كلمة منفعة
ليس عملك أن تخلع الزوان إنما أن تنمو كحنطة، حتى إذا ما جاء الحاصد العظيم يجد سنابلك مملوءة قمحًا فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة وتمتلئ أهراؤه حِنطة(1).
— الحنطة والزوان
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن عشر
العثرة * التسامح
(1) إتضاع الطفولة ( ع 1 - 5 ) :
ع 1 : مازال التلاميذ يفكرون فى ملكوت السماوات بطريقة بشرية ، فطلبوا أن يعرفوا من هو الأعظم فى السماء0وهذا يظهر مباحثات وأفكار داخلهم عمن هو الأعظم فيهم ، ومن سيكون رئيساً فى الملكوت الجديد ؛ ومحبة الرئاسة بالطبع نوع من الكبرياء0
ع 2 - 3 : كان رد المسيح عليهم أن الأعظم ، هو المتضع البرئ الذى يحب الكل0وقد قدم لهم إجابته بشكل عملى ، فأقام طفل فى وسطهم ، وطالبهم أن يصيروا مثله فى الإتضاع والبراءة والحب ، فهذه هى شروط دخول الملكوت0ويلاحظ أنه لم يجب على سؤالهم وهو من هو الأعظم ، بل أعلن شروط دخول الملكوت ، ليُفهم أنه بمحبة الرئاسة والكبرياء لن يدخلوا الملكوت0
ع 4 : أجاب المسيح أخيراً على سؤالهم بأن الأعظم هو المتضع والبرىء المطيع لوصايا الله مثل هذا الطفل ، وعلى قدر التميز فى التشبه بالأطفال ، يتمتع الإنسان بالمسيح فى الأبدية0
ع 5 : " باسمى " : أى من أجل المسيح0من ناحية أخرى ، أكرم المسيح الطفولة التى كانت مهملة فى ذلك الوقت من كل فئات العالم ، سواء الرومان أو اليونانيين أو اليهود ، فقد أعلن انتساب الطفولة له ، فمن يقبل طفلاً ويراعيه ويهتم به ، كمن قبل المسيح نفسه ، لأن هذا القبول معناه الحب والحنان0فالناس يهتمون بإضافة وقبول الأغنياء ، ولكن المسيح يوجه أنظارهم إلى قبول الضعفاء والمحتقرين والمحتاجين ، لأن الإهتمام بهم هو اهتمام بالمسيح0
+ إهتم ، ليس فقط بالأطفال ، بل بكل إنسان ليس له من يسأل عنه ، أو يعانى ضعفاً ، فمحبتك المقدمة له يفرح بها الله كأنها له شخصياً0
(2) العثرة ( ع 6 - 14 ) :
ع 6 - 7 : " الصغار " : أى شخص ضعيف فى قدراته ويمكن إسقاطه فى الخطية ، وهذا يشمل فى الحقيقة كل المؤمنين ، لأن الكل معرض للسقوط فى الخطية0 " لُجَّة البحر " : مِلء البحر وعمقه0العثرة خطية مضاعفة ، إذ يسقط الإنسان فى خطية ويُسقِطَ غيره0وتنتج العثرات من محبة الشهوات العالمية ، وعدم المرونة ، وقلة الإحساس بالآخرين ، خاصة الضعفاء مثل الأطفال0لذا فهى جرم عظيم ، ومن يصر على إعثار غيره ولا يتوب ، فلابد أن يهلك ، ويعبّر عن هلاكه بـ " أن يُعلَّق فى عنقه حجر الرحى " ، وهو حجر ثقيل يستخدم فى سحق الحبوب بأن يدار فوق حجر ثابت0وعندما يُلقى الإنسان المربوط بهذا الحجر ، فإنه حتماً سيغرق فى البحر0فإن كانت العثرات لابد أن توجد لأجل شر الناس ، فالمسيح يعلن أن الويل ينتظر من يسبب عثرة وسقوط غيره ، وصار محكوماً عليه بالهلاك مثل الذى يغرق فى عمق البحر ، الذى يرمز للشهوات العالمية ، فيسهل سقوطه فى خطايا كثيرة ، ويبتعد عن الله0
+ دقق فى كلامك ومظهرك وتصرفاتك ، حتى لا تُعثر البسطاء وتُبعدهم عن الله000فكيف تُسقط من مات المسيح لأجلهم ، كيف تسلمهم للخطية باستهانتك ؟! إن الذى يعثر غيره قد تحجر قلبه بشهوات العالم ، ولهذا كانت عقوبته شديدة جداً0
ع 8 - 9 : " الحياة " : يقصد حياتنا فى العالم0 " أعرج000أقطع000أعور " : أى تحيا بدون الشخص أو الأمر الذى تعتبره مهماً مثل عضو من جسدك كرجلك ويدك وعينك0 " جهنم النار " : العذاب الأبدى0بعد أن تكلم عن خطورة إعثار الآخرين ، ينبهنا ألا نعثر نحن ونسقط فى الخطية ، ويقول أنه مهما كان الأمر هاماً ، نتخلّص منه مادام يعثرنا0وأعطى تشبيهات لأعضاء ضرورية فى الجسم مثل الرِجل واليد والعين التى ترمز للأمور الهامة فى حياتنا ، مادامت تقودنا لشهوات رديّة ، فلنبعد عنها ، سواء كان صديق أو قريب أو مكان أو عمل معثر أو هواية ، أو أى شئ يستخدمه إبليس لإسقاطنا فى الخطية0فخير لك أن تعيش فى هذه الحياة الأرضية متنازلاً عن أمر هام ، فتكون كالأعرج أو الأقطع أو الأعور ، من أن تتمسك بما يعثرك ويسقطك فى الخطية ، فتذهب للعذاب الأبدى0
+ لا تقل سأترك الخطية وأتمسك بالعلاقة الشريرة ، مادمت قد سقطت ، فاهرب بحياتك من هذه العلاقة ، لأن خلاص نفسك أهم شئ0لا تتهاون وتُلقِ بنفسك فى العذاب الأبدى0ضع فى قلبك أنك لابد أن تحيا للمسيح إلى الأبد ، فتترك عنك كل ما يؤدى إلى الخطية ، حتى لو أساء الناس الأشرار إليك بسبب ابتعادك عن الشر0فاحتمال أى شئ ، حتى الموت نفسه ، أسهل من العذاب الأبدى0
ع 10 - 11 : يتكلم هنا عن الإهتمام بالآخرين ، وعدم إعثارهم بتهاوننا ، مؤكداً قيمة نفوسهم أمام الله ، ويعلن حقيقة إيمانية هامة أن لكل واحد منا ملاك حارس ، فهؤلاء الأطفال أو البسطاء أو الضعفاء ، نفوسهم لها قيمة أمام الله ، ولهم ملائكة يصلّون عنهم دائماً فى السماء0ومن ناحية أخرى ، جاء المسيح لفداء هؤلاء المحتقرين ، وثمن خلاص نفوسهم هو دمه الكريم ، وهو أعظم ما فى الوجود0
+ إياك والإستهانة ، فإن سقط بسبب تهاونك أى شخص ، فهذا يحزن الله وملائكته جداً ، والله يستجيب لشفاعة ملائكة هؤلاء الناس ، فيقيمهم من خطاياهم إن تابوا0
ع 12 - 14 : " التسعة والتسعين " : يرمزون للملائكة الذين لم يسقطوا0وقد تُفسّر أيضاً بالأبرار فى أعين أنفسهم ، فيتركهم الله عنه لأنهم لا يشعرون بحاجتهم للخلاص ، ويبحث عن الذى سقط ويشعر أنه شرير0 " على الجبال " : حيث الأمان فى الحظائر المخصصة له0 " الضال " : هو من سقط فى الخطية ويشعر بضعفه0ويرمز أيضاً للبشرية كلها التى ضلّت عن الله ، تمييزاً لها عن الملائكة الذين لم يسقطوا0 " يفرح به " : لأنه كان ضالاً وميتاً ، فعاش ورجع لحياته الحقيقية فى الله بالتوبة0يبيّن محبة الله لمن يعثرون لضعفهم ، بمثل من له مائة خروف وضل واحد فقط ، فهو لا ينشغل بالتسعة والتسعين ، بل يغلق عليهم الحظيرة ، ويخرج يبحث باهتمام حتى يجد هذا الضال0فالله يهتم ويطلب كل إنسان ، مهما بدا ضعيفاً أو حقيراً حتى يخلّصه0
+ ثق أن لك مكاناً فى قلب الله لا يملأه أحد غيرك ، فإن سقطت ، تُب سريعاً ، لتعود إلى مكانك فتفرح وتُفرِحه0
(3) التعامل مع المسيئين ( ع 15 - 20 ) :
ع 15 : " أخوك " : أى إنسان0 " بينك وبينه " : على انفراد حتى لا تحرجه أمام الآخرين ، أو تثير كبرياءه فيحاول تبرير نفسه0 " ربحت أخاك " : استعدت علاقتك الطيبة معه ، وفى نفس الوقت ، تنقَّى قلبه وعادت علاقته مع الله0يوضح المسيح كيفية التعامل مع من يسئ إليك ، فأول شئ هو أن تحبه ، وتبادر بأن تذهب إليه لإنقاذه من التمادى فى الخطأ الذى وقع فيه0فهو لم يضايقك فقط ، بل أخطأ إلى الله ونفسه ، فتذهب إليه بالحب لتعاتبه ، حتى تُظهر له ما أخطأ فيه0لم يقل توبخه ، لأنه ليس المقصود إظهار أخطائه وإثباتها عليه ، أو أخذ حقك منه ، ولكن المقصود أن تربحه للمسيح ، وتعيده إليه بحبك له واهتمامك بخلاصه ، فتكون طريقة كلامك عتاب محبة بلطف ورقة0
ع 16 : إن رفض سماع عتابك وظل مصراً على خطئه ، فلا تيأس ، بل خذ معك واحد أو إثنين من الأحباء ، وخاصة المعروفين له ، لعله بشفاعتهم يقتنع باستعادة العلاقات الطيبة معك ، وإزالة أسباب الخلاف0فلا يكون عتابك مجرد رأى شخصى لك ، بل إثنين أو ثلاثة يكون رأيهم أكثر تأثيراً0ومن ناحية أخرى ، يكونان شاهدين على المخطئ عند رفع الأمر للكنيسة ، وذلك كما أوصى موسى فى الشريعة ( تث 17 : 6 )0
ع 17 : إن فشلت هذه المحاولة الثانية للصلح ، فلا تيأس أيضاً ، بل أخبر الكنيسة ، أى الكهنة والخدام ، ليحاولوا إقناعه بإزالة الخلاف واستعادة المحبة0وإن أصر على الخطأ ، فعامله كما تعامل الوثنى والعشار ، أى البعيدين عن الكنيسة ، فتحبه وتصلى من أجله ، حتى لو كانت العلاقات مقطوعة بينكما بسبب رفضه ، أو تكون علاقتكما محدودة وليست صداقة0
ع 18 : تسندك الكنيسة فى موقفك حتى لا تلوم نفسك ، فهى من حقها أن تربطه ، أى تمنعه من عضويتها وتناوله الأسرار ، لإصراره على الخطأ0ولكن ، إن عاد وتاب ، فمن حقها أن تحله ، وتكون له شرِكة فى الكنيسة ، والسماء أيضاً بعد نهاية هذه الحياة0وهنا تأكيد مرة ثانية لسلطان الكهنوت فى سر الإعتراف ، ليس فقط لبطرس كما ذكر فى ( ص 16 : 19 )0
ع 19 - 20 : يفتح باب الرجاء لهذا الخاطئ المصر على خطئه ، فبالرغم من حرمان الكنيسة له ، تطالبك أنت وكل من يحبه أن تصلّوا من أجله حتى يتوب0ويشجعنا بأن إتفاق إثنين فى المحبة والصلاة يكون عظيماً فى عينى الله ، فيعطيهما طِلبتهما لرجوع هذا الخاطئ وتوبته0ويؤكد أهمية الصلاة الجماعية باجتماع إثنين أو ثلاثة ، فيحل المسيح ببركة خاصة فى وسطهم ، فهو يبارك كل من يصلى ، ولكن هناك بركة إضافية وحلول خاص للمسيح فى الصلاة الجماعية ، وأعظم صلاة جماعية هى صلاة القداس حول جسد الرب ودمه ، وامتداداً لها صلاة الأسرة فى البيت ، أى الزوجين والأبناء ، ففيها يطلبون من أجل احتياجات البيت وترابطه ، وتشجع أفراده على الحياة الروحية ومحبة بعضهم البعض0
+ ليت محبتك تظهر ، ليس فقط لمن يحبونك ، بل بالأكثر لمن يسيئون إليك ، فتسعى بالحب نحوهم لمصالحتهم وكسب نفوسهم0وإن فشلت كل محاولاتك ، فواظب على الصلاة من أجلهم ، مشفقاً عليهم ، فتزداد مراحم الله عليك0
(4) مدى التسامح مع الآخرين ( ع 21 - 35 ) :
ع 21 : سأل بطرس المسيح عن مدى احتمال أخطاء الآخرين والتسامح معهم ، هل يسامح سبع مرات ؟ وهذا الرقم ليس صغيراً ، لأن اليهود فى كتابهم " التلمود " ، يقولون أن التسامح ثلاث مرات0ويُفهم من سؤال بطرس أن التسامح له حدود ويسأل عنها0
ع 22 : أجاب المسيح : " بل إلى سبعين مرة سبع مرات " ، أى 490 مرة ، وهذا رقم ضخم ، والمقصود به هو التسامح بلا حدود ، وعدم التفكير فى مدى صِدق المخطئ فى عدم العودة إلى الخطأ0
+ إن كان الله يطالبنا أن نتسامح بلا حدود ، فهذا يطمئننا بأن رحمته واسعة جداً ، وغفرانه لا نهائى أيضاً ، مادمنا نتوب ونرجع إليه ، بشرط عدم التهاون ، حتى لا نفقد روح التوبة ونترك الله0
ع 23 - 24 : يوضح المسيح فكرة الغفران بلا حدود للآخرين ، فشبّه ملكوت السماوات ، الذى نود أن نحيا فيه ، وبدايته الكنيسة التى على الأرض ، بملك ( يرمز للمسيح الديّان ) قدموا له عبداً ، أى إنساناً خاطئاً ، مديوناً بمبلغ ضخم جداً ، وهو " عشرة آلاف وزنة " ، ولمعرفة مدى ضخامة هذا المبلغ ، نقول إن الذهب المستخدم فى هيكل سليمان بكل عظمته كان ثمانية آلاف وزنة0والمقصود أن خطايا الإنسان فى حق الله ضخمة جداً ، بل بلا حدود ، لأن الله غير محدود والخطأ فى حقه عقابه غير محدود0
ع 25 : ظهر عجز هذا العبد ، أى كل إنسان فينا يخطئ فى حق الله ، وبالتالى كان حكم الملك ( الله ) عليه ، أن يباع هو وزوجته وأولاده ، أى جسده ومواهبه ، لعلها توفى شيئاً مما عليه ، ولكنها لا تفيد شيئاً أمام هذا الدين الضخم جداً0وبهذا ، يظهر ضعف وشر كل إنسان فينا أمام العدل الإلهى0
ع 26 - 27 : سجد هذا العبد طالباً التمهل عليه ، حتى لا يباع ، أى يُسلّم للشيطان والعذاب الأبدى0وهنا ، يظهر غفران الله له ، إذ سامحه وأطلقه هو وزوجته وأولاده ، والمقصود كما ذكرنا بزوجته : جسده ؛ وبأولاده : مواهبه0أى بدم المسيح الفادى رُفعت عنا خطايانا ، وأعطانا تجديداً لأجسادنا وأرواحنا وكل مواهبنا0فالله بحنانه لم يستجب طِلبه العبد فقط ، أى التمهل عليه ، بل رفع عنه الدين ، لأنه يعرف عجزه عن إيفائه مهما أُعطِىَ له من الوقت0
ع 28 - 30 : بعد أن تحرر هذا العبد من ديونه ، وجد عبداً رفيقه ، أى إنساناً أخطأ فى حقه ، مديوناً له بمائة دينار ، وهو مبلغ ضئيل جداً لا وجه لمقارنته بالعشرة آلاف وزنة ( فهو يساوى واحد إلى مليون وربع )0 " عشرة آلاف " : يرمز رقم عشرة إلى خطأ العبد القاسى فى الوصايا العشر ، ويرمز رقم ألف إلى الأبدية ، أى أنه يستحق العقاب الأبدى0ورغم توسل العبد الثانى للأول أن يتمهل عليه ، فإن العبد الأول كان قاسياً ، ولم يغفر أو يسامح أخيه ، بل ألقاه فى السجن ، أى يريد إهلاك نفسه وعذابه الأبدى0
ع 31 - 34 : " لما رأى العبيد رفقاؤه " ذلك ، وهم يمثلون الكنيسة ، " حزنوا جداً " ، فصلوا من أجل العبد الثانى المُلقى فى السجن0وسمع الملك ، أى الله ، من الكنيسة ، وأحضر العبد الأول ووبخه بشدة لقساوته ، وعدم تقديره للغفران الإلهى الممنوح له ، وقسوته فى عدم الغفران لأخيه0وأمر أن يُلقى فى السجن ، ليوفى ما عليه حتى آخر فِلس من كل ديونه0والمقصود أن يظل فى السجن ، أى العذاب إلى الأبد ، لعدم تسامحه مع من أخطأ إليه ، لأنه لن يستطيع إيفاء هذا الدين غير المحدود0
ع 35 : يؤكد المسيح فى نهاية المثل أن المقصود منه عدم تسامح الله مع من لا يسامح غيره0وقال " أبى " ، لأن من لا يسامح غيره لا يستحق أن يُدعَى الله أباه ، فلم يقل أبوكم0
+ قدم توبتك كل يوم أمام الله ، واثقاً من غفرانه ، فتقترن توبتك بالشكر الكثير0وإذ تجاهد لإصلاح أخطاءك ، يسندك الله فيزداد شكرك له ، وحينئذٍ تكون شفوقاً على المسيئين إليك لأنهم مرضى مثلك ، يحتاجون للغفران الإلهى والدواء الشافى منه0فلا تتضايق منهم ، لأن خطاياك فى حق الله أعظم ، بل تصلى لأجل نفسك ولأجلهم ، فتشملكم جميعاً مراحم الله0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح