كلمة منفعة
الرجل النبيل، لا يبني راحته على تعب الآخرين.بل النبيل هو الذي يضحي براحته، لكي يريح غيره.
— راحتك وراحة غيرك
سفر رؤيا يوحنا 9
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 9
الرؤيا
الإصحاح رقم 9
الأصحاح التاسع :
البوقان الخامس والسادس
التهيئة لضد المسيح وظهوره
في الأصحاح السابق رأينا الله ينذر البشريّة بطرق متنوعة عبر الأجيال وفى حياة كل إنسان لأجل توبته:
ففي البوق 1 كان الإنذار يمس موارد معيشته.
وفي البوق 2 كان الإنذار يخص أناسًا يذلونه.
وفي البوق 3 كان الإنذار عن طريق ظهور مبتدعين.
وفي البوق 4 كان الإنذار في غاية الشدة والضيق إذ تظلم الحياة في نظره.
وفى هذا الأصحاح يحدثنا عن البوقين الخامس والسادس:
1. البوق الخامس: التأديب خلال أفكار شيطانية 1 - 12.
2. البوق السادس: التأديب خلال حروب بشرية 13 - 21.
1. البوق الخامس: التأديب خلال أفكار شيطانية
الأبواق الأربعة السابقة تتحدث عن إنذارات عامة يوجهها الله للبشر في كل عصر، خاصة في فترة ما قبل ضد المسيح، لكن هذا البوق الخامس أو الويل الأول هو إنذار يخص فترة ما قبل ضد المسيح. فقبل أن يلبس إبليس كل سلطانه وطاقاته لإنسان يُنَصِّب نفسه إلهًا، ويدعو للتعبد للأصنام، ويجرف العالم نحو الدنس يطلب إبليس سماحًا لكي يبث أفكاره وميوله في البعض ليهيئهم لمعاونة ضد المسيح عند قيامه.
وهذا العمل الشيطاني الذي يسمح به الله هو نفسه سيكون فيه تعذيب وتأنيب وضيق ومرارة لمعتنقيه والمنادين به. وهكذا يحوِّل الله الشر إلى خير، إذ يخرج من الآكل أُكلاً، تاركًا للظلمة أن تشهد بنفسها عن ظلمتها.
يقول الرسول:
"ثم بوق الملاك الخامس، فرأيت كوكبًا قد سقط من السماء إلى الأرض، وأُعطى مفاتيح بئر الجحيم. ففتح بئر الجحيم، فصعد دخان من البئر كدخان أتون عظيم. فاظلمَّت الشمس والجو من دخان البئر" [1-2].
يرى البعض أن سقوط كوكب من السماء إلى الأرض يكني عن حالة انتكاس تصيب إنساناً ذا مركز ديني كبير، على أثرها يعمل الشيطان في قلوب الكثيرين.
ويرى البعض أن إحدى الرئاسات المظلمة الشريرة التي تشتكي ضدنا أمام الله تأخذ سلطانًا لتفتح أبواب الجحيم وتملأ جو العالم بدخان الشياطين، أي أفكارهم. على أي حال فهي لغة استعارية تصَوريّة للكشف عن سيادة فكر مادي وإلحادي يملأ العالم شرقه وغربه، حتى ينحجب عن قلوب الكثيرين نور المعرفة السماوية، ويسود الجو ظلامًا وحيرة وقلقًا وشكوكًا مع جفاف روحي.
إنه يقصد التنين (إبليس) الذي يهيئ الجو لضد المسيح الآتي: لكن الله استخدم هذا العمل ذاته ليفضح إبليس نفسه بنفسه.
وفيما يلي مدى سلطان هذا العمل وآثاره.
1. ليس له سلطان على المؤمنين:
"ومن الدخان خرج جراد على الأرض، فأعطى سلطانا كما لعقارب الأرض سلطان. وقيل له أن لا يضر عشب الأرض، ولا شيئاً أخضر، ولا شجرة ما، إلاّ الناس الذين ليس لهم ختم الله على جباههم" [3-4].
يذكِّرنا هذا بالجراد الوارد في سفر يوئيل، عمله التخريب الكامل لكل شيء أخضر إلى المنتهى. هذا المهلك أو المخرب ليس له سلطان أن يضر عشب الأرض ولا شيئًا أخضر ولا شجرة ما.
يا لعذوبة حنان الله الذي يترفق بالعشب الضعيف قبل الشيء الأخضر، وهذا قبل الشجر. إنه يحفظ الأطفال في الإيمان، ويهتم بالصغار، ويعتني بالنفوس الضعيفة، لأن هؤلاء أكثر احتياجًا للترفق والحنو.
لتطمئن كل نفس تمتعت بمياه الروح القدس، وتحيا نامية فيه، سواء كانت لا تزال عشبًا أخضر أو صارت نباتًا صغيرًا أو شجرة عالية، فقد وهبنا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. ولا يقدر ضد المسيح، ولا الأفكار المهينة له كالإلحاد والبدع التي بدأت تظهر في داخل الكنيسة الغربية تحت ستار المسيحية أن يسيطروا عليها.
هذا بالنسبة للذين لهم ختم الله الممسوحين بروح الرب على جباههم، أما بالنسبة للآخرين فيقول:
2. يعذبوا دون أن يقتلوا:
"وأعطى أن لا يقتلهم، بل أن يتعذبوا خمسة أشهر، وعذابه كعذاب عقرب إذا لدغ إنسانًا. وفى تلك الأيام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه، ويرغبون أن يموتوا، فيهرب الموت منهم" [5-6].
يتعذب الذين قبلوا هذا الفكر، لأن ما ليس هو من الحق لا يمكن أن يهب سلامًا ولا سعادة. فيتعذب الأشرار بشرهم رغم انغماسهم فيه ومناداتهم به وإغوائهم الغير لارتكابه معهم، ولا يكون العذاب نابعًا من الخارج بل من داخل فكر الإنسان وتصرفاته. ومن فرط المرارة يشتهى الإنسان الموت، لكن الله لا يسمح لهم به حتى لا يموتوا في انحرافهم، بل يتركهم هكذا في ضجرهم وحيرتهم لعلهم يرجعون إلى الله، طالبين منه عونًا.
3. يُقاتلون ويُخادعون:
"وشكل الجراد شبه خيل مهيأة للحرب، وعلى رؤوسها كأكاليل شبه ذهب ووجوهها كوجوه الناس. وكان لها شعر كشعر النساء، وكانت أسنانها كأسنان الأسود. وكان لها دروع كدروع من حديد، وصوت أجنحتها كصوت مركبات خيل كثيرة تجري إلى قتال. ولها أذناب شِبه العقارب، وكانت في أذنابها حمات، وسلطانها تؤذى الناس خمسة أشهر. ولها ملاك الجحيم ملكًا عليها اسمه بالعبرانيّة أبدون، وله باليونانية اسم أبوليون" [7-11].
أ. لا تكف عن القتال: إذ هي "شبه خيل مهيأة للحرب" عملها التخريب المستمر في القلب والعقل، وكما يقول النبي "قدامه نار تأكل، وخلفه لهيب يحرق. الأرض قدامه كجنة عدن، وخلفه قفر خرب... كمنظر الخيل منظره، ومثل الأفراس يركضون" (يؤ 2: 3-4).
فمتى هدأ الإنسان لنفسه وانحنت نفسه فيه أمام الله أدرك الإنسان المنخدع شدة الحرب التي فيه ومدى الدمار الذي حدث داخله.
ب. مخادعة: إذ تبدو لناظريها كملوك، لها "كأكاليل شبه الذهب"، لكنها ليست في حقيقتها أكاليل ولا هي ذهبيّة، بل تصنع لذاتها هالة من العظمة لتسيطر على القلب وتملك عليه، ويصير الإنسان عبدًا لها.
ج. لها مظهر التعقل والوداعة: إذ "وجوهها كوجوه الناس" لكن قلبها مفترس.
د. جميلة المنظر: "لها شعر كشعر النساء" لكنها تخفى أسنانًا كأسنان الأسود، تجذب بنعومتها ودلالها لكي تسفك وتفترس!
هـ. لها دروع قوية: وصوت أجنحتها مفزع، يكنى عن عنف عملها وسرعة انتشارها.
و. مهلكة: كالعقارب تعذب ولكن إلى حين "خمسة أشهر!" وملكها اسمه "أبدون" أو "أبوليون" أي المخرب أو المهلك.
ويرى البعض أن هذه الأوصاف وتلك الآثار تنطبق على البدع والفلسفات الحديثة التي بدأت تنتشر في العالم تحت اسم "المسيحية أو الدين" بمقتضاها يتحول الدين إلى مجموعة من السلوك الخلقي والآداب الاجتماعيّة خارج الإيمان بالله والعمل الفدائي وانتظار الأبديّة. فينادون بعدم الحاجة إلى ذكر المعجزات في الكتاب المقدس أو التحدث عن الأبديّة أو الصليب والقيامة.
وقد صار لهذا الفكر الذي يأخذ أكثر من اسم مدافعون يلقبون أنفسهم مسيحيين وأيضًا غير مسيحيين. وهم يقدمون فلسفات منمقة وعبارات ناعمة وأسلوبًا عذبًا، هذا كله في حقيقته مؤذٍ للنفس. من عينات هؤلاء نسمع عن بعض القادة الدينيين (للأسف) يحاولون الرد على الملحدين بأن يثبتوا أن الله لا علاقة له بالإنسان وأن الإنسان إنما يعبد الله دون أن يتدخل الله في شئونه. وهكذا بعزل الله المحب عن الإنسان المحبوب فيسقط في إلحاد مستتر مرير.
"الويل الواحد مضى، هوذا يأتي ويلان أيضًا بعد هذا" [12].
البوق السادس: التأديب خلال حروب بشريّة
"ثم بوَّق الملاك السادس، فسمعت صوتًا واحدًا من أربعة قرون مذبح الذهب الذي أمام الله. قائلاً للملاك السادس الذي معه البوق: فك الأربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات. فأنفك الأربعة الملائكة المُعَدون للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس. وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف، وأنا سمعت عددهم" [13-16].
من قرون المذبح الذي قدم فيه "الملاك البخور الكثير" خرج الأمر بالسماح لقيام حرب عنيفة تحدث في أيام ضد المسيح. في ساعة محددة ويوم وشهر وسنة معينة. كل شيء بسماح من الله ضابط الكل يسمح بالحرب، ويسمح بعدد معين من المحاربين. وذلك كله لأجل تأديب الناس لعلهم يرجعون ويتوبون.
ستكون عند نهر الفرات حيث نذكر "الفردوس الضائع"، الذي فقده الإنسان بحسد إبليس، ونذكر بابل المتشامخة التي تشير دومًا إلى الكبرياء على الله والتشامخ عليه. هناك يكون مركز ضد المسيح حيث - كما يقول البعض- سيجدد بابل القديمة مرة أخرى على أن مركزه الروحي "الشيطاني" للأسف سيكون في مدينة أورشليم المقدسة كما سنرى.
وحينما يتكلم سفر الرؤيا عن هذه الحرب يتحدث لا عن منظرها الخارجي بل الدافع الخفي، فيقول "وهكذا رأيت الخيل في الرؤيا، والجالسين عليها لهم دروع ناريّة وأسمانجونيّة وكبريتيّة، ورؤوس الخيل كرؤوس الأسود، ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت. من هذه الثلاثة قتل ثلث الناس من النار والدخان والكبريت الخارجة من أفواهها. فإن سلطانها هو في أفواهها وفى أذنابها، لأن أذنابها شبه الحيات ولها رؤوس وبها تضر" [17-19].
يظهر من هذا الوصف التصوري الاستعاري أن الحرب تخفي أعمال شيطانية، فالمحاربون:
أ. لهم دروع نارية مرهبة يفترسون بقوة إبليسيّة.
ب. وأسمانجونيّة أي دروع تبدو كأنها سماويّة، وهى بسماح من الله.
ج. وكبريتيّة أي للانتقام والإهلاك.
وأما الخيل نفسها فهي:
1. لها رؤوس كرؤوس الأسد، لا تكف عن الافتراس.
2. من أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت، غايتها الحرق والتبديد.
3. أذنابها شبه الحيات التي أفقدت الإنسان الأول كل ما له.
هذه الحروب يسمح بها الله ليقتل البعض لعل البقية تتوب لكن يقول الوحي:
"وأما بقية الناس الذين لم يُقتَلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشى. ولا تابوا عن قتلهم ولا عن سحرهم ولا عن زناهم ولا عن سرقتهم" [20-21].
هذه البقيّة من أتباع ضد المسيح الباقية بعد هلاك البعض في الحرب لم تتب عن:
1. عبادتهم للأصنام، إذ يقيم ضد المسيح لنفسه تمثالاً ويطلب العبادة له.
2. مناهضتهم للكنيسة بالقتل المستمر، ويتعقبونها حتى في البراري.
3. سحرهم: في صنع الأعاجيب للخداع، وهذا يكشف مدى انتزاع خوف الله من القلب وفقدانهم روح التوبة والانسحاق، فيستخدمون السحر في تحقيق مأربهم، منهمكين في الزنا وكل دنس سالبين الناس حياتهم.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح التاسع
الويلات الثلاث هى الأبواق الثلاث الأخيرة من السبعة الأبواق، وهى إنذارات بضربات شديدة فى نهاية الأيام لعل الناس يتوبون
الويل الأول :- هو البوق الخامس = وهو عبارة عن حرب فكرية إلحادية تعذب الناس إذ يتركون الله فيصيرون بلا تعزية وسط ضيقات هذا العالم.
الويل الثانى :- هو البوق السادس= وهو عبارة عن حرب مادية تتقاتل فيها الجيوش والأمم، هنا نرى الشيطان يحرك قادة الدول فيتخذون قرارات خاطئة ينتج عنها حروب دموية مدمرة ويكون القتلى كثيرين جدا. (هلك فى الحرب العالمية الثانية 50 مليونا بالإضافة للدمار الشديد. وهذا كمثال) وينتهى البوق السادس بظهور الوحش (ضد المسيح) وخلال فترة تواجده تزداد الآلام بشدة وتزداد الحروب بصورة أشد
الويل الثالث:- هو البوق السابع = وفيه يظهر الله للدينونة فيرتعب كل إنسان تبع الشيطان وإستغرق فى خطيته.
الآيات (1-12):- "1ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الْخَامِسُ، فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ بِئْرِ الْهَاوِيَةِ. 2فَفَتَحَ بِئْرَ الْهَاوِيَةِ، فَصَعِدَ دُخَانٌ مِنَ الْبِئْرِ كَدُخَانِ أَتُونٍ عَظِيمٍ، فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَالْجَوُّ مِنْ دُخَانِ الْبِئْرِ. 3وَمِنَ الدُّخَانِ خَرَجَ جَرَادٌ عَلَى الأَرْضِ، فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا كَمَا لِعَقَارِبِ الأَرْضِ سُلْطَانٌ. 4وَقِيلَ لَهُ أَنْ لاَ يَضُرَّ عُشْبَ الأَرْضِ، وَلاَ شَيْئًا أَخْضَرَ وَلاَ شَجَرَةً مَا، إِلاَّ النَّاسَ فَقَطِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ خَتْمُ اللهِ عَلَى جِبَاهِهِمْ. 5وَأُعْطِيَ أَنْ لاَ يَقْتُلَهُمْ بَلْ أَنْ يَتَعَذَّبُوا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ. وَعَذَابُهُ كَعَذَابِ عَقْرَبٍ إِذَا لَدَغَ إِنْسَانًا. 6وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ سَيَطْلُبُ النَّاسُ الْمَوْتَ وَلاَ يَجِدُونَهُ، وَيَرْغَبُونَ أَنْ يَمُوتُوا فَيَهْرُبُ الْمَوْتُ مِنْهُمْ. 7وَشَكْلُ الْجَرَادِ شِبْهُ خَيْل مُهَيَّأَةٍ لِلْحَرْبِ، وَعَلَى رُؤُوسِهَا كَأَكَالِيلَ شِبْهِ الذَّهَبِ، وَوُجُوهُهَا كَوُجُوهِ النَّاسِ. 8وَكَانَ لَهَا شَعْرٌ كَشَعْرِ النِّسَاءِ، وَكَانَتْ أَسْنَانُهَا كَأَسْنَانِ الأُسُودِ، 9وَكَانَ لَهَا دُرُوعٌ كَدُرُوعٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَصَوْتُ أَجْنِحَتِهَا كَصَوْتِ مَرْكَبَاتِ خَيْل كَثِيرَةٍ تَجْرِي إِلَى قِتَال. 10وَلَهَا أَذْنَابٌ شِبْهُ الْعَقَارِبِ، وَكَانَتْ فِي أَذْنَابِهَا حُمَاتٌ، وَسُلْطَانُهَا أَنْ تُؤْذِيَ النَّاسَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ. 11وَلَهَا مَلاَكُ الْهَاوِيَةِ مَلِكًا عَلَيْهَا، اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «أَبَدُّونَ»، وَلَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ اسْمُ «أَبُولِّيُّونَ». 12الْوَيْلُ الْوَاحِدُ مَضَى هُوَذَا يَأْتِي وَيْلاَنِ أَيْضًا بَعْدَ هذَا."
البوق الخامس (الويل الأول)
فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا قَدْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ = وهذا الكوكب إما أن يكون :-
1. رئيس دينى كبير وفى سقوطه يجذب معه الكثيرين.
2. الشيطان، هذا الذى سقط من السماء وصار تحت الأرض " رأيت الشيطان ساقطا" (لو18:10). وقد أعطى أن يجرب الساكنين على الأرض، ولكن الشيطان ليس حرا أن يجربنا كيفما يشاء، بل فى حدود يسمح بها الله (راجع قصة أيوب، فالله كان يحدد للشيطان الحدود التى يجرب بها أيوب).
3. ملاك نزل من السماء، ليعطى سماح لإبليس أن يجرب الساكنين على الأرض فى الحدود التى يحددها الله. ولاحظ أن الشيطان كان محبوسا بعد الصليب والآن فالملاك، يطلق يده ويفك السلسلة التى تقيده فى حدود معينة.
وَأُعْطِيَ مِفْتَاحَ بِئْرِ الْهَاوِيَةِ = الهاوية فى نظر أناس العهد القديم هى حفرة بلا قرار يلقى فيها أعداء الرب. والمعنى، إما أن الملاك سمح لإبليس إن ينشر ضلالاته فى الحدود التى سمح بها الله. أو أن الله سمح للشيطان بهذا. إذاً المفتاح هو إطلاق حرية إبليس ليفعل فى الحدود المعينة.
فَصَعِدَ دُخَانٌ = هو أفكار الشياطين، هى حرب فكرية وقد تكون:-
1. أفكار إلحادية كالشيوعية والماركسية والوجودية وهذه تنكر وجود الله. وهذه سمح بها الله، فالناس تضخمت ذواتهم ودخلوا فى كبرياء. فسمح لهم الله بهذه الفلسفات التى تتكلم عن وجود الذات وإلغاء وجود الله.
2. قد تكون أفكار دينية مشوهة كمن إعتبروا أن الإنجيل يحوى أساطير لم تحدث فعلا، بل كتبها موسى ليخيف الناس، أو أفكار دينية تنادى أن الدين هو مجرد سلوك خلقى وأداب إجتماعية، ولا داعى للإيمان بالله ولا للفداء، ولا حاجة لنا لذكر المعجزات ولا الصليب. ويقدمون المسيحية فى ألفاظ منمقة وعبارات ناعمة خلاصتها عزل الإله المحب عن شعبه، وما هذا إلا إلحاد مستتر. وإذا إختفت صورة الإله المحب عن عيوننا فإننا سنعانى بالتأكيد من آلام فظيعة، هذا هو الويل الأول. فمن دون الله لن يتحمل إنسان آلام هذا العالم. بمعزل عن الله قد يندفع الإنسان إلى الإنتحار، وهذا ما يريده إبليس تماما... ألم يأتوا للمسيح بإنسان ، يدفعه الشيطان إلى إلقاء نفسه فى النار. وقال رب المجد عن الشيطان أنه كان قتالا للناس منذ البدء (يو44:8).
إن عمل الروح القدس فى المؤمن هو التعزية (يو26:15) "متى جاء الروح القدس المعزى"، ومن ثمار الروح "الصبر وطول الأناة والفرح والسلام".
لذلك فمن يعزل نفسه عن الله يحرم من هذه الثمار فيتألم ألما فظيعا مع كل مضايقة تأتيه من الخارج. وهكذا نرى الشيطان يعزل أولاد الله عن إلههم ثم يهاجمهم فلا يجدوا سندا لهم فى هذه الضيقات إذ سبق إبليس وعزلهم عن الله.
فَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ = لقد إنحجبت رؤية المسيح شمس البر عن هؤلاء الذين عزلوا أنفسهم بقبولهم لهذه الأفكار الشيطانية، وإنحجب عنهم نور المعرفة السماوية وسادهم حيرة وقلق. وذلك لأن الناس أحبوا الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة.
مِنَ الدُّخَانِ خَرَجَ جَرَادٌ = الجراد يتلف كل شىء، هو يعلن الحرب على كل شىء أخضر ويترك وراءه كل شىء خربا. وهذه الأفكار والمبادىء المضلة التى ستملأ الأرض فى تلك الأيام ستدمر حياة الناس (يؤ2:2-4). البداية أن الإنسان أراد أن يشعر بنفسه مستقلا عن الله فى كبرياء وإعجاب بالذات، ولما أطلق الشيطان قدم للناس أفكار وفلسفات كلها إحساس وإعجاب بالذات مثل "إن كان هناك إله، فكيف أطيق أن لا أكون إلها" وهم عزلوا هذا الإله حتى لا يتحكم فيهم بحسب فكرهم فقالوا "لقد حكمنا على الله بالموت وأقمنا الكنائس قبورا له" و"أبانا الذى فى السموات إبق هناك".
وكل هذا لشعورهم أن الله يتحكم فيهم فقالوا "إن الله جالس فى برج عاجى ويتحكم فينا بوصاياه دون أن يشعر بإحتياجنا".
إذاً هم عزلوا الله عن حياتهم... فهل وهبهم هذا السلام؟!
قصة حوار
تقابل إنسان مؤمن مع إنسانة غير مؤمنة، شيوعية، وكان ذلك فى موسكو خلال شهور الصيف، حيث كانت الحدائق آية فى الروعة والجمال.
وكانا فى حوارها الدائم حول الله تكرر هذه الإنسانة الغير مؤمنة بالله، أنه لا يوجد إله، ولا توجد حياة بعد الموت. وكان إذا أكد المؤمن إيمانه بذلك تتهمه بالجنون وبانه إنسان غير سوى وغير طبيعى، وأنه حين يموت سيفاجأ بأن كل ما تصوره على الأرض إنما كان وهما، فلن يجد إلها ولا مسيحا، بل ستكون نهايته فى بطن الدود. وكان يرد أنه إن لم أجد الله بعد موتى فلن أخسر شيئا، لكن ماذا عنك أنت، ماذا لو وجدت الله بعد موتك، حينئذ ستكون عقوبتك شديدة بسبب كل ما قلتيه عنه.
وفى يوم جلسا فى إحدى الحدائق وأخذ هو يعبر عن إنبهاره بهذا الجمال، فقالت هى وماذا ترى من جمال فى هذا.. أنا لا أرى فى هذه الحدائق سوى الموت، فبعد شهور يأتى الثلج ويموت كل شىء ! فسألها سؤالا مفاجئا... إذ كان يعرف أن لها إبنة تحبها لدرجة العبادة. وكان سؤاله...
ماذا تفعلين لو ماتت إبنتك فصرخت بشكل هستيرى حتى لا يكرر السؤال، وبعد أن هدأت كرر السؤال وكررت الصراخ الهستيرى. وأمام إصراره قالت لو ماتت إبنتى سأنتحر، إذ لا أقوى على الحياة بدونها وكان رده... وهذا هو الفرق بينى وبينك... بينى أنا الإنسان المؤمن وبينك كإنسانة غير مؤمنة، فأنا بإيمانى أرى الحياة من خلال الموت، فإذا مات أحد أحبائى سأحزن ولكن ليس لدرجة الإنتحار، فعندى رجاء أننى سأراه ثانية فى السماء. وأما أنت فبسبب عدم إيمانك فأنت ترين الموت من خلال الحياة، لذلك فأنت لا تستطيعين أن تفرحى بجمال الطبيعة حولك، بل تتوقعين موتها، فأنت غير قادرة على أن تتمتعى بالحياة والجمال من حولك ولا بهذه الحدائق الجميلة والسبب أن فكرة الموت تعذبك وتسيطر عليك لأن إيمانك أنه لا حياة بعد الموت... لذلك تفكرين فى الإنتحار.
فمن هو الأسعد حالا يا ترى انا أم أنت. وبفرض أنه لا يوجد إله ولا حياة أخرى حقيقية، فمن هو الأسعد حالا. هل أعطاك عدم إيمانك حلا لمشاكلك، هل أعطاك السعادة... الواضح أنه زاد غمك وحزنك.وبعد هذا الحوار إمتنعت عن الحديث فى العقائد والدين.
فهؤلاء الملحدون حكموا على أنفسهم بالعدم، وهو فكر يعذب الإنسان، فمن لم يختبر المسيح يعيش فى عذاب هذه الأفكار، بل إن سارتر والبيركامى كانوا يرددون ان هذا الوجود لا فائدة منه، وهذه الحياة لا تستحق سوى الإنتحار. ولعل حادثة الإنتحار الجماعى فى جويانا، إذ إنتحر 900 شخص دفعوا للإنتحار من قائد مجنون يسمى الأب جونز، هى تأكيد أن رفض المسيح، وعدم معرفة الله سببا حالة من الفراغ الروحى، وعدم الحصول على تعزية إلهية وبالتالى كان هذا الفراغ الروحى سببا فى آلام فظيعة تدفع للجنون. وهذا تأكيد لما قيل هنا أن النَّاسُ سَتطْلُبُ الْمَوْتَ وَلاَ تجِدُهُ إذا البوق الخامس وهو الويل الأول، هو بداية إطلاق الشيطان، وستكون حربه ضد البشر حربا فكرية وضلالات تعزل الإنسان عن الله، ثم ينفرد إبليس بهذا الإنسان ليعذبه. ولن يجد هذا الإنسان راحة سوى فى رجوعه لله. وهذا ما دفع سارتر أبو الفلسفة الوجودية إلى أن يطلب كاهنا للإعتراف قبل أن يموت، وحينما سمعت صديقته سيمون دى بوفوار أنه طلب كاهنا قالت " لقد جن، إنه بهذا يهدم كل فلسفته التى بناها.
ولكنه كان صادقا مع نفسه فى نهاية حياته، وأعلن أنه لم يجد راحة إلا فى المسيح. وكان هذا عكس فيلسوف فرنسى آخر قبل سارتر بعشرات السنين ظل يحارب المسيح كل عمره، ولما دنت ساعته قال "أخيرا إنتصرت أيها المصلوب" كَمَا لِعَقَارِبِ = هى لذعات الآلام النفسية لمن شعر أنه بلا تعزية سماوية ولكن شكرا لله، فهذه الآلام لا تصيب المؤمنين ولا تضرهم. بسبب تعزيات الروح القدس لهم. ففى (رؤ1:7-3) نجد أن الملائكة لم تترك الرياح تهب (هى هذه الضربات) قبل أن يتم ختم عبيد الله (والختم هو حلول الروح فينا) فهناك إذا تعزيات لأولاد الله وسط ضيقات هذا العالم تجعلهم قادرين على الإحتمال. ولاحظ الرمز فى سفر الرؤيا فالجراد يأكل الخضرة، لكن هنا نجده يضر كل شىء إلا الخضرة سواء عشب أو شجرة. إذا هو ليس جراد حقيقى بل هى أفكار فلسفية تدمر حياة الناس لكنها لا تصيب أولاد الله لأن الروح القدس يعلمهم كل شىء..(يو26:1) لذلك سيرفضوا هذه الأفكار. إذن الجراد ينتصر على من ليس لهم ختم الله على جباههم.
عُشْبَ الأَرْضِ = هم المؤمنين المبتدئين، فحتى هؤلاء يهتم الله بهم أولا. فهو لا يقصف قصبة مرضوضة ولا يطفىء فتيلة مدخنة.
وَلاَ شَيْئًا أَخْضَرَ = هم المتقدمين فى الإيمان نسبيا.
وَلاَ شَجَرَةً = هم أصحاب القامات العالية فى الإيمان ، هم القديسون وكل هؤلاء لهم الروح القدس = خَتْمُ اللهِ عَلَى جِبَاهِهِمْ. وهو يعطيهم:
1. تعليما صحيحا به يرفضون كل الآراء المضللة.
2. تعزيات وسط الضيقات التى فى العالم.
إذاً هو سر ما فيهم من خضرة وحيوية، وأنهم لم يذبلوا وسط ضيقات هذا العالم. فالروح القدس هو الماء الذى يروى جذور هذه الأشجار والنباتات أى المؤمنين فلا يموتوا. وهو الندى المتساقط على أوراقها فلا تتأذى من حر الشمس (أى ضيق التجارب).
لاَ يَقْتُلَهُمْ بَلْ يَتَعَذَّبُوا = هذه الضربات لا تقتل بل تعذب النفس، فهى ليست حربا حقيقية بين جيوش وبأسلحة. بل هى ضيقات شديدة بلا تعزية كحر الشمس حين يقع على نبات بلا ماء يرطبه فيصفر ويذبل. وهذه الضربة ضربة البوق الخامس مختلفة عن ضربة البوق السادس الذى نرى فيه حروبا مميتة ودما يسيل وثلث الناس يموتون (لاحظ أن ضحايا الحرب العالمية الثانية 50 مليونا).
خَمْسَةَ أَشْهُرٍ = هى عمر الجراد، أى أن هذه الضربة لها زمن محدد وستنتهى بعده. وهذا ما رأيناه فى سقوط الشيوعية، وما ظهر لكل العالم عن فشل هذه النظرية، بل هى تركت دولها فى فقر لا مثيل له. وخَمْسَةَ أَشْهُرٍ هى 150 يوما كأيام الطوفان، الذى أعقبه حياة جديدة لأولاد الله. ونحن ننتظر حياة جديدة بعد نهاية هذا العالم.
كَعَذَابِ عَقْرَبٍ إِذَا لَدَغَ إِنْسَانًا = عذاب مستمر وأنين مستمر، وهذا ما نراه من إستمرار شكوى غير المؤمنين من كل شىء، إذ لا يجدون ما يعزيهم.
سَيَطْلُبُ النَّاسُ الْمَوْتَ وَلاَ يَجِدُونَهُ = هذا يحدث حينما تتبدد أمال الإنسان وأمانيه ويكون إنسانا بلا تعزية فيهرب الموت منه. وليس المعنى أنه لن يكون موت فى تلك الأيام، بل سيشتهى الناس الموت فى يأس من هذه الحياة من الغلاء والأمراض الفتاكة والإنفجار السكانى والظروف المناخية السيئة والظلم الإجتماعى وإنعدام فرص العمل والسكن.
ولاحظ فهؤلاء لا يؤمنون بآن هناك حياة أخرى بعد الموت، وهم مرعوبين من فكرة الموت. إذ هم بلا أمل فى الحياة، وبلا أمل فى حياة أخرى بعد الموت. وكيف يحتمل بشر كل هذا إن لم يكن له ختم الله على جبهتة ؟ أى مملوء من الروح القدس الذى يعطى العزاء والصبر والإحتمال، وهنا نرى أن الله لايسمح بموتهم لعلهم يتوبون ويرجعون كما رجع سارتر.
شِبْهُ خَيْل مُهَيَّأَةٍ لِلْحَرْبِ = كانت الخيل هى أداة الحرب فى تلك الأزمنة. ونحن أمام حرب يشنها الشيطان ضد الإنسان ليخربه عقليا وروحيا ونفسيا.
وَعَلَى رُؤُوسِهَا كَأَكَالِيلَ = لم يقل أكاليل بل كأكاليل، فهى توهم الناس بالنصرة، هى مخادعة تبدو فى صورة ملوك لها أكاليل ذهبية، تصنع لنفسها هالة من العظمة لتسيطر على عقول وقلوب البشر، وتصير الإنسان عبدا لها، والناس ينخدعون كما إنخدع مئات الملايين بهذه الفلسفات وظنوا أن فيها الخلاص من الظلم الإجتماعى. "قال ماركس أن المقهورين والمظلومين قد إخترعوا فكرة الله حتى يسكنوا آلامهم الناشئة من الظلم الواقع عليهم. ولكن حين تطبق نظريتى ستنتهى تماما فكرة وجود الله دون حاجة لمقاومة للكنيسة أو إضطهاد لها. ولكن كان هذا عكس ما فعلته الشيوعية إذ نُشِرَت النظرية بإضطهاد الكنيسة وقتل المسيحيين".
شَعْرٌ كَشَعْرِ النِّسَاءِ = شعر النساء علامة جمالهن،أى أن هذه الفلسفات لها منظر يبدو جميلا، ولها منظر الحنان فالفلسفات الإلحادية الماركسية إدعت أنها تتعاطف مع الفقراء وأنها تهتم بإزالة أوجاعهم والظلم الواقع عليهم. أَسْنَانُهَا كَأَسْنَانِ الأُسُودِ = مع أن لها منظر جميل ومنظر فيه حنان لكنها تخفى فى باطنها وحشية، وهى مفترسة تجذب بنعومتها لكى تفترس:
1. من رفض إتباع النظرية وإستمر فى إيمانه إضطهدوه وقتلوا الكثيرين.
2. من سار وراءهم تركته نظريتهم الإلحادية محطما بلا رجاء فى حياة هنا أو فى الأبدية. فهم ينكرون وجود أبدية.
لَهَا دُرُوعٌ كَدُرُوعٍ مِنْ حَدِيدٍ = مرة ثانية لم يقل دروع بل كدروع، فهى ليست قوية بالفعل، بل تبدو هكذا [ قيل عن دول الشيوعية أنها دول الستار الحديدى ثم إنهار كل شىء فجأه ]. الحقيقة أن أولاد الله والكنيسة قادرون على الصمود أمامها، ورأيت بعينى ، المسيحية فى روسيا والكتلة الشيوعية كأقوى ما يمكن أن تكون عليه المسيحية، وكان ذلك فى بداية السبعينيات من القرن الماضى، أى فى قمة إزدهار الشيوعية، ومرت الأيام وإنتهت الشيوعية التى كان لها كدروع من حديد وإنتصرت المسيحية، "فهو خرج غالبا ولكى يغلب".
وَوُجُوهُهَا كَوُجُوهِ النَّاسِ = لها مظهر التعقل والحكمة، هى ضربة عقلانية، والناس الذين يستخدمهم إبليس يعملان على نشر هذه المبادىء على أنها أمل الإنسان فى نظام إجتماعى بلا ظلم، وعدل إجتماعى يسود الناس، حينما يستغنون عن وجود الله وسطهم. صَوْتُ أَجْنِحَتِهَا = لقد شنوا حربا على الكنيسة وعلى المؤمنين وحاولوا أن يغرقوا العالم كله بفلسفاتهم الشيطانية.
وَلَهَا أَذْنَابٌ كشِبْهُ الْعَقَارِبِ = إيذاؤها فى أذنابها، أى فى آخر الأمر من يسلك فى طريقها ويصدقه تكون آخرته الموت، أى يحيا فى عذاب كلدغة العقرب ثم ينتهى به الأمر للموت الأبدى.
لَهَا مَلاَكُ الْهَاوِيَةِ = هو الشيطان = مَلِكًا عَلَيْهَا = هم يأتمرون بأمره. اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وبِالْيُونَانِيَّةِ = هذه الفلسفات تسود على اليهود وعلى الأمم على السواء، فالشيطان يعمل بكل قوته ليهلك الجميع وكثير من هؤلاء الفلاسفة كانوا يهودا. أَبَدُّونَ وأَبُولِّيُّونَ = معناهما المهلك.
إذا الويل الأول هو حرب فكرية يطلق فيها الشيطان لكن فى حدود حرب فكرية ضد البشر. أما الويل الثانى فهو حروب فعلية يهلك فيها الملايين، وفيها يطلق الشيطان لإثارة الملوك والرؤساء وفى نهايتها ينطلق ضد المسيح وتقوم فى أيامه حروبا رهيبة. وسيكون ضد المسيح هذا تجسيما للشيطان نفسه.
الآيات (13-21):- "13ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّادِسُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةِ قُرُونِ مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ اللهِ، 14قَائِلاً لِلْمَلاَكِ السَّادِسِ الَّذِي مَعَهُ الْبُوقُ:«فُكَّ الأَرْبَعَةَ الْمَلاَئِكَةَ الْمُقَيَّدِينَ عِنْدَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ الْفُرَاتِ». 15فَانْفَكَّ الأَرْبَعَةُ الْمَلاَئِكَةُ الْمُعَدُّونَ لِلسَّاعَةِ وَالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، لِكَيْ يَقْتُلُوا ثُلْثَ النَّاسِ. 16وَعَدَدُ جُيُوشِ الْفُرْسَانِ مِئَتَا أَلْفِ أَلْفٍ وَأَنَا سَمِعْتُ عَدَدَهُمْ. 17وَهكَذَا رَأَيْتُ الْخَيْلَ فِي الرُّؤْيَا وَالْجَالِسِينَ عَلَيْهَا، لَهُمْ دُرُوعٌ نَارِيَّةٌ وَأَسْمَانْجُونِيَّةٌ وَكِبْرِيتِيَّةٌ، وَرُؤُوسُ الْخَيْلِ كَرُؤُوسِ الأُسُودِ، وَمِنْ أَفْوَاهِهَا يَخْرُجُ نَارٌ وَدُخَانٌ وَكِبْرِيتٌ. 18مِنْ هذِهِ الثَّلاَثَةِ قُتِلَ ثُلْثُ النَّاسِ، مِنَ النَّارِ وَالدُّخَانِ وَالْكِبْرِيتِ الْخَارِجَةِ مِنْ أَفْوَاهِهَا، 19فَإِنَّ سُلْطَانَهَا هُوَ فِي أَفْوَاهِهَا وَفِي أَذْنَابِهَا، لأَنَّ أَذْنَابَهَا شِبْهُ الْحَيَّاتِ، وَلَهَا رُؤُوسٌ وَبِهَا تَضُرُّ. 20وَأَمَّا بَقِيَّةُ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بِهذِهِ الضَّرَبَاتِ، فَلَمْ يَتُوبُوا عَنْ أَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى لاَ يَسْجُدُوا لِلشَّيَاطِينِ وَأَصْنَامِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْصِرَ وَلاَ تَسْمَعَ وَلاَ تَمْشِيَ، 21وَلاَ تَابُوا عَنْ قَتْلِهِمْ وَلاَ عَنْ سِحْرِهِمْ وَلاَ عَنْ زِنَاهُمْ وَلاَ عَنْ سَرِقَتِهِمْ."
البوق السادس (الويل الثانى)
نرى هنا رقم 4 يتردد كثيرا (أَرْبَعَةِ قُرُونِ المَذْبَحِ + الأَرْبَعَةَ ْمَلاَئِكَةَ الْمُقَيَّدِينَ + الأَرْبَعَةُ ْمَلاَئِكَةُ الْمُعَدُّونَ لِلسَّاعَةِ) ورقم 4 يشير لكل العالم وللعمومية، فهى إذا حرب عالمية ستشمل كل العالم ولكنها بسماح من الله. فالله هو الذى يحرك الملائكة، والملائكة يسمحون بما يسمح به الله، مهم جدا أن نفهم أن الشيطان ليس حرا حرية مطلقة (راجع قصة ايوب أى12:1 + 6:2)
مَذْبَحِ الذَّهَبِ = إشارة للمسيح شفيعنا عند الآب. أَرْبَعَةِ قُرُونِ المَذْبَحِ = أى شفاعته قوية، فالقرن رمز القوة عند رعاة الأغنام. ورقم 4 هنا يشير إلى أن شفاعة المسيح تشمل كل العالم، أى كل من يؤمن به فى كل العالم.
فمع شدة الضربات إلا أننا نرى أن كل من يرجع ويتوب يجد الأحضان الإلهية مفتوحة له. ولكن لنلاحظ ايضا ان السيد المسيح الذى يشفع فى البشر هو نفسه الذى تصدر منه الأوامر بالضربات، فلقد رآه يوحنا متمنطقا عند ثدييه بمنطقة من ذهب، وهذه ملابس القضاه (رؤ13:1) هو الديان (يو27:5).
الَّذِي أَمَامَ اللهِ = فالمسيح هو شفيعنا والوسيط الوحيد كشفيع كفارى لنا لدى الآب.
النَّهْرِ الْعَظِيمِ الْفُرَاتِ = ربما يعنى هذا أن مركز الحرب العالمية هذه يكون فى أرض العراق، أو حول نهر الفرات عموما، ولكن المعنى الروحى أن نهر الفرات كان يروى مملكة بابل. وبابل رمز الخطية والتمرد على الله فى الكتاب المقدس ويكون المعنى أن هذه الحرب بسبب الشر الذى فى العالم. ولنفهم ان هناك عريسين وعروستين فى الكتاب المقدس. العروس الأولى هى الكنيسة وعريسها هو المسيح. والثانية هى بابل مملكة الشر والتعدى على الله وعريسها هو الشيطان . الْمُعَدُّونَ لِلسَّاعَةِ وَالْيَوْمِ = إذا لا شىء يحدث بالصدفة، بل أن كل شىء معد من قبل الله ضابط الكل. فلماذا الخوف ونحن فى يد إله قدير يعلم كل شىء وقد أخبرنا منذ آلاف السنين عما سيحدث، إذا هو قادر أن يحمينا
يَقْتُلُ ثُلْثَ النَّاسِ = أى عدد عظيم سيهلك فى هذه الحرب. فالآلات الحربية فى هذه الأيام صارت مهلكة. ويقتل الثلث ، لعل الثلثين يستيقظوا ويتوبوا.
مِئَتَا أَلْفِ أَلْفٍ وَأَنَا سَمِعْتُ عَدَدَهُمْ = هى إذاً حرب عالمية يشترك فيها جيوش كثيرة. ولكن كون يوحنا يقول أنه سمع عددهم فلربما يكون هذا الرقم له معنى فى تلك الأيام. ولربما نسمع فى تلك الأيام فعلا أن عدد الجيوش المتحاربة هو 200 مليون جندى، وحينما نسمع هذا الرقم يكون هذا علامة على إقتراب ظهور ضد المسيح.
الْخَيْلَ فِي الرُّؤْيَا.... دُرُوعٌ نَارِيَّةٌ وَأَسْمَانْجُونِيَّةٌ وَكِبْرِيتِيَّةٌ = هذا تعبير عن آلات الحرب الرهيبة التى تطلق نيرانا مدمرة (المدافع) ولها دروع إسمانجونية. والإسمانجونى هو لون السماء. ولعل هذا تعبيرا عن الصواريخ والطائرات المدمرة والتى تلقى نيرانا = َكِبْرِيتِيَّةٌ ولكن كيف يعبر يوحنا عن هذه الآلات الحربية من 2000 سنة؟
هو إستخدم الألفاظ السائدة فى عصره، إذ كانت آلة الحرب وسلاح الحرب فى أيامه هى الخيل ومن فتكها شبهها برؤوس الأسود.
سُلْطَانَهَا هُوَ فِي أَفْوَاهِهَا = من فوهة المدفع تخرج النيران والكبريت المدمر.
وَفِي أَذْنَابِهَا = القنابل المدمرة فى بطن الطائرات لذلك شبه أذنابها بالحيات المهلكة.
وَلَهَا رُؤُوسٌ وَبِهَا تَضُرُّ = فالصواريخ الآن تحمل رؤوسا مدمرة (نووية وكيماوية وجرثومية) تضر وتقتل.
وهدف الله من هذه الضربات أن يتوب الناس، ولكن للأسف فهم لم يتوبوا، لذلك هم شابهوا فرعون وشعب المصريين الذين إذ اصابتهم الضربات لم يتوبوا ولم يطلقوا شعب إسرائيل. وهذا ما يسمى بعناد مصر أو خطية مصر "تدعى روحيا سدوم ومصر" (رؤ8:11) أى أن خطيتهم فى ذلك الزمان هى نفس خطية مصر أى العناد مع الضربات وعدم تقديم توبة.
يَسْجُدُون لِلشَّيَاطِينِ = والآن نرى الكثيرين يتعبدون للمال والمادة، والملذات الشهوانية. فالشيوعيون يتعبدون للمادة والوجوديون يتعبدون للذات الإنسانية. وعموما فكثيرون يتعبدون للمال والجنس. وهذا هو الإلحاد المعاصر. لم يعد أحد يتعبد لأوثان، ولكن الشيطان وراء الصراع والتعبد للمال وتجارة الجنس فى كل العالم.بل هناك الان عبادة للشيطان .
أَصْنَامِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ = أى المادة وبالذات المال.
أَصْنَامِ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ = ربما تشير للإعتناء المبالغ فيه بزينة المنازل وتعظم المعيشة، وإهمال بيوت الله، كما عاتب الله على فم حجى النبى شعبه فى القديم قائلا "هل الوقت لكم أن تسكنوا فى بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب (البيت هو هيكل الله)" (حج4:1).
الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْصِرَ = عجبا على من يتصور أن المال او القوة البشرية أو أى خطية قادرة أن تسعده أو تخلصه من ضيقته.
وَلاَ عَنْ سِحْرِهِمْ = تشمل كل من يتعامل مع الأحجبة والتعاويذ وقارئى البخت وما يقال له الطالع وحظك اليوم، وقراءة الفنجان والكف.... الخ أو من يتعامل مع الأعمال أو من يفك الأعمال.
المؤمن لا يعرف حلا لمشاكله سوى اللجوء لله وللكنيسة التى وضع الله فيها سبعة أسرار محيية.
ونلاحظ أنه فى أيام ضد المسيح سيخدع هذا الشخص قلوب البسطاء بأعمال سحر عجيبة (راجع رؤ13) فينجذبون له. إذاً علينا من الآن أن نلتصق بالله وبالكنيسة ولا نصدق أى أعمال شيطانية بل لا نصدق ولا نجرى وراء الخوارق التى لم تعلن الكنيسة أنها معجزات حقيقية من قبل الله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع
البوقان الخامس والسادس
مقدمة الأصحاح التاسع : إحتوى الأصحاح السابق على الأربع إنذارات الأولى وانتهى بإعلان شديد اللهجة عما هو آتي في الأبواق التالية ، ولهذا سميت الأبواق الثلاثة التالية بالويلات لما تحويه من أهوال .
(1) البوق الخامس ( فتح الهاوية ) ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : كوكباً قد سقط : إما أن يكون ملاكاً مرسلاً بتكليف من الله لفتح أبواب الجحيم أو هو الشيطان ذاته وأعطى نفس السلطان بسماح من الله ، ولعل هذا هو الأرجح ويتمشى مع تعبير " سقط " فنحن نعلم أنَّ الشيطان كان من رؤساء الملائكة ولكنه سقط بكبريائه ولم يثبت في محبة الله . أعطى مفتاح : أي صار له سلطان على إخراج أعوانه الشياطين لمحاربة كل البشر ، ولكن في حدود سماح الله .
ع 2 : بالفعل فتح بئر الهاوية ، وما أن فتحه حتى خرج دخان شديد أفقد الناس الرؤية الصحيحة . أتون : هو فرن متقد شديد الإشتعال . دخان : هي أفكار الشيطان التشكيكية وحروب الإلحاد والتي من كثافتها أفقدت الناس رؤية السيد المسيح ( شمس البر ) ، ولفَّهم الظلام الكثيف أي ضاع الإيمان السليم .
ع 3 : خرج جراد : بالطبع الجراد هنا هو الشياطين وعندما يصورهم الله لنا في صورة الجراد فهذا لكي نعلم :
أولاً : كثرة أعدادهم ؛ فالجراد حشرة تُقدَّر أسرابها بمئات الملايين عند هجومها .
ثانياً : شدة فتكهم ؛ فالجراد يأكل كل ما يقابله في طريقه ولا يترك الأرض إلاّ جرداء .
أعطى سلطاناً : أي لا سلطان للشيطان على البشر ما لم يكن مسموحاً له من الله وفي حدود التأديب الذي يراه . كما لعقارب الأرض : لدغ العقرب للإنسان شديد الألم ونافذ في سمه ، واستخدام تشبيه العقارب مع الجراد إنما هو إضافة لشدة هذه الويلة التي تأتي على العالم .
ع 4 : قيل له : أي أُمِرَ بواسطة الله الذي يحدد حجم ومقدار ونوعية التأديب بسلطانه المطلق . عشباً ... شجر ما : العشب يرمز إلى صغيري المؤمنين .. والشجر إلى القامات الأعلى في الإيمان ، والمعنى العام أنه بالرغم من سماح الله للشيطان بهذه الضربة إلاّ أنه منعه من الإقتراب إلى المؤمنين بكل درجاتهم ، فالله بحنانه وحبه لأولاده يحمي الضعيف والقوي منهم من ضلالات الشيطان ولا يسمح له بالتأثير عليهم أو فيهم . الذين ليس لهم ختم الله : أما هذه الويلة فإنها تصيب الناس الذين بلا علامة الروح القدس على جباههم وهم نوعان من الناس الأول هو ما لم يعتمد فلم يأخذ العلامة أصلاً أو كان مسيحياً ولكن بسبب رفضه الدائم للتوبة أطفأ وأحزن الروح فصار للشيطان سلطان عليه .
ع 5 : تظهر رحمة الله في عدم السماح بالأذى لحد الموت ( القتل ) ، بل إلى خمسة أشهر فقط وهي فترة إعلان غضب الله على البشر كما حدث أيام الطوفان ( تك 7 : 24 ) إذ تعاظمت المياه لمدة خمسة أشهر . أما درجة التأديب فهي درجة شديدة جداً شبهها لنا الوحي المقدس بألم ناتج من لدغة عقرب ويسري في عروق الإنسان ولا يجد دواءً لألمه .
ع 6 : إستمراراً لوصف شدة ألم الناس من قوة التأديب الإلهي أنهم يتمنون الموت للنجاة مما أتى عليهم ولكن حتى الموت لا ينالونه ويستمر عذابهم لعلهم يتوبون .
+ نشكرك يا إلهنا الحنون إذ أشفقت على ضعف إيماننا فلم تدع للشيطان سلطاناً علينا فيفنى إيماننا ... بل عضدتنا ومنحتنا فرصة للتوبة وما سمحت به من عقوبة للآخرين هو إنذار لنا فيزداد تمسكنا بك ... إذ أنت وحدك عوننا وخلاصنا وغايتنا .
(2) سمات الحرب في هذه الويلة ( ع 7 - 12 ) :
ع 7 : من صور محبة الله لأولاده أنه يكشف لهم سمات المحارب العدو وصفاته حتى يستعدوا ولا ينخدعوا به .. وهذه الصفات المعلنة عددها تسعة وتحمل الكثير من المعاني والرموز الروحية .
1- شبه خيل مهيأة للحرب : الخيل هو أقوى وأسرع الحيوانات المستخدمة في الحرب ، وكلمة " مهيأة " معناها أنها سوف تستخدم كل قوتها وكأنها إستعدت وتدربت للإيقاع بالإنسان .
2- أكاليل شبه الذهب : أي لها سلطان وجاه على الناس كالملوك الذين يلبسون التيجان الذهب ولكنه ذهب زائف لا ينخدع به أبناء الله لأنه شبه ذهب ، وقد تكون إشارة للحروب المادية ومحبة الترف وتعظم المعيشة التي تغري وتغوي كثيرين من الناس .
3- وجوهها كوجوه الناس : أي أنَّ الشيطان يستخدم أعواناً من البشر قبلوا فكره وصاروا له جنوداً يروجون له ويقنعون الآخرين بشروره .
ع 8 : 4- لها شعر كشعر النساء : أي أنَّ الشيطان في حروبه يستخدم كل الوسائل حتى الناعم والمغري منها ( كشبه النساء ) .
5- أسنان الأسود : أي وإن كانت النعومة هي المظهر الخارجي لحروب الشيطان إلاّ أنَّ الشراسة والإفتراس هي حقيقته الداخلية .
ع 9 : 6- لها دروع : دروع من حديد أي رمز للصلابة والشدة في القتال .
7- أجنحتها : أي أجنحة الجراد ( الشياطين ) تصدر صوتاً مرعباً ومزعجاً كصوت مركبات الحرب التي في كثرتها وتعددها تشيع الرعب في أنفس الناس .
ع 10 : 8- لها أذيل في شبه أذناب العقارب المعكوفة والسامة ، والذيل هو نهاية الأمر ، فإن كان لهذه الشياطين تاج شبه ذهب ووجوه الإنسان وشعر ناعم ، إلاّ أنَّ النهاية هي اللدغ بالسم .
9- في أذنابها حمات : الحُمى هي جمر النار الشديد وهذا التعبير كناية عن سم الشيطان الذي يسري في الجسد مثل حبات من نار ملتهبة فيكون للإنسان المخدوع والملدوغ منها ألم شديد . خمسة أشهر : أي فترة محدودة ترمز إلى غضب الله .. راجع ( ع 5 ) .
ع 11 : ملاك الهاوية : أي رئيس الشياطين كلها ( إبليس ) ، وهو الذي يدير هذه الحروب ويوجه جنوده ليهلك الإنسان ويفقده خلاصه بالمسيح . اسمه " أبدون " أو " أبوليون " : كلمة معناها " المُهلك " وقد ذكرت باللغتين المعروفتين في ذلك الزمان لأهمية إعلان إسمه وصفته للجميع فيحترس الناس من أفكاره ... وخداعه ويكتشفون هدفه الحقيقي في الإهلاك .
ع 12 : الويل الواحد : كان هذا أول الويلات وهو ما يحمله البوق الخامس ، أما الويلان الآخران الآتيان فهما ما يحملهما البوق السادس والسابع .
+ إنتبه يا أخي إلى أنَّ حروب الشياطين تأخذ في الغالب مظهر النعومة واللذة في بدايتها حتى تسقطك ولكن في داخلها سم وألم ونار حارقة ثم هلاك ؛ فلا تقبل شهواته مهما كانت مغرية وإن سقطت قم سريعاً بتوبة ودموع فإنَّ إلهك يحبك وينقذك من يده .
(3) البوق السادس والويل الثاني ( ع 13 - 16 ) :
ع 13 : المذبح الذهب : هو نفس المذبح الذي قدَّم أمامه الملاك بخوراً في ( ص 8 : 3 ) وأخذ من ناره أيضاً وألقى منه على الأرض فصارت إنذارات عظيمة ( ص 8 : 5 ) . أربعة قرون : أي أربعة أركان المذبح ، وكان للمذبح على أركانه قروناً وهذه صورة المذبح المعروفة عند اليهود في عبادتهم سواء كان في خيمة الإجتماع أو هيكل سليمان بعد ذلك . عندما بوَّق الملاك السادس ، صدر الصوت من الأربعة قرون في وقت واحد في إشارة إلى قوته وشدته من جهة ، وإلى عموميته ووصوله إلى المسكونة كلها من جهة أخرى .
ع 14 : أما هذا الصوت فكان أمراً إلهياً للملاك السادس نفسه بأن يطلق سراح وسلطان أربعة ملائكة كانوا مقيدين . الأربعة الملائكة المقيدين : يرى البعض أنهم ملائكة كانوا مُكلفين من قِبل الله بتنفيذ ما هو آتٍ على العالم في هذا الويل ، وهذا التكليف صار مؤجلاً لحين صدور الأمر بحلهم من قيدهم في البوق السادس . ويرى البعض أنهم أربعة شياطين لهم قوة عاتية قيدوا منذ سقوط الإنسان وسيتركهم الله الآن بسماحه ليأتون على الأرض بشرور وحروب تنفيذاً للويل الثاني !! وسواء كانوا هذا أم ذاك فلن يغيِّر هذا من الواقع شيئاً إذ أنَّ كل شئ صار بأمر وسماح من الله وتنفيذاً لمشيئته . عند نهر الفرات : كان نهر الفرات يمر بمملكة بابل التي رمزت دائماً في الكتاب المقدس إلى مملكة الشر ، وهذا معناه أنَّ هذه الملائكة المنفذة للويل الثاني تحمل عقاباً شديداً .
ع 15 : الساعة واليوم والشهر والسنة : أي أنَّ لكل شئ تحت السماء وقت بتدبير إلهي دقيق ، فلا شئ قبل أو بعد ميعاده ولو بدقيقة واحدة . والغرض من هذه الآية إبراز جزء من الحكمة الإلهية وصفة الله " ضابط الكل " . ثلث الناس : كانت العقوبة بالثلث دائماً متكررة في الأصحاح الثامن ، والمعنى هنا وهناك واحد . فالله في عدله يسمح بالعقوبة والقصاص على الأشرار ، وفي رحمته يجعل هذه العقوبة لا تهلك الجميع بل الأقل وتدعو الأكثر ( الثلثين ) إلى العودة والتوبة والتمتع بمراحمه .
ع 16 : أما عدد المحاربين في هذا الويل فهما مائتي مليون ، وتعبير " سمعت عددهم " أنَّ الله أراد لنا عن طريق القديس أن نعرف العدد وهو عدد مهول وهائل الغرض من ذكره معرفة شدة وقوة هذا الويل ونتائجه المدمرة ... وليس المقصود الرقم المذكور بالتحديد ولكنه يرمز إلى أنَّ عددهم عظيم جداً .
+ علينا نحن المؤمنون ألاّ نرتعب من حروب الشياطين المخيفة والمستمرة بل علينا التحصن بوعود الله لأبنائه ، فلا يستطيع أحد . أن يأخذنا من يده أو أن يمسنا بسوء لأنَّ دائماً الذين معنا أكثر من الذين علينا ... فوعود الله صادقة يستند عليها كل محبي إسمه القدوس إلى أن يتمم لنا إعلان الخلاص في مجيئه الثاني المملوء مجداً ... آمين .
(4) قوة الضربة ، ورفض التوبة ( ع 17 - 21 ) :
إتجاهان في التفسير : هناك إتجاهان في تفسير هذا الويل ورأينا من الأمانة عرض كليهما :
الإتجاه الأول : أنها تأديبات من خلال حروب بشرية يسمح بها الله فتقع الشعوب في حروب تأتي على الملايين من البشر ( كالحروب العالمية ) ، ولكن لما كانت لغة البشر في وقت سفر الرؤيا لم يضاف لها أسماء الأسلحة الحديثة كالمدافع والدبابات والطيارات الحربية ، إستخدم الوحي ما كان متاحاً ومعروفاً للبشر في كناية لها ... فتكون كلمة محصنون بدروع هي أسلحة الميدان الحديدية الثقيلة ... والتي بلون أسمانجوني هي الطائرات التي تأتي من السماء ... سلطان في أفواهها وأذنابها أي فواهات المدافع القاذفة والصواريخ التي تصدر ناراً من أذيالها عند طيرانها ... وهكذا ...
الإتجاه الثاني : يميل هذا الإتجاه للحروب الروحية التي تقودها مملكة الشر بسماح من الله ، وسوف نأخذ في تفسيرنا بالإتجاه الثاني لأننا نعتقد أنه الأعم ولا يرتبط بزمن أو سلاح معين ، وكلا الإتجاهان مقبولان في تفسير الكنيسة .
ع 17 : يبدأ القديس يوحنا في شرح منظر الجيوش ويرى فيها الآتي :
الخيول والجالسين عليها : جلوس الفارس على الجواد معناه حالة التأهب النهائية للدخول للحرب . دروع نارية : أي الحرب حارقة بلا رحمة ولا هوادة . أسمانجونية : زرقاء لها لون السماء ، والمعنى إما أنهم يأتون بمنظر السمائيين لخداع الناس أو لون السماء يعني عند البعض السماح الإلهي بهذه الحرب . كبريتية : رمز للغضب الإلهي الذي عندما حرق سدوم وعمورة حرقهما بنار وكبريت ( تك 19 : 24 ) . رؤوس أسود : رأس الخيل منظره لطيف ، ولهذا رآه القديس يوحنا في منظر أكثر رعباً وافتراساً وفتكاً إذ صارت رؤوس أسود . نار ودخان وكبريت : تشير إلى أجناد الشياطين في طبيعتهم وفيما يسببونه للآخرين أثناء حربهم .
ع 18 : من هذه الثلاثة : ( النار والدخان والكبريت ) أي ما يثيرونه الشياطين . تمكنت قوى الشر بمختلف أسلحتها ( ع 17 ) من الفتك بعدد كبير من الناس ولكن مراحم الله أبقت الثلثين ، لعلّ من تبقى يفهم ويرجع ويتوب .
ع 19 : سلطانها في أفواهها : أي كلامها الكاذب المعسول . أذنابها : ذيولها كذيول العقارب السامة . يصور ويشرح لنا هذا المشهد أين تكمن قوة الشيطان ، فهي أولاً في فمه وكلامه الخداع وهو أول سلاح إستخدمه ضد الإنسان عندما أسقط بكذبه آدم وحواء ( تك 3 : 5 ) ، وتكمن أيضاً قوته في أذنابه الحاملة سموم الشهوات ، فإذا لدغ بها إنسان غير حريص إمتلكته الشهوة وصارت في عروقه كالسم القاتل حتى يموت ويهلك روحياً ، فهو يحارب الإنسان من كل جهة وبأنواع حروب كثيرة . أذنابها لها رؤوس : معناها أنَّ هذه الشهوات والخطايا قبل أن يلدغ بها الشيطان الإنسان يستخدم أولاً المنطق ( رؤوس ) لإقناع الإنسان وتبرير الخطية وتشكيكه في العقوبة والدينونة فينزلق فيها مغلوباً وطائعاً لها .
ع 20 : أما بقية الناس : أي الثلثين اللذين نجا من هذا الويل ، بدلاً من التوبة والرجوع ، صارا أكثر زيغاناً فامتلكهم الشيطان والشر بصور مختلفة . الذهب والفضة : أي أنَّ الناس عبدوا واشتهوا الغِنى والثروة والترف المادي وهي أحد صور عبادة الشيطان . النحاس والحجر والخشب : أي المقتنيات والمنازل والقصور والرفاهية المادية . والمراد هنا هو انصراف الناس عن الله والإنشغال عن السمائيات بالأرضيات الزائلة . ويوضح لنا الله بأسلوب توبيخي رقيق أنها كلها أمور بلا نفع وبلا حياة إذ لا تبصر ولا تسمع ، وتذكرنا بما قاله لنا الله سابقاً " تركوني أنا ينبوع المياه الحية ، وحفروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء " ( ار 2 : 13 ) .
ع 21 : إستمر الناس في شرهم ولم يتوبوا ولم ينتفعوا من ويل البوق السادس بل استمروا في كل خطاياهم كالزنا والسرقة وغيرها . وهذا معناه أنَّ معظم الناس الأحياء زاغوا عن الله والذين مازالوا محتفظين بإيمانهم وسلوكهم النقي قليلين حتى أنَّ المنظر العام للبشر هو الإبتعاد عن الله .
+ إلهي ... إنَّ الشيطان قاسي جداً في حروبه وإهلاكه للبشر ... ولكن ما يرعبني هنا هو قسوة قلبي وعدم إدراكه لما يدور حوله ومما يحدث له فلا يفهم ما يصيبه من شر بل يزداد زيغاناً وانحرافاً وراء الشيطان وخداعه ... أرجوك يا إلهي إنقذنا من هذا العدو الشرير ومن ضعفاتنا ومن كل شهوة ونجاسة تفصلنا عن صلاحك يا محب البشر .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح