كلمة منفعة
قد تكون ابنًا لله، وخادمًا في الكنيسة، ومواظبًا على أعمال روحية، ومع ذلك فأنت واقع تحت وطأة الحزبية، وخاضع لمشاعرها..!
— الحزبية
سفر التكوين 32
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والثلاثون الاستعداد لملاقاة عيسو إن كان يعقوب قد ارتبك جدًا وخاف من لقائه مع أخيه عيسو، لكن الله هيأ قلبه لهذا اللقاء بظهوره لخاله لابان مؤكدًا له أنه هو الحافظ له والمدبر لحياته، وفي الطريق ظهر الله له وسمح له بمصارعته ليهبه اسمًا جديدًا تحمله كنيسة العهد القديم عبر الأجيال. ١. يعقوب مع ملائكة الله ١-٢ ٢. يعقوب يبعث رسلاً لأخيه ٣-٨ ٣. يعقوب يلجأ لله إله أبيه ٩-١٢ ٤. يعقوب يرسل هدية لأخيه ١٣-٢٣ ٥. يعقوب يصارع مع الله ٢٤-٣٢ ١. يعقوب مع ملائكة الله: "وأما يعقوب فمضى في طريقه ولاقاه ملائكة الله، وقال يعقوب إذ رآهم: هذا جيش الله، فدعا أسم المكان محنايم" . إن كان لابان قد عاد مع أخوته إلى أرضه التي وضع قلبه فيها، فإن يعقوب بدوره انطق مع أسرته وكل ممتلكاته نحو الكنعان، وكأنه منطلق نحو كنعان السماوية، نحو أرض الموعد، لذا لاقته ملائكة الله. يعقوب يمثل الكنيسة المتغربة على الأرض تنطلق بقلبها وبأعضائها وبكل ما لها نحو حضن الآب بالروح القدس خلال اتحادها في المسيح يسوع رأسها وثبوتها فيه، تسير مختفية في مسيحها ومستندة أيضًا. بجيشه (ملائكة الله). هذا ما نظره يعقوب، إذ قال: " هذا جيش الله"... فنحن نسير في موكب إلهي ترافقنا الملائكة المحبين لخلاصنا. يبدو أن عدد الملائكة كان ضخمًا حتى دعاهم يعقوب "جيش الله"، وقد دعى الموضع "محنايم" ويعني "معسكرين" أو "محلتين"، إذ كان يعقوب بقومه يمثل جيشًا منظورًا، والملائكة الحافظة لهم تمثل جيشًا إلهيًا غير منظور. يرى العلامة أوريجانوس أن الكنيسة وهي تضم خائفي الرب إذ تجتمع معًا تجتمع أيضًا ملائكة الله التي تحوط بخائفيه، فيكون مع الكنيسة المنظورة الكنيسة من الملائكة غير منظورة... يجتمع الكل معًا في المسيح يسوع حجر الزاوية، الذي يوّحد الأرضيين مع السمائيين. هكذا تصير الكنيسة "محنايم" أي تصير معسكرين (أو محلتين) متحدين معًا. ٢. يعقوب يبعث رسلاً لأخيه: إن كان الله قد أعطى يعقوب درسين، الأول خلال ظهوره للابان القادم إليه ليصنع به شرًا إذ أوقفه عن هذا العمل، والثاني بظهور ملائكة الله له، فإن يعقوب في ضعفه البشري كان يخاف غضب أخيه فأرسل أليه رسلاً ليختبر شعوره نحوه. وكان عيسو في أرض سعير في بلاد أدوم، والاسمان يخصان عيسو نفسه، كان يُدعى سعير أي كثير الشعر، وأدوم تعني أحمر أو دموي (تك ٢٥: ٢٥). وربما دعيت المنطقة سعير بسبب كثرة الأشجار كأنها أشبه بالشعر الذي يغطي الجسم، وقد امتدت بلاد سعير من خليج العقبة إلى البحر الميت، وكانت ملكًا للحويين (تك ١٤: ٦)، استولى عليها عيسو. أرسل يعقوب الرسل وبعث معهم رسالة استعطاف دون استشارة الرب أو طلب عون له... وإن كان في رسالته استخدم روح المحبة والاتضاع، ملقبًا أخاه "سيدي". سمع عيسو الرسالة وكان غنيًا جدًا حتى خرج للقاء أخيه ومعه أربعمائة رجل من عبيده، الأمر الذي أرعب قلب يعقوب فضاق به الأمر ، ففكر في تقسيم موكبه إلى جيشين حتى إذا هاجم عيسو الجيش الأول يهرب الآخر، كما فكر في تقديم هدية محبة استرضاءً لأخيه. لا يُلام يعقوب في تدبيره للأمر، خاصة وأنه عمل بحكمة وفي إتضاع، لكنه يُلام على عدم استشارته للرب! ٣. يعقوب يلجأ لله إله أبيه: إذ ضاق الأمر بيعقوب وخشى أخاه عيسو التجأ إلى الله بالصلاة وجاءت صلاته قوية وفعالة، إذ اتسمت بالآتي: أولاً: يتحدث مع الله خلال العلاقة الشخصية فيدعوه: "يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحق" . لا يتحدث مع الله بكونه إلهًا معتزلاً البشرية، ولا كمحب للبشر بوجه عام، بل كآب له ولعائلته. ما أجمل أن يشعر الإنسان أنه على مستوى العلاقة الشخصية مع الله، الأمر الذي وضح في حياة القديس أغسطينوس حتى قال في إحدى مناجاته أنه يتخيل كما لو لم يوجد في العالم غير الله وهو؛ يهبه الله كل الحب، ويرد هذا الحب بتقديم كل قلبه لله. ثانيًا: يُذكر الله بمواعيده: "الرب الذي قال لي أرجع إلى أرضك وإلى عشيرتك فأحسن إليك" . يفرح الله بأولاده الذي يصرون على تحقيق المواعيد الإلهية ويتمسكون بها في دالة البنوة. ثالثًا: يشعر في صلواته بالضعف أمام غنى محبة الله الفائقة، وكأنه يخجل أن يطلب بعد شيئًا، إذ يقول: "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك" . فما يطلبه الآن إنما هو امتداد للتمتع بغنى محبة الله العملية التي ذاقها وذاب فيها! لا يطلب كمن له حق أو كمن يسأل الله أن يرد له شيئًا عن عمل صالح فعله، إنما يسأله أن يعطيه كما قد عوده كل أيامه السابقة، إذ كان ولا يزال غنيًا وسخيًا في عطائه له. رابعًا: يقول يعقوب: "فإني بعصاي عبرت هذا الأردن والآن قد صرت جيشين" [ . حين ترك يعقوب بيت أبيه خرج فارغ اليدين لا يملك سوى عصا في يده، والآن يرجع بجيشين عظيمين. وكأنه بالمؤمن وقد أنطلق من العالم يحمل في قلبه عصاه أي صليبه كسر قوته، خلال هذه العصا الإلهية التي صارت له يصير في عيني الله كجيشين عظيمين، إذ يتقدس بروحه كما بجسده، وتقدم الروح كل طاقاتها كما يقدم الجسد كل حواسه مقدسة في الرب! ويرى الأب قيصريوس في منظر يعقوب وهو خارج بعصا ليعود بجيشين صورة رمزية للسيد المسيح، إذ يقول: [استخدم يعقوب عصاه ليقتني زوجته، أما المسيح فحمل خشبة الصليب ليخلص الكنيسة]. أخيرًا: بعد أن نسب الله لنفسه وعائلته، وبعد أن ذكره بمواعيده الإلهية، وأعلن حقه في المواعيد لا عن بر صنعه إنما عن غنى محبة الله المتزايدة، وبعد أن تحدث عن الجانب الإيماني الخاص بفاعلية الصليب (عصاه) أخيرًا سأله أن ينجيه! ليتنا لا نعرض مشاكلنا ومتاعبنا واحتياجاتنا إلاَّ بعد تقديم ذبيحة شكر لله والتمتع بحديث وديّ معه واستعراض أعماله العجيبة معنا! ٤. يعقوب يرسل هدية لأخيه: بحكمة بعث يعقوب إلى أخيه هدية محبة يطفئ بها لهيب الغضب الذي اشتعل منذ حوالي عشرين عامًا، مقتنيًا محبته مقابل حوالي ٥٨٠ رأس غنم وبقر وآتان الخ... وقد أرسل الهدية مجزئة، كل هدية تليها هدية حتى يأسر قلب أخيه. ومع الهدية قدم اتضاعًا، إذ سأل حاملي الهدايا أن يقولوا: "لعبدك يعقوب هو هدية مرسلة لسيدي عيسو، وها هو أيضًا وراءنا" ، "وتقولون: هوذا عبدك يعقوب أيضًا وراءنا، لأنه قد استعطف وجهه بالهدية السائرة أمامي وبعد ذلك أنظر وجهه، عسى أن يرفع وجهي" . ليتنا إن أمكن نسالم جميع الناس، فنكسب كل واحد كصديق لنا بأمور هذا العالم الزائل، وبروح الاتضاع الذي يرفعنا في عيني الله والملائكة والناس أيضًا! أخيرًا أخذ يعقوب امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق، أي نهر يبوق، ويعني "المتدفق" هو أحد روافد نهر الأردن يبعد حوالي ٢٣ ميلاً شمالي البحر الميت، يدعى الآن الزرقاء. ٥. يعقوب يصارع الله: "فبقى يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر" إذ اجتاز يعقوب وأسرته نهر يبوق انفرد للخلوة، وكأنه كان يستعد للقاء عيسو خلال لقائه مع الله، وقد ظهر له إنسان، يرى غالبية الدارسين أنه ملاك على شكل إنسان، وليس كلمة الله، لكنه يمثل الحضرة الإلهية، إذ يقول يعقوب: "لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي" ، كما قيل له: "لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت" . "ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه" . بمعنى رأى الملاك أن يعقوب في جهاده لم يستسلم بل صار يصارع طول الليل... الأمر الذي بدا فيه الملاك كمن هو مغلوب والإنسان كغالب، فضربه على حق فخذه ضربة خفيفة حتى جاءت في بعض الترجمات "لمس حق فخذه"، وكان يعقوب يصر "لا أطلقك إن لم تباركني" . إذ أدرك أنه كائن سماوي. يعلق القديس أغسطينوس على هذا التصرف فيقول: [لماذا صارع يعقوب معه وأمسك به؟ لأن "ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه" (مت ١١: ١٢). لماذا صارع؟... لكي يمسك به بتعب، فما نناله بعد جهاد نتمسك به أكثر]. كما يقول: [الإنسان غلب والملاك أنهزم. الإنسان الغالب يمسك بالملاك ليقول: لا أطلقك إن لم تباركني. يا له من سر عظيم! فالمهزوم يقف ليبارك الغالب! إنه منهزم لأنه أراد ذلك لكي يظهر في الجسد ضعيفًا، وإن كان بعظمته قويًا، فقس صلب في ضعف وقام في قوة (٢ كو ١٣: ٤)]. وكأن ما حدث مع يعقوب قبيل لقائه مع عيسو ليغلبه بالحب إنما يشير إلى عمل السيد المسيح الذي جاء كضعيف يحمل طبيعتنا، ويحتل آخر الصفوف، فيحصى مع الآثمة، ويحمل عار الصليب كمغلوب، لكنه هو القائم من الأموات يبارك طبيعتنا ويجددها فيه! ويرى القديس أمبروسيوس أن ما حل بيعقوب حيث انخلع فخذه إنما يشير إلى شركة آلامه مع السيد المسيح الذي يأتي متجسدًا خلال نسله، إذ يقول: [في نسله يتعرف على وارث جسده، وبه يسبق فيعرف آلام وارثه خلال خلع حق فخذه]. انتهى الجهاد بسؤال مشترك، سأل الملاك يعقوب عن اسمه لا لجهله بالاسم وإنما لكي يغيره إلى اسم جديد يليق به كمجاهد، إذ يقول له: "لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت" . وكما يقول القديس أكليمنضس الإسكندري: [قدم له الاسم الجديد للشعب الجديد]، وكأن هذه العطية لم توهب ليعقوب في شخصه وإنما لكل شعب الله علامة جهادهم الروحي. دعى يعقوب الموضع الذي تم فيه هذا الصراع: "فنيئيل" أي "وجه الله"، إذ حسب نفسه مغبوطًا أن يرى الله وجهًا لوجه وتنجو نفسه... وإذ أشرقت الشمس انطلق يعقوب ليلحق بأسرته متشددًا بهذه الرؤى وهذا الجهاد.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الأصحاح الثاني والثلاثون
الآن يعقوب إنطلق في إتجاه كنعان وهو تخلص من مضايقات لابان لكنه الأن بدأ يشعر بالخوف بل بالرعب من عيسو وإنتقامه المتوقع ويعقوب خاف من إنتقام عيسو منه ومن زوجاته وأولاده.
الأيات (1-2):- " 1وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَمَضَى فِي طَرِيقِهِ وَلاَقَاهُ مَلاَئِكَةُ اللهِ. 2وَقَالَ يَعْقُوبُ إِذْ رَآهُمْ: «هذَا جَيْشُ اللهِ!». فَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «مَحَنَايِمَ»."
لاقاه ملائكة الله= لقد كان الملائكة حوله دائما لكنه لم يكن يراهم. وهم الأن يشعرونه بوجودهم تشجيعاً له لإزالة مخاوفه من عيسو. وهناك معني أخر رائع. فها هو موكب الكنيسة المنطلق في إتجاه كنعان السماوية والملائكة ترافق الموكب كما حملت الملائكة لعازر المسكين وهو منطلق للسماء. ويبدو أن عدد الملائكة كان كبيراً جداً فأسماهم يعقوب جيش الله. ودعا الموضع محنايم أي معسكرين أو محلتين. لأن يعقوب وعائلته كانا يمثلان جيشاً والملائكة جيشاً آخر. وما أروع هذه الصورة عن الكنيسة المجاهدة والكنيسة المنتصرة فى السماء، والمسيح هو حجر الزاوية الذي وحد الأرضيين مع السمائيين. وهذا له تطبيق رائع في الطقس القبطي في صلاة الساعة الثانية عشر يوم الجمعة العظيمة حينما يردد الشمامسة في الهيكل لحن ثوك تي تي جوم (ممثلين للسمائيين) ويرد عليهم الشعب من الكنيسة بنفس اللحن (ممثلين الكنيسة علي الأرض).
الأيات (3- 8):- " 3وَأَرْسَلَ يَعْقُوبُ رُسُلاً قُدَّامَهُ إِلَى عِيسُوَ أَخِيهِ إِلَى أَرْضِ سَعِيرَ بِلاَدِ أَدُومَ، 4وَأَمَرَهُمْ قَائِلاً: «هكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِي عِيسُوَ: هكَذَا قَالَ عَبْدُكَ يَعْقُوبُ: تَغَرَّبْتُ عِنْدَ لاَبَانَ وَلَبِثْتُ إِلَى الآنَ. 5وَقَدْ صَارَ لِي بَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَغَنَمٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ. وَأَرْسَلْتُ لأُخْبِرَ سَيِّدِي لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ».6فَرَجَعَ الرُّسُلُ إِلَى يَعْقُوبَ قَائِلِينَ: «أَتَيْنَا إِلَى أَخِيكَ، إِلَى عِيسُو، وَهُوَ أَيْضًا قَادِمٌ لِلِقَائِكَ، وَأَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل مَعَهُ». 7فَخَافَ يَعْقُوبُ جِدًّا وَضَاقَ بِهِ الأَمْرُ، فَقَسَمَ الْقَوْمَ الَّذِينَ مَعَهُ وَالْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَالْجِمَالَ إِلَى جَيْشَيْنِ. 8وَقَالَ: «إِنْ جَاءَ عِيسُو إِلَى الْجَيْشِ الْوَاحِدِ وَضَرَبَهُ، يَكُونُ الْجَيْشُ الْبَاقِي نَاجِيًا»."
مازال يعقوب في ضعفه البشري خائفاً بعد أن أراه الله أنه حماه من لابان وبعد أن رأي جيش الملائكة. وهنا نجده يرسل لأخيه كانه يستاذنه في أن يعود وليعرف مشاعره تجاهه. وإستخدم لغة الإتضاع… سيدي عيسو… عبدك يعقوب. وحينما سمع أن عيسو آتيا ومعه 400 رجل خاف جداً. وكون عيسو يأتي ومعه 400 رجل فهذا إعلانا عن غناه وقوته. وبدأ يعقوب يفكر في تقسيم عائلته إلي جيشين لينجو جزء منهم لو ضرب عيسو الجيش الأخر.
الأيات (9- 12):- "9وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. 10صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. 11نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ. 12وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ لِلْكَثْرَةِ». "
نجد هنا صلاة يعقوب وهي أول صلاة يذكرها الكتاب بكلماتها وتفاصيلها.
يا إله أبي أبراهيم= الله بالنسبه له ليس إلهاً محتجباً عن البشر. بل هناك علاقة شخصية بين الله وبين عائلته، جده وأبيه. هو أب له ولعائلته.
الرب الذي قال= هو يذكر الله بمواعيده والله يفرح بأولاده الذين يصرون علي تحقيق المواعيد الإلهية لذلك تقول الكنيسة في صلواتها "أذكر يارب كذا وكذا…"
صغير انا= هو شعور بالضعف والإنسحاق أمام الله.
بعصاي عبرت= أي كنت لا أملك شيئاً.
الأن قد صرت جيشين= إذا هذه بركة من الله. فهو يشكر الله علي بركاته ونعمه ويذكرها له وهناك تأمل أن يعقوب الذي خرج بعصاه يمثل المسيح الذي حمل صليبه. ويعقوب رجع بعائلته والمسيح إقتني كنيسته.
الأيات (13- 21):- " 13وَبَاتَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَخَذَ مِمَّا أَتَى بِيَدِهِ هَدِيَّةً لِعِيسُو أَخِيهِ: 14مِئَتَيْ عَنْزٍ وَعِشْرِينَ تَيْسًا، مِئَتَيْ نَعْجَةٍ وَعِشْرِينَ كَبْشًا، 15ثَلاَثِينَ نَاقَةً مُرْضِعَةً وَأَوْلاَدَهَا، أَرْبَعِينَ بَقَرَةً وَعَشَرَةَ ثِيرَانٍ، عِشْرِينَ أَتَانًا وَعَشَرَةَ حَمِيرٍ، 16وَدَفَعَهَا إِلَى يَدِ عَبِيدِهِ قَطِيعًا قَطِيعًا عَلَى حِدَةٍ. وَقَالَ لِعَبِيدِهِ: «اجْتَازُوا قُدَّامِي وَاجْعَلُوا فُسْحَةً بَيْنَ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ». 17وَأَمَرَ الأَوَّلَ قَائِلاً: «إِذَا صَادَفَكَ عِيسُو أَخِي وَسَأَلَك قَائِلاً: لِمَنْ أَنْتَ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ وَلِمَنْ هذَا الَّذِي قُدَّامَكَ؟ 18تَقُولُ: لِعَبْدِكَ يَعْقُوبَ. هُوَ هَدِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ لِسَيِّدِي عِيسُوَ، وَهَا هُوَ أَيْضًا وَرَاءَنَا». 19وَأَمَرَ أَيْضًا الْثَانِى وَالثَّالِثَ وَجَمِيعَ السَّائِرِينَ وَرَاءَ الْقُطْعَانِ: «بِمِثْلِ هذَا الْكَلاَمِ تُكَلِّمُونَ عِيسُوَ حِينَمَا تَجِدُونَهُ، 20وَتَقُولُونَ: هُوَذَا عَبْدُكَ يَعْقُوبُ أَيْضًا وَرَاءَنَا». لأَنَّهُ قَالَ: «أَسْتَعْطِفُ وَجْهَهُ بِالْهَدِيَّةِ السَّائِرَةِ أَمَامِي، وَبَعْدَ ذلِكَ أَنْظُرُ وَجْهَهُ، عَسَى أَنْ يَرْفَعَ وَجْهِي». 21فَاجْتَازَتِ الْهَدِيَّةُ قُدَّامَهُ، وَأَمَّا هُوَ فَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْمَحَلَّةِ."
هنا يعقوب يرسل هدايا ضخمة إلي عيسو يطفئ بها لهيب غضبه. وهو يرسلها إليه مجزئة. كل هدية تليها هدية حتي يأسر قلب أخيه. وأمر خدامه حاملي الهدايا بأن يكون كلامهم في منتهي التواضع= سيدي عيسو… عبدك يعقوب.
أية (22):- " 22ثُمَّ قَامَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَأَخَذَ امْرَأَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ وَأَوْلاَدَهُ الأَحَدَ عَشَرَ وَعَبَرَ مَخَاضَةَ يَبُّوقَ. "
مخاضة يبوق= يبوق هو أحد روافد الأردن. ومخاضة تعني جزء ضحل يعبر بالأقدام.
أية (23):- "23أَخَذَهُمْ وَأَجَازَهُمُ الْوَادِيَ، وَأَجَازَ مَا كَانَ لَهُ."
الأيات (24- 29):- "24فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. 25وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. 26وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». 27فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». 29وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ». فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ."
الله حاول تثبيت يعقوب وتشجيعه برؤيا للابان ثم برؤيا جيش الملائكة ولكن يعقوب ظل في رعب. ونجد هنا أن الله يتعامل معه بأسلوب جديد ليشجعه ويعطيه ثقة بنفسه. وفي هذه الليلة التي بدأت بالصلاة المذكورة، من المؤكد أن يعقوب بعد أن أرسل هديته إستمر يجاهد في صلاته. وظهر له إنسان وصارعه حتي طلوع الفجر. والله أعطي له هذه القوة للصراع والجهاد فهو لم يكن يملك هذه القوة. وهناك رأيين في هذا الإنسان أولهما أنه أحد ظهورات المسيح قبل التجسد وثانيهما أنه ملاك علي شكل إنسان لكنه يمثل الحضرة الألهية. وكان هدف الله أن يعطيه ثقة بذاته حينما يغلب فلا يخاف من مقابلة عيسو. ولكن هذا الصراع يشير للجهاد في الصلاة وثمرة الجهاد والتمسك بمواعيد الله لذلك بدأ الصراع جسدياً وإنتهي صراعاً روحياً وإلي هذا يشير هوشع النبي هو 4،3:12 بكي وإسترحمه فهو لم يكن صراعاً جسدياً ولكنه بكاء وطلب رحمة من الله. هو تمسك بالله ولم يرخه "نش 4:3" ولما رأي أنه لا يقدر عليه. بمعني أن الملاك حين رأي يعقوب في جهاده لم يستسلم بل ظل يصارع طوال الليل. الأمر الذي بدا فيه الملاك كمن هو مغلوب ويعقوب كغالب. ولكن هل يغلب الله؟ نرجع لسفر النشيد فنسمع "حولي عنى عينيك فإنهما قد غلبتاني نش 5:6" فالله يغلب بالدموع والتوبة ويعقوب هنا بكي وإسترحمه. وحتي لا يأتي إنتصار يعقوب بنتيجة عكسية فيدخل في الكبرياء ضرب الملاك حق فخذه فإنخلع. كما سمح الله لبولس بشوكة في الجسد لكي لا يرتفع من فرط الإستعلانات. وحق الفخذ هو مفصل الفخذ وكلمة ضرب في العبرية تأتي بمعني لمسة خفيفة "لمس حق فخذه" وهذا لو أدي لخلع المفصل يكون من لمس يعقوب ليس إنساناً عادياً.
أطلقني: هذه تبين ما صار ليعقوب من صداقة مع الله فالملاك لا يريد أن يفارقه دون أن يسأله ذلك وجهاد يعقوب لحصوله علي البركة = ملكوت السماوات يغصب والغاصبون يختطفونه مت 12:11. ولنلاحظ أن مشكلة يعقوب كانت خداعاته ومكره وذلك بسبب إحساسه بالضعف وها نحن نراه مرعوباً من لقاء عيسو والله حاول أن يظهر له أنه يسانده مرارا عديدة.
1. نبوة لرفقة حتي قبل ميلاده
2. رؤيا السلم في الطريق.
3. توفيقه في لقاء راحيل وعائلته.
4. البركة في بيت لابان.
5. رؤيا لابان وفيها إعلان لحماية الله له.
6. رؤيا جيش الملائكة.
ولكن النفسية الخائفة غير المصدقة ترتعب عند أول ذكر لمشكلة مثل عيسو وتنسي كل إعلانات وإحسانات الله!! فكيف يتعامل الله مع هذه الشخصية؟
يصارعه ملاك ليشعر بضعفه، فهو كان يتغلب علي ضعفه بالحيل والمكر والخداع. والأن ما الحل مع من يصارعه وجها لوجه؟ لا مكان للحيل والخداع والمكر. بل هناك حل واحد ان يبكي ويسترحم ويصلي ويجاهد ويغلب ويحصل علي البركة وهنا يعرف كيف يتخلي عن ذاته واضعاً كل ثقته في الله. لذلك ما لم تحله الرؤي والإعلانات حلته هذه الرؤيا أو هذا الجهاد فالله يلمس نقاط الضعف فينا فنشعر بضعفنا وإحتياجنا إليه وأن فيه كفايتنا. والأن هو كان خائفاً من لقاء عيسو لأن فكره وحيله لم تسعفه فعيسو آتٍ ومعه 400 رجل ولكن بعد هذا اللقاء عرف أن الحل ليس في الحيل والمكر بل في جهاده مع الله وأن الله هو الذي يحفظه. ثم نجد بعد هذه الحادثة أن الملاك يسأل يعقوب عن إسمه لا لجهله بإسمه ولكن ليعلن له أن اسمه القديم يعقوب قد تغير إلي اسم جديد يناسب البركة التي حصل عليها بجهاده
أسرائيل: أمير الله أو قوي مع الله أو هو مجاهد قوي في صف الله. هو قوي بجهاده فهو جاهد مع الله ومع الناس
سار: امير أيل:الله فيكون إسرائيل= أمير الله
ومن هذا الأسم سارة : أميرة
ولها تفسير أخر
أس را إيل
إيس را إيل
رجل رأى الله
وهذا التفسير يتفق مع تسمية يعقوب للمكان فنوئيل.
وفي (29) يعقوب يسأل الملاك عن اسمه فلا يجيبه. وهذا يتمشي مع قول الملاك لمنوح أبو شمشون لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب. والمسيح هو من دعي عجيباً إلهاً مشيراً أش 6:9 وهو هنا يرفض الأجابة عن اسمه فميعاد التجسد واعلان هذه الحقيقة لم يأتي أوانه.
أية (30):- " 30فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي». "
فنيئيل= وجه الله. واسمي المكان هكذا لأنه رأي الله وجهاً لوجه ولم يمت. ولم يسمي باسم يحمل معني انه غلب الله بل هو سعيد بأنه رأي الله ولم يمت = ونجيت نفسي.
أية (31):- "31وَأَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ إِذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ. "
واشرقت له الشمس=المسيح هو شمس البر مل 2:4. وما أجمل هذا القول فالأن عرف يعقوب معرفة جديدة عن الله فأشرق له نور المسيح بعد أن تخلي عن ذاته ووضع ثقته في الرب. وليس مهماً بعد ذلك أن يخمع علي فخذه = شوكة الجسد مع المعرفة الحقيقية لله تصبح لا شئ.
أية (32):- " 32لِذلِكَ لاَ يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِرْقَ النَّسَا الَّذِي عَلَى حُقِّ الْفَخْذِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهُ ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِ يَعْقُوبَ عَلَى عِرْقِ النَّسَا. "
عرق النسا = هو ممتد من الورك إلي الكعب ويمر بجانب حق الفخذ وإجلالاً لهذه الواقعة فاليهود يستخرجونه من ذبائحهم ولا يأكلونه.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والثلاثون
يعقوب يستعد لملاقاة عيسو
(1) لقاء مع الملائكة ( ع 1 ، 2 ) :
ع 1 : كان يعقوب يفكر في لقاء أخيه عيسو وهل سيقبل ملاقاته أم سيرفض أو يحاول الإنتقام منه نتيجة ما فعله معه منذ 20 عاماً عندما سرق بركته . لذا طمأنه الله من خلال لقائه مع لابان إذ ظهر الله ومنع لابان من الإساءة إليه وعقد معاهدة صلح . والآن يطمئنه للمرة الثانية بعد تحركه نحو أخيه لملاقاته ، فتظهر له مجموعة من الملائكة كما ظهر له قديماً عند هروبه من عيسو في حلم السلم ليؤكد له أنه لم ينسَ وعده بالمحافظة عليه مادام متمسكاً بإيمانه .
ع 2 : محنايم : تقع شرق نهر الأردن عند منتصفه تقريباً بينه وبين نهر يبوق الذي يتفرع من منتصفه تقريباً شرقاً ويتجه نحو الشمال . عندما رأى يعقوب الملائكة فرح جداً وقال هذا جيش الله واطمأن قلبه ودعا إسم المكان الذي ظهروا له فيه " محنايم " أي " معسكرين " ويعني معسكر أو جيش الملائكة في السماء ومعسكر الله على الأرض الذي هو يعقوب وأسرته . فالكنيسة تتكون من شق في السماء وشق مازال يجاهد على الأرض .
+ الله يهتم بمشاعرك مادمت تطلبه وتريد أن تحيا معه ، وهو يسعى نحوك ويُظهر لك محبته بأشكال كثيرة ليطمئنك ، فتمتع به واشكره وتحرك في طريقك في الحياة مستنداً على يده .
(2) إرسال رسل إلى عيسو ( ع 3 - 8 ) :
ع 3 : أرض سعير : سعير معناها مُشعِر وأرض سعير هي سلسلة جبال تمتد من خليج العقبة إلى البحر الميت . أدوم : معناه أحمر والمقصود به نسل عيسو الذي يسكن في أرض سعير التي كانت ملكاً للحويين وتملكها نسل عيسو منهم . رغم طمأنة الله ليعقوب لكنه مازال في داخله خوف من إنتقام عيسو منه ، فأرسل رسلاً من عبيده إلى عيسو ليعرف مشاعره نحوه ، فاتجه الرسل جنوباً بجوار نهر الأردن والبحر الميت حتى وصلوا إلى جبال سعير وبهذا اعتمد على تفكيره البشري ولم يستشر الله .
+ إن كان في داخلك قلق أو خوف فالتجئ إلى الله مرات كثيرة ولا تندفع في قلقك لتأخذ قرارات تظن أنها تحميك ولكنها في الحقيقة تزيدك قلقاً وقد تضرك . أطلب الله فهو قريب منك وسيرشدك إلى خيرك .
ع 4 ، 5 : أعطى يعقوب رسله رسالة إلى عيسو ، مملوءة بالإتضاع والخوف وتحمل أيضاً معاني الحب ، وأخبره فيها أنه تغرب 20 عاماً عند خاله لابان وباركه الله بعبيد ومواشي كثيرة وهو راجع إلى كنعان ويترجى أن يجد نعمة وقبول في عينه . ويظهر إتضاعه من مناداته له سيدي مع أنهما أخوان بل أنَّ يعقوب قد نال من الله السلطان على أخيه كبركة من إسحق .
ع 6 : أبلغ الرسل عيسو بهذه الرسالة ، وقد وجدوه غنياً جداً ، ولما سمع خرج ومعه 400 رجل من عبيده للقاء يعقوب . وهذا يعني أحد أمرين :
1- إما فرحاً وترحيباً بلقاء أخيه .
2- أو إستعداداً للإنتقام من أجل حرمانه من بركة أبيه .
وكان عيسو قد قرَّر الإنتقام من أخيه ولكن بعد موت أبيهما ... فهل يا ترى مازال مُصِراً على الإنتقام ؟ .. وهل سينتقم الآن أم يؤجل ذلك بعد موت إسحق ؟ .. أم قد هدأ ونسى ما حدث بعدما باركه الله بنسل وعبيد كثيرين . لا نستطيع أن نعلم وقد تكون مشاعر الإشتياق لأخيه قد إختلطت مع مشاعر الإنتقام والضيق ، وعلى أي حال فالأمل في تدخل الله ليوفق بين الأخين .
ع 7 ، 8 : عندما سمع يعقوب من رسله خبر خروج عيسو برجاله الكثيرين للقائه ، خاف جداً إذ تذكر قرار الإنتقام الذي أعلنه عيسو منذ 20 عاماً .. وهكذا لم يستفد يعقوب من إعتماده على تفكيره وإرساله الرسل بل زاد خوفه ، فقسَّم من معه إلى مجموعتين وفصل بينهما حتى إذا هجم عيسو على مجموعة تجد الأخرى فرصة للهرب .
(3) صلاة يعقوب ( ع 9 - 12 ) :
ع 9 : بعد أن فشلت محاولات يعقوب البشرية ، إلتجأ إلى الله . ويذكر هنا نص صلاته وهي أول صلاة تذكر بنصها في الكتاب المقدس وتشمل معاني كثيرة أهمها :
1- شعوره ببنوته لله وعلاقته الخاصة به إذ يدعوه إله آبائه ، فهذا يجعله يتكلم بدالة وثقة .
2- يعلن خضوعه لأوامر الله الذي أمره أن يرجع من حاران إلى كنعان ، فهو بهذا يؤكد تبعيته لله واحتمائه به .
ع 10 : 3- يعلن باتضاع عدم إستحقاقه للطف وبركات الله التي وهبها له .. وهكذا تمتزج الدالة والثقة بالله مع الإتضاع الشديد .
4- يشكر الله ويعلن أنه صاحب كل الفضل والبركة عليه ، لأنه عندما هرب من وجه عيسو وعبر نهر الأردن في طريقه إلى حاران لم يكن يمتلك شيئاً على الإطلاق . وبعد عودته من حاران إلى كنعان باركه الله فصار جيشين أي مجموعتين تشمل نساءه وأولاده وعبيده وممتلكاته ، فهو بنفسه لا شئ أما بركة الله فجعلته عظيماً جداً .
ع 11 : الأم مع البنين : يقصد زوجاته وأولاده .
5- طلب من الله أن ينقذه من يد أخيه عيسو الآتي للإنتقام منه لأنه إن لم يتدخل الله فسيقتل كل من معه الكبار والصغار .
ع 12 : 6- ذكَّر الله بمواعيده له بالبركة والنسل الكثير . والله يفرح بأولاده المتمسكين بوعوده ويذكرونه بها أي يطالبونه أن يعتني بهم .
+ إظهر مشاعرك لله في حب واتضاع واطلب منه ما تريد فهو أبوك السماوي الذي يحبك ويفرح بكلماتك ويسندك مهما كان ضعفك ، بل إنَّ كلماتك القليلة غالية جداً عنده .
(4) إرسال هدايا لعيسو ( ع 13 - 23 ) :
ع 13 : إستراح يعقوب جزءاً من الليل وفكر أثناءه في إرسال هدايا لأخيه عيسو حتى يحنن قلبه عليه ويصنع معه علاقات ودية تنسيه مشاعر الضيق والإنتقام .
+ لا تنزعج من مشاعر الشر إن أحاطت بك واعلم أنَّ المحبة أقوى من الكراهية ، فصلي من أجل من يعادونك وقدِّم لهم محبة في كلمات طيبة أو هدايا أو خدمات حتى لو لم يرحبوا بها في البداية ولكنهم يتأثرون بها تدريجياً فتزيل الشر من قلوبهم وتحتفظ بسلامك وتكسب قلوب الكثيرين . وهذا ليس ضعفاً بل هي القوة الحقيقية أن تغير قلوب الناس من الشر إلى الخير ، ولا تهتم بما يقولونه عنك في البداية ، أي أنك ضعيف أو يفكرون في استغلالك ، فأنت الأقوى بحبك وترضي الله الذي يسندك ويخضعهم لك ويبارك حياتك .
ع 14 ، 15 : الناقة : إنثى الجمل . تيس : ذكر الماعز : الأتان : أنثى الحمار . نعجة : أنثى الضأن أو الخروف . عنزة : أنثى الماعز . كبش : ذكر الضأن أو الخروف . يذكر تفاصيل الهدية المرسلة إلى عيسو وهي مجموعة من قطعان المواشي يبلغ عددها 580 رأس ، وهي هدية عظيمة وتعني أمرين :
1- غِنى يعقوب الكبير .
2- محبته الكبيرة وخوفه من عيسو ومحاولة إسترضاءه .
ع 16 : فسحة : مسافة كافية . قسَّم الهدية إلى مجموعة هدايا ، كل قطيع أعطاه لبعض عبيده وغالباً قُسِّمت إلى خمسة قطعان ، وجعل مسافة كافية بين كل قطيع والآخر لتظهر بوضوح أنها خمسة هدايا فتؤثر تدريجياً على قلب عيسو وتمتص كل غضب داخله .
ع 17 - 20 : أوصى عبيده الذين يقودون القطعان أنه عندما يلتقي كلٍ منهم بعيسو ويسأله عن شخصيته وما معه يقول له هو هدية من عبدك يعقوب . وقال في نفسه بهذا أسترضيه وأنال عطفه قبل أن أقابله .
ع 21 : بعث يعقوب بهديته أمامه إلى عيسو ، أما هو فبات أو استراح جزءاً من الليل في المكان الذي نصب فيه خيمته .
ع 22 ، 23 : مخاضة : جزء من النهر قليل العمق يمكن إجتيازه مشياً على الأقدام وعرض النهر صغير في هذه المنطقة . يبوق : هو أحد روافد نهر الأردن يتفرع من منتصفه تقريباً كما ذكرنا ، على بعد 23 ميلاً شمال البحر الميت ومعنى إسمه المتدفق ويسمى حالياً الزرقاء . عبرت الهدية مع عبيده إلى عيسو ثم عبر باقي عبيده مع كل ممتلكاته نهر يبوق متجهين جنوباً نحو البحر الميت وبقى فقط مع يعقوب زوجاته وأولاده ، فعبر بهم نهر يبوق مشياً على الأقدام متجهين نحو الجنوب كقافلة أمامه أما هو فبقى وحده باقي الليلة .
(5) مصارعة الله ( ع 24 - 32 ) :
ع 24 - 26 : حُق فخذه : مكان إتصال الفخذ بالبدن . بعد أن سارت قافلة زوجاته وأولاده مسافة في طريقهم إلى مقابلة عيسو ، وكان ذلك أثناء الليل ، بقى يعقوب وحده ووقف يصلي طالباً معونة الله في مقابلته لعيسو ليصرف غضبه ولا ينتقم منه . وفيما هو يصلي أراد الله أن يطمئنه ، فظهر له بشكل ملاك أو أرسل إليه ملاكاً له صورة إنسان فشعر يعقوب أنه كائن سماوي فأسرع ليمسك به ويطلب معونته ، فتظاهر الملاك كأنه يريد أن ينصرف عنه أما هو فتشبث به طالباً بركته لأنه شعر أنه مرسل من الله . وظل يعقوب يتضرع إليه متشبثاً به طوال الجزء الباقي من الليل حتى طلع الفجر ، وتظاهر الملاك بالضعف أمام يعقوب كأنه غير قادر على التخلص من التشبث به وذلك ليشجعه وهو مستمر في طلب بركته ومعونته بل يقول له " لا أطلقك إن لم تباركني " لأني محتاج جداً أمام قوة عيسو المقبل عليَّ . وفي النهاية لم يباركه الملاك فقط بل ضربه أي لمسه على حُق فخذه فانخلع الفخذ جزئياً من البدن ، فتألم يعقوب ولكنه ظل مُمسكاً بالملاك طالباً معونته . وهذا يُظهر مدى تمسك يعقوب بالله وإحساسه بضعفه واحتياجه .
+ جاهد في صلواتك مع الله واطلب منه كل ما تريد . ألحَّ عليه معلناً إحتياجك بدالة البنين فهو يفرح بإيمانك وتمسكك به ، وإذ يظهر مدى جهادك يعطيك حتماً بركات كثيرة . لا تتشكك أو تيأس وتمسَّك بالله .
ع 27 ، 28 : غيَّر الملاك إسم يعقوب إلى " إسرائيل " ومعناه " يصارع الله " ، وذلك تكريماً ليعقوب بسبب جهاده الروحي في الصلاة وإيمانه واتكاله عليه ومن جهة أخرى بسبب احتماله للآخرين مثل لابان حتى باركه الله وأغناه وصرفه بسلام من عنده . وهو بهذا قدوة لكل نسله في التمسك بالله والمعاملة الحسنة مع الآخرين لأنَّ نسله تسمى بهذا الإسم أي بني إسرائيل .
ع 29 : سأل يعقوب الملاك أو الشخص الروحاني الذي ظهر له عن إسمه فلم يجبه ، لأنه كان قد فهم أنه كائن روحاني من السماء ، وأعطاه احتياجه وهو البركة ثم صعد عنه .
ع 30 : فنيئيل أو فنوئيل : معناها وجه الله . فرح يعقوب فرحاً لا يُعبَّر عنه لأنه رأى الله وشعر بحضرته من خلال لقائه مع الملاك فدعا إسم المكان فنيئيل .
ع 31 ، 32 : في الصباح إذ أشرقت الشمس ، إطمأن يعقوب وتحرك نحو الجنوب ليلحق بزوجاته وأولاده وكان متألماً من ضربة الملاك فكان يعرج في مشيه . وقد سمح الله له بهذا الألم طوال حياته حتى لا يتكبر بسبب رؤيته وصراعه مع الله بل يشعر دائماً بضعفه واحتياجه فيظل يتمتع بعمل الله معه . وعظَّم نسل يعقوب هذا الحدث العظيم في حياة أبيهم فصاروا لا يأكلون عِرق النسا ، وهو العصب الممتد بالرِجل ، تقديراً وإجلالاً لهذه الحادثة العظيمة أي لقاء يعقوب مع الله الذي نتج عنه الألم الظاهر في مشيه .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح