كلمة منفعة
كل إنسان عاقل، يبحث بكل جهده عن كلمة المنفعة. والكلمة كما إنها للمنفعة، هي كذلك للمسئولية.
— الكلمة مسئولية
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع البوقان الخامس والسادس مقدمة الأصحاح التاسع : إحتوى الأصحاح السابق على الأربع إنذارات الأولى وانتهى بإعلان شديد اللهجة عما هو آتي في الأبواق التالية ، ولهذا سميت الأبواق الثلاثة التالية بالويلات لما تحويه من أهوال . (1) البوق الخامس ( فتح الهاوية ) ( ع 1 - 6 ) : ع 1 : كوكباً قد سقط : إما أن يكون ملاكاً مرسلاً بتكليف من الله لفتح أبواب الجحيم أو هو الشيطان ذاته وأعطى نفس السلطان بسماح من الله ، ولعل هذا هو الأرجح ويتمشى مع تعبير " سقط " فنحن نعلم أنَّ الشيطان كان من رؤساء الملائكة ولكنه سقط بكبريائه ولم يثبت في محبة الله . أعطى مفتاح : أي صار له سلطان على إخراج أعوانه الشياطين لمحاربة كل البشر ، ولكن في حدود سماح الله . ع 2 : بالفعل فتح بئر الهاوية ، وما أن فتحه حتى خرج دخان شديد أفقد الناس الرؤية الصحيحة . أتون : هو فرن متقد شديد الإشتعال . دخان : هي أفكار الشيطان التشكيكية وحروب الإلحاد والتي من كثافتها أفقدت الناس رؤية السيد المسيح ( شمس البر ) ، ولفَّهم الظلام الكثيف أي ضاع الإيمان السليم . ع 3 : خرج جراد : بالطبع الجراد هنا هو الشياطين وعندما يصورهم الله لنا في صورة الجراد فهذا لكي نعلم : أولاً : كثرة أعدادهم ؛ فالجراد حشرة تُقدَّر أسرابها بمئات الملايين عند هجومها . ثانياً : شدة فتكهم ؛ فالجراد يأكل كل ما يقابله في طريقه ولا يترك الأرض إلاّ جرداء . أعطى سلطاناً : أي لا سلطان للشيطان على البشر ما لم يكن مسموحاً له من الله وفي حدود التأديب الذي يراه . كما لعقارب الأرض : لدغ العقرب للإنسان شديد الألم ونافذ في سمه ، واستخدام تشبيه العقارب مع الجراد إنما هو إضافة لشدة هذه الويلة التي تأتي على العالم . ع 4 : قيل له : أي أُمِرَ بواسطة الله الذي يحدد حجم ومقدار ونوعية التأديب بسلطانه المطلق . عشباً ... شجر ما : العشب يرمز إلى صغيري المؤمنين .. والشجر إلى القامات الأعلى في الإيمان ، والمعنى العام أنه بالرغم من سماح الله للشيطان بهذه الضربة إلاّ أنه منعه من الإقتراب إلى المؤمنين بكل درجاتهم ، فالله بحنانه وحبه لأولاده يحمي الضعيف والقوي منهم من ضلالات الشيطان ولا يسمح له بالتأثير عليهم أو فيهم . الذين ليس لهم ختم الله : أما هذه الويلة فإنها تصيب الناس الذين بلا علامة الروح القدس على جباههم وهم نوعان من الناس الأول هو ما لم يعتمد فلم يأخذ العلامة أصلاً أو كان مسيحياً ولكن بسبب رفضه الدائم للتوبة أطفأ وأحزن الروح فصار للشيطان سلطان عليه . ع 5 : تظهر رحمة الله في عدم السماح بالأذى لحد الموت ( القتل ) ، بل إلى خمسة أشهر فقط وهي فترة إعلان غضب الله على البشر كما حدث أيام الطوفان ( تك 7 : 24 ) إذ تعاظمت المياه لمدة خمسة أشهر . أما درجة التأديب فهي درجة شديدة جداً شبهها لنا الوحي المقدس بألم ناتج من لدغة عقرب ويسري في عروق الإنسان ولا يجد دواءً لألمه . ع 6 : إستمراراً لوصف شدة ألم الناس من قوة التأديب الإلهي أنهم يتمنون الموت للنجاة مما أتى عليهم ولكن حتى الموت لا ينالونه ويستمر عذابهم لعلهم يتوبون . + نشكرك يا إلهنا الحنون إذ أشفقت على ضعف إيماننا فلم تدع للشيطان سلطاناً علينا فيفنى إيماننا ... بل عضدتنا ومنحتنا فرصة للتوبة وما سمحت به من عقوبة للآخرين هو إنذار لنا فيزداد تمسكنا بك ... إذ أنت وحدك عوننا وخلاصنا وغايتنا . (2) سمات الحرب في هذه الويلة ( ع 7 - 12 ) : ع 7 : من صور محبة الله لأولاده أنه يكشف لهم سمات المحارب العدو وصفاته حتى يستعدوا ولا ينخدعوا به .. وهذه الصفات المعلنة عددها تسعة وتحمل الكثير من المعاني والرموز الروحية . 1- شبه خيل مهيأة للحرب : الخيل هو أقوى وأسرع الحيوانات المستخدمة في الحرب ، وكلمة " مهيأة " معناها أنها سوف تستخدم كل قوتها وكأنها إستعدت وتدربت للإيقاع بالإنسان . 2- أكاليل شبه الذهب : أي لها سلطان وجاه على الناس كالملوك الذين يلبسون التيجان الذهب ولكنه ذهب زائف لا ينخدع به أبناء الله لأنه شبه ذهب ، وقد تكون إشارة للحروب المادية ومحبة الترف وتعظم المعيشة التي تغري وتغوي كثيرين من الناس . 3- وجوهها كوجوه الناس : أي أنَّ الشيطان يستخدم أعواناً من البشر قبلوا فكره وصاروا له جنوداً يروجون له ويقنعون الآخرين بشروره . ع 8 : 4- لها شعر كشعر النساء : أي أنَّ الشيطان في حروبه يستخدم كل الوسائل حتى الناعم والمغري منها ( كشبه النساء ) . 5- أسنان الأسود : أي وإن كانت النعومة هي المظهر الخارجي لحروب الشيطان إلاّ أنَّ الشراسة والإفتراس هي حقيقته الداخلية . ع 9 : 6- لها دروع : دروع من حديد أي رمز للصلابة والشدة في القتال . 7- أجنحتها : أي أجنحة الجراد ( الشياطين ) تصدر صوتاً مرعباً ومزعجاً كصوت مركبات الحرب التي في كثرتها وتعددها تشيع الرعب في أنفس الناس . ع 10 : 8- لها أذيل في شبه أذناب العقارب المعكوفة والسامة ، والذيل هو نهاية الأمر ، فإن كان لهذه الشياطين تاج شبه ذهب ووجوه الإنسان وشعر ناعم ، إلاّ أنَّ النهاية هي اللدغ بالسم . 9- في أذنابها حمات : الحُمى هي جمر النار الشديد وهذا التعبير كناية عن سم الشيطان الذي يسري في الجسد مثل حبات من نار ملتهبة فيكون للإنسان المخدوع والملدوغ منها ألم شديد . خمسة أشهر : أي فترة محدودة ترمز إلى غضب الله .. راجع ( ع 5 ) . ع 11 : ملاك الهاوية : أي رئيس الشياطين كلها ( إبليس ) ، وهو الذي يدير هذه الحروب ويوجه جنوده ليهلك الإنسان ويفقده خلاصه بالمسيح . اسمه " أبدون " أو " أبوليون " : كلمة معناها " المُهلك " وقد ذكرت باللغتين المعروفتين في ذلك الزمان لأهمية إعلان إسمه وصفته للجميع فيحترس الناس من أفكاره ... وخداعه ويكتشفون هدفه الحقيقي في الإهلاك . ع 12 : الويل الواحد : كان هذا أول الويلات وهو ما يحمله البوق الخامس ، أما الويلان الآخران الآتيان فهما ما يحملهما البوق السادس والسابع . + إنتبه يا أخي إلى أنَّ حروب الشياطين تأخذ في الغالب مظهر النعومة واللذة في بدايتها حتى تسقطك ولكن في داخلها سم وألم ونار حارقة ثم هلاك ؛ فلا تقبل شهواته مهما كانت مغرية وإن سقطت قم سريعاً بتوبة ودموع فإنَّ إلهك يحبك وينقذك من يده . (3) البوق السادس والويل الثاني ( ع 13 - 16 ) : ع 13 : المذبح الذهب : هو نفس المذبح الذي قدَّم أمامه الملاك بخوراً في ( ص 8 : 3 ) وأخذ من ناره أيضاً وألقى منه على الأرض فصارت إنذارات عظيمة ( ص 8 : 5 ) . أربعة قرون : أي أربعة أركان المذبح ، وكان للمذبح على أركانه قروناً وهذه صورة المذبح المعروفة عند اليهود في عبادتهم سواء كان في خيمة الإجتماع أو هيكل سليمان بعد ذلك . عندما بوَّق الملاك السادس ، صدر الصوت من الأربعة قرون في وقت واحد في إشارة إلى قوته وشدته من جهة ، وإلى عموميته ووصوله إلى المسكونة كلها من جهة أخرى . ع 14 : أما هذا الصوت فكان أمراً إلهياً للملاك السادس نفسه بأن يطلق سراح وسلطان أربعة ملائكة كانوا مقيدين . الأربعة الملائكة المقيدين : يرى البعض أنهم ملائكة كانوا مُكلفين من قِبل الله بتنفيذ ما هو آتٍ على العالم في هذا الويل ، وهذا التكليف صار مؤجلاً لحين صدور الأمر بحلهم من قيدهم في البوق السادس . ويرى البعض أنهم أربعة شياطين لهم قوة عاتية قيدوا منذ سقوط الإنسان وسيتركهم الله الآن بسماحه ليأتون على الأرض بشرور وحروب تنفيذاً للويل الثاني !! وسواء كانوا هذا أم ذاك فلن يغيِّر هذا من الواقع شيئاً إذ أنَّ كل شئ صار بأمر وسماح من الله وتنفيذاً لمشيئته . عند نهر الفرات : كان نهر الفرات يمر بمملكة بابل التي رمزت دائماً في الكتاب المقدس إلى مملكة الشر ، وهذا معناه أنَّ هذه الملائكة المنفذة للويل الثاني تحمل عقاباً شديداً . ع 15 : الساعة واليوم والشهر والسنة : أي أنَّ لكل شئ تحت السماء وقت بتدبير إلهي دقيق ، فلا شئ قبل أو بعد ميعاده ولو بدقيقة واحدة . والغرض من هذه الآية إبراز جزء من الحكمة الإلهية وصفة الله " ضابط الكل " . ثلث الناس : كانت العقوبة بالثلث دائماً متكررة في الأصحاح الثامن ، والمعنى هنا وهناك واحد . فالله في عدله يسمح بالعقوبة والقصاص على الأشرار ، وفي رحمته يجعل هذه العقوبة لا تهلك الجميع بل الأقل وتدعو الأكثر ( الثلثين ) إلى العودة والتوبة والتمتع بمراحمه . ع 16 : أما عدد المحاربين في هذا الويل فهما مائتي مليون ، وتعبير " سمعت عددهم " أنَّ الله أراد لنا عن طريق القديس أن نعرف العدد وهو عدد مهول وهائل الغرض من ذكره معرفة شدة وقوة هذا الويل ونتائجه المدمرة ... وليس المقصود الرقم المذكور بالتحديد ولكنه يرمز إلى أنَّ عددهم عظيم جداً . + علينا نحن المؤمنون ألاّ نرتعب من حروب الشياطين المخيفة والمستمرة بل علينا التحصن بوعود الله لأبنائه ، فلا يستطيع أحد . أن يأخذنا من يده أو أن يمسنا بسوء لأنَّ دائماً الذين معنا أكثر من الذين علينا ... فوعود الله صادقة يستند عليها كل محبي إسمه القدوس إلى أن يتمم لنا إعلان الخلاص في مجيئه الثاني المملوء مجداً ... آمين . (4) قوة الضربة ، ورفض التوبة ( ع 17 - 21 ) : إتجاهان في التفسير : هناك إتجاهان في تفسير هذا الويل ورأينا من الأمانة عرض كليهما : الإتجاه الأول : أنها تأديبات من خلال حروب بشرية يسمح بها الله فتقع الشعوب في حروب تأتي على الملايين من البشر ( كالحروب العالمية ) ، ولكن لما كانت لغة البشر في وقت سفر الرؤيا لم يضاف لها أسماء الأسلحة الحديثة كالمدافع والدبابات والطيارات الحربية ، إستخدم الوحي ما كان متاحاً ومعروفاً للبشر في كناية لها ... فتكون كلمة محصنون بدروع هي أسلحة الميدان الحديدية الثقيلة ... والتي بلون أسمانجوني هي الطائرات التي تأتي من السماء ... سلطان في أفواهها وأذنابها أي فواهات المدافع القاذفة والصواريخ التي تصدر ناراً من أذيالها عند طيرانها ... وهكذا ... الإتجاه الثاني : يميل هذا الإتجاه للحروب الروحية التي تقودها مملكة الشر بسماح من الله ، وسوف نأخذ في تفسيرنا بالإتجاه الثاني لأننا نعتقد أنه الأعم ولا يرتبط بزمن أو سلاح معين ، وكلا الإتجاهان مقبولان في تفسير الكنيسة . ع 17 : يبدأ القديس يوحنا في شرح منظر الجيوش ويرى فيها الآتي : الخيول والجالسين عليها : جلوس الفارس على الجواد معناه حالة التأهب النهائية للدخول للحرب . دروع نارية : أي الحرب حارقة بلا رحمة ولا هوادة . أسمانجونية : زرقاء لها لون السماء ، والمعنى إما أنهم يأتون بمنظر السمائيين لخداع الناس أو لون السماء يعني عند البعض السماح الإلهي بهذه الحرب . كبريتية : رمز للغضب الإلهي الذي عندما حرق سدوم وعمورة حرقهما بنار وكبريت ( تك 19 : 24 ) . رؤوس أسود : رأس الخيل منظره لطيف ، ولهذا رآه القديس يوحنا في منظر أكثر رعباً وافتراساً وفتكاً إذ صارت رؤوس أسود . نار ودخان وكبريت : تشير إلى أجناد الشياطين في طبيعتهم وفيما يسببونه للآخرين أثناء حربهم . ع 18 : من هذه الثلاثة : ( النار والدخان والكبريت ) أي ما يثيرونه الشياطين . تمكنت قوى الشر بمختلف أسلحتها ( ع 17 ) من الفتك بعدد كبير من الناس ولكن مراحم الله أبقت الثلثين ، لعلّ من تبقى يفهم ويرجع ويتوب . ع 19 : سلطانها في أفواهها : أي كلامها الكاذب المعسول . أذنابها : ذيولها كذيول العقارب السامة . يصور ويشرح لنا هذا المشهد أين تكمن قوة الشيطان ، فهي أولاً في فمه وكلامه الخداع وهو أول سلاح إستخدمه ضد الإنسان عندما أسقط بكذبه آدم وحواء ( تك 3 : 5 ) ، وتكمن أيضاً قوته في أذنابه الحاملة سموم الشهوات ، فإذا لدغ بها إنسان غير حريص إمتلكته الشهوة وصارت في عروقه كالسم القاتل حتى يموت ويهلك روحياً ، فهو يحارب الإنسان من كل جهة وبأنواع حروب كثيرة . أذنابها لها رؤوس : معناها أنَّ هذه الشهوات والخطايا قبل أن يلدغ بها الشيطان الإنسان يستخدم أولاً المنطق ( رؤوس ) لإقناع الإنسان وتبرير الخطية وتشكيكه في العقوبة والدينونة فينزلق فيها مغلوباً وطائعاً لها . ع 20 : أما بقية الناس : أي الثلثين اللذين نجا من هذا الويل ، بدلاً من التوبة والرجوع ، صارا أكثر زيغاناً فامتلكهم الشيطان والشر بصور مختلفة . الذهب والفضة : أي أنَّ الناس عبدوا واشتهوا الغِنى والثروة والترف المادي وهي أحد صور عبادة الشيطان . النحاس والحجر والخشب : أي المقتنيات والمنازل والقصور والرفاهية المادية . والمراد هنا هو انصراف الناس عن الله والإنشغال عن السمائيات بالأرضيات الزائلة . ويوضح لنا الله بأسلوب توبيخي رقيق أنها كلها أمور بلا نفع وبلا حياة إذ لا تبصر ولا تسمع ، وتذكرنا بما قاله لنا الله سابقاً " تركوني أنا ينبوع المياه الحية ، وحفروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء " ( ار 2 : 13 ) . ع 21 : إستمر الناس في شرهم ولم يتوبوا ولم ينتفعوا من ويل البوق السادس بل استمروا في كل خطاياهم كالزنا والسرقة وغيرها . وهذا معناه أنَّ معظم الناس الأحياء زاغوا عن الله والذين مازالوا محتفظين بإيمانهم وسلوكهم النقي قليلين حتى أنَّ المنظر العام للبشر هو الإبتعاد عن الله . + إلهي ... إنَّ الشيطان قاسي جداً في حروبه وإهلاكه للبشر ... ولكن ما يرعبني هنا هو قسوة قلبي وعدم إدراكه لما يدور حوله ومما يحدث له فلا يفهم ما يصيبه من شر بل يزداد زيغاناً وانحرافاً وراء الشيطان وخداعه ... أرجوك يا إلهي إنقذنا من هذا العدو الشرير ومن ضعفاتنا ومن كل شهوة ونجاسة تفصلنا عن صلاحك يا محب البشر .