كلمة منفعة
الصوم ليس مجرد فريضة جسدية..انه ليس مجرد الامتناع عن الطعام فترة زمنية ثم الانقطاع عن الأطعمة ذات الدسم الحيواني، إنما هناك عنصر روحي فيه..
— الصوم وروحانيته
إنجيل مرقس 7
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع
الطاهر والنجس - شفاء إبنة الكنعانية - شفاء الأصم الأعقد
(1) الرد على الكتبة والفرّيسيّين وتوبيخهم ( ع 1 - 13 ) :
ع 1 - 2 : " قادمين من أورشليم " : أن يترك الكتبة والفرّيسيّون أورشليم ، فهذا أمر غير معتاد. . . فنحن إذن أمام وفد ذهب إلى كفرناحوم ، ليتحرى الحقائق حول ظاهرة هذا الرجل الذى ذاع صيته واجتذب الآلاف نحوه ، سواء بتعليمه أو بمعجزاته. وكانت مشاعر الغيرة هى المالكة على قلوبهم ، أكثر من رغبتهم فى رؤية الحق. . . ولهذا كان أول ما صدمهم أنهم رأوا تلاميذ المسيح يأكلون الخبز دون غسل الأيدى ، ولهذا أدانوهم على هذا التصرفٍ.
ع 3 - 4 : فى هذين العددين ، يوضح القديس مرقس خلفية هامة لقارئ إنجيله ، لأنه كان يكتب لغير اليهود عن بعض عادات الفرّيسيّين واليهود عامة ، ليفهم القارئ لماذا لاموا التلاميذ فى ( ع 2 ) ، وكمقدمة لحديثهم مع المسيح فى ( ع 5 ). فيشرح لنا اهتمامهم بالنظافة الخارجية واعتبارها تطهيراً ، والإغتسال قبل الأكل فى بيوتهم أو فى حالة شرائهم أية ثمار من الأسواق فلا يمكن أكلها دون غسل الأيدى ، وشملت هذه النظافة أيضاً أوانيهم كلها ، وحتى الأسرّة التى يرقدون عليها.
ع 5 : سأل الوفد السيد المسيح عن سبب مخالفة تلاميذه للعادات الدينية التى استلموها من أجدادهم وآبائهم.
ع 6 - 7 : بدأ السيد المسيح رده موبخاً الكتبة والفرّيسيّين ، مذكراً إياهم بما تنبأ به إشعياء عنهم ( 29 : 13 ) ، موضحاً رياءهم بأن إكرامهم لله نظرياً ، يقولون بألسنتهم شيئاً وما بداخل القلب شىء آخر ، فتصير عبادتهم الظاهرة بلا فائدة ، وكذلك تكون تعاليمهم تعاليم بشرية نابعة من أفكارهم وليست من روح الله القدّوس. . . ونكون نحن أيضاً مرائين لو اهتممنا بأن نظهر للناس تديننا ، حتى يكون لنا صيت حسن ، دون أن يكون لنا السلوك الحسن الحقيقى. . . أو لكى نبرز فضائلنا وخطايا الآخرين ، بينما نسمح لقلوبنا أن تظل بعيدة عن الله.
ع 8 - 9 : هكذا تقود العبادة المظهرية ( الرياء ) الإنسان فى طريق يفصله عن وصية الله وغرضها الحقيقى ؛ ويضلله الشيطان بالأمور التافهة ، ويعطيها الأهمية الأولى ، فيصرف كل اهتمامه بها ، ودون أن يدرى ، يكون بذلك رافضاً لله نفسه.
+ صديقى العزيز. . . عندما أمر الله الإنسان فى الشريعة بالتطهير والإغتسال ، كان هذا إشارة إلى طهارة القلب والفكر. . . فالنظافة الجسدية شىء هام ، ولكن نظافة القلب من الغيرة والحسد والخصام أهم. . . فهل أنت حريص قبل التناول مثلاً على طهارة قلبك ونفسك ، أم تهتم بطهارة جسدك ؟ ليتنا نفحص أفكارنا ونياتنا ، ونغسلها بالتوبة كما نغسل أجسادنا بالماء.
ع 10 - 13 : يضرب السيد المسيح لهم مثلاً يوضح إنحراف تعليمهم وفساد تقليد شيوخهم. . . فبينما أمر الله فى شريعة موسى بإكرام الأب والأم ( خر 20 : 12 ) ، وأن يكون الموت عقوبة للإبن الشاتم أحدهما ، وذلك لعظم مكانتهما. كذلك فى ( ع 11 ) ، أتى شيوخ اليهود بتعليم غريب يناقض وصية الله ، وهو أن تقديم القربان ( العطايا ) للهيكل ، أبقى وألزم على الإنسان من أن يقدمه لوالديه المحتاجين ؟!! وهذا التقليد مخالفة صريحة لوصية الإكرام ، ولا يعود بالنفع ، فى حقيقة الأمر ، إلا على شيوخ اليهود. وهكذا فى ( ع 12 ) : تمنعون الناس من رعاية آبائهم بسبب تعليمكم البشرى ، مناقضين أمر الله. وليس هذا التعليم فقط ، فهناك أمور أخرى كثيرة كسرتم بها وصية الله أيها المراءون.
(2) الطاهر والنجس ( ع 14 - 23 ) :
ع 14 : أراد المسيح أن يكون كلامه وتعليمه شاملاً ، فوجّه حديثه للجمع ، بعد أن كان يخاطب الكتبة والفرّيسيّين. ولشد انتباهم ، قال لهم : " اسمعوا منى كلكم وافهموا ".
ع 15 - 16 : " ليس شىء من خارج " : المقصود بها الأطعمة ، سواء كانت مغسولة أو غير مغسولة ، وكذلك الأيدى الممسكة بهذا الطعام. " الأشياء التى تخرج " : أى الكلام الشرير ، مثل الإدانة والشتيمة والكذب ، وكذلك نظرات الشهوة الشريرة ، فهى التى تنجس الإنسان كله. ". . . أذنان للسمع فليسمع " : تعبير استخدمه المسيح كثيراً للدلالة على أهمية ما نطق وعلّم به. . . ويمكن القول أيضاً أن " أذنان " تعنى :
الأذن الأولى : أى الأذن الخارجية التى تسمع.
الأذن الثانية : أى الإرادة الداخلية التى تفهم وتعمل.
والمعنى العام المقصود هو : أراد السيد المسيح أن ينقل الناس من الفهم الحرفى للوصية إلى عمق معناها الروحى ، فالله عندما تكلم عن الحيوانات النجسة والحيوانات الطاهرة فى شريعة موسى ، قصد ما وراء ذلك. . .
أولاً : أن يضع فاصلاً بين ما يأكله شعبه وما يأكله الوثنيون ، فيحافظ على شعبه من الإختلاط أو عبادات الأمم.
ثانياً : وهو المعنى الأعمق لهذه الآية ، أن الطهارة والنجاسة الحقة مصدرها قلب وعقل الإنسان ، وليس ما يأتيه من الخارج.
ع 17 - 18 : " ولما دخل. . . سأله تلاميذه " : كالعادة ، عندما يصعب شىء على التلاميذ ، كانوا يسألون فيه المسيح ثانية بعيداً عن الجموع ، وأجاب المسيح بنفس المعنى المشروح فى العددين السابقين.
ع 19 : لازال الشرح هنا موجهاً إلى تلاميذ المسيح ، فيوضح لهم أن الطعام لا يؤثر على الحالة الروحية للإنسان ( القلب ) ، وهى المقياس الأساسى أمام الله ، إذ تنصرف فضلات الطعام بعد هضمه إلى خارج الجسم ، فيتخلص الجسم مما هو ضار ، وتمتص الأمعاء ما هو مفيد منها ، وبهذا لا يتأثر القلب من الأطعمة ، بل يظل نقياً.
ع 20 - 23 : تم شرح المعنى فى ( ع 15 - 16 ) ، ولكن السيد المسيح يضيف هنا أنواع من الخطايا التى تخرج من القلب والضمير النجس الشرير ، مثال أفكار الزنا ، وأفكار الفسق أى الفجور ، والقتل ، والسرقة ، والطمع أى المحبة الزائدة للمال والنفس ، وأفكار الخبث ومعناها إضمار الشر للآخر ، والمكر الذى هو كل أصناف الخداع ، والعهارة بمعنى إطلاق كل الشهوات مثل الشذوذ ، والعين الشريرة تأتى بمعنى الحسد والغيرة أو مشاهدة الأمور التى تهيّج الشهوات الردية ، والتجديف ، والكبرياء أى اعتداد الإنسان بنفسه واحتقار الآخرين وتبرير نفسه أمام الله ، والجهل. وكل هذه ليس مصدرها طعاماً ينجس إنسان ، بل قلباً وفكراً شريرين ينجسان الإنسان كله ، وسماحنا للأفكار الشريرة التى يتحدث بها الشيطان إلينا هو تلويث للقلب والفكر ، فلا تفتح حواراً مع الشيطان ، إقفل باب المناقشة معه تماماً.
+ ما أروع روحانية طقس قدّاس كنيستنا ، إذ يصلى الكاهن سراً فى انسكاب قائلاً : " اُذكر يارب ضعفى. . . ومن أجل خطاياى خاصة ونجاسات قلبى ، لا تمنع عن شعبك نعمة روحك القدّوس ". إن الكاهن بهذه الصلاة يعبّر عن صراخنا جميعاً لله أن يطهّر قلوبنا وأفكارنا ونياتنا قبل التناول من أسراره الإلهية ، وهى روح اتضاع يعلّمها الطقس للكاهن ولنا جميعاً ، ويؤكد ما علم به المسيح أن النجاسة مصدرها القلب ، ولا يغسلها سوى التوبة ودم المسيح المقدم على مذبحه المقدس.
(3) المرأة الكنعانية ( ع 24 - 30 ) :
ع 24 : ترك الرب منطقة كفرناحوم وذهب إلى نواحى صور وصيداء ( مدينتان تبعدان 80 كيلومتراً غرب كفرناحوم ، وتقعان على البحر الأبيض المتوسط بلبنان الحالية ). وذهاب المسيح إلى هناك كان لأكثر من سبب ، أهمها :
الأول : البعد عن الشر والتربص اللذين صارا واضحين من الكتبة والفرّيسيّين.
الثانى : إهتمامه بخلاص الأمم الغير يهودية. . . فخلاص المسيح هو للجميع بشرط الإيمان به
وبالرغم من محاولة المسيح عدم إظهار نفسه ، ربما للإختلاء بنفسه وبتلاميذه ، إلا أن خبر وصوله قد انتشر. " تخوم صور وصيداء " : كلمة " تخوم " تعنى حدود. . . وتأتى هنا بمعنى البلاد المجاورة لصور وصيداء.
ع 25 - 26 : " خرّت عند قدميه " : توضح سوء حالة المرأة وشدة مشكلتها ، ورجاءها فى المسيح ، وفوق كل ذلك اتضاعها. " أممية " : كان هذا اللقب يطلق على غير اليهود ، وكان لقباً كريهاً عندهم. " فينيقية سورية " : أى لبنان الحالية ومنطقة الشام ، وذكر إسم ( سورية ) تمييزاً لها عن ( فينيقية ليبيا ) فى شمال أفريقيا.
أما المعنى فهو أنه : عند وصول المسيح لهذه المنطقة ، أتت هذه المرأة الغريبة عن شعب المسيح ، طالبة منه الشفاء لإبنتها التى تملّكها الشيطان بالطبع بعد أن سمعت من الجمع عن معجزات الرب ويضيف القديس متى فى ( 15 : 23 ) على ما ذكره القديس مرقس أنها كانت تصرخ وراءه قبل دخول البيت ، وأن التلاميذ طلبوا من الرب شفائها ولم يستمع إليهم أولاً.
ع 27 - 29 : بدا رد الرب قاسياً ، ولكنه بهذا الرد أراد أن يوضح خطأ رأى اليهود فى الأمم باعتبار أنفسهم " بنين " ومن عداهم " كلاب ". كذلك لم يكن رد السيد يحط من قدر المرأة فى هذه العبارة ، وأراد أيضاً أن يوضح بعد ذلك عمق إيمان وشدة إتضاع المرأة. أما إجابتها المتضعة ، وعدم اعتراضها أو انصرافها ، بل موافقتها على ما يبدو إهانة ، جعل الرب يطوّب ثبات إيمانها ورجائها فيه ، ويستجيب لطلبها ، ويخبرها أن إبنتها شُفيت وعليها الذهاب إليها. . . مما يتضح منه أن قدرته على سحق الشياطين عظيمة جداً ، فقوته تتخطى كل المسافات. .
ع 3. : هكذا فعلت المرأة ، فعادت لمنزلها لتجد إبنتها قد شُفيت تماماً ، وأن الشيطان قد خرج منها. وعبارة " مطروحة على الفراش " تعنى الراحة والنوم بسلام ، وليس نتيجة الهياج الذى كان ينتابها أولاً. . . ( راجع أيضاً شرح نفس المعجزة فى مت 15 : 22 - 28 ).
+ صديقى العزيز. . . ألا تتفق معى أن اتضاع المرأة وثقة إيمانها كانا وراء استجابة طِلبتها ؟ إقرأ معى أيها الحبيب ما يقوله الروح القدس عن طِلبة المتضع " صلاة المتواضع تنفذ الغيوم ، ولا تستقر حتى تصل ، ولا تنصرف حتى يفتقد العلى ويحكم بعدل ويجرى القضاء " ( سيراخ 35 : 21 ). فالإنسان المتضع إذن هو من تخترق طِلبته السماء وتظل أمام عرش الله حتى يستجيب لها. . . ليتنا يا إلهى نتعلم من هذه المرأة الإتضاع والثقة واللجاجة.
(4) شفاء الأصم الأعقد ( ع 31 - 37 ) :
ع 31 : لم تدم إقامة الرب يسوع بنواحى صور وصيداء كثيراً ، لئلا يعثر به اليهود عندما يرونه يكرز للأمم ، فعاد إلى الشرق ثانية نحو بحر الجليل عند المدن العشر ( سبق الكلام عنها فى ص 5 : 20 ).
ع 32 : " وجاءوا إليه " : مقصود بالطبع أهل الإنسان الأصم الأعقد ، أى الأطرش الأخرس ، وكما هو معلوم أن المولود أطرشَ لا يستطيع تعلم الكلام ، فيصير أخرسَ. والمعنى الرمزى لهذا المرض هو أن الإنسان الذى لا يسمع كلام الله يصير أيضاً أخرسَ فى الحق وفى الشهادة لإسمه. " يضع يده عليه " : إشارة إلى رجائهم فى شفاء المريض بمجرد لمس الرب له.
ع 33 - 34 : أخذ الرب هذا المريض على ناحية ، وذلك إهتماماً به ، فالمسيح يهتم بشعبه كله وكنيسته. ولكن ، لكل واحد منا مكانة خاصة فى قلبه. فتذكر أيها الحبيب أنه عندما تختلى بالمسيح فى مخدعك ، يكون مِلكاً لك وتكون مِلكاً له.
ما صنعه الرب يسوع فى هذه المعجزة :
أ ) " وضع أصابعه فى أذنيه " : أى لمس أذنيه. وبالطبع ، لا يستطيع الأخرس الأطرش أن يسمع أو يفهم ، ولكنه يستطيع أن يميّز اللمس الذى يعنى الحب والإشفاق.
ب ) " تفل ولمس لسانه " : أى وضع أصبعهُ على لسانه ، ثم أخذ من ريقه ولمس لسان الأخرس ، ليوضح أن قوة الشفاء خارجة منه.
حـ ) " رفع نظره نحو السماء " : ليعلن أنه والآب واحد ، وليعلمنا نحن أن السماء هى عوننا.
د ) " أنَّ " : أى أصدر صوتاً عميقاً كالتنهد ، يعبّر به عن ألمه وحنانه نحو هذا الإنسان قبل شفائه0
هـ ) " وقال له " : أى أمره بسلطانه وحده0
و ) " إِفَّثَا " : أى انفتح ، والمقصود بذلك الأذنان واللسان معاً0
ع 35 - 37 : للوقت ، أى فى الحال ، كان الشفاء وتكلم مستقيماً ، أى خرج الكلام من شفتيه سليماً كمن اعتاد الكلام منذ طفولته ، فعمل الله دائماً عملاً كاملاً فى حياة الإنسان0 " أوصاهم أن لا يقولوا لأحد " : طلب المسيح ، فى اتضاعه وهربه من مجد الناس الذى لا يقبله ، من أهل الذى شُفى والجمع عدم إذاعة خبر المعجزة0ولكن ، على قدر ما أوصاهم ، فعلوا العكس ، إذ كانوا ينادون أكثر كثيراً بالمعجزة ، أى أذاعوها تماماً ، وهم فى حالة اندهاش ، معترفين بأن كل أعمال المسيح كانت حسنة0 " جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون " : إستخدام صيغة الجمع هنا تفيد بأنه كانت هناك معجزات أخرى للصم والخرس ، ولكنها لم تذكر كلها. . .
+ إلهى الحبيب. . . أطلق لسانى بتسبيحك وشُكرك فى صلاتى. . . إجعلنى أتكلم معك دائماً عن كل شىء وطول الوقت. . . إفتح أذنىَّ لتسمع وتستجيب لنداءاتك المتكررة ، فما أحلى سماع صوتك ، وما أطيب التحدث معك !!
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح