كلمة منفعة
قد يوجد إنسان "ضعيف في الإيمان" (رو 14: 1).أو "قليل الإيمان" (مت 14: 31).
— درجات في الإيمان
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح السادس الإصحاح السادس إشباع الجموع * المشي علي الماء * سر التناول من جسد المسيح ودمه [ 1 ] معجزة إشباع الجموع ( ع 1 - 15 ) ع 1 - 3 : " بعد هذا" أي بعد ما حدث في أورشليم ، اتجه الرب إلى الجليل ، وعبر بحيرته من الغرب إلى الشرق. " طبرية" : مدينة علي بحر الجليل ، أنشأها هيرودس علي اسم إمبراطور الرومان " طيبارويوس " سنة 26 ميلادية و تبعت الجموع الرب يسوع بسبب كثرة معجزات الشفاء ، فصعد إلى تل مرتفع مع الاثني عشر وأخذت الجموع في التزايد حوله. ع 4 : لا يمكن إغفال هذه الإشارة العرضية التي ذكرها القديس يوحنا بقرب حلول الفصح ، فالحديث في هذا الإصحاح سيتناول الحديث عن الإشباع الجسدي للجموع من جهة ، والإشباع الروحي الخلاصي للعالم كله من خلال خبز الحياة جسد المسيح من جهة أخرى . فقد أشار القديس يوحنا للفصح عمدا ، لتهيئة الذهن لربط جسد المسيح المقدم للعالم بالفصح الخلاصي " لان فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لأجلنا " ( 1كو 5 : 7 ) ع 5 - 7 : يمثل فيلبس الشخصية العقلانية ، فالمسيح هو الذي ذهب إليه ليدعوه ، ولم يتبعه هو من نفسه ( ص 1 : 43 ) ، وهو الذي قاطع المسيح في حديثه " أرنا الآب وكفانا " ( ص 14 : 8 ) . ولهذا وجه المسيح الحديث إليه بالذات ؛ ليمتحن إيمانه من جهة وليجعله شاهدا بان الإيمان يفوق العقل والإمكانيات المادية والعقلية . ولان فيلبس يمثل العقل المحدود في حلوله ، لم يقدم حلا لسؤال الرب يسوع عن مكان شراء الخبز ، بل أضاف تعقيدا آخر وهو بكم ؟ 1 ... أي حتى لو توفر المكان فأين النقود. + إن العقل في أحيان كثيرة يكون عائقا يحد عمل الله في حياتنا بحساباته القاصرة ... فلا تدع عقلك يوما عائقا لحياة الإيمان ، بل اجعله متقبلا ، شاكرا لأعمال الله في حياتك متذكرا لها ومتأملا فيها. ع 8 - 9 : " غلام ... شعير " يلفت القديس يوحنا نظرنا إلى شئ هام وهو الله العامل بالقليل ، فجاء حل المشكلة عن طريق غلام صغير ، وليس أحد المسئولين الاغنياء . وكذلك الشعير ، فهو خبز العامة الفقراء وليس كالقمح غذاء الأغنياء . + إذن علينا إلا نستهين بأقل الأمور ، ولا نفتخر بأعظمها ، بل نفتخر بالرب الذي بأقل القليل يفعل أكثر الكثير . فيا ليت يكون لنا هذا الإيمان الفعال والعامل ، في تقديم إمكانياتنا الضعيفة لله ، فيصنع بها الكثير . ع 10 - 11 : " اجعلوا الرجال يتكئون " : عملية تنظيمية نظمها التلاميذ ولهذا سهل حصر عدد الرجال وكذلك سهل التوزيع ؛ فالنظام من الفضائل المسيحية السلوكية التي ينبهنا لها الله " وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب " ( 1كو 14 : 40 ) إلا أن العدد الإجمالي كان أكثر من هذا كما أشار القديس متى : " ما عدا النساء والأولاد " ( مت 14 : 21 ) نلاحظ أن عبارة " قدر ما شاءوا " تشير إلى كمال العمل الإلهي في الإشباع حتى الفيض . وهكذا عمل الله دائما تجاه كل خليقة ، وخاصة أبنائه المتكلين عليه ، فان " بركة الرب هي تغني ولا يزيد معها تعبا " ( أم 10 : 22 ) ع 12 - 13 : جمع الكسر ... لكي لا يضيع شئ أولا ، المعني المباشر : أراد الرب أن يجعل من هذه المعجزة تذكارا لا ينساه التلاميذ فكان عدد القفف بعددهم ، فحمل كل واحد منهم واحدة كشهادة لا ينساها لأنه شارك فيها . + وأراد الرب أيضا أن يعلمنا أن نرشد استهلاكنا في الطعام ، فنحتفظ بما تبقي لنعود ونأكله ، فلا نقع في خطية الإسراف أو الاستهتار بنعم الله التي أعطاها لنا . ثانيا : أما المعني الرمزي في جمع الكسر ن فهو أن هذا الخبز إشارة لجسده . فأولا قد شكر ، وبارك ووزع ؛ وهي نفس الخطوات التي صنعها عندما أسس سر الإفخارستيا ( الشكر ) . ولهذا ، لم يكن من المقبول أن تترك كسر الخبز لتدوسها الأقدام . بل طلب من التلاميذ الذين يمثلون كهنوت العهد الجديد جمع باقيا ما يرمز لجسده الذي باركه ووزعه . + لاحظ أيها الحبيب انه في طقس القداس القبطي ، لا يستبقي شئ من جسد المسيح ، بل يقوم الكاهن بما فعله التلاميذ في جمع كل بقايا جسد الرب ، وعدم ترك شئ منه . ليتنا نتعلم من المسيح أن نصلي قبل أن نأكل طعامنا، ونشكره، ونبارك برشم علامة الصليب، ثم نوزع الطعام علي الحاضرين. وبعد ما نفرغ من الأكل ، نجمع المتبقي لنأكله ، أو نعطيه للمحتاجين ، فهذا يشعرنا بنعمة الله التي يهبها لنا ولا يجدها الكثيرون . ع 14 - 15 : أما رد فعل المعجزة علي النفوس فقد كان قاصرا ، إذ اعتبروا المسيح هو النبي الذي تحدث موسى عنه في ( تث 18 : 15 - 18 ) وانصرف ذهنهم إلى تنصيب المسيح ملكا ارضيا عليهم وهو ما لم يقبله الرب منهم ، فانصرف وحده ، رافضا مجد العالم الذي لم يأت من اجله . + الهي الحبيب ... اجعل من جسدك شبعي الحقيقي ، واجعل من ضعفي وإمكانياتي المحدودة قوة ، فانا اقل من رغيف الشعير ، ولكن في يدك أنت اشتاق أن أكون مصدر إشباع للآخرين ، أحدثهم عنك وادعوهم إليك فيأتون كنيستك ، ويكون لهم الشبع الحقيقي عوضا عن زيف وفراغ العالم . [ 2 ] معجزة السير علي الماء ( ع 16 - 24 ) ع 16 - 21 : في نفس يوم إشباع الجموع ، وعند مسائه اخذ التلاميذ دون السيد سفينة للعبور خلال بحر الجليل إلى كفرناحوم. و لنلاحظ التعابيير التي أوردها القديس يوحنا بدقة : الظلام لم يكن يسوع هاج البحر). و كأن القديس يرسم لوحة بدقة بالغة ، إذ يقول إن لحظات الضعف الحقيقي ( الظلام ) في حياة الإنسان ، هي اختفاء المسيح عن حياته ، مما جعل الشيطان والتجارب ( الريح العظيمة ) تعصف بهذا الإنسان ، فتتعذب نفسه ، ويقع فريسة للخوف ، بدلا من الاطمئنان والأمان . ولما أجهدهم التعب ، مما هم عليه من صراع وجهد في التجديف من ( 3 إلى 4 اميال ) أي عندما يفرغ الإنسان من كل حيلة وكل مجهود يأتي المسيح معلنا ذاته بقوة " أنا هو ، لا تخافوا ... " فيحل السلام مكان القلق ، والطمأنينة مكان التوتر إذ استراحت النفس في مخلصها. + الهي الحبيب ... لا تتركني أبدا ، بل لا تجعلني بجهالة أتركك ، فالرياح قاسية ، والعاصف مغرق ، وليس لي نجاة سوي صوتك الهادئ القوي : " أنا هو ، لا تخافوا " ، اجعل هذه الكلمات سندا لي في كل حياتي واجعلني أصلي مع كنيستك دوما : " يا ملك السلام ... أعطنا سلامك" ملاحظة : الترجمة العربية : " فرضوا أن يقبلوه " ، ترجمة ضعيفة جدا ، أما اليونانية والآن جليزية فجاءت فيها بمعني : " تلهفوا " وهي اقوي في المعني والتصوير وتعبير عن الحالة التي كان عليها التلاميذ عندما عرفوا صوته. ع 22 - 24 : في هذه الأعداد الثلاثة إعلان للمعجزة ، وإدراكها عند الجموع ، فهم يعلمون أن المسيح كان عند الجليل وحده ، والتلاميذ اخذوا السفينة الوحيدة . فكيف اذن وصل يسوع إليهم ؟ فإنهم كانوا وقوف في انتظاره آتيا من الجبل ، وإذا به مع تلاميذه في كفرناحوم . ولهذا ذهبت الجموع أيضا إلى كفرناحوم طالبين يسوع. [ 3 ] الطعام البائد والطعام الباقي ( ع 25 - 34 ) ع 25 - 27 : يبدأ اليهود ، وهم يطلبون يسوع بسؤال تعجبي عن كيفية وصوله إلى كفرناحوم . ولكن المسيح يجيب عليهم كعارف بدواخلهم فهم يطلبوه ، ليس بسبب الإيمان بما صنع من معجزات ولكن من اجل العطية المادية فقط ، وهي الأكل المجاني ، والشبع دون تعب فاستحقوا تبكيت المسيح لهم، ونصحه إياهم بان هناك نوع آخر من الطعام لا يعرفه هؤلاء ، ولا يعطيه آخر سوي المسيح لكل من يتبعه ، وهو طعاما روحيا يقدم كعربون للحياة الأبدية . و الحديث هنا مقدمة لما سوف يأخذنا إليه المسيح في باقي الإصحاح ، في انه هو نفسه الطعام الروحي الحي . أما تعبير " الآب قد ختمه " فهو عائد علي المسيح وليس الطعام ، فالمسيح هو المعين منذ الأزل من الآب ليعطي الحياة الأبدية . وقد شهد له الآب منذ معموديته بصوت مسموع ، وكانت هذه الشهادة بمثابة إعلان وختم ، أي تثبيتا من الآب لعمل الابن . + الهي الحبيب ... لا زلت اجد في نفسي اهتمامي بالطعام البائد ، فاطلب الخيرات المادية والنجاح الأرضي ، ناسيا أن كل هذا إلى زوال . فارفع قلبي يا الهي إلى فوق ، فأطلبك أنت ، وتصير كل اشتياقي روحية ، محورها أنت أيها الطعام الباقي يا خبز الحياة . ع 28 - 29 : قال السيد المسيح في ( ع 27 ) : " أعملوا" فجاء استفسار اليهود في هذه الآية : " ماذا نفعل ؟ " وكان قلبهم قد بدا يميل، للحظة ، إلى التعليم الروحي للسيد المسيح بخصوص أعمال الله من اجل نوال هذا الطعام الباقي . أما إجابة المسيح لهم فكانت أن كل هذا الأعمال تتلخص في الإيمان به ، والكنيسة تعلم أن الإيمان بالرب يسوع ، هو الشرط الأول للخلاص فالجهاد الروحي والأعمال الصالحة لا يقبلوا إلا علي اساس الإيمان بالابن الفادي الذي أرسله الآب . ع 30 - 31 : عندما طلب المسيح من اليهود الإيمان به ، سألوه سؤالا مباشرا : " إذا كانت العلامة التي أعطاها الله لموسى النبي في زمن آبائنا هي نزول المن من السماء وهي أعظم معجزة وعطية فأعالت الشعب كله لمدة 40 سنة ، فأية معجزة اعظم تصنعها أنت ، حتى نؤمن بك ، كما آمن إباؤنا موسى ؟" ع 32 - 33 : مرة أخرى ، وكالمعتاد يحاول السيد الارتفاع باليهود لما هو اعلي وأعمق ، للدخول بهم للإسرار الإلهية . والخفية عليهم فصحح الخطى بان المن لم يكن عطية موسى لشعبه بل هبة الله الآب والآب ذاته يعطيهم الآن الخبز الأعظم والحقيقي ؛ فالمسيح نفسه الذي نزل من السماء متجسدا ، والواهب الحياة للعالم هو خبز الحياة الحقيقي . ع 34 : لم يدرك اليهود بالضبط قصد المسيح ولكنه شعروا بعظم العطية فطلبوها متمثلين بالمرأة السامرية التي طلبت الماء الحي دون أن تفهم المعني الأعمق الذي قصده المسيح . و لهذا بدا المسيح من ( ع 35 ) الشرح التفصيلي لخبز الحياة الذي هو فوق العطايا المادية . لا زلنا يا الهي يطلب الماديات وننشغل بها ، وأنت الداعي لنا بان نهتم بملكوت السماوات أولا ، فتفيض علينا بكل أنواع العطايا . ولكننا لا زلنا نتعثر ونحتاج ذراعك القوية لتقيمنا وتنتشلنا مما نحن عليه فنهتم بما هو فوق حيث أنت يا إلهي فتشبع النفس بحق من الوجود الدائم معك ولا تعد وتطلب ما هو ارضي. [ 4 ] خبز الحياة ( ع 35 - 40 ) ع 35 : يقدم السيد المسيح نفسه كما قدم نفسه للمرأة السامرية ، فهو ماء حي وخبز حياة أي فيه كل احتياجات الإنسان للحياة وبدونه لا يبقي سوي الجوع والعطش اللذين لا يستطيع العالم بكل ما فيه تعويضهما . وعبارة " أنا هو " استخدمها المسيح مرارا : " أنا هو نور العالم " ، " أنا هو الباب " ، " أنا هو الطريق " ، " أنا هو الحق " ، " أنا الراعي الصالح " ، " أنا هو الكرمة " ، " أنا هو القيامة " ، " أنا هو الحياة " . وكذلك في تاكيد انه الوحيد الذي يسد كل احتياجات النفس الآنسانية ، مهما اختلفت مطالبها أو حاجتها . كذلك تعبير " أبدا " ، يقابل تعبير " إلى الأبد " في حديثه مع السامرية . فالمسيح إشباعه ليس قاصرا علي تنوع احتياجات الإنسان ، ومطالبه الجسدية والنفسية والروحية بل هو إشباع مستمر ابدي أي إشباع لا نهاية له . أما مسئولية الإنسان في حصوله علي هذا الإشباع ، فقد حددها السيد المسيح نفسه بقوله : " من يقبل إلى " فالمسيح إذن يقدم ويعرض علي الإنسان عطاياه ، دون أن يفرض نفسه ، فهو يقف ويقرع الباب دون أن يفتحه عنوة ، حتى يكون للإنسان الإرادة في الاختيار وهي مسئولية جسيمة لان من لا يقبل إلى المسيح يهلك جوعا وعطشا ويبقي في عذاب الاحتياج للإشباع دون الحصول عليه ... ع 36 - 37 : " رأيتموني ولستم تؤمنون " أي انه ، بالرغم من استمرار إعلان المسيح عن نفسه بطرق شتي لا زالت عيون اليهود في حالة من العمي الروحي ، وذلك لأنهم لا يطلبون شخص المسيح لذاته بل لسبب أكلهم من الخبز والشبع الجسدي ( ع 26 ) . وهكذا الإنسان في كل أحواله إذا كان أساس علاقته بالله هو النفع المادي فقط، لا يعتبره الله مؤمنا ، حتى وإن ادعي هو ذلك . " كل ما يعطيني الآب " نسب السيد المسيح فعل العطاء والإرسال للأب ، والقبول وعدم الرفض للابن ، فالابن يقبل كل من يجئ إليه ، لينال الفداء من خلال الإيمان به أولا . والآية أيضا تحتمل معني قبول الأمم في هذا الفداء المجاني ، فاليهود رأوه ولم يؤمنوا . أما من اقبل إليه فلا يرفضه ، ولا يخرجه خارجا . وكيف هذا، وهو محب البشر الحاني، الذي يقبل في حبه كل العالم، وهو المتجسد والمصلوب لأجلنا جميعا. يا له من رجاء يعطي لكل الخطاة في حضنه المفتوح دائما. + أشكرك يا الهي علي كلماتك المشجعة لنفوسنا الضعيفة ... فكلما أتينا مقرين ومعترفين بخطايانا ، وقرأ الكاهن لنا صلاة التحليل تذكرنا وعدك الصادق بان كل من يقبل إليك لا ترده خارجا بل تثبته في محبتك وتنقيه ليأتي بثمر أكثر . ع 38 - 39 : الكلام هنا استمرار لمعني الآيات السابقة ، فالمسيح يؤكد أن سبب نزوله من السماء ، أي تجسده هو إتمام الإرادة الواحدة لله ، فالآب مشيئته خلاص الجميع والابن هو متمم هذه المشيئة بموته وفدائه . فكل ما أعطاه الآب للابن لا يضيع منه شئ بل يحفظ في اسم المسيح ليوم مجيئه الثاني والقيامة من الأموات . ع 40 : يستمر المسيح في شرح وتوضيح إرادة الآب ومشيئته ، وهما ببساطة الإيمان بابنه الوحيد الذي ليس باسم آخر سواه يمكن أن نخلص ( اع 4 : 12 ) . ويمكن استخلاص الحقائق الإيمانية التالية : (1) أن الخلاص اساسه الإيمان بالمسيح ، وهذا الشرط كرره المسيح بنفسه وكذلك الرسل ، مرارا دون تنازل . ولهذا فالكنيسة تؤمن أن الخلاص متاح للعالم كله ولكن شرطه الأول الإيمان بالمسيح . ولهذا الوضوح في أقوال المسيح ، ترفض الكنيسة بدعة عمومية الخلاص ( أي خلاص الناس ، حتى بدون إيمانهم بالمسيح ) (2) أن الإيمان والإيمان وإن كان هو الشرط الأول ، إلا أن هناك أمورا أخرى بدونها يبطل الإيمان ، وسوف تتناول الإعداد القادمة من نفس الإصحاح شرطا آخر للخلاص . ولهذا فالكنيسة عندما تفسر الكتاب المقدس لا تعمد علي آية واحدة، بل تأخذ معني الآيات ككل. [ 5 ] عدم فهم اليهود ( ع 41 - 51 ) ع 41 - 42 : وقف وضع المسيح الجسدي بحسب النسب عثرة أمام اليهود في قبول لاهوته ، ولم يقبلوا ما كرره السيد في 3 آيات سابقة ، وهو انه الخبز النازل من السماء ( ع 33 ، 35 ، 38 ) . فكان رد فعلهم التذمر عليه ، والاستخفاف بكلامه ، وعدم تقبلهم لفكرة التجسد . " يسوع ابن يوسف " : هذا ما كان يعرفه اليهود ، بإدراكهم الجسدي ، عن شخص المسيح . وقد كان القديس لوقا دقيقا عندما أشار لهذا النسب في إنجيله قائلا : " وهو علي ما كان يظن " ( لو 3 : 23 ) ، أي الشائع وليس الحقيقي . ع 43 - 45 : يشرح السيد المسيح هنا قصور العقل البشري وحده علي الإيمان وتبعيته للمسيح ، فلابد أن يجتذب الآب الإنسان بفعل هبة الإيمان الإلهية ، وبتعليم الإنسان من خلال الوحي الإلهي . والتعبير الذي استخدمه السيد هنا : " الجميع متعلمين من الله " هو ما جاء علي لسان النبيين ( إش 54 : 13 ؛ إر 31 : 33 - 34 ) ، في إشارات واضحة إلى الدور الإلهي في تعليم الإنسان لإسرار الإيمان والذي بدونه لا يستطيع الإنسان أن يقبل إلى المسيح . ع 46 - 47 : لم ولا ولن يستطيع إنسان أن يري الله ، كما قال الله ذاته : " لان الإنسان لا يراني ويعيش " ( خر 33 : 20 ) . أما المسيح فلكونه " في حضن الآب " ( ص 1 : 18 ) وواحد مع الآب ( ص 10 : 30 ) فهو الوحيد الأزلي الذي رأي الآب ، والذي يستطيع أن يعلنه لنا . " الحق الحق أقول لكم " تعبير استخدمه السيد كثيرا للتدليل علي صدق ما يعلم به ، وهو انه لا حياة أبدية ولا خلاص لكل من لا يؤمن بالمسيح الواحد مع الآب في الجوهر. ع 48 : " أنا هو خبز الحياة " : يكرر المسيح ما أعلنه في ( ع 35 ) وهو ما لم يفهمه اليهود وتذمروا عليه . وهذه الآية ، تعتبر مقدمة لما سوف يعلنه السيد من إسرار إلهية تتعلق بهذا الخبز . + أخي الحبيب ... فلنتعلم من السيد المسيح هنا ضرورة التمسك بالإيمان السليم فالسيد المسيح أطال أناته واخذ يشرح ، وسوف يكمل شرحه ، ولكنه لم يتنازل أبدا ، تحت وطاة الضغوط أو التذمر ، عن التعليم السليم . وهكذا كانت كنيستك علي مدار العصور ، من أيام الرسل الأطهار ومرورا بأثناسيوس وكيرلس وغيرهم من الذين حافظوا علي الإيمان نقيا سليما ، كما سلمه المسيح تماما ، بلا تفريط ولا تبديل ... ع 49 : إذا كان المن هو أعظم العطايا الإلهية التي كان يفتخر بها إسرائيل ، يوضح المسيح هنا انه لم يكن سوي طعاما لإحياء الجسد ، الذي نهايته الموت علي كل الأحوال ، وهذه الآية تعتبر مقارنة ومقدمة لحديث طويل آت عن الخبز الحي الحقيقي... ع 50 - 51 : يكشف لنا السيد المسيح هنا أعظم إسرار وعطايا العهد الجديد انه هو الخبز النازل من السماء في إشارة واضحة لتجسده وفي كونه مصدر حياة فلا موت لكل من يأكله . فالمن إذن في العهد القديم كان رمزا يعطي الحياة للجسد . أما المسيح خبز الحياة فمن يأكله يحيا إلى الأبد ، لأنه غذاء الروح ، بعكس ما أراد أو فهم اليهود . وعبارة " يحيا إلى الأبد " معناها أن الموت الجسدي لا يقدر أن يؤذيه . وملخص هذا أن المسيح هو الإله الحي ، ومانح الحياة ، ويقدم جسده ودمه كخبز الحياة ، فكل من أكل من هذا الجسد وشرب من هذا الدم ، اتحد بمعطي الحياة وواهبها . فكيف يموت إذن ؟ بل الموت الذي فينا يصير حياة باتحادنا بهذا الخبز السماوي. + فهل فهمت الآن أيها العزيز ، مدي اهتمام الكنيسة بسر التناول الأقدس ، ودعوتها المستمرة لكل أبنائها بالاشتراك فيه ، لأنه هو الحياة الأبدية ... هو الاتحاد بالمسيح ... هو مغفرة الخطايا . [ 6 ] فاعلية جسد ودم المسيح ( ع 52 - 59 ) ع 52 : " خاصم اليهود " أي انقسم اليهود بين مؤيد ومعارض لما اعلنه المسيح من انه خبز الحياة ، وجسده المبذول من اجل خلاص العالم . وعدم فهم هذا ، يذكرنا بكل من نيقوديموس ( ص 3 ) والسامرية ( ص 4 ) في عدم إدراكهم للإسرار الإلهية . وتعبير " كيف يقدر ؟! " يحمل أيضا شيئا من التهكم علي ما قاله المسيح . ع 53 : إلا أن المسيح يجيبهم بما هو أكثر صعوبة ، فليس أكل الجسد فقط ، بل شرب الدم أيضا واستخدم المسيح تعبير " ابن الإنسان " هو إشارة لتجسده وموته ؛ وبموته كذبيحة يبذل جسده من اجل حياة العالم . وكما كان خروف الفصح ذبيحة ارتبطت بالأكل منها بخلاص ونجاة كل شعب إسرائيل ، فهكذا جسد المسيح المبذول يعطي النجاة والخلاص . أما الممتنع والرافض لهذه الذبيحة الحية ، فهو ميت روحيا في هذه الحياة ، وكذلك في الدهر الأتي . + فتعال أيها الحبيب وتمتع بأعظم العطايا الإلهية ، ولا تحرم نفسك من الحياة في المسيح وبالمسيح فأنت شهوة قلبه ، وموضوع حبه ؛ فلا تحرم نفسك منه ، ولا تدعه ينتظرك . ع 54 : ذبيحة المسيح جسده ودمه وخلاصه ، منح لكل العالم . ولكن لن يتمتع بالحياة الأبدية إلا من أكل من هذه الذبيحة . إذن ؛ فالتناول من جسد الرب ودمه صار شرطا لهذا الخلاص والميراث الأبدي . ع 55 : أي ليس رمزا ولا صورة بل حقيقة . وهذه الآية هي ابلغ الآيات التي ترد علي كل من ادعي أن ذبيحة المسيح ، في سر التناول الأقدس ، وليست إلا رمزا أو ذكري ، متجاهلين تأكيد المسيح بان جسده مأكل حق ودمه مشرب حق . ولا نعرف ماذا يطلبون أن يقول المسيح أكثر من هذا حتى يؤمنوا ؟ ! ع 56 : هبة جديدة يعطيها التناول من جسد المسيح ودمه ، وهي هبة وعطية الثبات ، فالغصن المقطوع لا قيمة له ولا حياة فيه . ولكن إن ثبت الغصن في الأصل كان الثمر ، والمسيح نفسه القائل : " بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا " ( ص 15 : 5 ) فكما تسري عصارة الحياة إلى أغصان الشجرة ، هكذا دم المسيح في أجسادنا يعطينا ثباتا واتصالا ونموا ... ع 57 : أبى مصدر الحياة وأنا ذاتها ( كان نقول : الآب هو العقل ، والابن هو التفكير . ) وأنا أعطى الحياة الروحية الأبدية لكل من يأكل ذبيحة جسدي . ع 58 : يختم السيد المسيح حديثه هنا عن جسده ودمه بالعودة إلى بداية الحديث ( ع 32 ، 33 ) في المقارنة بين عطية طعام الجسد " المن " وبين العطية الأعظم ، أي جسده المبذول من اجل حياة العالم . وهذه الآية تأتي كملخص لكل ما قيل ، وتاكيد لما سبق في الاعداد ( 33 ، 50 ، 51 ، 54 ، 57 ) + الهي الحبيب ... نسجد لك شكرا علي عظم غني عطاياك التي هي فوق عقولنا وإدراكنا ولا نفهمها إلا من ولد من الروح القدس بالمعمودية هذا الذي ترنم به القديس اغريغوريوس في القداس الالهي : " أنت الذي أعطيتني هذه الخدمة المملؤة سرا ... أعطيتني إسعاد جسدك بخبز وخمر " نشكرك يا إلهنا لان في جسدك الحياة الأبدية ( ع 51 )و القيامة الثانية ( ع 54 ) الثبات فيك ( ع 56 ) والاتحاد بك مع الآب من جهة الحياة ( ع 57 ) اعطنا إلا نفارق مائدة الحياة مذبحك المقدس حيث عطية جسدك الأقدس . ع 59 : حرص القديس يوحنا أن يذكر أن هذا الحديث كله كان في المجمع ، وقصد بتحديد المكان في نهاية الحديث أن يعلن انه لم يكن حديثا خاصا للتلاميذ بل هو إعلان لحقائق إيمانية علي الملا أمام الكهنة وكل الشعب . [ 7 ] عثرة تابعيه ( ع 60 - 63 ) ع 60 - 61 : التلاميذ هنا لم يقصد بهم الأثني عشر والسبعين رسولا الآخرين ، ولكن المقصود كثيرين من الذين كانوا يتبعونه من مكان لمكان ، معتبرين أنفسهم تلاميذ له ... وأما ما أعثرهم فيه ، هو أمرين : قوله بانه خبز الحياة النازل من فوق ، والتأكيد علي ضرورة أكل جسده وشرب دمه ، إذ فهموا كلامه بصورة حرفية . فعلم يسوع بلاهوته أن كلامه يعثرهم واخبرهم بهذا . ع 62 : إذا كنتم لا تقبلوا ما قلته الآن ، فكيف يكون حالكم إذن وانتم ترونني صاعدا إلى السماء حيث مكاني أولا ؟ فالمسيح حتى الآن ، لم يحل لهؤلاء مشكلتهم الأولي في أكل جسده وشرب دمه بل زاد عليها مشكلة جديدة ، إذ يتحدث عن أزليته مشيرا إلى صعوده لحضن أبيه حيث كان أولا قبل تجسده ( مر 16 : 19 ؛ لو 24 : 51 ؛ اع 1 : 9 ) ع 63 : المعني المبسط لهذه الآية ، هو أن المسيح يقدم لمن اعثروا في كلامه الحل ، وهو انه لابد من الإيمان بكلامه روحيا ، بعيدا عن الفهم العقلي والمادي المحدود ، كلامي " هو روح وحياة " ومعني " أما الجسد فلا يفيد شيئا " فقد اجمع كل من القديس اغسطينوس والقديس كيرلس الكبير علي أن المعني الذي قصده المسيح هو : إذا كان تصوركم هو أكل جسدي بالفهم المادي ، كأنكم تأكلون لحما ماديا ، فهو لا يفيد شيئا في الحياة الأبدية . ولكن الذي يفيد أن تأكلوا جسدي الحقيقي متحدا بلاهوتي . وهو ما شرحه لتلاميذه بعد هذا لاحقا في العشاء الرباني يوم خميس العهد فأعطاهم جسده ودمه تحت اعراض الخبز والخمر . وهذا هو الإيمان الروحي المعطي للحياة الأبدية. راجع تأسيس السر في (مت 26 : 26 ؛ مر 14 : 22 ؛ لو 22 : 17 ، 19) [ 8 ] إيمان التلاميذ ( ع 64 - 71 ) ع 64 : إشارة قوية للاهوت الابن من حيث المعرفة السابقة والقاصرة علي الله ، فهو يعرف أن من بين الذين يسمعونه قوم لا يؤمنون بكلامه . ولكي نعلم انه ليس استنتاجا للمسيح نتيجة قراءة وجوه الجمع ، يضيف القديس يوحنا كلمتا " من البدء " لتاكيد هذا الجانب اللاهوتي في المعرفة السابقة للمسيح . مشيرا أيضا إلى أن معرفة المسيح ليست فقط لمن لا يقبل بكلامه بل للتلميذ المزمع أن يسلمه أيضا . ع 65 : يذكرهم المسيح بما قاله سابقا في ع 44 ، 45 انه لا يستطيع الإنسان أن يأتي أو يقبل إلى المسيح ما لم يكن الإيمان الذي وضعه الآب في قلبه ، هو الدافع الحقيقي والوحيد . أما من يأتي لدافع نفعي ، أو ذاتي ، أو سياسي كتحرير اليهود فسيكون المسيح له حجر عثرة ؛ وهو ما قاله سمعان الشيخ في نبوته انه " وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل " ( لو 2 : 34 ) ع 66 : رجع من ورائه الناس الذين رفضوا قوله بان جسده مأكل حق ودمه مشرب حق. + الهي الحبيب نرفع لك صلاة موضوعها هؤلاء الذين يتركونك كل يوم إلى الوراء ولم يعودوا معك يسيرون ... يتركون ينبوع الحياة الحي ويتركون أحضان حبك ، إلى ماذا ياالهي ... إلى ماديات ومشاغل لا يجني منها الإنسان سوي تعبا دون راحة ... الهي ... لا تسمح لنا ، نحن الضعفاء أن شغلنا شئ عنك بل نظل معك في كنيستك نأخذ من حبك وعطائك خادمين لاسمك القدوس طوال أيام عمرنا... آمين . ع 67 - 68 : ليس المقصود أن المسيح يريد أن يعرف قصدهم ، وهو العارف منذ البدء من الذي يتركه ومن الذي يتبعه ، ولكن هذا السؤال كان الغرض منه امتحان ايمانهم وإقرارهم به . ولهذا جاءت إجابة بطرس موافقة تمام لسؤال المسيح وكانت تعبيرا أيضا عما بداخل باقي التلاميذ ة تحمل إيمانا قويا . وعبارة " إلى من نذهب " تعني أنه ليس لنا سواك ، ولا نستطيع أن نرتد إلى الوراء كما فعل الآخرين . وعبارة " الحياة الأبدية عندك " هي تصديق لكل ما قاله المسيح في الإعداد السابقة عن الحياة الأبدية ، وانه مصدرها ومانحها من خلال انه خبز الحياة وعطية جسده ودمه الأقدسين . ع 69 : يكمل بطرس حديثه في إعلانه عن موقف التلاميذ معه ،في أن أساس تبعيتهم للمسيح هي الإيمان المعطي من الآب لهم ، وهي تبعية سوف تستمر ، بصرف النظر عمن تركوه : فإيماننا بك انك أنت هو المسيح المخلص ، وانك أنت ابن الله الحي ، لن يدع لنا مجالا آخر لتركك وإلا صرنا كأننا نترك الحياة إلى الموت والأبدية إلى الهلاك . ع 70 - 71 : يستكمل السيد المسيح إستعلان معرفته الإلهية بتصحيح كلام بطرس فيقول له : لقد تكلمت يا بطرس عن سائر إخوتك التلاميذ بكلام الإيمان الحسن ، ولكن ليس هذا إقرار الجميع كما قلت لان بينكم من لا يؤمن بل ملأ الشيطان قلبه . وهو الذي يسلمني ويخونني ... و لنلاحظ هنا قول السيد : إنه بالرغم من اختياري وتلمذتي لكم ، فوسطكم شيطان . وهذا معناه أن الله يختار الإنسان ويدعوه ، ولكن الإنسان قد يثبت أو يترك الله بإرادته الحرة. وبالتالي فان التعليم بان المؤمن لا يهلك أبدا هو تعليم غريب ، فالله أيضا اختار يهوذا ولكن يهوذا لم يثبت في هذا الاختيار فكان هلاكه .