كلمة منفعة
أحيانًا يوجد غضب مقدس من أجل الله، ولكنه لا يتصف بالعصبية وفقدان الأعصاب، إنما هو غيرة مقدسة.
— الغضب البشري
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
المزمور السابع والثلاثون الودعاء يرثون أرض السلام يظهر من الآية 25 أن داود النبى وضع هذا المزمور فى شيخوخته ، بعد سنوات طويلة من الخبرة ، والتأمل فى قضيته مع شاول الملك ونابال وأبشالوم واخيتوفل وغيرهم . يرى بعض الدارسين أنه نظمه قبل نياحته بثلاث سنوات . أراد داود النبى أن يجيب على السؤال المحير فى أيامه بل وفى كل العصور ، وهو : لماذا ينجح الأشرار ويتألم الأبرار ؟! هذا السؤال يحير الكثيرين ، لكن الإجابة تصير سهلة إن تخطى القلب العالم المنظور ليرى ببصيرته الداخلية أمجاد الأبدية المعدة للمتألمين ظلما ، فلا يفكر البار فى حسد الأشرار ، ولا يتحطم بسبب ما يواجهه من الآم ومتاعب . يعطى هذا المزمور للقلب سلاما ، وينزع عن النفس كل تذمر ، حيث يدرك المؤمن معاملات الله معه . مزمور نبوى عظيم يكشف عن غنى البركات الممنوحة لكنيسة العهد الجديد ، إن لم يكن المزمور بكامله يتحدث عن شخص السيد المسيح ، فموضوعه الرئيسى هو المسيح . يشبه البعض كلماته بأحجار كريمة أوحبات لؤلؤ مصفوفة معا فى خيط واحد لتصنع عقدا ثمينا . الوصية الأولى : عدم حسد الأشرار على نجاحهم الزمنى : " لا تغر من فاعلى الشر ، ولا تغر من عاملى الإثم ، فإنهم مثل العشب سريعا يجفون ، ومثل بقول الخضرة عاجلا يسقطون " [ 1 ، 2 ] . يبدأ المزمور بنصح الأبرار ألا يغيروا من الأشرار ، مؤكدا لهم أن يوم مجازاتهم آت لا محال ، حينما يحاسبهم الله يجفون مثل العشب ويسقطون كبقول الخضرة ، يطلب المرتل من الأبرار ألا يهتزوا عند رؤية الأشرار حتى لا يتمثلوا بهم . الوصية الثانية : تركيز النظر على الله وسكنى بيته : " اتكل على الرب واصنع الخير ، واسكن على الأرض وارتع من ثروتها " [ 2 ، 3 ] . ربما يسأل إنسان : كيف لا أغر من الأشرار الذين ينجحون بينما يتألم الأبرار ؟ تأتى الإجابة هنا : الإيمان بالله والتمتع بالحياة الكنسية الغنية بثروتها الروحية ! فى الوصية الأولى يحذرنا من الغيرة والحسد بسبب نجاح الأشرار ، أما هنا فيقدم لنا الجانب الإيجابى : الأرتماء فى أحضان الله والتمتع ببركات الحياة الإنجيلية الكنسية . الوصية الثالثة : الفرح بالرب " افرح بالرب فيعطيك مطلوبات قلبك . اكشف للرب طريقك ، واتكل عليه وهو يصنع " [ 4 ] . مع كل وصية ترتفع النفس فى طريق الإيمان ، ففى الأولى تبدأ بالجانب السلبى بعدم حسد الأشرار بسبب ازدهارهم الزمنى ، والثانية تتكىء النفس على صدر عريسها السماوى وممارسة الحياة الكنسية الروحية بكونها عروس السماوى ، وأما الثالثة فتتلذذ النفس بعريسها الرب ، تعطيه قلبها وتطلبه شبعا لقلبها فلا يبخل عليها بمطلوبات واشتياقات قلبها . الوصية الرابعة : إلقاء الهم على الله : " اكشف للرب طريقك واتكل عليه وهو يصنع . ويخرج مثل النور عدلك ( برك ) ، ومثل الظهيرة أحكامك ( حقك ) [ 5 ، 6 ] . إذ نجد فى الرب بهجتنا ولذتنا ، يليق بنا أن نصارحه بكل مخاوفنا وهمومنا وكل أمورنا الكبيرة والصغيرة وهو يصنع أو يجرى كل حياتنا حسب مشورته الصالحة . إذ نؤمن بالله فى حياتنا العملية اليومية لا نخف الغيوم المحيطة بنا ، بل نثق فى شمس البر المختفى وراءها ، هذا الذى يشرق على مؤمنيه الأتقياء ليعلن براءتهم وحقهم . الوصية الخامسة : الخضوع للرب : " اخضع للرب وتضرع إليه ، ولا تغر من الذى طريقه ناجحة فى حياته . بإنسان يصنع الإثم " [ 7 ] إذ يستنير الإنسان بنور الصليب كما فى الظهيرة يدرك كمال حبه ورعايته فيخضع له تماما ولا يرتبك لا بنجاح الشرير ولا بمكائده . من ينشغل بصليب رب المجد لا يتذمر حتى إن بدت خطط الأشرار ناجحة ، فإن الله المخلص صانع خيرات يحول حتى شرور الأشرار لخلاصنا ، كما حول مقاومة اليهود لخلاص العالم ، وخيانة يهوذا لتحقيق الصليب . الوصية السادسة : الكف عن الغضب : " كف عن الرجز ( الغضب ) ، ودع الغضب عنك ، لا تغر لئلا تخبث . لأن الخبثاء يستأصلون . والذين يصطبرون للرب هم يرثون الأرض ، وأيضا بعد قليل لا يوجد الخاطىء ، وتلتمس مكانه فلا تجده . أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون بكثرة السلامة " [ 8 - 11 ] . إن كان الأشرار ماكرين وخبثاء ، يليق بالأبرار ألا يغضبوا لئلا يسقطوا فيما يسقط فيه الأشرار بفقدانهم الصبر والوداعة . يقدم المرتل أفضل تعريف للودعاء ، إنهم أولئك الذين اختاروا طريق الإيمان بصبر لمزمور اكال عسا ادس والثلاثون شر الإنسان وصلاح الله نقرأ فى المزمور السابق عن داود كخاد الرب ، أما فى هذا المزمور فيتحدث المرتل عن الإنسان الشرير وتغربه عن الله . يحوى هذا المزمور متناقضات قوية ، فيبرز الإنسان فى منتهى فساده والله فى كماله المتعدد الجوانب . حسب النص السريانى يشير هذا المزمور إلى اضطهادات شاول لداود النبى . سمات الشرير : أبرز المرتل سر شر الشرير وسماته فى النقاط التالية : 1 فساد قلبه : لا يستطيع الشرير أن يعتذر بعلل خارجية ، فإن شره نابع عن فساد قلبه أو طبيعته الداخلية ، إنه يحمل فى حضنه إيحاء بالشر . طبيعته الساقطة هى مصدر الشر وأساسه . وكما أوضح السيد المسيح ذلك بقوله : " لأن من القلب تخرج أفكار شريرة قتل زنى فسق سرقة شهادة زور تجديف " مت 15 : 19 . ويقول المرتل فى إفتتاحية هذا المزمور : " يقول مخالف الناموس أنه يخطىء فى ذاته " [ 1 ] . ويقول النبى إرميا : " القلب أخدع من كل شىء وهو نجيس من يعرفه ؟! " 17 : 9 2 لا يحمل خوف الله : " ليس مخافة الله أمام عينيه " [ 1 ] . كثيرا ما تحدث المرتل عن " مخافة الرب " بكونها رأس الحكمة ومصدر البركة ، وقد ميز بين مخافة المبتدئين ومخافة الكاملين ، أو بين مخافة العبد ومخافة الإبن . عندما تنزع " مخافة الله " من أمام القلب ، أو من أمام البصيرة الداخلية أو عينى النفس ، يتهيأ الإنسان لأقتراف أى شر . 3 مخادع لنفسه : " لأنه صنع الغش قدامه ، ليظفر بإثمه فيبغض " [ 2 ] ، أو " لأنه ملق نفسه لنفسه " . كثيرا ما يقدم سفر المزامير الإنسان الشرير كمخادع ينتسب للشيطان المدعو " الكذاب " ، و " أبو الكذابين " ، أما البار فيحمل حق المسيح ، وينتسب للحق ذاته . الإنسان الشرير فى غشه لا يخدع الآخرين فحسب ، وإنما يخدع نفسه أيضا ، يتملق نفسه بنفسه من جهة إثمه وبغضه ، مموها الحقائق ، إذ لا يكون إثمه ممقوتا فى عينيه ، حيث يغلفه بثوب الفضيلة . 4 إرادته شريرة : " لم يرد أن يفهم ليعمل الخير " [ 3 ] . إنه يتوقف عن أن يتعقل أو يفهم ، لأنه يريد ألا يعمل خيرا . هنا يعلن المرتل مسئولية الشرير الكاملة عن عدم ممارسته الخير . 5 محب للظلمة أكثر من النور : " فكر إثما فى مضجعه " [ 4 ] إذ أخطأ داود النبى صار يعوم كل ليلة سريره بدموعه ، أما الشرير فيحيك الشرور فى الليل على فراشه ، لا ينام حتى يفعل السوء . يتأمل الصديق فى الله طول النهار ، فيحمل معه أفكارا مقدسة تضىء حياته حتى فى أحلام يقظته وأحلامه ، أما الشرير فيحمل معه فى فراشه قلبا مظلما ، يخطط فى الشر ، ويفكر فيه حتى فى نومه . أفكارنا ونحن على مضجعنا كثيرا ما تعبر عما تحمله قلوبنا طوال النهار ، وتعكس اشتياقاتنا الخفية . 6 يكره الصلاح : " وقام فى كل طريق غير صالح ، وعن الشر لم يعرض " [ 4 ] فى الظلمة يفكر فى الشر على سريره ، وفى النهار يقوم فى كل طريق غير صالح ، لهذا لا يعرض عن الشر لأنه لا يكرهه بل يحبه . فى الليل تأسر الخطية أفكاره ، وفى النهار يتمم مشورتها بسلوكه . ميثاق الله [ 5 - 11 ] بعدما تحدث عن أسباب الشر الخفية وسمات الشرير يفتح المرتل أبواب الرجاء لكل نفس تتمتع بميثاق الله ومراحمه . 1 مراحم الله وعدله سمائيون : " يارب فى السماء رحمتك وبرك إلى السحاب ( الغمام ) " [ 5 ] . يقوم ميثاق الله مع كنيسته على أساس مراحمه الجزيلة غير المنفصلة عن عدله أو بره . مراحمه سماوية وبره يبلغ إلى السماء ... 2 ثبات عدل الله وقوة أحكامه : " عدلك مثل جبال الله ، أحكامك مثل العمق العظيم " [ 6 ] . إن كانت خطايانا قد نزلت بنا كما إلى لجة عظيمة ، إلى أعماق الهاوية ، فإن أحكام الله أو تدابيره لا ترفعنا فقط من العمق ، وإنما تهبنا بره فنصير جبال الله العالية التى يشرق عليها شمس البر ويمطر عليها بنعمته فيكسبها خصوبة وجمالا . 3 شمول مراحمه : " الناس والبهائم تخلصهم يارب " [ 6 ] تستعلن مراحم الله غير المتناهية من خلال عنايته التى تحتضن الناس والحيوانات . ربما يقصد بالناس " المؤمنين " ، وبالبهائم " الأشرار " الذين تركوا لشهواتهم الجسدية العنان فصاروا أشبه بالحيوانات غير العاقلة . 4 فيض حنوه : " مثل ما أكثرت رحمتك يا الله . وبنو البشر فى ظل جناحيك يحتمون " [ 7 ] تصوير الأحتماء بظل جناحى الله مستمد من : أ جناحى عوض الإتللىلملذات ، هذا الطريق تتضح معالمه تماما فى العبارات التالية . بينما العالم يموج بالأهتمام بما لا طائل منه ولا نفع له ، يمضى الودعاء فى سلام عجيب عابرين من الأرض إلى السماء . لا تمتلىء قلوبهم بالتذمر ولا الغضب وبالتالى لا موضع للخبث فيهم ، لهم سلام الله كعربون لكمال التطويب الأبدى . " فم الصديق يتلو الحكمة ، ولسانه ينطق بالحكم . ناموس الله فى قلبه ، ولا تتعرقل خطواته " [ 30 ] . لم يسبق أن صادفتنا كلمة " الحكمة " فى سفر المزامير من قبل ، وهى تشير إلى معرفة الإرادة الإلهية والأمور المقدسة الصادرة عن كلمة الله ، بسكنى روحه القدوس وخلال خبرة الشركة مع المخلص . عطية الله أن يتمتعوا بالسيد المسيح عاملا فى فمهم وعلى لسانهم وفى قلوبهم وسلوكهم ، إذ هو الحكمة التى يتلوها الصديق ، وهو العدل ( الحكم ) الذى ينطق به لسانه ، وهو ناموس الله المتجلى فى قلبه وقائد خطواته . + + +