كلمة منفعة
كثيرون يقدمون أعذارًا يغطون بها خطاياهم حتى لا يلاموا، ويغطون بها تقصيراتهم في عمل الخير..
— مشكلة الأعذار
سفر التكوين 32
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والثلاثون
يعقوب يستعد لملاقاة عيسو
(1) لقاء مع الملائكة ( ع 1 ، 2 ) :
ع 1 : كان يعقوب يفكر في لقاء أخيه عيسو وهل سيقبل ملاقاته أم سيرفض أو يحاول الإنتقام منه نتيجة ما فعله معه منذ 20 عاماً عندما سرق بركته . لذا طمأنه الله من خلال لقائه مع لابان إذ ظهر الله ومنع لابان من الإساءة إليه وعقد معاهدة صلح . والآن يطمئنه للمرة الثانية بعد تحركه نحو أخيه لملاقاته ، فتظهر له مجموعة من الملائكة كما ظهر له قديماً عند هروبه من عيسو في حلم السلم ليؤكد له أنه لم ينسَ وعده بالمحافظة عليه مادام متمسكاً بإيمانه .
ع 2 : محنايم : تقع شرق نهر الأردن عند منتصفه تقريباً بينه وبين نهر يبوق الذي يتفرع من منتصفه تقريباً شرقاً ويتجه نحو الشمال . عندما رأى يعقوب الملائكة فرح جداً وقال هذا جيش الله واطمأن قلبه ودعا إسم المكان الذي ظهروا له فيه " محنايم " أي " معسكرين " ويعني معسكر أو جيش الملائكة في السماء ومعسكر الله على الأرض الذي هو يعقوب وأسرته . فالكنيسة تتكون من شق في السماء وشق مازال يجاهد على الأرض .
+ الله يهتم بمشاعرك مادمت تطلبه وتريد أن تحيا معه ، وهو يسعى نحوك ويُظهر لك محبته بأشكال كثيرة ليطمئنك ، فتمتع به واشكره وتحرك في طريقك في الحياة مستنداً على يده .
(2) إرسال رسل إلى عيسو ( ع 3 - 8 ) :
ع 3 : أرض سعير : سعير معناها مُشعِر وأرض سعير هي سلسلة جبال تمتد من خليج العقبة إلى البحر الميت . أدوم : معناه أحمر والمقصود به نسل عيسو الذي يسكن في أرض سعير التي كانت ملكاً للحويين وتملكها نسل عيسو منهم . رغم طمأنة الله ليعقوب لكنه مازال في داخله خوف من إنتقام عيسو منه ، فأرسل رسلاً من عبيده إلى عيسو ليعرف مشاعره نحوه ، فاتجه الرسل جنوباً بجوار نهر الأردن والبحر الميت حتى وصلوا إلى جبال سعير وبهذا اعتمد على تفكيره البشري ولم يستشر الله .
+ إن كان في داخلك قلق أو خوف فالتجئ إلى الله مرات كثيرة ولا تندفع في قلقك لتأخذ قرارات تظن أنها تحميك ولكنها في الحقيقة تزيدك قلقاً وقد تضرك . أطلب الله فهو قريب منك وسيرشدك إلى خيرك .
ع 4 ، 5 : أعطى يعقوب رسله رسالة إلى عيسو ، مملوءة بالإتضاع والخوف وتحمل أيضاً معاني الحب ، وأخبره فيها أنه تغرب 20 عاماً عند خاله لابان وباركه الله بعبيد ومواشي كثيرة وهو راجع إلى كنعان ويترجى أن يجد نعمة وقبول في عينه . ويظهر إتضاعه من مناداته له سيدي مع أنهما أخوان بل أنَّ يعقوب قد نال من الله السلطان على أخيه كبركة من إسحق .
ع 6 : أبلغ الرسل عيسو بهذه الرسالة ، وقد وجدوه غنياً جداً ، ولما سمع خرج ومعه 400 رجل من عبيده للقاء يعقوب . وهذا يعني أحد أمرين :
1- إما فرحاً وترحيباً بلقاء أخيه .
2- أو إستعداداً للإنتقام من أجل حرمانه من بركة أبيه .
وكان عيسو قد قرَّر الإنتقام من أخيه ولكن بعد موت أبيهما ... فهل يا ترى مازال مُصِراً على الإنتقام ؟ .. وهل سينتقم الآن أم يؤجل ذلك بعد موت إسحق ؟ .. أم قد هدأ ونسى ما حدث بعدما باركه الله بنسل وعبيد كثيرين . لا نستطيع أن نعلم وقد تكون مشاعر الإشتياق لأخيه قد إختلطت مع مشاعر الإنتقام والضيق ، وعلى أي حال فالأمل في تدخل الله ليوفق بين الأخين .
ع 7 ، 8 : عندما سمع يعقوب من رسله خبر خروج عيسو برجاله الكثيرين للقائه ، خاف جداً إذ تذكر قرار الإنتقام الذي أعلنه عيسو منذ 20 عاماً .. وهكذا لم يستفد يعقوب من إعتماده على تفكيره وإرساله الرسل بل زاد خوفه ، فقسَّم من معه إلى مجموعتين وفصل بينهما حتى إذا هجم عيسو على مجموعة تجد الأخرى فرصة للهرب .
(3) صلاة يعقوب ( ع 9 - 12 ) :
ع 9 : بعد أن فشلت محاولات يعقوب البشرية ، إلتجأ إلى الله . ويذكر هنا نص صلاته وهي أول صلاة تذكر بنصها في الكتاب المقدس وتشمل معاني كثيرة أهمها :
1- شعوره ببنوته لله وعلاقته الخاصة به إذ يدعوه إله آبائه ، فهذا يجعله يتكلم بدالة وثقة .
2- يعلن خضوعه لأوامر الله الذي أمره أن يرجع من حاران إلى كنعان ، فهو بهذا يؤكد تبعيته لله واحتمائه به .
ع 10 : 3- يعلن باتضاع عدم إستحقاقه للطف وبركات الله التي وهبها له .. وهكذا تمتزج الدالة والثقة بالله مع الإتضاع الشديد .
4- يشكر الله ويعلن أنه صاحب كل الفضل والبركة عليه ، لأنه عندما هرب من وجه عيسو وعبر نهر الأردن في طريقه إلى حاران لم يكن يمتلك شيئاً على الإطلاق . وبعد عودته من حاران إلى كنعان باركه الله فصار جيشين أي مجموعتين تشمل نساءه وأولاده وعبيده وممتلكاته ، فهو بنفسه لا شئ أما بركة الله فجعلته عظيماً جداً .
ع 11 : الأم مع البنين : يقصد زوجاته وأولاده .
5- طلب من الله أن ينقذه من يد أخيه عيسو الآتي للإنتقام منه لأنه إن لم يتدخل الله فسيقتل كل من معه الكبار والصغار .
ع 12 : 6- ذكَّر الله بمواعيده له بالبركة والنسل الكثير . والله يفرح بأولاده المتمسكين بوعوده ويذكرونه بها أي يطالبونه أن يعتني بهم .
+ إظهر مشاعرك لله في حب واتضاع واطلب منه ما تريد فهو أبوك السماوي الذي يحبك ويفرح بكلماتك ويسندك مهما كان ضعفك ، بل إنَّ كلماتك القليلة غالية جداً عنده .
(4) إرسال هدايا لعيسو ( ع 13 - 23 ) :
ع 13 : إستراح يعقوب جزءاً من الليل وفكر أثناءه في إرسال هدايا لأخيه عيسو حتى يحنن قلبه عليه ويصنع معه علاقات ودية تنسيه مشاعر الضيق والإنتقام .
+ لا تنزعج من مشاعر الشر إن أحاطت بك واعلم أنَّ المحبة أقوى من الكراهية ، فصلي من أجل من يعادونك وقدِّم لهم محبة في كلمات طيبة أو هدايا أو خدمات حتى لو لم يرحبوا بها في البداية ولكنهم يتأثرون بها تدريجياً فتزيل الشر من قلوبهم وتحتفظ بسلامك وتكسب قلوب الكثيرين . وهذا ليس ضعفاً بل هي القوة الحقيقية أن تغير قلوب الناس من الشر إلى الخير ، ولا تهتم بما يقولونه عنك في البداية ، أي أنك ضعيف أو يفكرون في استغلالك ، فأنت الأقوى بحبك وترضي الله الذي يسندك ويخضعهم لك ويبارك حياتك .
ع 14 ، 15 : الناقة : إنثى الجمل . تيس : ذكر الماعز : الأتان : أنثى الحمار . نعجة : أنثى الضأن أو الخروف . عنزة : أنثى الماعز . كبش : ذكر الضأن أو الخروف . يذكر تفاصيل الهدية المرسلة إلى عيسو وهي مجموعة من قطعان المواشي يبلغ عددها 580 رأس ، وهي هدية عظيمة وتعني أمرين :
1- غِنى يعقوب الكبير .
2- محبته الكبيرة وخوفه من عيسو ومحاولة إسترضاءه .
ع 16 : فسحة : مسافة كافية . قسَّم الهدية إلى مجموعة هدايا ، كل قطيع أعطاه لبعض عبيده وغالباً قُسِّمت إلى خمسة قطعان ، وجعل مسافة كافية بين كل قطيع والآخر لتظهر بوضوح أنها خمسة هدايا فتؤثر تدريجياً على قلب عيسو وتمتص كل غضب داخله .
ع 17 - 20 : أوصى عبيده الذين يقودون القطعان أنه عندما يلتقي كلٍ منهم بعيسو ويسأله عن شخصيته وما معه يقول له هو هدية من عبدك يعقوب . وقال في نفسه بهذا أسترضيه وأنال عطفه قبل أن أقابله .
ع 21 : بعث يعقوب بهديته أمامه إلى عيسو ، أما هو فبات أو استراح جزءاً من الليل في المكان الذي نصب فيه خيمته .
ع 22 ، 23 : مخاضة : جزء من النهر قليل العمق يمكن إجتيازه مشياً على الأقدام وعرض النهر صغير في هذه المنطقة . يبوق : هو أحد روافد نهر الأردن يتفرع من منتصفه تقريباً كما ذكرنا ، على بعد 23 ميلاً شمال البحر الميت ومعنى إسمه المتدفق ويسمى حالياً الزرقاء . عبرت الهدية مع عبيده إلى عيسو ثم عبر باقي عبيده مع كل ممتلكاته نهر يبوق متجهين جنوباً نحو البحر الميت وبقى فقط مع يعقوب زوجاته وأولاده ، فعبر بهم نهر يبوق مشياً على الأقدام متجهين نحو الجنوب كقافلة أمامه أما هو فبقى وحده باقي الليلة .
(5) مصارعة الله ( ع 24 - 32 ) :
ع 24 - 26 : حُق فخذه : مكان إتصال الفخذ بالبدن . بعد أن سارت قافلة زوجاته وأولاده مسافة في طريقهم إلى مقابلة عيسو ، وكان ذلك أثناء الليل ، بقى يعقوب وحده ووقف يصلي طالباً معونة الله في مقابلته لعيسو ليصرف غضبه ولا ينتقم منه . وفيما هو يصلي أراد الله أن يطمئنه ، فظهر له بشكل ملاك أو أرسل إليه ملاكاً له صورة إنسان فشعر يعقوب أنه كائن سماوي فأسرع ليمسك به ويطلب معونته ، فتظاهر الملاك كأنه يريد أن ينصرف عنه أما هو فتشبث به طالباً بركته لأنه شعر أنه مرسل من الله . وظل يعقوب يتضرع إليه متشبثاً به طوال الجزء الباقي من الليل حتى طلع الفجر ، وتظاهر الملاك بالضعف أمام يعقوب كأنه غير قادر على التخلص من التشبث به وذلك ليشجعه وهو مستمر في طلب بركته ومعونته بل يقول له " لا أطلقك إن لم تباركني " لأني محتاج جداً أمام قوة عيسو المقبل عليَّ . وفي النهاية لم يباركه الملاك فقط بل ضربه أي لمسه على حُق فخذه فانخلع الفخذ جزئياً من البدن ، فتألم يعقوب ولكنه ظل مُمسكاً بالملاك طالباً معونته . وهذا يُظهر مدى تمسك يعقوب بالله وإحساسه بضعفه واحتياجه .
+ جاهد في صلواتك مع الله واطلب منه كل ما تريد . ألحَّ عليه معلناً إحتياجك بدالة البنين فهو يفرح بإيمانك وتمسكك به ، وإذ يظهر مدى جهادك يعطيك حتماً بركات كثيرة . لا تتشكك أو تيأس وتمسَّك بالله .
ع 27 ، 28 : غيَّر الملاك إسم يعقوب إلى " إسرائيل " ومعناه " يصارع الله " ، وذلك تكريماً ليعقوب بسبب جهاده الروحي في الصلاة وإيمانه واتكاله عليه ومن جهة أخرى بسبب احتماله للآخرين مثل لابان حتى باركه الله وأغناه وصرفه بسلام من عنده . وهو بهذا قدوة لكل نسله في التمسك بالله والمعاملة الحسنة مع الآخرين لأنَّ نسله تسمى بهذا الإسم أي بني إسرائيل .
ع 29 : سأل يعقوب الملاك أو الشخص الروحاني الذي ظهر له عن إسمه فلم يجبه ، لأنه كان قد فهم أنه كائن روحاني من السماء ، وأعطاه احتياجه وهو البركة ثم صعد عنه .
ع 30 : فنيئيل أو فنوئيل : معناها وجه الله . فرح يعقوب فرحاً لا يُعبَّر عنه لأنه رأى الله وشعر بحضرته من خلال لقائه مع الملاك فدعا إسم المكان فنيئيل .
ع 31 ، 32 : في الصباح إذ أشرقت الشمس ، إطمأن يعقوب وتحرك نحو الجنوب ليلحق بزوجاته وأولاده وكان متألماً من ضربة الملاك فكان يعرج في مشيه . وقد سمح الله له بهذا الألم طوال حياته حتى لا يتكبر بسبب رؤيته وصراعه مع الله بل يشعر دائماً بضعفه واحتياجه فيظل يتمتع بعمل الله معه . وعظَّم نسل يعقوب هذا الحدث العظيم في حياة أبيهم فصاروا لا يأكلون عِرق النسا ، وهو العصب الممتد بالرِجل ، تقديراً وإجلالاً لهذه الحادثة العظيمة أي لقاء يعقوب مع الله الذي نتج عنه الألم الظاهر في مشيه .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح