كلمة منفعة
لعله في ما مر بنا من أعياد الشهداء، وأعياد الصليب، وما يوحى بمعنى جميل عن القوة، ويذكر بمقاييس أخرى خاطئة:
— مقاييس خاطئة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 18 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 18 الأصحاح الثامن عشر : الطريق الملوكي يقدّم لنا السيِّد المسيح التواضع الحيّ المملوء حبًا وترفُّقًا بكونه أهم ملامح طريق ملكوت السماوات. 1. الملكوت وتواضع الطفولة 1-5. 2. المحبّة وعثرة الصغار 6-14. 3. المحبّة والعِتاب 15-20. 4. المحبّة الغافرة 21-22. 5. مثل الملك المترفِّق والعبد الشرّير 23-35. 1. الملكوت وتواضع الطفولة "في تلك الساعة تقدّم التلاميذ إلى يسوع، قائلين: فمن هو أعظم في ملكوت السماوات؟ فدعا يسوع إليه ولدًا وأقامه في وسطهم، وقال: الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات" [1-4]. أحاديث السيِّد المسيح وتصرُّفاته قد ألهَبت قلوب التلاميذ نحو التمتّع بملكوت السماوات، لكنهم لم يكونوا بعد قادرين على التخلُّص من الفكر المادي الذي تثقَّفوا به وورثوه أبًا عن جِدْ، فظنّوه ملكوتًا زمنيًا وسلطانًا أرضيًا، لذا اشتهى كل منهم أن ينعم بنصيبٍ فيه، وأن يحْتل مركزًا أعظم ممّا لغيره. هذا الاشتياق وإن كان وليد الضعف البشري، أي حب العظمة وشهرة المراكز المرموقة، لكن الكل يودّ أن يملأ هذا الفراغ بفكرٍ بشريٍ باطلٍ! يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ما قام بين التلاميذ وسُجل إنّما هو لنفعنا، حتى أن ما حدث بين التلاميذ القدّيسين يكون علّة تواضعنا، فقد انتهر الرب المرض كطبيبٍ حاذقٍ، قاطعًا الألم الذي ينبع فينا بوصيّته المتّقدة التي تبلغ الأعماق.] كان عجيبًا لديهم أن يروا السيِّد يستدعي ولدًا ليُقيمه في وسطهم كمثَلٍ حيٍّ للتمتّع بدخول الملكوت، فقد احتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أي حق من الحقوق، يستطيع الوالدان أن يفعلا بطفلهما ما يشاءا بلا رقيب! وتعرّضت الطفولة لدى اليونان لمتاعب كثيرة، أمّا اليهود فلم يحصروا الأطفال والنساء عند إحصاء الشعب (عد 1-2). لكن السيِّد وهو يرتفع بالبشريّة إلى الحياة الناضجة يقدّم طفلاً كمثل للحياة الناضجة الروحيّة القادرة أن تقتحم الملكوت، وكأنه ينقلهم من نضوج الجسد المتَّكئ على السنوات التي عاشها الإنسان إلى نضوج النفس الداخليّة التي لا ترتبط بزمنٍ معينٍ. يؤكّد السيِّد لطالبي الملكوت التزامهم بالرجوع ليصيروا مثل الأولاد، فيدخلوا ملكوت الموات. إنه ليس تراجعًا إلى الوراء، لكنّه نمو نحو الطفولة المتواضعة البسيطة. فالإنسان خلال خبراته على الأرض تنتفخ ذاته جدًا، ولا يستطيع الدخول من الباب الضيق. لهذا يليق به أن يتخلّى عن كل كبرياء لكي تصغر ذاته جدًا وتُصلب تمامًا، فيعبر خلال سيّده المصلوب من باب التواضع، الذي هو الباب الملوكي والمدخل الوحيد للملكوت السماوي. بدون التواضع يبقى الإنسان خارجًا، مهما قدّم من عبادة ونسكيّات لا يمكنه الدخول، فإنه لا يمكن لقلب متكبّر أن ينعم بالاتّحاد مع ابن الله المتواضع ليعبّر به وفيه إلى حضن أبيه، لهذا يكمّل السيِّد: "فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السماوات" [4]. إن كان الكبرياء قد طرد الإنسان من الفردوس، فلا دخول إليه بغير طريق التواضع. يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن دور التواضع في تمتّعنا بالحياة الملكوتيّة في هذا العالم وفي الحياة الأخرى، إذ يقول: [لكي ننعم بالراحة هنا وفي الحياة العتيدة يلزمنا أن نجاهد في غرس أُم كل الصالحات أي التواضع في نفوسنا. بهذا نستطيع أن نعبر بحر هذه الحياة بلا أمواج، وننهي رحلتنا إلى ذلك الميناء الهادئ.] كما يقول: [ليس شيء مقبولاً لدى الله مثل أن يحسب الإنسان نفسه آخر الكل، هذا هو المبدأ الأول للحكمة العمليّة، فإن المتواضع والمجروح في قلبه لا يحب المجد الباطل، ولا هو بغضوب، ولا يحسد قريبه، ولا يلجأ إلى أية شهوة.] ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: [إننا نقبل ملكوت الله مثل ولد" (لو 18: 17) إن كنّا نتطلّع إلى تعليم ربّنا كطفل تحت التدريب لا يُعارض معلّميه ولا ينازعهم، وإنما بثقة يتقبّل التعليم في ذهنه وبرغبة في التعلُّم.] يقول القدّيس أمبروسيوس: [لا يقصد هنا تفضيل سنٍ على آخر، وإلا صار النمو عملاً هدّامًا. وكنت لا اشتهي البلوغ إلى سن النضوج مادام يسلبني تعبي في ملكوت السماوات، ولما سمح الله بالنمو الذي ينمِّي الرذيلة لا الفضيلة، ولما اختار الرب تلاميذه من الرجال الناضجين، إنما كان يختارهم من الأطفال... فالرب لا يُشير بالطفولة إلى سنٍ، بل إلى المحبّة التي تحمل بساطة الطفولة. الفضيلة ليست عجزًا عن إتمام الخطيّة لكنها رفض لها، ومثابرة للعودة إلى طبيعتنا الأولى وطفولتنا.] كما يقول: [إن كان الأطفال سرعان ما يتشاجرون معًا، لكنهم أيضًا سرعان ما يعودون ليجتمعوا معًا بصداقة عظيمة، إذ هم لا يعرفون السلوك بمكر وخداع.] ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ليكن سموِّنا في تواضعنا، ومجدنا في عدم محبّتنا للمجد، وليكن اشتياقنا منصبًّا فيما يُسِر الله، واضعين في ذهننا ما يقوله لنا الحكيم: "إذ تصيرون عظماء تتّضعون بالأكثر فتجدون نعمة لدى الرب" (ابن سيراخ 3: 18). فإن الله يحتقر المتعجرفين ويحسب المتكبّرين كأعداء له، لكنّه يكلِّل الودعاء ومتواضعي الذهن بالكرامات.] الطفولة في المسيح إن كان السيِّد يشتاق أن ينعم تلاميذه بالرجوع إلى الطفولة، فيحملون روح التواضع بكونه السمة الملوكيّة التي تسند النفس في عبورها إلى الحياة السماويّة، فإن السيِّد وهو يتحدّث عن الأطفال يقدّم الطفولة كحاملة لاسمه، إذ يقول: "ومن قبِلَ ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني" [5]. لئلا يستنكف أحد من أن يرجع إلى تواضع الطفولة، يتجلّى السيِّد في حياة الأطفال، فيحسب من يقبلهم باسمه إنّما يقبله هو. هكذا يرفع السيِّد من الطفولة التي احتقرَتها البشريّة بكل أجناسها وألسنتها. فإن كان السيِّد قد كرّم الإنسان خلال تأنُّسِهِ، وكرَّم الفقراء حاسبًا إيّاهم إخوته الأصاغر، ما يُفعل بهم إنّما يقدَّم لحسابه، هنا يُكرم الطفولة، من يقبلها باسمه إنّما يقبَله هو. تُرى من لا يشتهي أن يحمل طبيعة "الطفولة المتواضعة" الحاملة لاسم المسيّا الملك؟! حقًا لقد قدَّس السيِّد الطفولة إذ صار طفلاً، ولا يزال يقدّسها إذ يجعل اسمه محمولاً على أطفاله الصغار؟! يقول القدّيس أمبروسيوس: [من هو هذا الطفل الذي يليق بتلاميذ المسيح أن يتمثلوا به إلا الذي قال عنه إشعياء: "يُولد لنا ولد ونعطَى ابنًا..." (إش 9: 6)، هذا الذي قال: "اِحمل صليبك واتبعني" (مت 16: 24). هذا الذي تميّز بأنه "إذ شُتم لم يكن يُشتم عوضًا، وإذ تألّم لم يكن يهدّد" (1 بط 2: 23). هنا الفضيلة الكاملة في الطفولة حيث تحمل الأمور القديمة المكرّمة، كما تحمل الشيخوخة براءة الطفولة".] 2. المحبّة وعثرة الصغار "ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخيرٌ له أن يُعلَّق في عُنقه حجر الرَحَى، ويغرق في لُجّة البحر" [6]. المؤمن إمّا أن يتقبّل الدخول إلى "الطفولة" المتواضعة والبسيطة فيدخل باب الملكوت السماوي أو يقف عثرة عند الباب لا يدخل ولا يترك حتى الأطفال المؤمنين أن يدخلوا. ليس هناك طريق وسط في الحياة مع الله، إمّا أن يعبر نحو الأبديّات أو يعوق الآخرين عن العبور. أمّا سِرّ العثرة فيكمن في أمرين: أولا: تحجُّر القلب؛ إذ لا يعرف حب الله أو الناس، فلا يقدر أن يغفر لمن يسيء إليه ولا أن يعاتبه، لذا خيرٌ له أن يُربط في عنقه حجر رحَى، من أن يحمل هذه الطبيعة المتحجّرة والعنُق القاسي الغليظ! ثانيًا: الانغماس في الأمور الأرضيّة، فلا يرى سوى الزمنيّات، لهذا خيرٌ له أن يُلقي في لُجّة البحر ولا يلقى بقلبه في بحار هموم هذه الحياة وملذّاتها. كأن السيِّد المسيح بقوله: "خيرٌ له أن يُعلّق في عُنقه حجر الرحَى، ويغرق في لُجّة البحر" لا يقدّم إدانة أو حكمًا ضدّ النفس التي تُعثر الآخرين، ولا يودّ هلاكها، إنّما يودّ أن يُعلن حقيقة موقفها، وما بلغت إليه داخليًا خلال هذا التشبيه. فقد تحجَّرت وغرقت في بحر محبّة العالم، الأمر الذي يحمل خطورة أكثر من الغرق الجسدي في البحر خلال ربط الإنسان بحجر في عُنقه. يبدو أن اليهود قديمًا كانوا يعاقبون مرتكبي الجرائم الكبرى بربط عنقهم في حجر وإلقائهم في أعماق المياه. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العقوبة بقوله: [بهذه العقوبة التي يستحقَِّها الإنسان الذي يُعثِر غيره، نتعلّم المكافأة لمن يُنقذ الآخرين. فلو لم يكن خلاص نفس واحدة عظيم جدًا لدى المسيح ما كان يهدّد بعقوبة كهذه لمن يُعثِر إنسانًا".] أما طريق الأمان ضدّ العثرة فهو كلمة الله أو شريعته كقول المرتّل: "سلامة جزيلة لمُحبّي شريعتك وليس لهم عثرة" (مز 119: 165) وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما سمعتم: "الويل للعالم من العثرات" فكَّرتم كيف تتجاوزن العالم حتى لا تتعرّضوا للعثرات. إذن لنتجنّب العثرات. كيف نتجاوز العالم إلا بهروبنا إلى صانع العالم؟ وكيف ننطلق إلى صانع العالم ما لم نُصغ إلى شريعته التي يكرز بها في كل موضع؟! فإن الإصغاء إليها أمر بسيط أن أحببناها. لأن الكتاب المقدّس وهو يحصِّنك من العثرات لم يقل: "سلامة جزيلة لسامعي شريعتك" وإنما "لمُحبِّي شريعتك....] ويقدّم لنا القدّيس أغسطينوس مثالاً عمليًا هو امرأة أيوب التي كانت عثْرة، فجاءت تسحب قلب زوجها للتجديف، لكن كان قلبه محبًا لشريعة الله وليس له عثرة؛ كانت هي معثَرة، لكن ليس له. "ويل للعالم من العثرات، فلابد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة" [7]. إن كان السيِّد قد فتح لنا الطريق الملوكي مشتاقًا أن تدخل فيه كل البشريّة المحرومة منه، فإن عدوّ الخير لا يكف عن أن يعمل أيضًا لحساب مملكته، فإنه حيث يوجد السيِّد المسيح عاملاً فينا يُصارع إبليس لحساب ظلمته خلال العثرات. يجنِّد من له لتحطيم النفوس البسيطة، الأمر الذي يحذّرنا منه السيِّد، لا لئلا يُعثرنا الآخرون فقط، وإنما لئلا نتحوّل نحن أيضًا معهم إلى عثرة للآخرين. لكنّنا إذ نحمل فينا مسيحنا غالب العالم وننعم بوصيّته لا نخاف العثْرة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما تسمع "ويل للعالم من العثرات" لا تخف، وإنما حب شريعة الله، فلا تكون لك عثرة.] "فإن أعثَرتك يدك أو رِجلك فاقطعها واِلقها عنك. خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تلقي في النار الأبديّة ولك يدان أو رجلان. وإن أعثَرتك عيْنك فاِقلعها واِلقها عنك. خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعوَر من أن تُلقى في جهنّم النار ولك عيْنان" [8-9]. هل يمكن للمؤمن أن يَبتُر كل عضو في جسده يُعثِرة أو يُعثِر الآخرين؟ في تاريخ الكنيسة قصص فريدة لأُناس صنعوا هذا، مثل سمعان الخرَّاز والفتاة الطاهرة التي ضربَت بالمِخْراز عينها لتُقدّمها لإنسان بذل كل الجهد لملاقاتها من أجل عينيها الجميلتين. في رأي الآباء أن كلمات السيِّد هنا تحمل معنى رمزيًا روحيًا، فاليد ليست إلا الإنسان الذي يسندني ويعمل لحسابي، إن تحوّل هذا إلى معثَرة لي يفقدني إيماني أو طهارتي أقطعه لاَغتصب السماوات بدونه بالرغم من شوقي إلى خلاصه. لقد مدّ يوسف العنيف يديه بكل قوّة وشجاعة ليبتُرهما حينما ترك الثوب في يديّ سيدته وهرب. لقد فضّل أن يَقطع علاقته بمن تُقدِّم له لُقمة العيش مفضِّلاً أن يُذّل داخل أسوار السجن كمن هو بلا يدين، محرومًا من حرّية الجسد من أجل تمتُّعه بالحياة الطاهرة الفردوسيّة. لم تكن لُقمة العيش قادرة أن تحبس يوسف في العثْرة، مفضِّلا أن يدخل الحياة أقطع من أن يُلقى في نار الشهوة المهلِكة وله يدان! والعجيب أن الله لم يترك يوسف بلا يدين، بل صار هو نفسه يديه أينما حلّ يتبارك العمل، سواء داخل أسوار السجن أو في قصر فرعون. فإن كنّا بالروح القدس الناري نعرف كيف نقدّم أيدينا المُعثِرة لصليب ربّنا يسوع المسيح فتُبتَر، لا نبقى بلا يدين وإنما يصير السيِّد المسيح نفسه يدينا العاملتين معنا وبنا وفينا، وفي كل عمل نعمله يتقدّمنا السيِّد نفسه فيحل ببركته فينا، بل أقول نختفي نحن فيه ليكون هو العامل! إن كل بَتْر لمصدر العثْرة بحكمة الروح القدس ليس خسارة بل هو ربح، فيه أَخْذ لا عطاء! ما أقوله عن اليدين أكرّره بخصوص الرجلين، فإن كان أحد يمثّل الرجلين بدونهما نصير كمن هو أعرج غير قادر على الحركة. فإن أعثرتنا هاتان الرجلان نقدّمهما بالروح القدس لصليب ربّنا يسوع المسيح لبترِهما، ونلبس السيِّد نفسه ذي القدمين النحاسيّتين، بهما ندُكْ كل عثْرة في الطريق، حتى نعبُر إلى حِضن أبيه ونحن في أمان روحي وسلام فائق. يقول القدّيس أغسطينوس: [قد تأتيك زوجتك لتنصحك بأمر شرّير. إنك تحبّها بكونها زوجتك يجب أن تُحب. هي عضو فيك، لكن إن أعثَرتْك عينك أو يدك أو رجلك كما سمعتَ في الإنجيل فاقطعها واِلقها عنك. مهما كان الإنسان عزيزًا لديك وله تقديره لديك، فإنّه قدر ما تُكرمه وتُحبّه لا تسمح له أن يُعثِرك مقدِّمًا لك مشورة شرّيرة....] ويقول أيضًا: [يريد إنسان صاحب سلطان تغطية ظُلمه ونهبه للآخرين فيسألك أن تخدمه بشهادة زور؛ لترفضه. اُرفض القسَم الباطل لئلا تكون قد أنكرت من هو حق. إنه سيغضب وهو صاحب سلطان ويضغط عليك!... ماذا يستطيع ذاك الذي له سلطان أن يفعل لك أو بماذا يقدر أن يضايقك؟... إنه في غضبه وبسلطانه يقتل الجسد!... ليقتله فإن الجسد سيموت حتى وإن لم يُقتل، أمّا النفس فلا يمكن أن يقتلها إلا الظلم!... إن كان ذاك الذي أغضبه بالحق يضايق جسدي بالضيقات فإنّني أصغي لربي القائل: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد" (مت 10: 28).] ولئلا يظن أحد أن بتْر عضو هو أمر سهل، سواء كان يدًا أو رجلاً أو عينًا، قال "انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأني أقول لكم أن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي في السماوات" [10]. كأنه قبل أن نقدّم على بتر عضو بصليب السيِّد، فنقطع علاقتنا به ننظر إلى خلاصه كأحد الصغار الذين يشتهي الله خلاصهم، فإن ملائكتهم وإن كانت حزينة على انحرافهم، لكنها تقف أمام الآب السماوي كل حين تشفع فيهم ليعمل فيهم لخلاصهم. إن النفس الحكيمة تعمل بكل الطاقة، لا للهروب من الخدمة، وإنما حتى بالنسبة للمعثِرين تبذل كل الطاقة لكي لا تخسر خلاصها وأبديتها، وفي نفس الوقت لا تفقد المعثِرين أنفسهم إن أمكن، مشتهية خلاصهم، متجاوبة مع ملائكتهم بل ومع سيّدهم نفسه، "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلّص ما قد هلك" [11]. عمليّة البَتْر وإن كانت أحيانًا لازمة وضروريّة، لكنها تكون في أضيق نطاق بعد بذل كل الجهد بكل الطرق، لحَث المعثِرين أنفسهم على قبول الخلاص المقدّم من ابن الإنسان نفسه. ولعلّ السيِّد قد أراد بكلماته هذه رفع "الطفولة" وعدم احتقارها، فإن كل إنسان مهما بدأ صغيرًا له ملاكه الذي يقف في حضرة الآب من أجله، بل ابن الإنسان نفسه مهتمّ بخلاصه. ولعلّه وهو يطالبنا بالعودة إلى الطفولة أراد تأكيد ما لهذا العمل من بركات، وهو فرح ملائكتهم بهم الذين ينظرون وجه الآب السماوي كل حين، وينعمون بخلاص المسيح المجّاني. إذن احتقار النفس البشريّة والاستهانة بخلاصها، سواء كانت نفس طفل صغير أو شخص ناضج، لإنسانٍ عظيمٍ أو حقيرٍ، أو ازدراء الإنسان لنفسه هو غير مبال بالعثْرة، إنّما هو ازدراء بعمل المسيح الخلاصي. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقل هذا عبد هارب أو ذاك لص أو قاتل، أو إنسان مثقّل بخطايا غير معدودة، أو متسوّل أو حقير... بل تأمّل أنه لأجله مات المسيح؛ أَما يكفي هذا ليكون أساسًا لنُعطيه كل اهتمام؟!] أوضح السيِّد أبعاد الاهتمام بخلاص كل نفس وعدم اعثار أحد، بقوله: "ماذا تظنّون: إن كان لإنسان مائة خروف وضلّ واحد منها، أفلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال. وإن اِتَّفق أن يجده، فالحق أقول لكم أن يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل. هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار" [12-14]. هكذا يكشف السيِّد عن نظرته للإنسان أنه ليس مجرّد فرد بين عدد لا يُحصى، إنّما يهتمّ به الله شخصيًا وباسمه، مقدّمًا له كل اهتمامه أكثر من كل الجماعة المحفوظة في مراعيه على الجبال المقدّسة، لكي يجتذبه ويدخل به إلى العضويّة في هذه الجماعة، إن الله لا يهتمّ باَلكَمّ إنّما بالنوع، يهتمّ بكل عضو بكونه ابنًا له. بهذا الروح الأبوي تطلّع القدّيس يوحنا الذهبي الفم إلى شعبه فلم ينشغل بالكاتدرائيّة المكتظَّة بالعابدين، ولم يفرح بكثرة الملتصقين بالكنيسة، وإنما كان يئن حزينًا لو أن إنسانًا واحدًا في المدينة لم ينعم بعد بالحياة الأبديّة. في اهتمامه بكل عضو يقول: [كل واحد منكم في عينيَّ يساوي المدينة كلها.] [لا يقل لي أحد أن كثيرين قد نفَّذوا الوصيّة فإنّني لا أبتغي هذا، بل أريد الكل أن يفعلوا هكذا. فإنّي لا أستطيع أن التَقط أنفاسي حتى أرى ذلك قد تحقّق، فإن كان واحد قد ارتكب الزنا بين أهل كورنثوس صار بولس يتنهّد كما لو أن المدينة كلها قد ضاعت.] 3. المحبّة والعِتاب إن كان التواضع المملوء حبًا هو مدخل الملكوت السماوي، فإن هذا التواضع يقوم على نفس منفتحة صريحة وواضحة. إن شَعَر المؤمن بأن أخًا له في الإيمان قد أخطأ إليه، ففي محبّة صادقة يذهب إليه ليعاتبه منفردًا حتى إذ يسمع منه يربح أخاه. "إن أخطأ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربِحت أخاك" [15]. هذا السلوك الذي أوصانا به السيِّد ليس مجرّد عمل أخلاقي يلتزم به المؤمن، لكنّه في جوهره هو اختفاء في شخص السيِّد المسيح، فلا يرى المؤمن أخاه يسيء إليه، إنّما يسيء إلى نفسه وإلى تمتّعه بالأبديّة، فيذهب ليعاتبه لا بمعنى أنه يودّ تأكيد خطأه، أو ينتظر أن يعتذر له، وإنما يذهب إليه حاملاً فكر المسيح لكي يقتنيه بالحب للمسيح كعضوٍ حيٍّ في جسده، ينقذه من الخطأ ويربحه كعضوٍ معه في ذات الجسد. يذهب إليه منفردًا حتى لا يتحوّل العِتاب إلى نوعٍ من التشهير، ولكي يعطي له الفرصة لمراجعة نفسه بلا عناد؛ يذهب إليه ليحمله إلى التوبة لله لا للاعتذار له. بهذا يطلب المؤمن سلامة حياة أخيه في الرب وليس معاقبته. لهذا يقول السيِّد إنك بهذا تربح أخاك، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لم يقل أنك تنال انتقامًا كافيًا بل تربح أخاك، مظهرًا وجود خسارة مشتركة لك وله بسبب العداوة، إذ لم يقل "يربح نفسه" بل "تربح (أنت) نفسه" مظهِرًا أن الخسارة قد لحقت قبلاً بالاثنين، الواحد خسر أخاه والآخر خسر خلاصه.] يقول القدّيس أغسطينوس: [لكي نستطيع أن نتمِّم ما قد أُمرنا به اليوم (كما جاءت العبارة الإنجيليّة التي بين أيدينا) يلزمنا قبل كل شيء ألا نحمل كراهية، لأنه عندما لا تكون هناك خشبة في عينك تقدر أن ترى حقًا ما بعين أخيك، وتكون متضايقًا حتى تُزيل عن عين أخيك ما تكرهه. النور الذي فيك لا يسمح لك بإهمال نور أخيك. أمّا إن حمَلتَ فيك كراهيّة، وتريد إصلاحه، فكيف تصلح نوره وأنت فاقد النور؟! إذ يقول الكتاب المقدّس: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس". كما يقول أن من "يبغض أخاه فهو إلى الآن في الظلمة" (1 يو 2: 9). فالبغضة إذن هي ظلمة، فمن يكره الآخرين إنّما يُضير نفسه أولاً، مفسدًا داخله...] حقًا لقد أراد السيِّد أن يدخل بتلاميذه إلى حياة الغفران للآخرين، بعيدًا عن روح الانتقام والكراهيّة التي تحجبنا عن ملكوت السماوات. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله: [عندما تُفكِّر في الانتقام، انظر أنك تنتقم من نفسك لا من الآخرين، إذ تربط خطاياك لا خطايا أخيك... أي شيء أكثر خطورة من أن تكون منتقمًا، إن كان هذا ينزع عنك عطيّة الله العُظمى؟!] ويرى نفس القدّيس أن الذي يُخطئ إلينا ويظلمنا، إنّما يسبّب لنا نفعًا عظيمًا إن احتملناه بحب، إذ يقول: [لا تقل أنه شتمك وافترى عليك وصنع بك شرورًا بلا حصر، فإنه بقدر ما تعدّدت هذه الأمور وبكونها صادرة عنه، تُعلن أنه نافع لك. إنه يقدّم لك فرصة لغسل خطاياك، وقدر ما تَعظُم الأضرار التي يصُبَّها عليك، يكون علّة لنوالك غفرانًا عظيمًا للخطايا.] وكما يقول: [إننا نعاقب أنفسنا بكراهيّتنا للآخرين، كما نستفيد بحبّنا لهم.] لماذا نذهب للمخطئ ولا ننتظر مجيئه؟ يجيب القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه ليس بالأمر السهل أن يذهب من ارتكب الخطأ ليعتذر لأخيه وذلك بسبب الخجل وارتباك وجهه. يطالب (السيِّد) الذي أُصيب بالخطأ ليس فقط بالذهاب إلى أخيه، وإنّما يذهب بطريقة بها يُصحّح ما قد حدث، فلم يقل له: اذهب اتَّهمه أو انصحه أو أطلب منه تصفية الحساب معه، وإنما (عاتبه) مخبرًا إيّاه بخطئه، وما هذا إلا تذكيره بما أخطأ به. اخبره بما حلّ بك على يديه، بطريقة لائقة كمن يقدّم له العذر، ويسحبه بغيره نحو المصالحة.] ذهابنا إلى المخطئ بمفردنا لمعاتبته لكي نربحه في الحقيقة ليس إلا اقتداءً بالسيِّد المسيح نفسه، فقد جاء إلينا من سمواته ليعاتبنا بالحب، ويدفعنا بعمله الخلاصي للتوبة لكي يربحنا له كأعضاء جسده المقدّس. إنه لم ينتظرنا نذهب بل جاء إلينا! هذا فإن الوصيّة التي يقدّمها لنا السيِّد لا يمكننا أن نكمِّلها ما لم نحمله هو في داخلنا فنسلك سلوكه ونحمل فكره فينا. يقول القدّيس أغسطينوس: [إذ أخطأ إليك أخوك سرًا ابحث عنه لتصحِّح خطأه خفية... فإن أردت توبيخه أمام الجميع فأنت لا تكون مصلحًا لأمره بل فاشيًا للسرّ... إن كان قد أخطأ إليك وحدك، وأنت تعرف ذلك، فهو مخطئ إليك وحدك، أمّا إذا أساء إليك أمام كثيرين، فقد أخطأ إليهم أيضًا بمشاهدتهم إساءته إليك... لهذا يجب انتهاره أمام جميع من ارتكب أمامهم الخطأ.] ولكن، إن لم يسمع المخطئ منّا فماذا نفعل؟ "وإن لم يسمع فخذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أوثلاثة، وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عِندك كالوثني والعشّار" [16-17]. حينما نأخذ معنا واحدًا أو اثنين ينبغي ألا يكون الهدف تأكيد خطأه والشهادة ضدّه وإنما لإقناعه، فنكون كالطبيب الذي يرى المرض يتزايد فيُّصرّ على تقديم دواء أكثر مرارة وأشد فاعليّة، ليس لأجل المرارة في ذاتها، وإنما من أجل شفائه. فإن لم يأتِ هذا التصرّف بثمر نُخْبر الكنيسة، لا كمن يشتكيه أمام المحكمة، وإنّما كمن يُخبر، لتهتم به وتعالجه بحكمة. داود النبي وهو نبي تقي ومشهود له من الله نفسه وحكيم، عندما أخطأ لم يُدرك خطأه حتى تلقَّفته الكنيسة في شخص ناثان النبي، لتُعيد له بصيرته التي أفسدتها الخطيّة، وتردّ له فكره وحكمته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ألا ترى كيف أنه يفعل هذا ليس من أجل العقوبة العادلة، وإنّما بقصد الإصلاح؟! لهذا لم يوصه من البداية أن يأخذ معه اثنين، وإنما بعد أن يفشل بمفرده، ولا أن يرسل إليه الجماعة ضدّه وإنما يرسل إليه اثنين أو واحدًا، فإن احتقر هذا التصرّف عندئذ فقط يحضره للكنيسة.] أخيرًا إن لم يسمع من الكنيسة، رافضًا أمومتها، يكون قد رفض أبوة الله نفسه فيُحسب كالوثني والعشّار. إنه يلزم تجاهله، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأن مرضه قد صار غير قابل للشفاء.] إذن برفضه الكنيسة يَحرم الإنسان نفسه من العضويّة في جسد المسيح، ويصير من حق الكنيسة أن تربطه. إذ يكمّل السيِّد كلماته هكذا: "الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض، يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" [18]. إنه يربط نفسه بنفسه برفضه الفكر الكنسي، وتلتزم الكنيسة أن تربطه ليس تشفيًا فيه، وإنما لحفظ بقيّة الأعضاء من فساده لئلا يتسرب إليهم، كما تُعزل الخميرة الفاسدة عن العجين كله، أو يُبتر العضو الفاسد. وإن كان هذا الأمر لا يتمّ باستهتار أو بتسرّع. فإنه ليس سهلاً أن يقبل إنسان بتْر عضو من جسده إلا بعد استخدام كل وسيلة ووسيلة لعلاجه، وحينما يجد جسده كلّه في خطر يلتزم تسليمه للبتْر. أقول أنه ما أصعب على قلب الكنيسة أن ترى إنسانًا. يُلقي بنفسه خارجًا ويُلزمها بربطه، أنها تبقى منتظرة من يومٍ إلى يومٍ رجوعه لكي تحِلُّه فيجد بابها مفتوحًا له. لهذا يذكر السيِّد الربط أولاً فالحَل، ليعطي للمربوطين رجاءً في الحَل، وليلهب قلب الكنيسة نحو حلّ المربوطين فلا تستكين من جهة خلاصهم حتى وإن كانوا قد ألقوا أنفسهم بأنفسهم خارج أبوابها. إذ يتحدّث السيِّد عن ربط الإنسان الرافض للكنيسة وحله متى رجع إليها بالتوبة، يقول: "وأقول لكم أيضًا إن اِتّفق اثنان منكم على الأرض في إي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السماوات. لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" [20]. كأن السيِّد المسيح يُعلن لكنيسته أن تبقى مصلِّية من أجل المربوطين، حتى وإن كان أعضاء هذه الكنيسة المحليّة اثنين أو ثلاثة على الأرض، فإنهم إذ يُصلّون معًا في اتّفاق بقلبٍ واحدٍ يحلّ المسيح نفسه "المحبّة" في وسطهم، وتُقبل صلواتهم أفضل من صلوات الكثيرين كل على انفراد. يقول السيِّد "إن اتِّفق اثنان على الأرض"، لأن في اتِّفاقهما معًا بروح الحب يتّحد معهما بعض أعضاء الكنيسة الراحلين وأيضًا بعض السمائيّين، فيفرح الله بصلاة الشركة هذه! يرى البعض في الحديث عن الاثنين أو الثلاثة هنا إشارة إلى كنيسة البيت، حيث يجتمع الزوجان معًا في الرب بروح الحب الحقيقي ومعهما الأولاد، فيسكن الرب في وسط البيت كقائدٍ لهم. كما يرى الكثير من الآباء في قول الرب تأكيد لأهمّية حياة الشركة المُقامة على الحب في الرب، وتحذير من حياة العزلة، إذ يقول الكتاب: "اثنان خيرٌ من واحد، لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة، لأنه إن وقع أحد يُقيمه رفيقُه، وويلٌ لمن هو وحده، إن وقع إذ ليس ثان ليُقيمه... والخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا" (جا4: 9-12). + إن كان اثنان بفكر واحد يستطيعان أن يفعلا هكذا فكم بالأكثر متى وُجد اتّفاق في الفكر بين الجميع؟! القدّيس كبريانوس + إن كان الرب يقول أنه إذا اتّفق اثنان معًا على الأرض في أي شيء يطلبانه يُعطى لهما... فكم بالأكثر إن اجتمعت كل الجماعة معًا باسم الرب؟! + آمن أن الرب يسوع حاضر عند اِستدعاء الكاهن، إذ يقول: "حينما اجتمع اثنان أو ثلاثة أكون في وسطهم"، فكم بالأكثر إن اجتمعت الكنيسة وأقيمت الأسرار يهبْنا حضوره؟! القدّيس أمبروسيوس + الصلاة الجماعيّة تُستجاب سريعًا، وتأتي بثمر كثير عندما تكون متّحدة وباتفاق في الرأي. الآب يوحنا من كرونستادت + لقد وَضع الاتِّفاق أولاً، وجعل من اتِّفاق السلام أساسًا أوَّليًا، معلِّما إيّانا أنه يليق بنا أن نتَّفق معًا بثبات وإيمان. ولكن كيف يمكن أن يوجد اتِّفاق مع شخص لا يتّفق مع جسد الكنيسة نفسها والأخوة الجامعة؟! كيف يمكن لاثنين أو ثلاثة أن يجتمعوا معًا باسم المسيح مع وضوح انفصالهم عن المسيح وعن إنجيله؟! فإنّنا لم ننفصل نحن عنهم بل هم انفصلوا عنّا، فظهرت الهرطقات والانشقاقات، وأقاموا لأنفسهم أماكن مختلفة للعبادة تاركين رأس الحق ومصدره. القدّيس كبريانوس 4. المحبّة الغافرة "حينئذ تقدّم إليه بطرس وقال: يا رب كم مرّة يخطئ إليّ أخي وأنا اغفر له، هل إلى سبع مرّات؟ قال له: لا أقول لك إلى سبع مرّات، بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات" [21-22]. إن كانت الكنيسة تلتزم بتنقيّة أعضائها، مع اهتمامها الشديد بكل وسيلة لإصلاح المخطئين مهما بلغ شرّهم، فما هو موقف العضو نحو أخيه المخطئ إليه، كم مرّة يغفر له الخطأ الشخصي؟ لقد ضرب الرسول بطرس رقم (7) بكونه يُشير إلى الكمال عند اليهود، وكأنّه رفع الغفران للأخ إلى اللاحدود من أجل محبّته له، أمّا السيِّد فأكَّد قائلاً: "بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يقدّم (السيِّد) هنا عددًا معينًا (70 - 7=490) بل ما هو غير محدود ودائم إلى الأبد... فلا يحدّد رقمًا للمغفرة، إنّما يطلب أن تكون دائمًا وأبديّة.] ويرى القدّيس أمبروسيوس أن رقم 7 يُشير إلى السبت الأبدي أو الراحة، وكأنّ المؤمن إذ يغفر لأخيه يدخل إلى الراحة الأبديّة. فالغفران بلا حدود مادام يطلب راحة بلا حدود! ويرى القدّيس أغسطينوس أن السيِّد المسيح يطلب منّا الغفران لإخوتنا 77 مرّة يوميًا لا بمعنى عدم مغفرة الخطأ رقم 78، ولكن لأن رقم 10 يُشير إلى الناموس، والوصيّة بعدم كسره تكون مفهومة ضمنًا تمثل رقم "11" وكأنه متى أخطأ أخوك كاسرًا كل الوصايا (11) بغير حدود (7) فاغفر له لكي تقتنصه بالحب إلى الحياة المقدّسة في الرب. يجيب القدّيس جيروم على التساؤل: إن طلب أخي بشفتيَّه لا بقلبه فماذا أفعل؟ قائلاً: [إن أخطأ سبعين مرّة سبع مرّات يوميًا وسألك الصفح فاغفر له، ولا تقل إنه لا يطلب الصفح من أعماق قلبه بل يكذب. أترك الدينونة لله! هو توسّل إليّ وطلب منّي، فإن كان لا ينطق بالحق، فالله هو الذي يعلم. أنا اسمع الصوت لكن المسيح هو الذي يفهم القلب. أنا أقبل ما اسمعه، والمسيح يقبل ما يدركه. هذا ولتفكِّر في مكافأتِك، فإن كان هو يكذب وأنت قبلت كذبه كصدق، يكون لك ذلك خلاصًا أمّا بالنسبة له فيكون موتًا.] وقد رأى القديس يوحنا الدرجي في وصية السيِّد انفتاحًا لأبواب الرجاء أمامنا لدى الرب نفسه، إذ يقول: [في أوقات اليأس لا تتوقّف عن تذكُّر وصيّة الرب لبطرس أن يغفر للمخطئ سبعين مرة سبع مرات، فإن الرب الذي أعطى هذه الوصيّة يعمل هو أعظم منها بكثير (نحونا). ولكن عندما نتكبَّر فلنتذكَّر القول: من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة - أي سقط في الكبرياء - فقد صار مجرمًا في الكل.] 5. مثل الملك المترفِّق والعبد الشرّير إذ أراد السيِّد أن يقدّم مثلاً للترفُّق بالآخرين قال: "لذلك يشبه ملكوت السماوات إنسانًا ملكًا أراد أن يحاسب عبيده. فلما ابتدأ في المحاسبة قدّم إليه واحد مديون بعشرة آلاف وزنة. وإذ لم يكن له ما يوفي أمر سيّده أن يُباع هو وامرأته وأولاده وكل ماله ويوفي الدين. فخرّ العبد وسجد له قائلاً: يا سيّد تمهل عليّ فأوفيك الجميع. فتحنّن سيّد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين" [23-27]. في هذا المثل يظهر الملك رمزًا للديّان الذي يقف أمامه الإنسان مدينًا بعشرة آلاف وزنة، بينما يُعلن الإنسان عجزه التام عن الإيفاء بالدين. ويلاحظ في هذا المثل: أولا: يشبه ملكوت السماوات بإنسان ملك، وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ملكوت السماوات هذا هو ابن الله، عندما صار في شكل جسد الخطيّة، متّحدًا بالناسوت فصار إنسانًا ملكًا.] ثانيًا: العشرة آلاف وزنة التي اِسْتَدانها الإنسان، إنّما هي كسر الوصايا الإلهيّة. فإن كان رقم 10 يُشير إلى الوصايا العشرة، ومن أخطأ في وصيّة يكسر الناموس كله، وأما رقم 1000 فيُشير للأبديّة، فإن رقم 10.000 يعني أن الإنسان مدين بكسر وصايا بدِين لا يقدر أن يفيه عَبر حياته الزمنيّة. يقول القدّيس أغسطينوس: [يلزمنا أن نؤكِّد أنه كما أُعطى الناموس في عشر وصايا، فإن العشرة آلاف وزنة تعني كل الخطايا التي اُرتكبت في حق الناموس.] ما كان يمكن للإنسان أن يفي الدين الإلهي، فصدر الأمر ببيعه هو وزوجته وأولاده وكل ماله، لعلّه يقدر أن يفي شيئًا. إن كسر الوصيّة الإلهيّة قد دفع الإنسان ليفقد كل شيء، يفقد نفسه - أي روحه الداخليّة -التي أصابها الموت الأبدي بحرمانها من الله مصدر حياتها، ويفقده زوجته - أي جسده المرتبط به - ويلزم أن يعوله ويربِّيه، فصار الجسد الصالح دنسًا، مثقّلا بشهوات فاسدة قاتلة تثقِّل النفس وتفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد فيُشيرون إلى المواهب المتعدّدة التي تحوّلت خلال الخطيّة من آلات برّ لله إلى أداة إثم تعمل لحساب الشيطان؛ أمّا كل ماله - فيعني ممتلكاته - من ذهب وفضّة ونحاس الخ. الأمور التي وإن كانت صالحة في ذاتها لكنها خلال فساد الإنسان صارت معثرة له. يرى القدّيس جيروم أن الزوجة هنا هي "الغباوة"، فكما أن الحكمة هي زوجة الإنسان البار كقول الكتاب "قل للحكمة أنتِ أختي... لتحفظك من المرأة الأجنبيّة من الغربية المَلِقة بكلامها" (أم 7: 4-5)، فإن الشرّير زوجته "الغباوة". فباتّحاد البار بالحكمة ينجب أفكارًا مقدّسة وسلوكًا فاضلاً في الرب، ينجب بنينًا للحكمة يفرح بهم الرب، هكذا الشرير بالتصاقه بالغباوة ينجب أولادًا هم الأفكار الشرّيرة والتصرّفات الدنسة. ويرى القدّيس أغسطينوس في الزوجة "الرغبة الشرّيرة" التي تلتصق بالشرّير، فتلد أبناء هم أعماله الشرّيرة. وكأن الإنسان في شرّه يقدّم لدى الديّان حسابًا عن زوجته، أي رغبته أو إرادته الشرّيرة، وعن أولاده، أي تصرّفاته الشرّيرة. لقد تحنّن الملك على المدين فلم يتمهَّل عليه فحسب كطلبه [26]، وإنما أعطاه أكثر ممّا يسأل وفوق ما يفهم، إذ أطلقه حرًا هو زوجته وأولاده، وترك له ما لديه وعفا عنه الدين. كان هذا المسكين يطلب الإمهال ظانًا أنه يقدر أن يفي، ولم يُعلّم أنه عاجز كل العجز في تحقيق هذا الأمر مهما طال الزمن، لهذا أطلقه السيِّد إلى الحرّية خلال الصليب تاركًا له كل الدين بنعمته المجّانيّة. وهبه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وكل ما يملكه، ليصير بكلّيته مقدّسًا له. كان يمكن لهذا العبد أن يعيش هكذا في الحرّية كمن هو بلا دين يحمل كل شيء مقدّسًا، غير أن المعطِّل الوحيد الذي أوقف هذه النعم ونزعها عنه ليردّه إلى أشرّ ممّا كان عليه هو اِنغلاق قلبه على أخيه الذي كان مدينًا له بمائة وزنة، أي بدين بشري تافه، لأن رقم 100 تُشير إلى الجماعة في هذا العالم. مسكين هذا الإنسان الذي ينعم بالتحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة بل يكون معه قاسيًا، فيرتدّ إليه دينه الأصيل ليعجز عن الإيفاء. مهما ارتكب الإخوة في حقّنا، إنّما نكون دائنين لهم بمائة وزنة، فإن لم نتنازل عنها لن ننعم بالتنازل عن الدين الذي علينا لدى الله. "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" (مت 5: 15). يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوي في أذنيه إذا به ينسى محبّة سيّده المترفّقة! انظر أي صلاح أن تتذكَّر خطاياك! فلو أن هذا الإنسان احتفظ بها بوضوح في ذاكرته ما كان قد صار هكذا قاسيًا وعنيفًا. لهذا أكرّر القول... إن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحق ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام. لهذا كان بولس يتذكّر خطاياه التي ارتكبها ليس فقط بعد التطهير وإنما تلك التي ارتكبها قبل عماده مع أن هذه جميعها قد غُفرت في الحال وأزيلت.] لقد أحزن هذا قلب العبيد رفقائه جدًا، إذ يقول السيِّد: "فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدًا، وأتوا وقصّوا على سيّدهم كل ما جرى، فدعاه حينئذ سيّده وقال له: "أيها العبد الشرّير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إليّ، أفما كان ينبغي أنك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتَك أنا؟!" إن كان العبد المسكين الذي أسره رفيقه في السجن طالبًا أن يفي بالمائة وزنة لم يفتح فمه ليشتكيه، لكن صوت الجماعة يصرخ من الداخل بالحزن الشديد، ويسمع الله تنهّدات البشريّة الخفيّة من أجل قسوة الناس على إخوتهم وعدم صفحهم لهم، فيكيل لهم بالكيل الذي يكيلون به لإخوتهم. إن كان هذا هو حال البشريّة التي تئن من أجل عدم تنازل الإنسان لأخيه عن أخطائه التي سبق فارتكبها ضدّه، فماذا يكون قلب الكنيسة التي تحزن جدًا عندما ترى من أولادها من لا يصفح ليخسر في غباوة ما تمتّع به من عطايا إلهيّة ونِعم مجّانيّة. بل هذا ما هو يحزن قلب السمائيّين، وقلب الله نفسه الذي يطلب أن يجد صورته ومثله فينا! لقد أكّد لنا السيِّد أن نغفر ليُغفر لنا: "هكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحدٍ لأخيه زلاته" [35]. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الإلهيّة: [لم يقل "أباكم" بل "أبي"، إذ لا يليق أن يدعى الله أبًا لإنسان شرّير هكذا وحقود!] من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثامن عشر (مت 1:18-5 + مر 33:9-37 + لو 46:9-48):- (مت 1:18-5):- في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين فمن هو اعظم في ملكوت السماوات. فدعا يسوع إليه ولدا وأقامه في وسطهم. وقال الحق أقول لكم أن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السماوات. ومن قبل ولدا واحدا مثل هذا باسمي فقد قبلني. فكر التلميذ المتأثر بالفكر اليهودى، أن المسيا حين يأتى، سيأتى لكى يملك على الأرض، جعلهم يشتهون أن يجلسوا واحداً عن يمينه وواحداً عن يساره (مت 21:20،22)..هذا الفكر إستمر حتى ليلة العشاء السرى (لو 24:22-27) ولكن المسيح كان يتكلم عن ملكوت السموات أمامهم دائماً، فإختلط عليهم الأمر، وظنوا أن ملكوت السموات هذا يمكن أن يكون على الأرض، وبنفس الفكر بدأوا يحلمون بمراكز أرضية حين يملك المسيح فى ملكوت السموات هذا، ودخلهم تساؤل عمن يكون الأعظم فى هذا الملكوت. وبمقارنة ما حدث فى إنجيلى متى ومرقس نجدهم وقد شغل هذا الموضوع ذهنهم تماماً يتحاورون فى الطريق عمن هو الأعظم فيهم، بالتالى سيكون هو مثلاً الوزير الأول فى ملك المسيح. ولما أتوا إلى البيت فى كفر ناحوم سألهم الذى لا يُخفى عليه شئ عمّا كانوا يتكلمون فيه، فسكتوا (مر 34:9) ثم تساءلوا علناً ولم يستطيعوا أن يستمروا ساكتين (مت 1:18)، فإذا دب فكر العظمة والكبرياء فى القلب فهو لا يهدأ. وحتى يكسر السيد كبريائهم أتى بولد ودعاهم أن يتشبهوا بالأولاد ومن يفعل فهو الأعظم.. قطعاً ليس فى السن بل :- 1. فى حياتهم المتواضعة الوديعة كالأطفال (1كو 20:14) 2. فى الثقة فى كلام أبيهم السماوى والإتكال عليه وطاعته. 3. البساطة وتقبل الحقائق الإيمانية والروحية، فالطفل يصدق ما يقال له. 4. الأطفال لا يشعرون أنهم أفضل من الأخرين فالغنى يلعب مع الفقير. 5. لاحظ أن الأطفال لا يشعرون بأنهم متواضعين، فمن يشعر أنه متواضع، أو أنه يتواضع حين يكلم إنساناً فقيراً فهو ليس متواضع. 6. التسامح المطلق فالطفل لا يحتفظ فى قلبه بأى ضغينة. 7. إذا أحزن إنسان طفلاً فهو لا ينتقم لنفسه بذراعيه بل يلجأ لوالديه. 8. الطفل بلا شهوات، بلا طلب للمجد الباطل، بلا حسد للآخرين. 9. إذا تشاجر الأطفال فهم سريعاً ما يتصالحون ويعودون للعب معاً. 10. ملكوت الله الذى يؤسسه المسيح لا وجود فيه لمن يبحث أن يكون الأقوى والأعظم بل من يدخله هو من يحس بضعفه وأنه لا شئ ولكن قوته وعظمته هى فى حماية الله له (2كو 9:12،10). وهذه طبيعة الأطفال. 11. بلغة التعليم المعاصر، فهذا الولد فى حضن المسيح هو وسيلة إيضاح. 12. الطفل يطلب ما يريده واثقاً فى أخذه من أبيه، وهو لا يفكر فى أن أبوه يعطيه لأنه يستحق، بل هو يطلب بدالة المحبة. ولاحظ قول السيد المسيح من قبل ولداً واحداً مثل هذا بإسمى فقد قبلنى فالمسيح هنا وحَّد نفسه بالأطفال والبسطاء والضعفاء.. بإسمى = أى من أجل المسيح، فمن يقبل طفلاً يكون كمن قبل المسيح نفسه. والحقيقة فإن المسيح حين يقول إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فهو يقصد نفسه، أى إن لم ترجعوا وتستعيدوا صورتى التى حصلتم عليها فى المعمودية فلن تدخلوا ملكوت السموات. فنحن نولد بالمعمودية على صورة المسيح. نحن خلقنا أولاً على صورة الله (تك 26:1،27) وفقد الإنسان الصورة الإلهية باختياره لطريق العصيان والخطية. وأتى المسيح وفدانا وأعطانا سر المعمودية وفيها ندفن ونموت ونقوم مع المسيح وبصورة المسيح. ولكننا مع إحتكاكنا بالعالم نفقد هذه الصورة الإلهية ثانية، وكلام السيد المسيح هنا، أن هناك إمكانية لإستعادة هذه الصورة = إن لم ترجعوا = إذاً هناك إمكانية للرجوع ولكن كيف؟ هذا هو عمل النعمة، التى تعيدنا للصورة الإلهية، والنعمة تحتاج لجهاد، لذلك نسمع بولس الرسول يقول " يا أولادى الذين أتمخض بهم (ألام الجهاد والخدمة) إلى أن يتصور المسيح فيكم(عمل النعمة) وعمل النعمة يعطينا أن نصير خليقة جديدة على صورة المسيح (غل19:4 + 2كو 17:5) لذلك نحن نخلص بالنعمة (أف 8:2) التى بها نعود للصورة الإلهية. والأولاد هم المولودين من الماء والروح وقد خرجوا بدون خطية، والمسيح هو الذى قال عن نفسه "من منكم يبكتنى على خطية"، لذلك كان هذا الولد فى حضن المسيح إشارة للمسيح نفسه. ونحن إن لم نحصل على صورة المسيح لن ندخل ملكوت السموات. هذه تشابه أن لكل بلد فى العالم عملة يتم التعامل بها داخل حدود هذا البلد، لكن إن حاولت التعامل بعملة عليها صورة ملك آخر لن يُسمح لك بأن تتعامل بها. فنحن نصبح عُملة قابلة للتداول فى السماء لو إنطبعت علينا صورة الملك السماوى. فإن كان المسيح قد تواضع وترك مجده السمائى لأجلنا، أفلا نتخلى نحن عن أفكار العظمة الأرضية مثل ما فعل هو ونتصاغر أمام الناس وأمام أنفسنا، إذا كان المسيح قد صار عبداً أفلا نقبل أن نتصاغر مثله أمام إخوتنا. خصوصاً أن النعمة تسندنا، وبالمسيح نستطيع كل شئ (يو 5:15 + فى 13:4) فهل نقبل؟ والسيد يشرح كيف تساندنا النعمة.... هذا يكون بالجهاد.. وكيف نجاهد ؟ إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون أخر الكل وخادماً للكل (مر 35:9) من أراد أن يصير فيكم عظيماً يكون لكم خادماً (مر 43:10) من أراد أن يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبداً (مر 44:10) والسيد ضرب بنفسه المثال فقال عن نفسه أنه أتى ليَخدم لا ليُخدم (مر45:10). وهو غسل أرجل تلاميذه وطلب أن نفعل ذلك (يو 12:13-17). ومن يفعل تسانده النعمة ليرجع ويكون كالأولاد أى يستعيد صورة المسيح ولاحظ قول السيد من وضع نفسه مثل هذا الولد = كلمة وضع نفسه تعنى أنه لا يدعى الإتضاع طلباً لمديح الناس، فما أخطر أن تدعى النفس الإتضاع. بل هو عليه أن يفهم الحقيقة "اننا لا شئ.. تراب.. بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولكن نحن بالمسيح، وليس من أنفسنا، قد أصبحنا أولاداً لله. فقيمتنا ترجع لا لأنفسنا بل للمسيح الذى فينا. ولاحظ أن عمل المسيح فى أن يأتى بطفل ويعمل ما عمله، بأن يحتضنه ويوحد نفسه به، ويقول ما قاله. هذا كان عجيباً فى أيامه، فقد إحتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أى حق من الحقوق، ويستطيع الوالدان أن يفعلا بطفلهما ما يشاءا بلا رقيب، وتعرضت الطفولة فى اليونان لمتاعب كثيرة، فكانوا يتركون الأطفال فى العراء أياماً حتى يموت الضعيف ويبقى القوى. واليهود فى أى حصر أو تعداد ما كانوا يحصون النساء ولا الأطفال. ولكننا هنا نجد السيد يشير للطفل بأنه مثال يجب أن نتشبه به. الرومان واليونان كانوا يفتخرون بالقوة والعظمة لذلك إحتقروا الأطفال لضعفهم، أماّ المسيح فيطالبنا بالتشبه بهم فى ضعفهم وأن نعتبر أن قوتنا هو الله نفسه.. هذا هو ملكوت الله. · نستطيع أن نقول أن هذا الإصحاح وما يقابله فى إنجيل القديس مرقس. يشتمل على قوانين الملكوت. أى كيف ندخل الملكوت. القانون الأول:- نعود ونكون مثل الأطفال. (مت 6:18،7 + مر 42:9) (مت 6:18،7):- ومن اعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر. ويل للعالم من العثرات فلا بد أن تاتي العثرات ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتى العثرة. (مر 42:9):- ومن اعثر أحد الصغار المؤمنين بي فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح في البحر. نفهم من هذا أن العالم مملوء عثرات والكنيسة ستواجه ضيقات، ألام جسدية وإضطهاد وإستشهاد وستواجه حروباً شيطانية وخداعات وتشكيك من هراطقة أو إثارة حب العالم وشهواته فى قلوب أولاد الله (1يو 19:5)، لكن الله يحفظ أولاده (يو 15:17). ولاحظ فالشيطان يعمل لحساب مملكته بأن يستخدم أولاده وأتباعه ليعثروا أولاد الله، إماّ بأن يوقعوا بهم فى شباك الخطية أو يضطهدونهم جسدياً. وهذا الأسلوب إستعمله إبليس مع يسوع نفسه فهو على الجبل حاول أن يعثر المسيح ويجعله يسجد لهُ ولما فشل دبر مؤامرة الصليب. ولكن الله فى مملكته يحفظ أولاده (يو 11:17،12) هؤلاء الذين دخلوا مملكته وذلك بتواضعهم وبساطتهم = الصغار المؤمنين. صغار تعنى ضعيف وبسيط ويمكن إسقاطه فى الخطية فربما يظن أحد أنه بسبب بساطة ووداعة أولاد الله، فهو يستطيع أن يفعل بهم ما أراد.. ولكن لا فمملكة الله لها ملك قوى يدافع عنهم (خر 14:14) ويا ويل من يقع فى يد الله الحى (عب 30:10،31). والوقوع فى يد الله ليس هيناً، بل خيرٌ لذلك الإنسان أن يُعلق فى عنقه حجر الرحى ويغرق فى لجة البحر. وكانت هذه عقوبة رومانية ويونانية. حجر الرحى = حجر ثقيل يستعمل فى طحن الحبوب. ولاحظ أن الله قد يسمح ببعض الألام تقع على أولاده من الشرير إبليس أو من أولاده الأشرار (كما حدث مع أيوب ومع بولس) ولكن يكون هذا بسماح منه لإعدادهم للملكوت ولتأديبهم (عب 5:12-11). وحجر الرحى هنا هو خطية هذا المعتدى على الكنيسة التى تجعله يغوص فى بحر الدينونة الرهيبة. ولاحظ أن الشرير قد يحاول إثارة إضطهاد ضد الكنيسة أو ضد إنسان مؤمن، حتى يخيفه وينكر الإيمان فيهلك. من كل هذا نفهم أن القانون الثانى:- الكنيسة موجودة فى عالم ملئ بالعثرات لكن ملك الكنيسة ورئيسها يحميها وينتقم من أعدائها. (مر 38:9-41 + لو 49:9،50) (مر 38:9-41):- فأجابه يوحنا قائلا يا معلم رأينا واحدا يخرج شياطين باسمك وهو ليس يتبعنا فمنعناه لأنه ليس يتبعنا. فقال يسوع لا تمنعوه لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعا أن يقول علي شرا. لان من ليس علينا فهو معنا. لان من سقاكم كاس ماء باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم انه لا يضيع اجره. (لو 49:9،50):- فأجاب يوحنا وقال يا معلم رأينا واحدا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه ليس يتبع معنا. فقال له يسوع لا تمنعوه لان من ليس علينا فهو معنا يا معلم رأينا واحداً يخرج شياطين بإسمك = طالما يستخدم إسم المسيح فهو مؤمن وهو ليس يتبعنا= أى ليس من الإثنى عشر أو السبعين. ولنلاحظ أنه ما كان ممكناً لهذا الإنسان أن يخرج شياطين إن لم يكن مؤمناً بالمسيح. لكن يوحنا تعجب أنه ليس من تلاميذ المسيح إذ ظن يوحنا أن المعجزات هى للتلاميذ فقط. لكن هذا الإنسان كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق وإن لم تكن له فرصة للتبعية الظاهرة ونفهم من درس المسيح أن الكنيسة كنيسة واحدة ولا معنى فيها للتعصب لشخص ما أو جماعة ما، وهذا قطعاً لا يعنى قبول تعاليم مخالفة لتعاليم وعقيدة الكنيسة. ولكن على الكنيسة أن تفهم أنها متسعة القلب للجميع، لها وحدة ومحبة تجمع الكل خلال إيمان مستقيم. أماّ من يعمل قوات وأيات من خارج إطار الإيمان المستقيم فهؤلاء ينطبق عليهم قول السيد إذهبوا عنى يا فاعلى الإثم (مت 22:7،23). من ليس علينا= الذى ليس مخالفاً لنا ولكنيستنا فى الإيمان = فهو معنا فى وحدة ومحبة وهذه الأيات أوردها القديس مرقس مباشرة بعد مشاجرة التلاميذ فمن هو الأعظم فيهم. ومن هذا نفهم أن العثرة تأتى فى الكنيسة من مفهوم من هو الأعظم. فيوحنا إعتبر أن هذا الشخص طالماليس من مجموعتهم فهو أقل منهم وليس من حقه أن يحصل على نفس مواهبهم فى إخراج الشياطين. والسيد يعلمهم مفهوم آخر، يُفهم أن من ليس ضدنا ( ضدنا = يعلم تعاليم مخالفة للإيمان) وهو يحب المسيح ويستخدم إسمه فهو معنا، فالكل جسد واحد والكل فى مملكة المسيح لهم سلطان على إبليس. ومن هذا نفهم أن القانون الثالث:- الكنيسة أو ملكوت الله هو ملكوت الوحدة والمحبة. كنيسة واحدة وحيدة مقدسة رسولية. من سقاكم كأس ماء بإسمى.. لا يضيع أجره كما يعاقب الله معثرى الكنيسة نجده هنا يكافئ من يقدم لها الخدمات، ولكن على أن يكون بإسم المسيح. فمن يقدم لخدام المسيح لأجل إسم المسيح فهذا ينال مكافأته من الله وبهذا نفهم أن القانون الرابع:- الملك الذى يعاقب أعداء كنيسته هو يجازى من يخدمها. (مت 8:18-10 + مر 43:9-48) (مت 8:18-10)- فان اعثرتك يدك أو رجلك فاقطعها والقها عنك خير لك أن تدخل الحياة اعرج أو اقطع من أن تلقى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان. وأن اعثرتك عينك فاقلعها والقها عنك خير لك أن تدخل الحياة اعور من أن تلقى في جهنم النار ولك عينان. انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار لأني أقول لكم أن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبى الذي في السماوات. (مر 43:9-48):- وأن اعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة اقطع من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم إلى النار التي لا تطفا. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا. وأن اعثرتك رجلك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة اعرج من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفا. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا. وأن اعثرتك عينك فاقلعها خير لك أن تدخل ملكوت الله اعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا. سبق السيد وتكلم عن العثرات الموجودة فى العالم، فماذا يصنع الإنسان المسيحى أمام هذه العثرات والشهوات المحاربة فى أعضائه ؟ قطعاً المسيح لا يقبل أن نقطع أيادينا وأرجلنا.. الخ. بل أن نحيا كأموات أمام الخطية. فإن كانت أعيننا تعثرنا فلنمنع أعيننا من أن تنظر، فهناك من يسير فى طريقه وعيناه للأرض ويمنع عن عينه كل الصور المعثرة.وقطعاً فى هذا تغصب، ولكن الملكوت يغصب (مت 12:11). ومن تعثره أماكن معينة فعليه أن لا يذهب فيكون كمن قطع رجله، وهناك من يعثره صديق معين أو جماعة معينة، فعليه أن يمتنع عنهم ويكون كمن قد مات.. وهكذا. وهذا ما يُسمى الجهاد، أن تغصب نفسك أن لا تفعل ما ترغب فيه إن كان فيه خطأ وتحيا كميت أمامه. وتغصب نفسك أن تفعل ما لا ترغب فيه إن كان صحيحاً كالمثابرة فى الصلاة والمواظبة على الذهاب مبكراً للكنيسة. والصيام بقدر الإمكان.. الخ. فهناك عثرات من الآخرين وعثرات من أنفسنا عندما ننخدع من شهواتنا وهذه يجب أن نقطعها مهما كانت عزيزة علينا، كما أن اليد والرجل والعين عزيزة علينا، أى نتخلص مما يسبب لنا العثرة [ اليد (نبتعد عن أى عمل ردئ) والرجل (نمتنع عن الذهاب للأماكن المعثرة)..] أقمع جسدى وأستعبده (1كو 27:9) ومن يجاهد ويغصب نفسه تملأه النعمة، فالنعمة لا تُعطى إلاّ لمن يستحقها والنعمة تعطينا أن نكون خليقة جديدة، الشهوات فيها ميتة، خليقة لا تفرح بالخطية ولا تسودها الخطية رو 14:6. ومن يصلب نفسه عن شهواته يقول مع بولس "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ غل 20:2 ويقول لى الحياة هى المسيح (فى 21:1) من هذا نفهم أن القانون الخامس:- أولاد الملكوت يحيون كأموات عن العالم لكن أحياء بالمسيح الذى فيهم، المسيح سر حياتهم الجديدة. أنظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار.. ملائكتهم فى السموات.. ينظرون وجه أبى الصغار هم الأطفال الأبرياء، أو هم الذين بتواضعهم وقداستهم دخلوا من أبواب الملكوت وصاروا أو رجعوا وصاروا مثل الأطفال، هم المؤمنين بالمسيح والمتواضعين الذين يبدو أنهم ضعفاء لا حيلة لهم. وهنا المسيح يحذر العالم أن هناك ملاك حارس معين لمرافقة وحراسة كل منهم وهو غير مرئى، ولكنه قادر أن ينصف هؤلاء الضعفاء، وأن هؤلاء الملائكة ينظرون وجه الآب أى قادرين على حمل البركات منه لهؤلاء الصغار والآن نفهم أن القانون السادس:- ملكوت السموات صار مفتوحاً للأرضيين المجاهدين كما للسمائيين (يو 51:1) والملائكة تحرس أولاد الله. (مت 11:18-14 + لو 4:15-6) الخروف الضال (مت 11:18-14):- لان ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك. ماذا تظنون أن كان لإنسان مئة خروف وضل واحد منها أفلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال. وأن اتفق أن يجده فالحق أقول لكم انه يفرح به اكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل. هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار. (لو 4:15-6):- أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده. وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً. ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال. هناك فروق بين المثل كما ورد فى إنجليى متى ولوقا، فبدل الجبال فى متى يأتى المثل فى لوقا فى البرية. وفى متى يقول وإن إتفق أن يجده يأتى المثل فى لوقا يذهب حتى يجده. والسبب أن متى يكتب لليهود ولوقا للأمم. فبوحى من الروح القدس تغيرت الألفاظ، فاليهود قبل المسيح كانوا على جبال الشريعة والناموس ومعرفة الله، أما الأمم فكانوا فى برية الوثنية، فى تيه مطلق، واليهود صعب ردهم للإيمان بالمسيح لكبريائهم لذلك قال وإن إتفق أما الأمم فسيدخلون الإيمان. من هو الخروف الضال؟ هى النفس المؤمنة التى ضلت لأنها ضعيفة. سقطت وتشعر بخطيتها يفرح به = إذ كان ميتاً فعاش الراعى = هو المسيح الذى تجسد ليفتش عن آدم وبنيه الذين ضلوا من هم التسعة والتسعين؟ هم 1) الملائكة فى السماء الذين لن يضلوا. 2) القديسون فى المجد وهؤلاء لن يضلوا. 3) القديسون فى الأرض الذين لم يفقدوا نعمة المعمودية وقد يكونوا 4) الأبرار فى أعين أنفسهم كالفريسيين الذين يشعرون بعدم الإحتياج فى هذا المثل يكشف السيد عن نظرته للإنسان أنه ليس مجرد فرد فى عدد لا يحصى، إنما الله يهتم بكل فرد شخصياً وبإسمه، كل نفس لها قيمة عظيمة عند المسيح. ومن هنا نفهم أن القانون السابع:- المسيح الملك يهتم بكل نفس فى ملكوته ولا يسمح بهلاكها. فهو يبحث عنها شخصياً. (مر 9 : 49-50):- لان كل واحد يملح بنار وكل ذبيحة تملح بملح. الملح جيد ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة فبماذا تصلحونه ليكن لكم في أنفسكم ملح وسالموا بعضكم بعضا لأن كل واحد= كل مؤمن إنتمى إلى ملكوت السموات. يُملح بنار= النار هى الروح القدس، روح الإحراق (أع 3:2،4 + إس 4:4). والملح يصون من الفساد والعفونة (كو 6:4). والروح القدس هو الذى يُعطى نعمة لكل مؤمن، تعطيه أن يصير خليقة جديدة. ولاحظ أن هذه الأيات جاءت فى إنجيل مرقس بعد حديث السيد المسيح عن أهمية قطع اليد والرجل وقلع العين التى تعثر، وكما قلنا فإن هذا إشارة للجهاد، وأمام الجهاد يملأنا الروح القدس نعمة تغير من طبيعتنا وتكتم وتميت الخطية التى فينا، أو الشهوة التى فينا (رو 3:8) (فقوله دان الخطية أى حكم عليها بالموت). فنار الروح القدس أحرقت الشهوة أو الخطية فينا، وصارت الخطية بلا سلطان علينا لأن النعمة تسود علينا (رو 14:6) وبهذا فنار الروح القدس تملح المؤمن أى تحفظه من الفساد. وكل ذبيحة تملح بملح= هذا إشارة إلى (لا 13:2-15) لأن ذبائح العهد القديم تشير للمسيح الذى قَدَّمَ نفسه ذبيحة، وإضافة الملح إلى ذبائح العهد القديم يشير لأن المسيح هو بلا خطية وأنه حين يموت لن يطوله الفساد بل سيقوم ثانية (مز10:16) "لن تدع تقيك يرى فساداً" وكل مؤمن عليه أن يقدم جسده ذبيحة حية، كيف؟ بقطع يده ورجله وقلع عينه (بالمفهوم الروحى وليس الحرفى). ومن يعمل تحفظه النعمة = تملح بملح. الملح جيد= سبق السيد وقال أنتم ملح الأرض (مت 13:5) ومن الذى يكون ملح الأرض إلاّ كل من إمتلأ نعمة. مثل هذا الملح يكون جيد. ملح بلا ملوحة= أى ملح فاسد، أو هو لا يعُطى طعماً للطعام، فالمؤمنين المملوئين نعمة، بذوبانهم وسط العالم، يتقبل الله هذا العالم، قيل أن الله يفيض مياهاً فى نهر النيل بسبب وجود الأنبا بولا فى مصر. ليكن لكم فى أنفسكم ملح= أى لتمتلئوا نعمة لتكونوا ملحاً جيداً ويكون هذا بجهادكم وبأن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية. ولكن ما يبطل مفعول النعمة فينا، نزاعاتنا وصراعاتنا على الرئاسات والمجد الدنيوى، كما بدأ هذا الإصحاح بصراع التلاميذ عمن هو الأعظم. والسيد يعطى نصيحته بأن نحيا فى سلام، وطوبى لصانعى السلام ومن هذا نفهم أن القانون الثامن:- النعمة تحفظ أولاد الملكوت من الفساد وشرط بقاء النعمة 1) نكون ذبائح (نصلب شهواتنا) 2) نحيا فى سلام (مت 15:18-20):- وأن اخطا إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما أن سمع منك فقد ربحت أخاك. وأن لم يسمع فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وأن لم يسمع منهم فقل للكنيسة وأن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار. الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء. وأقول لكم أيضا أن اتفق اثنان منكم على الأرض في اي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل أبى الذي في السماوات. لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم. سبق السيد وقال للمخطئ لا تقدم قربانك على المذبح قبل أن تصطلح مع أخيك (مت 23:5،24). وهذا الكلام موجه لمن لحقه الأذى، بأن يعاتب من أخطأ إليه، وهذا يخجل المخطئ، والسرية أدعى لعودة الصفاء، فالتشهير بمن أخطأ يزيده عناداً. هنا من لحقه الأذى بتصرفه هذا يربح نفساً للمسيح وهو فى هذا يمتثل بالمسيح، فنحن أخطأنا إليه لكن جاء وتجسد ليصالحنا. وإذا لم يسمع فلنذهب للكنيسة، وهنا السيد يعطى لكنيسته سلطان للحل والربط (آيه 18). وقبل الكنيسة فليأخذ معه شاهدين أو ثلاثة ربما يخجل هذا العنيد منهم، وهؤلاء الشهود سيكونون شهوداً عليه بعد ذلك. فإذا رفض تدخل الكنيسة تربطه الكنيسة أى تمنعه من شركتها ويمنع من الأسرار، فمن رفض أمومة الكنيسة فهو يرفض أبوة الله. أما سلطان الحل فهو قبول توبته وغفرانه لو رجع بالتوبة وهذا ما فعله بولس الرسول مع زانى كورنثوس (1كو 4:5،5 ثم 2كو 6:2-8). وقطع هذا العنيد المصر على عناده يظهر فى قول المسيح= ليكن عندك كالوثنى والعشار طبعاً ليس العشار التائب ولكن العشار المعاند، والوثنى المصر على وثنيته إن إتفق إثنين.. يكون لهما= المسيح يفرح بروح المحبة التى تجمع بيننا فإذا كان هذا المعاند الذى يرفض الصلح مع أخيه الذى ذهب ليعاتبه يتعرض للقطع والحرمان من شركة الكنيسة، فإن المجتمعين فى محبة يصلون لأجل شئ معين، قطعاً سيستجيب الله لهم لو طلبوا أن يتغير قلب هذا المعاند. والروح القدس يملأهم كما ملأ من إجتمعوا للصلاة بنفس واحدة (أع 1:2،4 + أع 31:4،32) بل يأتى المسيح ويكون فى وسط هذه المجموعة التى تجتمع فى حب بإسمه = فهناك أكون فى وسطهم. وما أجمل هذه الآية فقداساتنا بوجود المسيح فى وسطنا تتحول إلى سماء وإجتماعاتنا تتحول إلى سماء، ففى أى قداس أو إجتماع يجتمع أكثر من إثنين أو ثلاثة بإسم المسيح. بل صلاتنا الشخصية فى مخادعنا إذ نصلى متشفعين بالقديسين والملائكة، حينئذ نجتمع أرضيين مع سمائيين، وبحسب وعد المسيح يكون فى وسطنا، فيتحول المخدع إلى سماء ومن هذا نفهم أن القانون التاسع:- هو أن الكنيسة ملكوت السموات على الأرض هى إجتماع إخوة فى محبة والمسيح حاضر فى وسطها، بل أعطاها سلطاناً للحل والربط. (مت 21:18-35):- حينئذ تقدم إليه بطرس وقال يا رب كم مرة يخطئ إلى أخي وأنا اغفر له هل إلى سبع مرات. قال له يسوع لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات. لذلك يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكا أراد أن يحاسب عبيده. فلما أبتدأ في المحاسبة قدم إليه واحد مديون بعشرة آلاف وزنة. وإذ لم يكن له ما يوفي أمر سيده أن يباع هو وامرأته وأولاده وكل ما له ويوفي الدين. فخر العبد وسجد له قائلا يا سيد تمهل علي فأوفيك الجميع. فتحنن سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين. ولما خرج ذلك العبد وجد واحدا من العبيد رفقائه كان مديونا له بمئة دينار فامسكه واخذ بعنقه قائلا اوفني ما لي عليك. فخر العبد رفيقه على قدميه وطلب إليه قائلا تمهل علي فاوفيك الجميع. فلم يرد بل مضى وألقاه في سجن حتى يوفي الدين.فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدا وأتوا وقصوا على سيدهم كل ما جرى. فدعاه حينئذ سيده وقال له أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إلى. إفما كان ينبغي انك أنت أيضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا. وغضب سيده وسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه. فهكذا أبى السماوي يفعل بكم أن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته. يشبه ملكوت السموات= أى الكنيسة إنساناً ملكاً= هو المسيح الديان. يحاسب عبيده= ليس حساب يوم الدينونة، بل هو تعامل الله معنا الآن ونحن فى الجسد، فمن يغفر لأخيه هنا يغفر له المسيح يوم الدينونة ومن يغلق قلبه عن أخيه يغلق المسيح قلبه من ناحيته. أما يوم الدينونة فلا سماح فيه ولا مسامحة. فلننتهز الفرصة هنا ونغفر فيغفر لنا السيد خطايانا. ولاحظ أن هذا هو الشرط الذى وضعه السيد بعد أن علم تلاميذه الصلاة الربانية (مت 14:6،15). وكان هذا هو التعليق الوحيد على الصلاة الربانية. ولنلاحظ أن من يغفر لأخيه سيغفر له الله، وسيشعر بهذا الغفران فى محبة الآب الحانية فأبو الإبن الضال حين غفر لإبنه وسامحه وقَبِلَهُ، وقع على عنقه وَقَّبلَهُ. فمن يغفر سيشعر بهذه المحبة الأبوية. عشرة ألاف وزنة= لو كانت وزنات ذهب تساوى أكثر من 60 مليون جنيه. ولاحظ أن خيمة الإجتماع إستخدم فيها 29 وزنة (خر24:38) والهيكل إستخدم فيه 3.000 وزنة ذهب فقط، 7000 وزنة فضة (1أى 4:29-7). أماّ لو كانت العشرة ألاف وزنة من فضة فهى تساوى حوالى 2 مليون جنيه.أما المائة دينار فهى تساوى حوالى 3 جنيه وهذا يعنى أن خطايانا تجاه الله رهيبة وديوننا لله لا يمكن لنا أن نوفيها بل نعجز تماماً عن ذلك. لذلك جاء المسيح ليوفى وليغفر. 10.000 العشرة هى رمز للوصايا العشرة التى أخطأنا فيها، والألف هى رمز للسمائيات، فمن يلتزم بالوصايا يحيا فى السماويات. ويشير الرقم لمخالفة الوصايا العشر والعقوبة ضياع السماويات (1000) أمر سيده أن يباع= وذلك حسب الشريعة (لا 39:25-43). يا سيد تمهل علىّ فأوفيك= وكيف يوفى هذا العبد 60 مليون جنيه وهو مفلس، السيد يريد إظهار إستحالة أن نوفى، لذلك جاء هو ليوفى، ولكن لاحظ إستجابة السيد لصراخ وصلاة عبده، وأنه سامحه. والعبد كان يطلب أن يمهله سيده، لكن مهما أمهله كيف يمكن تدبير المبلغ ليسدد. ولكن إستجابة السيد كانت كريمة أكثر من التصور، فقد ترك له كل شئ. ولاحظ بعد ذلك أن إنغلاق قلب العبد من نحو العبد زميله أفقده غفران سيده. وماذا كان دين زميله 100 دينار (إشارة لقطيع الله) إن لم تتركوا من قلوبكم = فالغفران لا يكون بالفم فقط بل من القلب. 7 مرات=هو رقم الكمال 70 مرة سبع مرات= أى الغفران الكامل دائماً ومن هذا نعلم أن القانون العاشر:- إستمرار المؤمن فى الملكوت وتمتعه به مربوط بغفرانه لإخوته من قلبه لكل أخطائهم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن عشر العثرة * التسامح (1) إتضاع الطفولة ( ع 1 - 5 ) : ع 1 : مازال التلاميذ يفكرون فى ملكوت السماوات بطريقة بشرية ، فطلبوا أن يعرفوا من هو الأعظم فى السماء0وهذا يظهر مباحثات وأفكار داخلهم عمن هو الأعظم فيهم ، ومن سيكون رئيساً فى الملكوت الجديد ؛ ومحبة الرئاسة بالطبع نوع من الكبرياء0 ع 2 - 3 : كان رد المسيح عليهم أن الأعظم ، هو المتضع البرئ الذى يحب الكل0وقد قدم لهم إجابته بشكل عملى ، فأقام طفل فى وسطهم ، وطالبهم أن يصيروا مثله فى الإتضاع والبراءة والحب ، فهذه هى شروط دخول الملكوت0ويلاحظ أنه لم يجب على سؤالهم وهو من هو الأعظم ، بل أعلن شروط دخول الملكوت ، ليُفهم أنه بمحبة الرئاسة والكبرياء لن يدخلوا الملكوت0 ع 4 : أجاب المسيح أخيراً على سؤالهم بأن الأعظم هو المتضع والبرىء المطيع لوصايا الله مثل هذا الطفل ، وعلى قدر التميز فى التشبه بالأطفال ، يتمتع الإنسان بالمسيح فى الأبدية0 ع 5 : " باسمى " : أى من أجل المسيح0من ناحية أخرى ، أكرم المسيح الطفولة التى كانت مهملة فى ذلك الوقت من كل فئات العالم ، سواء الرومان أو اليونانيين أو اليهود ، فقد أعلن انتساب الطفولة له ، فمن يقبل طفلاً ويراعيه ويهتم به ، كمن قبل المسيح نفسه ، لأن هذا القبول معناه الحب والحنان0فالناس يهتمون بإضافة وقبول الأغنياء ، ولكن المسيح يوجه أنظارهم إلى قبول الضعفاء والمحتقرين والمحتاجين ، لأن الإهتمام بهم هو اهتمام بالمسيح0 + إهتم ، ليس فقط بالأطفال ، بل بكل إنسان ليس له من يسأل عنه ، أو يعانى ضعفاً ، فمحبتك المقدمة له يفرح بها الله كأنها له شخصياً0 (2) العثرة ( ع 6 - 14 ) : ع 6 - 7 : " الصغار " : أى شخص ضعيف فى قدراته ويمكن إسقاطه فى الخطية ، وهذا يشمل فى الحقيقة كل المؤمنين ، لأن الكل معرض للسقوط فى الخطية0 " لُجَّة البحر " : مِلء البحر وعمقه0العثرة خطية مضاعفة ، إذ يسقط الإنسان فى خطية ويُسقِطَ غيره0وتنتج العثرات من محبة الشهوات العالمية ، وعدم المرونة ، وقلة الإحساس بالآخرين ، خاصة الضعفاء مثل الأطفال0لذا فهى جرم عظيم ، ومن يصر على إعثار غيره ولا يتوب ، فلابد أن يهلك ، ويعبّر عن هلاكه بـ " أن يُعلَّق فى عنقه حجر الرحى " ، وهو حجر ثقيل يستخدم فى سحق الحبوب بأن يدار فوق حجر ثابت0وعندما يُلقى الإنسان المربوط بهذا الحجر ، فإنه حتماً سيغرق فى البحر0فإن كانت العثرات لابد أن توجد لأجل شر الناس ، فالمسيح يعلن أن الويل ينتظر من يسبب عثرة وسقوط غيره ، وصار محكوماً عليه بالهلاك مثل الذى يغرق فى عمق البحر ، الذى يرمز للشهوات العالمية ، فيسهل سقوطه فى خطايا كثيرة ، ويبتعد عن الله0 + دقق فى كلامك ومظهرك وتصرفاتك ، حتى لا تُعثر البسطاء وتُبعدهم عن الله000فكيف تُسقط من مات المسيح لأجلهم ، كيف تسلمهم للخطية باستهانتك ؟! إن الذى يعثر غيره قد تحجر قلبه بشهوات العالم ، ولهذا كانت عقوبته شديدة جداً0 ع 8 - 9 : " الحياة " : يقصد حياتنا فى العالم0 " أعرج000أقطع000أعور " : أى تحيا بدون الشخص أو الأمر الذى تعتبره مهماً مثل عضو من جسدك كرجلك ويدك وعينك0 " جهنم النار " : العذاب الأبدى0بعد أن تكلم عن خطورة إعثار الآخرين ، ينبهنا ألا نعثر نحن ونسقط فى الخطية ، ويقول أنه مهما كان الأمر هاماً ، نتخلّص منه مادام يعثرنا0وأعطى تشبيهات لأعضاء ضرورية فى الجسم مثل الرِجل واليد والعين التى ترمز للأمور الهامة فى حياتنا ، مادامت تقودنا لشهوات رديّة ، فلنبعد عنها ، سواء كان صديق أو قريب أو مكان أو عمل معثر أو هواية ، أو أى شئ يستخدمه إبليس لإسقاطنا فى الخطية0فخير لك أن تعيش فى هذه الحياة الأرضية متنازلاً عن أمر هام ، فتكون كالأعرج أو الأقطع أو الأعور ، من أن تتمسك بما يعثرك ويسقطك فى الخطية ، فتذهب للعذاب الأبدى0 + لا تقل سأترك الخطية وأتمسك بالعلاقة الشريرة ، مادمت قد سقطت ، فاهرب بحياتك من هذه العلاقة ، لأن خلاص نفسك أهم شئ0لا تتهاون وتُلقِ بنفسك فى العذاب الأبدى0ضع فى قلبك أنك لابد أن تحيا للمسيح إلى الأبد ، فتترك عنك كل ما يؤدى إلى الخطية ، حتى لو أساء الناس الأشرار إليك بسبب ابتعادك عن الشر0فاحتمال أى شئ ، حتى الموت نفسه ، أسهل من العذاب الأبدى0 ع 10 - 11 : يتكلم هنا عن الإهتمام بالآخرين ، وعدم إعثارهم بتهاوننا ، مؤكداً قيمة نفوسهم أمام الله ، ويعلن حقيقة إيمانية هامة أن لكل واحد منا ملاك حارس ، فهؤلاء الأطفال أو البسطاء أو الضعفاء ، نفوسهم لها قيمة أمام الله ، ولهم ملائكة يصلّون عنهم دائماً فى السماء0ومن ناحية أخرى ، جاء المسيح لفداء هؤلاء المحتقرين ، وثمن خلاص نفوسهم هو دمه الكريم ، وهو أعظم ما فى الوجود0 + إياك والإستهانة ، فإن سقط بسبب تهاونك أى شخص ، فهذا يحزن الله وملائكته جداً ، والله يستجيب لشفاعة ملائكة هؤلاء الناس ، فيقيمهم من خطاياهم إن تابوا0 ع 12 - 14 : " التسعة والتسعين " : يرمزون للملائكة الذين لم يسقطوا0وقد تُفسّر أيضاً بالأبرار فى أعين أنفسهم ، فيتركهم الله عنه لأنهم لا يشعرون بحاجتهم للخلاص ، ويبحث عن الذى سقط ويشعر أنه شرير0 " على الجبال " : حيث الأمان فى الحظائر المخصصة له0 " الضال " : هو من سقط فى الخطية ويشعر بضعفه0ويرمز أيضاً للبشرية كلها التى ضلّت عن الله ، تمييزاً لها عن الملائكة الذين لم يسقطوا0 " يفرح به " : لأنه كان ضالاً وميتاً ، فعاش ورجع لحياته الحقيقية فى الله بالتوبة0يبيّن محبة الله لمن يعثرون لضعفهم ، بمثل من له مائة خروف وضل واحد فقط ، فهو لا ينشغل بالتسعة والتسعين ، بل يغلق عليهم الحظيرة ، ويخرج يبحث باهتمام حتى يجد هذا الضال0فالله يهتم ويطلب كل إنسان ، مهما بدا ضعيفاً أو حقيراً حتى يخلّصه0 + ثق أن لك مكاناً فى قلب الله لا يملأه أحد غيرك ، فإن سقطت ، تُب سريعاً ، لتعود إلى مكانك فتفرح وتُفرِحه0 (3) التعامل مع المسيئين ( ع 15 - 20 ) : ع 15 : " أخوك " : أى إنسان0 " بينك وبينه " : على انفراد حتى لا تحرجه أمام الآخرين ، أو تثير كبرياءه فيحاول تبرير نفسه0 " ربحت أخاك " : استعدت علاقتك الطيبة معه ، وفى نفس الوقت ، تنقَّى قلبه وعادت علاقته مع الله0يوضح المسيح كيفية التعامل مع من يسئ إليك ، فأول شئ هو أن تحبه ، وتبادر بأن تذهب إليه لإنقاذه من التمادى فى الخطأ الذى وقع فيه0فهو لم يضايقك فقط ، بل أخطأ إلى الله ونفسه ، فتذهب إليه بالحب لتعاتبه ، حتى تُظهر له ما أخطأ فيه0لم يقل توبخه ، لأنه ليس المقصود إظهار أخطائه وإثباتها عليه ، أو أخذ حقك منه ، ولكن المقصود أن تربحه للمسيح ، وتعيده إليه بحبك له واهتمامك بخلاصه ، فتكون طريقة كلامك عتاب محبة بلطف ورقة0 ع 16 : إن رفض سماع عتابك وظل مصراً على خطئه ، فلا تيأس ، بل خذ معك واحد أو إثنين من الأحباء ، وخاصة المعروفين له ، لعله بشفاعتهم يقتنع باستعادة العلاقات الطيبة معك ، وإزالة أسباب الخلاف0فلا يكون عتابك مجرد رأى شخصى لك ، بل إثنين أو ثلاثة يكون رأيهم أكثر تأثيراً0ومن ناحية أخرى ، يكونان شاهدين على المخطئ عند رفع الأمر للكنيسة ، وذلك كما أوصى موسى فى الشريعة ( تث 17 : 6 )0 ع 17 : إن فشلت هذه المحاولة الثانية للصلح ، فلا تيأس أيضاً ، بل أخبر الكنيسة ، أى الكهنة والخدام ، ليحاولوا إقناعه بإزالة الخلاف واستعادة المحبة0وإن أصر على الخطأ ، فعامله كما تعامل الوثنى والعشار ، أى البعيدين عن الكنيسة ، فتحبه وتصلى من أجله ، حتى لو كانت العلاقات مقطوعة بينكما بسبب رفضه ، أو تكون علاقتكما محدودة وليست صداقة0 ع 18 : تسندك الكنيسة فى موقفك حتى لا تلوم نفسك ، فهى من حقها أن تربطه ، أى تمنعه من عضويتها وتناوله الأسرار ، لإصراره على الخطأ0ولكن ، إن عاد وتاب ، فمن حقها أن تحله ، وتكون له شرِكة فى الكنيسة ، والسماء أيضاً بعد نهاية هذه الحياة0وهنا تأكيد مرة ثانية لسلطان الكهنوت فى سر الإعتراف ، ليس فقط لبطرس كما ذكر فى ( ص 16 : 19 )0 ع 19 - 20 : يفتح باب الرجاء لهذا الخاطئ المصر على خطئه ، فبالرغم من حرمان الكنيسة له ، تطالبك أنت وكل من يحبه أن تصلّوا من أجله حتى يتوب0ويشجعنا بأن إتفاق إثنين فى المحبة والصلاة يكون عظيماً فى عينى الله ، فيعطيهما طِلبتهما لرجوع هذا الخاطئ وتوبته0ويؤكد أهمية الصلاة الجماعية باجتماع إثنين أو ثلاثة ، فيحل المسيح ببركة خاصة فى وسطهم ، فهو يبارك كل من يصلى ، ولكن هناك بركة إضافية وحلول خاص للمسيح فى الصلاة الجماعية ، وأعظم صلاة جماعية هى صلاة القداس حول جسد الرب ودمه ، وامتداداً لها صلاة الأسرة فى البيت ، أى الزوجين والأبناء ، ففيها يطلبون من أجل احتياجات البيت وترابطه ، وتشجع أفراده على الحياة الروحية ومحبة بعضهم البعض0 + ليت محبتك تظهر ، ليس فقط لمن يحبونك ، بل بالأكثر لمن يسيئون إليك ، فتسعى بالحب نحوهم لمصالحتهم وكسب نفوسهم0وإن فشلت كل محاولاتك ، فواظب على الصلاة من أجلهم ، مشفقاً عليهم ، فتزداد مراحم الله عليك0 (4) مدى التسامح مع الآخرين ( ع 21 - 35 ) : ع 21 : سأل بطرس المسيح عن مدى احتمال أخطاء الآخرين والتسامح معهم ، هل يسامح سبع مرات ؟ وهذا الرقم ليس صغيراً ، لأن اليهود فى كتابهم " التلمود " ، يقولون أن التسامح ثلاث مرات0ويُفهم من سؤال بطرس أن التسامح له حدود ويسأل عنها0 ع 22 : أجاب المسيح : " بل إلى سبعين مرة سبع مرات " ، أى 490 مرة ، وهذا رقم ضخم ، والمقصود به هو التسامح بلا حدود ، وعدم التفكير فى مدى صِدق المخطئ فى عدم العودة إلى الخطأ0 + إن كان الله يطالبنا أن نتسامح بلا حدود ، فهذا يطمئننا بأن رحمته واسعة جداً ، وغفرانه لا نهائى أيضاً ، مادمنا نتوب ونرجع إليه ، بشرط عدم التهاون ، حتى لا نفقد روح التوبة ونترك الله0 ع 23 - 24 : يوضح المسيح فكرة الغفران بلا حدود للآخرين ، فشبّه ملكوت السماوات ، الذى نود أن نحيا فيه ، وبدايته الكنيسة التى على الأرض ، بملك ( يرمز للمسيح الديّان ) قدموا له عبداً ، أى إنساناً خاطئاً ، مديوناً بمبلغ ضخم جداً ، وهو " عشرة آلاف وزنة " ، ولمعرفة مدى ضخامة هذا المبلغ ، نقول إن الذهب المستخدم فى هيكل سليمان بكل عظمته كان ثمانية آلاف وزنة0والمقصود أن خطايا الإنسان فى حق الله ضخمة جداً ، بل بلا حدود ، لأن الله غير محدود والخطأ فى حقه عقابه غير محدود0 ع 25 : ظهر عجز هذا العبد ، أى كل إنسان فينا يخطئ فى حق الله ، وبالتالى كان حكم الملك ( الله ) عليه ، أن يباع هو وزوجته وأولاده ، أى جسده ومواهبه ، لعلها توفى شيئاً مما عليه ، ولكنها لا تفيد شيئاً أمام هذا الدين الضخم جداً0وبهذا ، يظهر ضعف وشر كل إنسان فينا أمام العدل الإلهى0 ع 26 - 27 : سجد هذا العبد طالباً التمهل عليه ، حتى لا يباع ، أى يُسلّم للشيطان والعذاب الأبدى0وهنا ، يظهر غفران الله له ، إذ سامحه وأطلقه هو وزوجته وأولاده ، والمقصود كما ذكرنا بزوجته : جسده ؛ وبأولاده : مواهبه0أى بدم المسيح الفادى رُفعت عنا خطايانا ، وأعطانا تجديداً لأجسادنا وأرواحنا وكل مواهبنا0فالله بحنانه لم يستجب طِلبه العبد فقط ، أى التمهل عليه ، بل رفع عنه الدين ، لأنه يعرف عجزه عن إيفائه مهما أُعطِىَ له من الوقت0 ع 28 - 30 : بعد أن تحرر هذا العبد من ديونه ، وجد عبداً رفيقه ، أى إنساناً أخطأ فى حقه ، مديوناً له بمائة دينار ، وهو مبلغ ضئيل جداً لا وجه لمقارنته بالعشرة آلاف وزنة ( فهو يساوى واحد إلى مليون وربع )0 " عشرة آلاف " : يرمز رقم عشرة إلى خطأ العبد القاسى فى الوصايا العشر ، ويرمز رقم ألف إلى الأبدية ، أى أنه يستحق العقاب الأبدى0ورغم توسل العبد الثانى للأول أن يتمهل عليه ، فإن العبد الأول كان قاسياً ، ولم يغفر أو يسامح أخيه ، بل ألقاه فى السجن ، أى يريد إهلاك نفسه وعذابه الأبدى0 ع 31 - 34 : " لما رأى العبيد رفقاؤه " ذلك ، وهم يمثلون الكنيسة ، " حزنوا جداً " ، فصلوا من أجل العبد الثانى المُلقى فى السجن0وسمع الملك ، أى الله ، من الكنيسة ، وأحضر العبد الأول ووبخه بشدة لقساوته ، وعدم تقديره للغفران الإلهى الممنوح له ، وقسوته فى عدم الغفران لأخيه0وأمر أن يُلقى فى السجن ، ليوفى ما عليه حتى آخر فِلس من كل ديونه0والمقصود أن يظل فى السجن ، أى العذاب إلى الأبد ، لعدم تسامحه مع من أخطأ إليه ، لأنه لن يستطيع إيفاء هذا الدين غير المحدود0 ع 35 : يؤكد المسيح فى نهاية المثل أن المقصود منه عدم تسامح الله مع من لا يسامح غيره0وقال " أبى " ، لأن من لا يسامح غيره لا يستحق أن يُدعَى الله أباه ، فلم يقل أبوكم0 + قدم توبتك كل يوم أمام الله ، واثقاً من غفرانه ، فتقترن توبتك بالشكر الكثير0وإذ تجاهد لإصلاح أخطاءك ، يسندك الله فيزداد شكرك له ، وحينئذٍ تكون شفوقاً على المسيئين إليك لأنهم مرضى مثلك ، يحتاجون للغفران الإلهى والدواء الشافى منه0فلا تتضايق منهم ، لأن خطاياك فى حق الله أعظم ، بل تصلى لأجل نفسك ولأجلهم ، فتشملكم جميعاً مراحم الله0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح