أن حبها هذا طيب مسكوب على جسده الذى سيموت على الصليب ، فهو بمثابة عطور لتكفين الجسد ، مؤكداً أهمية تقديم المحبة0وكانت العادة عند اليهود وضع الأطياب على أجساد المنتقلين ، تكريماً لهم ، ومازالت هذه العادة عند شعوب كثيرة0
ع 13 : يضيف المسيح أن هذا الحب العظيم سيُكتب فى الإنجيل الذى يُبَشَّرُ به العالم كله ، تعليماً لكل أولاده عن أهمية تقديم الحب الخالص له كشكر وتجاوب مع محبته ؛ وهذا يُظهر ألوهية المسيح الذى علم أن الإنجيل سينتشر فى العالم كله ، وستُكتب فيه هذه الحادثة0
+ ثق أن محبتك التى تقدمها للمسيح ستعلَن أمام كل البشرية فى يوم الدينونة ، وتظل معلنة إلى الأبد0فليكن هذا مشجعاً على تقديم العبادة المستمرة لله ، وصنع الرحمة مع كل محتاج مهما كلفك هذا من جهد ومال0
(4) خيانة يهوذا ( ع 14 - 16 ) :
" رؤساء الكهنة " : لعله مجمع السنهدريم المجتمع فى بيت رئيس الكهنة ( ع 3 )0 " ثلاثين من الفضة " : أى ثلاثين شاقل فضة ( تساوى 360 جراماً ) ، وهو ثمن بخس لا وجه لمقارنته بما قدمته مريم فى الطيب المسكوب على رأس المسيح0وكان هذا المبلغ هو ثمن بيع العبد !! كان يهوذا الإسخريوطى حاملاً لصندوق المال الذى يُنفق منه على احتياجات المسيح وتلاميذه ، وكان بعض المحبين يضعون تقدماتهم فيه ، ولكنه للأسف كان سارقاً للصندوق ، أى كان محباً للمال ، ولم تجذبه محبة المسيح وكل التعاليم والمعجزات التى شاهدها0وعندما خابت آماله فى أن يصير المسيح ملكاً أرضياً ، ويملك هو معه ويحقق أطماعه المادية ، باع أغلى شخصية أمامه ، وهى المسيح ، ليقتنى المال الذى صار عبداً له ، وانتهز فرصة شر رؤساء اليهود ومحاولتهم التخلص منه ، فذهب إليهم معلناً استعداده أن يسلمه لهم مقابل مقدار من المال ، ففرحوا جداً ، إذ يستطيعون بهذا القبض عليه بحيلة ، ولا يحدث شغب فى الشعب0فعرضوا عليه ثمناً ضئيلاً جداً ، وهو " ثلاثين من الفضة " ، فقبله لأنه محب للمال ، فهو أغلى شىء فى نظره0
+ عجيب أن المرأة تحب المسيح وتسكب الطيب عليه ، أما التلميذ فيتذمر ، بل يتطاول ويبيعه بثمن عبد !! فلا تنزعج إذا خانك إنسان ، فقد فعلوا هكذا بسيدك يسوع المسيح0فاحتمل من أجله ، وهو يسندك ويعوضك ، وصَلِّ لأجل الخائن لعله يتوب0
(5) تقديم الفصح ( ع 17 - 25 ) :
ع 17 - 19 : " أول أيام الفطير " : " أول " حسب الترجمة اليونانية " بروتو " أى قبل ، وهى نفس الكلمة المذكورة فى ( يو 1 : 15 ) ، عندما تكلم يوحنا المعمدان عن المسيح أنه كان قبله0ومعنى هذا أن المسيح عمل الفصح قبل الفصح اليهودى بيوم ، والذى يسمى " عيد الفصح " أو " عيد الفطير " ، لأنه يؤكل مع الفصح فطير بحسب الشريعة ( خر 12 : 8 ، 11 )0وفى نفس وقت تقديم اليهود فصحهم ، كان المسيح يُصلب ، لأنه هو الفصح الحقيقى المرموز إليه بالخروف المذبوح الذى يقدمه اليهود0إقترب عيد الفصح ، وكان كل يهودى يعمل الفصح داخل بيته مع أسرته0ولكن ، واضح من سؤال التلاميذ للمسيح عن المكان الذى يختاره ليعمل الفصح فيه ، أنه لم يكن له بيت خاص0وقدم المسيح مفهوماً جديداً للأسرة ، ليس فقط المرتبطة جسدياً ، ولكن المرتبطة روحياً0فاجتمع الإثنا عشر ومعهم المسيح ، رب الأسرة ، أو رأس الجسد الذى هو الكنيسة0فقد أرسلهم إلى شخص معيّن ، يقول التقليد إنه مرقس الرسول ، حيث عمل الفصح فى بيته ، فأعد أهل البيت الفصح مع التلاميذ بحسب الشريعة اليهودية ، وهو رمز للمسيح المصلوب الذى سيقدم نفسه عن العالم كله فى اليوم التالى ، أى الجمعة العظيمة0 " وقتى قريب " : أى إقترب من وقت آلامه وصلبه الذى سيتم بعد يوم0 " أعدوا الفصح " : الخروف المذبوح والأعشاب المرة ، والأطباق وكؤوس الخمر000إلخ مما يلزم الفصح حسب الشريعة0
ع 20 - 21 : " المساء " : من الساعة الثالثة إلى الخامسة مساءً ، وهو ميعاد أكل الفصح حسب الشريعة ( خر 12 : 6 )0فيما كان المسيح يأكل الفصح مع تلاميذه ، وبينهم يهوذا الإسخريوطى الخائن الذى سيسلمه لليهود ، كان يسوع يحمل قلب الأب نحوه ، مهتماً بخلاصه ، وبرفق قال لتلاميذه أن أحدهم سيسلمه لليهود ، ولم يذكر إسمه لعل قلبه ينخسه ويتوب0وقد حدثت يوم الخميس مجموعة أحداث ، وهى :
(1) أعداد الفصح0
(2) خلاف بين التلاميذ حول من هو الأعظم فيهم ( لو 22 : 24 )0
(3) أكل الفصح0
(4) غسل أرجل التلاميذ أثناء أكل الفصح0
(5) إعلان المسيح أن أحد تلاميذه سيسلمه0
(6) العشاء الربانى وتأسيس سر الإفخارستيا0
(7) المسيح يخبر تلاميذه أنهم سيتركوه وبطرس سينكره0
(8) خطاب المسيح الوداعى وصلاته المذكوران فى ( يو 14 - 17)0
(9) الترنم والخروج من المدينة0
(10) صلاة المسيح فى جَثسيمانِى0
(11) القبض على المسيح0
+ إن الله يرسل لك تنبيهات ورسائل كثيرة برفق ، لعلك تتوب0فلا تهمل محبته الرقيقة ، فتخسر حياتك بعيداً عنه مثل يهوذا0
ع 22 - 23 : تأثر التلاميذ بخبر أن أحدهم سيخونه ، وحتى لا يتركهم المسيح يتشككون فى أنفسهم ، أعطى علامة لمن سيسلمه ، وحتى ينبّه يهوذا مرة ثانية لعله يتوب0وكانت العلامة أن يمد الخائن يده فى الصَّحفةِ التى يأكل فيها المسيح ويأكل منها0ولكن ، للأسف ، لم ينتبه يهوذا وأكل من الطبق0ومن حزن التلاميذ ، لم ينتبهوا لهذه العلامة ، فلم يكلموا يهوذا0وكان من عادة اليهود أن رئيس المتكأ يقدم اللقمة للشخص العظيم الجالس على المائدة ، فهكذا كانت العلامة إكراماً ومحبة ليهوذا مقدمة من المسيح ، لعلها تخجله وتنخس قلبه فيتوب عن شره ، فقد مد يهوذا يده فى طبق المسيح ، فمد المسيح يده وأعطاه اللقمة0وواضح أن اللقمة من طعام الفصح ، وبعدها خرج يهوذا ولم يأكل من العشاء الربانى0
ع 24 : نبّه المسيح يهوذا للمرة الثالثة ، معلناً الويل لهذا الخائن ، فعذابه الأبدى سيكون شديداً ، بل يا ليته " لم يولد " ، حتى لا يصنع هذه الخيانة العظيمة0وقد أوضح المسيح أنه ينبغى أن يسَلّم لليهود ويموت بإرادته بواسطة أحد أحبائه الذى يخونه ( مز 41 : 9 ) ، حتى يطمئن تلاميذه أنه يفعل هذا لخلاصهم وخلاص البشرية كلها ، ولكنه هنا فقط ينبّه يهوذا ويعطيه فرصة للتوبة ومراجعة نفسه0
ع 25 : تجاسر يهوذا ( ليس عن توبة بل عن رياء ) وسأل المسيح : " هل أنا هو ( الذى يسلمك ) يا سيدى ؟ " فرد عليه المسيح ، كتنبيه رابع له : " أنت قلت " وهو تعبير يهودى معناه الموافقة0ولم ينتبه يهوذا ، لأن محبة المال كانت قد أعمت عينيه ، وكذا لم ينتبه ويفهم التلاميذ ، لدهشتهم أن يكون أحدهم هو مسلّمه ، ولانغماسهم فى الحزن على ما سيتم لمعلمهم0
+ أسرع اليوم للتوبة والإعتراف مادام لك فرصة ، قبل أن يأتى يوم تفقد فيه إحساسك بالتوبة مهما كانت التحذيرات الإلهية لك0
(6) سر الشكر ( ع 26 - 30 ) :
ع 26 - 28 : بعد أن إنتهى المسيح من أكل الفصح مع تلاميذه ، أسس سر الشكر ، أى أعطاهم جسده ودمه الأقدسين ، فأخذ خبزاً وباركه وحوّله إلى جسده ، وأعطاهم ليأكلوا ، معلناً أن هذا هو جسده الحقيقى0وكذلك الكأس أيضاً ، حوّل الخمر التى فيها إلى دمه ، معلناً أنه سيُسفك من أجل البشرية كلها على الصليب0وهكذا أعطى كنيسته أعظم الأسرار ، وهو سر التناول ، لنتحد به على مر الأزمنة ، فلا نرى فقط المسيح كما رآه أهل زمانه ، بل نلمسه ويدخل فينا ، ويتحد بنا فيحيا فينا ونحن فيه ، ونتحد أيضاً مع بعضنا البعض بتناول كل واحد من جسده ودمه ، فنصير كلنا أعضاء فى جسده الذى هو الكنيسة0 " فيما هم يأكلون " : أى بعد انتهائهم من أكل الفصح مباشرة ، أسس سر الإفخارستيا ( الشكر ) ، لأن الفصح رمز له0 " الخبز " : وهو خبز مختمر ، لأننا قبل الفصح بيوم0ولذا فالكنيسة تقدم على المذبح خبزاً مختمراً وليس فطيراً ، لأن المسيح حمل خطايانا التى يشير إليها الخمير ، ومات على الصليب ، فمحا عنا كل عقاب0 " التلاميذ " : يمثلون كنيسة العهد الجديد كلها ، ولذا ففى طقس القداس ، يقسم الكاهن جسد المسيح إلى 12 جزءاً يمثلون الإثنى عشر تلميذاً حول الجزء الأوسط المسمى الجزء السيدى ، أى الأسباديكون ، أى المسيح وسط شعبه ، أو المسيح رأس الكنيسة0 " دمى " : الذى ترمز إليه دماء الحيوانات فى العهد القديم ، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( عب 9 : 22 )0 " العهد الجديد " : كان الدم يستخدم قديماً لتثبيت العهود بسفك دم الحيوانات ، كما حدث مع إبراهيم ( تك 15 : 9 - 19 )0 " كثيرين " : إعلان أن فداء المسيح للعالم كله ، وكل من يؤمن به ويتناول من هذا الدم ، ينال الخلاص من خطاياه0 " مغفرة الخطايا " : تأكيد أن سر الشكر يغفر الخطايا ، مشتركاً بهذا مع سر التوبة والإعتراف0
ع 29 : يعلن المسيح حقيقة جديدة لتلاميذه ولكل المؤمنين به ، وهو أنه لن يعمل سر الشكر ثانية على الأرض ، أى لن يحوّل نتاج الكرمة ، وهو الخمر ، إلى دمه ، حتى يشربه مع أولاده فى الملكوت الأبدى ، ولكن بشكل جديد يناسب وجودهم فى الروح ، أى يمتد حبنا واتحادنا ونمونا فى معرفة المسيح بالملكوت الأبدى ، ليس بتناول خبز وخمر يتحولان إلى جسده ودمه ، ولكن نتحد به بطريقة روحية تناسب حالتنا الروحية فى السماء0 " اليوم " : يوم اجتماعى معكم فى الملكوت الأبدى0
ع 30 : " سبحوا " : كان اليهود معتادين أن يسبحوا بالمزمورين 115 و 116 فى نهاية أكلهم الفصح0وبعد تسبيحهم ، حدثهم المسيح حديثاً طويلاً ، ثم صلى صلاته الشفاعية ( يو 14 - 17 )0قدموا صلوات وتسابيح تليق بسر الشكر ، كما يحدث فى القداس الإلهى أثناء توزيع الأسرار المقدسة ، وخرج معهم إلى جبل الزيتون المجاور لأورشليم ، حيث اعتاد أن يقضى معهم فترات خلوة هادئة ، وذلك ليودعهم الوداع الأخير قبل أن يموت0
+ لم يكتفِ المسيح بعظات وتوصيات لك ، بل يعطيك القوة لتنفيذها ، وهى جسده ودمه اللذان تتناولهما ويتحدان بك ، فيعملا فيك لتنفيذ كلامه ، فتصير أصعب الوصايا سهلة بقوته0فاحرص على التناول بمداومة من الأسرار المقدسة ، لأنها أكبر قوة فى العالم تحفظك من حروب إبليس وتنميك فى معرفة الله كل يوم0
(7) التلاميذ يشكون فى المسيح ( ع 31 - 35 ) :
ع 31 : فيما كان المسيح سائراً مع تلاميذه إلى جبل الزيتون ، أخبرهم بحقيقة مُرّة ، وهى شكهم فيه أنه هو المسيح المخلّص ، إذ كانوا مازالوا يفكرون فيه كملك أرضى ، فعندما يروه يُقبض عليه ، يشكون فيه0وهذا إتمام لنبوات العهد القديم ، أن يضرب الشيطان الراعى بالقبض عليه وصلبه ، فتتبدد رعيته ( زك 13 : 7 )0ولكن ، إذ ضرب الشيطان المسيح بصلبه ، حوّل المسيح هذه الضربة على الشيطان فقيده بصليبه ، وجمع كل أولاده ليخلّصهم ويفديهم0 " الراعى " : هو المسيح0 " الرعية " : هم تلاميذ المسيح0
ع 32 : رغم الحقيقة المُرّة ، وهى شك تلاميذ المسيح المقرّبين إليه فيه ، فهو سيتمم خلاصهم على الصليب ، ويموت ، ويقوم من الأموات ، ويظهر لهم فى الجليل حيث تعوّد أن يسير معهم فى الحقول من مدينة إلى أخرى0فهو يشجعهم مرة أخرى بأنه سيقوم ، ولكنهم للأسف لم يستوعبوا كلامه ؛ وكرر المسيح أنه سيظهر لهم فى الجليل عند ظهوره بعد قيامته للمجدلية ( ص 28 : 10 ، 7 )0
+ الله الحنون يحبك رغم ضعف إيمانك ، ويشجعك بكلامه وعطاياه0فاثبت أثناء الضيقة ، واثقاً أنه سيسندك ويظهر فى حياتك واضحاً0
ع 33 - 34 : إندفع بطرس بعاطفة بشرية ، يعلن إيمانه بالمسيح وثباته فيه مهما كانت الظروف ، وحتى لو شك فيه الجميع0فأوضح له المسيح أنه ، لضعفه ، لن يحتمل مواجهة الموقف الصعب ، وهو القبض عليه لقتله0وحينئذٍ ، أى فى هذه الليلة ، قبل أن يصيح ديك ، سينكره ، ليس فقط مرة واحدة ، بل ثلاث مرات ، تأكيداً لضعفه البشرى0فكلام بطرس يُظهر محبته للمسيح ، ولكن ، فى نفس الوقت ، يُظهر خطأه فى الإندفاع والكبرياء بشعوره أنه أفضل من غيره فى ثبات إيمانه0
ع 35 : أكد بطرس تمسكه بالمسيح ولو إلى الموت ، وكذلك أيضاً جميع التلاميذ0ولم يجيبهم المسيح ، حتى يتبيّنوا بأنفسهم مدى ضعفهم ، إذ ساعة الضيقة ، عند القبض عليه ، هرب الكل وتركوه ( ع 56 )0
+ اُطلب معونة الروح القدس فتسندك وقت الضيقة حتى تتمسك بإيمانك ، فصعب عليك أن تواجه الضيقة وحدك0
(8) الصلاة فى جثسيمانى ( ع 36 - 46 ) :
ع 36 - 38 : " ضيعة " : حقل أو مكان فيه زراعات ، ويبدو أن صاحبها كان يعرف المسيح ، فاعتاد أن يذهب هناك مع تلاميذه0 " ههنا " : غالباً عند مدخل البستان0 " تلاميذه " : يقصد الثمانية تلاميذ ، لأن يهوذا قد تركهم0والثلاثة ، أى بطرس ويعقوب ويوحنا ، سيدخلون معه فى البستان0 " حتى الموت " : شدة الحزن يمكن أن تؤدى إلى الموت ، فهو يعبّر عن صعوبة الأحزان التى يشعر بها0وصل المسيح مع تلاميذه إلى جبل الزيتون فى بستان ، يبدو أنه قد تعوّد أن يختلى معهم فيه ، ويسمى بستان جثسيمانى ، ومعناه " معصرة الزيت " ، وهو قريب من أورشليم ، وترك تلاميذه ليختلوا أو يصلّوا ، وتقدم معه الثلاثة المقربون ، بطرس ويعقوب ويوحنا ابنى زبدِى ، ليصلّوا على انفراد ، فقد كان لهؤلاء الثلاثة قامة روحية ، فيستطيع أن يكشف لهم ما فى نفسه ، فقال لهم : " نفسى حزينة جداً حتى الموت "0وهذا الحزن كان لأنه ، البار، سيحمل خطايا العالم كله ، فكيف يتفق البر مع الخطية ؟! كم هو مؤلم للنفس والروح ، بالإضافة لحزنه على اليهود الذين سيرفضونه ، ويصلبونه ، وهو يطلب خلاصهم0وطلب من تلاميذه الثلاثة أن يصلّوا ، بل يستمروا فى الصلاة بسهر ويقظة0تأثر التلاميذ ، وإن كانوا لم يفهموا بالضبط كل أبعاد هذا الحزن ، لأن الروح القدس لم يكن قد حلّ عليهم بعد ليفهموا الخلاص المقدّم لهم0هذا يؤكد لاهوت المسيح ، إذ احتاج نفسياً لأصدقائه المقرّبين ، وهم التلاميذ ، أن يصلّوا معه فى البستان ، والثلاثة تلاميذ على وجه الخصوص يكونون أقرب إليه فى عمق البستان0
ع 39 : بعد ذلك ، ترك التلاميذ الثلاثة وتقدَّم وحده ليصلّى ، وقد ابتعد عن تلاميذه حتى لا يزعجهم إذا رأوا شدة حزنه0وكان يشعر بصعوبة كأس الآلام ، ليس فقط الجسدية فى الصلب والموت ، بل بالأحرى النفسية عندما يتركه الجميع ، والأكثر منها الروحية بحمله خطايا العالم وهو البار القدّوس0وهذا تأكيد لناسوته الذى يتألم جسدياً ونفسياً ، ولكى يُظهر مدى طاعته وخضوعه لإرادة اللاهوت الذى فيه ، فيتحدث مع الآب قائلاً لتكن لا إرادتى بل إرادتك0 " خرَّ على وجهه " : وهنا ، يعلمنا طقس الصلاة والمطانيات ، أى السجود والتذلل أمام الله فى الضيقات ، ليسندنا بنعمته0 " أبتاه " : إعلان عن أهمية الشعور بأبوة الله فى الصلاة ، حتى تسندنا فى ضيقاتنا0 " الكأس " : الآلام التى سيقابلها0
+ من حقك أن تصرخ نحو الله فى كل ضيقاتك ، وتطلب ما تحتاجه ، ولكن تلحقها سريعاً بصلاة " لتكن مشيئتك " ، فتُسلّم حياتك له ، وتتركه ، وهو الآب الحنون ، يختار لك ما يناسبك ، ويسندك فى ضيقاتك0
ع 40 - 41 : " التلاميذ " : أى الثلاثة ، بطرس ويعقوب ويوحنا0 " ساعة واحدة " : فترة قصيرة ، وليس بالتحديد ساعة زمنية0بعد أن صلّى وحده ، عاد إلى تلاميذه الثلاثة ، فوجدهم نياماً من التعب والحزن ، فأيقظهم ليصلّوا بعد أن عاتبهم برفق لنومهم ، موجهاً كلامه لبطرس : " أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة ؟ "0وأعلن أهمية الصلاة مع اليقظة الروحية ، حتى لا يسقطنا إبليس فى تجارب وخطايا0وأكّد أيضاً أن الروح ، إذا كان نشيطاً ويهتم بالصلاة ، يمكن أن يسند الجسد الضعيف المائل للكسل والراحة0فهو ، برفق ، يشجعهم أن أرواحهم يمكن أن تكون نشيطة ، فتسند جسدهم الضعيف من التعب والحزن0
+ أكمل صلواتك وقراءاتك ليلاً مهما كنت مرهقاً ، فالله يفرح بمحبتك مهما كان تركيزك فيها ضعيفاً0
ع 42 - 44 : عاد المسيح ليصلّى وحده بنفس الكلام ، ورجع إلى تلاميذه فوجدهم نياماً مرة ثانية0وهذا يؤكد أنهم فى ساعة الضيقة لم يستطيعوا الوقوف معه ؛ وكم زاد هذا من أحزانه0ولكنه لم يكِلّ ، بل ذهب للمرة الثالثة يصلّى بنفس المعنى0
+ ثابر فى صلواتك وعلاقتك بالله ، وتمسك بمبادئك مهما تخلى عنك من حولك أو حتى قاوموك ، فالمسيح يعلمك أهمية اللجاجة فى الصلاة ، خاصة فى وقت الضيقات0
ع 45 - 46 : عندما عاد إليهم ، عاتبهم باستنكار للمرة الثالثة ، ليس فقط الثلاثة ، بل كل التلاميذ ، قائلاً : " ناموا الآن واستريحوا "0فبدأوا ينتبهون ؛ حينئذٍ قال لهم أن ساعة القبض عليه وبداية دخوله فى آلام الصلب قد أتت ، وناداهم للإستيقاظ بسرعة ، لأن يهوذا الذى سيسلمه لليهود قد اقترب مع جند الهيكل للقبض عليه0يلاحظ : أن جند الهيكل هؤلاء كانوا من اليهود وليسوا من الرومان ، فهم شعبة من الحراس عينهم الكهنة للمحافظة على نظام الهيكل ، إذ لم يكن مسموحاً فى الشريعة بدخول الجند الرومان للهيكل حتى لا يتنجس0
(9) القبض على المسيح ( ع 47 - 56 ) :
ع 47 - 49 : " أحد الاثنى عشر " : إظهاراً لخيانته ، إذ هو من المقرّبين ، فكيف يخون سيده ؟! " جمع " : يشمل جند الهيكل اليهود وجند الرومان المكلفين بحراسة الهيكل من الخارج ، وجند رئيس الكهنة ، وبعض التابعين للكهنة الذين يقاومون المسيح0 " كثير " : حضر عدد كبير لضمان القبض على المسيح ، لئلا يقاوم تلاميذه ومحبوه ذلك0 " شيوخ الشعب " : بعض أعضاء مجلس السنهدريم0 " قبّله " : إستخدم يهوذا تعبير المحبة وهو القبلة برياء ، ليتمم خيانته بالقبض على المسيح0فيما كان المسيح يوقظ تلاميذه ، أقبل تلميذه يهوذا الإسخريوطى ومعه عدد كبير من الجنود مسلحين بسيوف وعِصِىِّ ، وأعطى السلام للمسيح وقبّله ، وكانت هذه هى العلامة المتفق عليها ، أى القبض على من يقبّله ،وذلك للتأكيد ، فالمسيح معروف عند الجموع ، ولكن حتى لا يخطئ رجال رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ويقبضوا على آخر يشبهه0
ع 50 : عاتب المسيح يهوذا ونبهه ، فقد يتوب ، سائلاً إياه : " يا صاحب ، لماذا جئت ؟ " لعله يخجل مما يصنعه ( وهو خيانة المسيح وتسليمه لليهود ) ، ولكنه للأسف استمر فى شره ، وأمر الجمع الذين معه فقبضوا على المسيح0
+ لا تتهاون بفرص التوبة المتوالية التى يسمح بها الله لك ، حتى لا يكون لك مصير يهوذا فى النهاية0
ع 51 - 52 : " واحد " : هو بطرس ( يو 18 : 10 - 11 ) ، ولم يذكره متى خوفاً عليه من اضطهاد اليهود ، أما يوحنا فذكره لأنه كتب إنجيله بعد خراب أورشليم ، ولم يعد هناك خوف بعد انكسار قوة اليهود0 " قطع أذنه " : بطرس صياد سمك ، وليس له خبرة فى استخدام السيف ، فلم يستطع أن يصيب إلا أذن هذا العبد فقطعها0 " مكانه " : أى غِمْدِهِ ( جرابه )0اضطرب بطرس عندما رأى معلمه وحبيبه يُقبض عليه ، فاندفع وأخذ سيفاً ، لأنه كان مع التلاميذ سيفان كما ذُكر فى ( لو 22 : 38 )0وفى محاولة للدفاع عن المسيح ، قطع أذن عبد رئيس الكهنة المسمى مَلْخُسَ ( يو 18 : 10 ) ، لكن المسيح أمره أن يعيد سيفه إلى غِمْدِهِ ، وأعلن أن من يحيا بالعنف سيقاسى من العنف0وقد أراد المسيح أن ينزع الشر من قلب بطرس وكل تلاميذه نحو من يعاديهم ، فقد جاء ليثبّت المحبة فى قلوب أولاده حتى نحو الأعداء ، وليؤكد أن المحبة أقوى من العنف0وقد استطاع بموته ، المزمع أن يتم ، أن يدوس الموت ، ويخلّص أولاده من خطاياهم ، ويقيّد إبليس ثم يقوم منتصراً ، معلناً نصرة الحب وقوته0
ع 53 : 54 : " أتظن " : بمعنى : هل تشك فى قدرتى بعد أن رأيت معجزاتى الكثيرة ؟ " اثنى عشر جيشاً من الملائكة " : أى بدلاً من الإثنى عشر تلميذاً الضعفاء0نبه المسيح بطرس وكل التلاميذ إلى قوته العظيمة ، فجند السماء كلهم تحت طاعته ، أى الملائكة الذين كل ملاك فيهم له قوة أكثر من جميع البشر ، يستطيع أن يطلب أكثر من اثنى عشر جيشاً منهم ، ويقصد عدداً وفيراً جداً0ولكنه ، بإرادته ، يسلّم نفسه ويموت ليخلّص أولاده ، كما كتبت النبوات عنه فى العهد القديم ، مثل ( اش 53 : 7 )0
ع 55 : عاتب المسيح أيضاً الجمع على خروجهم بالليل ومعهم سيوف وعصى للقبض عليه ، كأنهم يقبضون على لص هارب ، مع أنه كان معهم كل يوم يعظ فى الهيكل وسط الجموع ، وذلك ليُظهر خداعهم وضعفهم ، فقد أتوا للقبض عليه بعيداً عن الجموع حتى لا يقاومهم أحد ؛ ولعله بهذا العتاب أراد أن يعطيهم فرصة للتوبة أيضاً0 " كل يوم " : أى أيام كثيرة ، كان يعلّم فيها جهاراً فى الهيكل0 " أجلس " : أى أعلّم فى هدوء ، ولا أصنع شغباً مما يفعله المجرمون0 " أعلم فى الهيكل " : أى جهاراً بوضوح أمام الكل ، فلا يحتاج الأمر أن تأتوا ليلاً كأنى هارب من العدالة0 " لم تمسكونى " : لأنه ليس لديكم أية تهم علىَّ ، ولخوفكم من الشعب الذى يعتبرنى معلماً عظيماً0
ع 56 : أكد المسيح أن ما يفعلونه هو إتمام لنبوات الأنبياء ، وعندما قبضوا عليه ، خاف التلاميذ كلهم وهربوا ، حتى لا يُقبَض عليهم ، فقد ضاع ملجأهم وقوتهم ، إذ كانوا يظنون أنه يحميهم من بطش الرومان واليهود ( اش 63 : 3 ، 5 )0وطبعاً ، تركهم للمسيح سبّب له ألماً نفسياً ، لتراجعهم عن وعودهم ألا يتركوه حتى ولو إلى الموت0لكن ، بمحبته ، إلتمس لهم العذر ، إذ سامحهم على ضعفهم بعد قيامته0
+ لا تنزعج إذا تركك الأحباء ساعة الضيقة ، فالله لن يتركك0ولا تغضب منهم ، بل إلتمس لهم العذر ، وهو الضعف البشرى0
(10) المحاكمة الدينية ( ع 57 - 68 ) :
ع 57 : تم اقتياد يسوع إلى دار قيافا رئيس الكهنة ، حيث اجتمع الكتبة والشيوخ تمهيداً لمحاكمته ( اُنظر تفسير ع 66 )0
ع 58 : رغم ضعف التلاميذ وهروبهم ، فإن محبة بطرس قد دفعته لأن يتبع الجمع الذى قبض على المسيح ، ويدخل ويجلس فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة ، ليعلم ماذا يصنعون بمعلمه0وكذلك تبعه يوحنا تلميذه الذى استطاع أن يدخل داخل البيت ، إذ كانت له علاقة برئيس الكهنة ( يو 18 : 15 ) ، ولكنهما ، رغم محبتهما ، لم يستطيعا أن يدافعا عنه لضعفهما البشرى0
ع 59 - 61 : عجز اليهود طوال حياة المسيح أن يجدوا خطأ واحداً فيه ، رغم محاولاتهم الكثيرة لاصطياده بكلمة0وفى هذه المحاكمة ، كانوا مصرين أن يجدوا فيه أى خطأ ، ولو بشهادة زور0فجمعوا كثيرين ليلفقوا له التهم الباطلة ، ولكنهم لم يتفقوا ، وظهر كذبهم أمام الحاضرين ، فلم يستطيعوا الإستناد على كل الشهادات الزور0ثم قام فى النهاية رجلان ، يشهدان على المسيح شهادة زور ، وهى قوله أنه يستطيع هدم هيكل سليمان ثم يبنيه فى ثلاثة أيام0وهذا لم يحدث ، بل إنه قال لتلاميذه : " انقضوا هذا الهيكل ، وفى ثلاثة أيام أقيمه " ( يو 2 : 19 )0وكان المسيح يقصد هيكل جسده ، أى أنهم يصلبونه ، ويقوم فى اليوم الثالث0ولم يستطيعا إثبات شهادتهما ، فصار المجمع كله فى حيرة ، وعجز عن اتهام المسيح0وقد فهم الكهنة كلام المسيح أنه قاله عن جسده وليس عن الهيكل ، بدليل كلامهم مع بيلاطس بعد موت المسيح ، عندما قالوا : " تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حى ، إنى بعد ثلاثة أيام أقوم " ( ص 27 : 63 )0 " شاهدا زور " : لأن عدد إثنين هو أقل عدد لاعتماد الشهادة بحسب الشريعة0
ع 62 : إحتار رئيس الكهنة ، إذ لم يجد أية تهمة على المسيح ، فسأله لماذا لا يجيب على الشهادة التى قدمها الشاهدان ، لعله يجد فى إجابته أى خطأ يدينه عليه0
ع 63 : " استحلفك " : أى القَسَمَ بالله كما تنص الشريعة لتأكيد الكلام0كان المسيح صامتاً ، ولم يرد على كل الإتهامات الباطلة ، لأنه يعرف كراهيتهم ومقاومتهم له ، وأنهم لا يريدون أن يعرفوا الحق0وفى حيرة وضيق ، سأله رئيس الكهنة هل هو المسيا المنتظر ، أى المسيح إبن الله ؟ وللأسف ، لم يكن يقصد أن يفهم ، لأن النبوات التى يعرفها فى الكتب المقدسة تؤكد أنه هو ، ولكنه كان يريد أن يمسك أى خطأ عليه ، مثل الإدعاء أنه المسيح وهو مجرد رجل عادى0
ع 64 : رد عليه المسيح قائلاً : " أنت قلت " ، وقد أجاب بهذا ليُنهى حيرتهم ، ويعطيهم فرصة ودليلاً ليصلبوه ويقتلوه ، فهو يسلّم نفسه بإرادته لأجل خلاصنا0بل أعلن بوضوح لاهوته قائلاً أنه سيجلس عن يمين العظمة الإلهية ، أى فى كمال القوة والمجد الإلهى ، ويظل فى مجده حتى مجيئه الثانى على سحاب السماء ليدين العالم حسبما ذكرت النبوات ( مز 110 : 1 ) ، وكما أعلن بنفسه فى حديثه عن الدينونة ( ص 24 : 30 )0 " من الآن " : أى بعد ساعات ، سيتمم الفداء على الصليب ، ويرتفع إلى مجده فى السماء0 " ابن الإنسان " : أى الذى ترونه فىَّ من صورة الضعف كإنسان ، سيتحوّل بعد ساعات إلى مجده السماوى ، وهو الذى سيدينكم0فإن كنتم تحاكموننى الآن ، فأنا سأحاكمكم حكماً أبدياً فى اليوم الأخير0
ع 65 : أخيراً وجد رئيس الكهنة سبباً للحكم عليه بالموت ، فمزق ثيابه تعبيراً عن ضيقه لهذا التجديف0وكان هذا التمزيق معناه نهاية الكهنوت اليهودى ، ليبدأ الكهنوت المسيحى بالمسيح رئيس الكهنة الذى قدّم نفسه ذبيحة على الصليب ، مخلّصاً لكل المؤمنين به0وهذا يُظهر مدى شر رئيس الكهنة ، الذى لم يفحص هل هو المسيح إبن الله أم لا ، بل اعتبر كلامه تجديفاً ، واتخذها فرصة للحكم عليه ، وهيَّج المجمع لإصدار حكم الموت على المسيح0
ع 66 : طلب رئيس الكهنة من المجمع أن يحكموا على المسيح ، فأصدروا حكمهم عليه بالموت باعتباره مجدفاً ، والشريعة تقضى برجم المجدف ، ولكنهم لم يرجموه خوفاً من الشعب ، بل طلبوا تأييد السلطة المدنية لحكم الموت ، ونالوا ذلك عن طريق بيلاطس الذى أمر بصلبه ، لأن الرومان يحكمون بالصلب على المجدفين0وجدير بالذكر أنه قد تمت محاكمة المسيح ست مرات :
الأولى : فى بيت حنَّان حما قَيَافَا ورئيس الكهنة السابق ( يو 18 : 19 - 24 )0
الثانية : المذكورة فى ( ع 57 ) ، وكانت فى بيت قَيَافَا رئيس الكهنة الحالى ، حيث اجتمع الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب ، ليحاكموه ويمسكوا أخطاء عليه بحسب ناموسهم ، فتكون لهم حجة فى قتله0وحوكم المحاكمة الثالثة فى صباح يوم الجمعة ( ص 27 : 1 - 2 ) ، أمام مجمع السنهدريم ، لأنه لا يصح بحسب الشريعة إصدار الحكم ليلاً ، فاعتمدوا حكم قَيَافَا فى صباح الجمعة ( يو 18 : 28 )0ثم تمت محاكمته مدنياً ثلاث مرات أخرى ، إثنتين أمام بيلاطس ( ص 27 : 2 - 24 ؛ مر 15 : 1 - 15 ) ، وواحدة أمام هيرودس ( لو 23 : 6 - 12 )0
ع 67 - 68 : بدأ الإستهزاء بالمسيح وتعذيبه ، فبصق جنود رؤساء الكهنة عليه ولكموه ، وغطوا وجهه ثم لطموه قائلين : " تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك "0أى أنه يدّعى النبوة وهو رجل ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه0
+ إحتمل المسيح كل العذاب الجسدى والنفسى فى صمت من أجل محبته لنا0فتذكّر أن خطاياك هى التى سببت لفاديك كل هذه الإهانات ، حتى ترفضها فى خزى وخجل ، فتتوب ، ويغفر لك الله0
(11) إنكار بطرس ( ع 69 - 75 ) :
ع 69 - 70 : فيما كان بطرس جالساً فى الساحة الخارجية لبيت رئيس الكهنة ، رأته جارية فقالت للجالسين أنه من تلاميذ المسيح ، وقد رأته معه وسط الجموع عندما كان يعلّم ويصنع معجزات0أما بطرس فأنكر ذلك ، معلناً أنه لا يعلم شيئاً عن المسيح ، قائلاً : " لست أدرى ما تقولين ! " ، وذلك ليحمى نفسه من بطشهم والقبض عليه0وقد صاح الديك هنا لأول مرة ( مر 14 : 68 ) ، وكان ذلك نحو منتصف الليل ، فى بداية محاكمة المسيح فى بيت قيافا ، والتى استمرت حوالى ثلاث ساعات ، وهذا هو الإنكار الأول0
ع 71 - 72 : خاف بطرس وقام من مكانه ، ووقف فى دهليز ، أى ممر خارج البيت ، فرأته جارية أخرى ، لعلها سمعت كلام الجارية الأولى ، وقالت للواقفين أنه من تابعى يسوع0أما بطرس فأنكر ، بل أخذ يقسم أنه لا يعرفه ، وهذا هو الإنكار الثانى0وقد بدأت المرارة داخل قلبه بعد سماعه صياح الديك ، فهو يتمزق بين خوفه من اليهود وضيقة من نفسه لإنكاره المسيح0
ع 73 : ثم جاءت مجموعة من الرجال الواقفين فى الساحة الخارجية ، ورأوه يتكلم مع الجارية ، فشهدوا أنه من تلاميذ المسيح ، والدليل لغته التى ينطقها ، فهى مثل أهل الجليل ، فطريقة النطق تختلف من منطقة إلى أخرى0ويُفهم من باقى الأناجيل أن كثيرين عرفوه وأعلنوا أنه من تلاميذ يسوع ، أى حاصروه بالإتهامات ، أما هو فرد عليهم بالإنكار0
ع 74 : أخذ بطرس ينكر ويحلف مؤكداً أنه لا يعرفه ، بل لعن المسيح لتأكيد إنكاره ، حتى ينجى نفسه من أيديهم0وبهذا ، أنكر المسيح لثالث مرة0وهنا ، صاح الديك صياحه الثانى ، وكان ذلك فى الهزيع الثانى ، أى حوالى الساعة الثالثة صباحاً0
+ إن الخوف يُفقد الإنسان اتزانه ، فيسقط بسهولة فى خطايا كثيرة000تمسّك بالله واطلب معونته ، فتهرب من الخوف وكل الخطايا التابعة له0
ع 75 : عندما صاح الديك ، تذكر بطرس تنبيه المسيح له ، أنه سينكره ، فأفاق لنفسه ، وخرج من دار رئيس الكهنة ، وقد شعر بخيانته للمسيح حبيبه ومعلمه ، وقدم توبة من القلب فى دموع كثيرة0فرغم أن المسيح لم يكن قد قام من الأموات وأظهر قوته ، ولكن الحب حرك بطرس ، فندم لأنه جحد محبة سيده0
+ إن أخطأت ، فالحب هو المحرك الأول لحياة التوبة0تذكر محبة الله لك وعنايته بك ، وموته على الصليب عنك ، وجسده المقسوم ودمه المسفوك الذى تناولته من المذبح ، حتى تعود بالتوبة ، ولا تتمادى فى خطاياك مهما كانت الإغراءات والدوافع المحيطة بك ، فليس شىء أغلى من الحب فى العالم كله0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح