كلمة منفعة
قال داود النبي للرب: "اذكر لي كلامك الذي جعلتني عليه اتكل، هذا الذي عزاني في مذلتي"، وأنت أيضًا في فترات مذلتك، اذكر الآيات الآتية فتتعزَّى:
— كلمات تعزية في الشدائد
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 7 انجيل معلمنا مرقس الإصحاح رقم 7 الأصحاح السابع : الحياة الداخلية جاء السيد المسيح إلى العالم لكي يدخل بنا إلى إنساننا الداخلي، فلا نهتم بالشكليات الخارجية والمظاهر، إنما نطلب تجديد إنساننا العميق، لهذا وبخ المهتمين بالوصايا في شكلها دون روحها. 1. السيد المسيح والغسلات 1-23. 2. شفاء ابنة المرأة الفينيقية 24-30. 3. شفاء أصم أعقد 31-37. 1. السيد المسيح والغسلات لام الفريسيون تلاميذ السيد المسيح لأنهم رأوا بعضًا منهم يأكل بأيدٍ غير مغسولة، وقد شرح الإنجيلي كيف كان اليهود يهتمون بغسل الكؤوس والأباريق وآنية النحاس والأسرة وكل ما يأتي من السوق، متمسكين بتقليد الشيوخ. لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصية في أعماقها، إذ أجابهم "وقال لهم: حسنًا تنبأ إشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا. وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس: غسل الأباريق والكؤوس وأمورًا أخر كثيرة مثل هذه تفعلون. ثم قال لهم: حسنًا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم" [6-9]. ويلاحظ في حديث السيد المسيح الآتي: أولاً: يقدم السيد المسيح لكل إنسان ما يحتاج إليه، فعندما جاءته الجموع البسيطة تحمل المرضى إلى الأسواق مشتاقة أن يلمسوه فيُشفون، وهبهم سؤل قلبهم، وكل من لمسه شُفي (6: 56)، أما جماعة المتعلمين أي الفريسيون فقد جاءوا لا لينالوا شيئًا بل ليتصيدوا أخطاء، فقدم لهم أيضًا ما يحتاجون إليه، إذ كشف لهم جرحهم العميق ليطلبوا طبيبًا قادرًا على شفاء جراحات نفوسهم. ثانيًا: هاجم السيد المسيح تمسك اليهود بالشكليات القاتلة تحت ستار الحفاظ على التقليد، إذ كانوا أشبه بمن يكرمون الرب بشفاهم، أما قلوبهم فمبتعدة عن الله. وقد سبق لنا في دراستنا "الأرثوكسية والتقليد" التمييز بين التقليد الحرفي القاتل الذي يناقض الوصية ويعثر النفس في انطلاقها في الروحيات نحو السماويات وبين ما حمله التقليد من تراث روحي أصيل أو تدبير تعبدي جميل كالليتورجيات اليهودية بما حملته من تسابيح ومزامير الخ.، الأمور التي لم يعارضها السيد ولا تلاميذه، بل كانوا يذهبون إلى الهيكل ويشتركون مع اليهود في عبادتهم، وإن كان بمفهوم مسيحي جديد. لكي نعرف لماذا انتقد السيد المسيح هذه الغسلات اليهودية يلزمنا أن نوضح ما قاله بعض الدارسين أنها لم تكن بهدف صحي، وإنما إجراءات طقسية حرفية، فعندما يغسل اليهودي يديه للتطهير يأتي بماء في آناء حجري طاهر طقسيًا، ثم يرفع الشخص يديه إلى أعلى ويصب عليها كمية من الماء، ثم يعود فيخفضهما إلى أسفل ويصب كمية أخرى من الماء من على المعصمين لتنزل إلى الأصابع فيطهّر طقسيًا. وكان اليهودي يعتقد أنه ما لم يفعل ذلك وبدقة يمتلكه روح نجس اسمه شيبتا، ثم يُصاب بالفقر والهلاك. ومن شدة تمسك اليهود بهذا الطقس قيل أنه حينما رفض أحد المعلمين ممارسته دُفن عند موته في مقابر الهراطقة، وعندما سُجن أحد الربيين في سجن روماني كان يستخدم الماء المحدود في تطهير يديه مفضلاً ذلك عن الشرب حتى مات من العطش. وقد قدمت المشناه أنواعًا كثيرة من طقوس الغسلات اليهودية. بلا شك نقد الفريسيين لتلاميذ السيد المسيح بخصوص عدم غسلهم الأيادي قبل الأكل كان مجرد مثل يقدمونه، إذ كان الفريسيون في ريائهم لا يطيقون التلاميذ المتحررين من هذا الرياء. الإنسان الحرفي لا يطيق الفكر الروحي بل يقاومه، محولاً حياته إلى مناقشات غبية وعقيمة! ثالثًا: اتهمه الفريسيون بأن تلاميذه يكسرون لا وصية الله بل تقاليد الشيوخ، أما هو فكشف لهم خلال الناموس والأنبياء أنهم يسلكون بالرياء، ويكسرون الوصية، ويحتاجون بالحق إلى طبيبٍ قادر أن يخلصهم من دائهم. فقد قدم لهم مثلاً خطيرًا لانحرافهم، إذ يسمحون للشخص أن يمتنع عن إعالة والديه بحجة أن ما يقدمه لهما قد سلمه قربانًا لله. بهذا يكون قد كسر وصية الله الخاصة بإكرام الوالدين يسنده في ذلك تقليد الشيوخ الخاطيء لكي يزداد إيراد الهيكل ويكون للقادة نصيبًا ماديًا أعظم. كأن هذا التقليد جاء لا ليخدم الوصية الإلهية ويسندها بل يقاومها ويحطمها. إذ يظنون في أنفسهم أنهم حراس الناموس أكد لهم أنهم يبطلون كلام الله وناموسه خلال تقليدهم الخاطيء. وإذ يفتخرون أنهم يحفظون النبوات قدم لهم نبوة إشعياء النبي عنهم: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني" [6] (إش 29: 13 الترجمة السبعينية). إذ كشف للفريسيون والكتبة جراحاتهم الداخلية "دعا كل الجمع، وقال لهم: اسمعوا مني كلكم وافهموا. ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. إن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع" [14-16]. كشف لهم السيد المسيح مفهوم النجاسة الحقيقية، هذا المفهوم الذي لم يكن ممكنًا لليهودي أن يتقبله ما لم تصر له الأذن الروحية القادرة أن تدرك الروحيات مرتفعة فوق الحرف. فقد عاش اليهودي يهتم ألا يتنجس بمأكولات محرمة (لا 11) ولا يلمس ثيابًا دنسة أو متاعًا دنسًا أو يسكن بيتًا نجسًا الخ. كان في ذهن اليهودي قائمة طويلة مرعبة لما ينجسه، وقد جاء السيد يكشف عن جذور النجاسة التي تمس الحياة الداخلية لا المظاهر الخارجية. "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل. سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور من الداخل وتنجس الإنسان"[21-23]. هذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رو 1: 29-31، وأيضًا التي في غل 5: 13-19. هذه القائمة لا تحتاج إلى توضيح، غير أن كلمة "طمع" هنا في اليونانية تعني "يريد أكثر"، أي لا يشبع، وكلمة "خبث" تعني "الأعمال الشريرة"، وهي سمة من يفرح في مصائب الآخرين، لذلك يدعى إبليس بالخبيث، "والمكر" يعني "يوقع في الفخ"، وأخيرًا يقصد بالجهل الحماقة الروحية. رابعًا: يرى البعض في أكل التلاميذ الطعام بأيدٍ غير مغسولةٍ إشارة إلى بسط أيديهم للعمل الكرازي بين الأمم الذين تطلع إليهم اليهود كشعوب دنسة غير مقدسة. خامسًا: إن كان السيد قد انتقد هؤلاء الفريسيين في اهتمامه بالشكل دون الجوهر الداخلي، لهذا لاق بنا نحن كمسيحيين أن نهتم بالأعماق الداخلية، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزم أن يكون اهتمامنا بسلوكنا عظيمًا، لماذا؟ لأنه يجب ألا يكون اجتماعنا المستمر هنا مجرد اجتماع ندخل إليه، وإنما يلزم أن نحمل بعض الثمار على الدوام. فإن أتيتم وخرجتم بلا ثمر يكون دخولكم بلا نفع... إن كنتم تشتركون في الترنم بمزمورين أو ثلاثة وتمارسون الصلوات كيفما كان، فهل تظنون أن هذا كافٍ لخلاصكم؟] سادسًا: يرى بعض الدارسين أن هذا التعليم الذي قدمه السيد المسيح للفريسيين والكتبة كما للجموع إنما يمثل مقدمة لائقة للقصة التالية الخاصة بشفاء ابنة الفينيقية، إذ أراد السيد أن يؤكد أنه لا يوجد شعب طاهر وشعب نجس، إنما الحاجة إلى القلب الطاهر الداخلي. 2. شفاء ابنة المرأة الفينيقية لم يسترح السيد لهؤلاء الذين يعيشون حسب الشكل الخارجي، الذين بلا روح وبلا أعماق داخلية، لذلك "قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا" [24]، أي ترك خاصته وذهب إلى منطقة الأمم، وكأنه يعلن أن خاصته قد فقدته بشكلياتها، بينما يتمتع به الغرباء خلال شعورهم بالحاجة إليه. يقول الإنجيلي: "ودخل بيتًا وهو يريد أن لا يعلم أحد، فلم يقدر أن يختفي" [24]. لماذا دخل سرًا ولم يرد أن يعلم به أحد؟ ربما لأنه لم يحن بعد وقت الكرازة بين الأمم، إنما جاء هذه الدفعة كعربون فقط، وكرمز لتركه خاصته وانطلاقه للأمم. ويرى بعض الدارسين أن السيد وقد رأى الفريسيين يلومون تلاميذه لأنهم يأكلون بأيدٍ غير مغسولة، فكم بالأكثر عندما يجدون المعلم نفسه يدخل إلى شعب في نظرهم دنسًا، وينعتونه بأنهم "كلاب"! لم يقدر السيد أن يختفي لأن امرأة كنعانية "كان بابنتها روح نجس سمعت به، فأتت وخرت عند قدميه" [25]. وكأن السيد قد أراد أن يعلن لتلاميذه كيف أغلق اليهود ضد أنفسهم أبواب محبته بالرغم مما قدمه لهم، بينما جاء الأمم إليه خاضعين ومؤمنين بالرغم من دخوله إليهم سرًا. ولكي يكشف لهم بالأكثر إيمان الأمم به تمنع في البداية عن العطاء، قائلاً لها: "دعي البنين أولاً يشبعون، لأنه ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب" [27]. فجاءت إجابة المرأة تشهد أن البنين طرحوا خبزهم بينما من حسبهم اليهود كلابًا استحقوا خبز البنين بتواضعهم وإيمانهم. حمل هذا الحوار عتابًا من السيد موجهًا لليهود، فمن جانب أنه جاء ليقدم لهم خبز البنين، لكنهم رفضوا الخبز السماوي، ومن جانب آخر احتقروا الأمم حاسبين إياهم دنسين كالكلاب، مع أنهم بالإيمان يتمتعون بما لا يتمتع به البنون. كشف هذا الحوار عن حكمة الكنعانية فإنها لم تهاجم دعوة الأمم ككلاب، وإنما في حكمة قالت بأنه وإن حُسبت هكذا فهي تطمع في التمتع بالفتات الساقط من مائدة أربابها، فأعلنت أن أبناء هذا العالم أحكم من اليهود الجاحدين. يرى بعض الدارسين أن كلمة "كلاب" هنا في اليونانية تعني "Pups"، نوعًا من الكلاب تستخدم كدمية لطيفة وليست كلاب الحراسة الشرسة، الأمر الذي يخفف من المعنى. هذا وأن لهجة الحديث ونبرات صوته بلا شك كانت جذابة فتحت الباب للكنعانية لتكمل الحوار، فإن كثير من العبارات التي تبدو قاسية في تسجيلها كتابة، إذ تُقدم بطريقة لطيفة تخفف من حدتها. على أي الأحوال، لم يكن سهلاً على اليهود قبول الكرازة بين الأمم، لكن السيد المسيح هنا يفتح الباب لهم، حتى يمكن للرسولين بولس وبرنابا أن يقولا مجاهرة: "كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم، وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 13: 46). مرة أخرى يقول الرسول بولس: "دمكم على رؤوسكم، أنا بريء، من الآن أذهب إلى الأمم" (أع 18: 6). 3. شفاء أصم أعقد يبدو أن السيد المسيح لم يرد أن يبقي كثيرًا بين الأمم حتى لا يتعثر فيه اليهود ككاسرٍ للناموس، إذ يرونه في شركة مع الأمم الدنسين، لذلك يقول الإنجيلي: "ثم خرج أيضًا من تخوم وصور وصيدا، وجاء إلى بحر الجليل في وسط حدود المدن العشر" [31]. هناك جاءوا إليه بأصم أعقد، فوضع إصبعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه، ورفع نظره نحو السماء ثم قال له: انفتح، فانفتحت أذناه وانحل رباط لسانه. كان هذا الأصم الأعقد عند حدود المدن العشر يحتاج إلى السيد المسيح نفسه لكي يهبه إمكانية السماع لكلمة الله والنطق بها. إن كانت المدن العشر تشير إلى الوصايا العشر أو الناموس، فإن هذا الناموس كشف ما اتسم به الإنسان كعاجزٍ عن السماع لصوت الله والتكلم بأعماله، لهذا جاء السيد يضع إصبعه في أذنيه، أي يرسل روحه القدوس الذي يُسمى إصبع الله (خر 8: 19)، ليفتح الأذن الداخلية، فتسمع الصوت الإلهي عاملاً فيها. أما كونه قد تفل ولمس لسانه، إنما ليشير إلى عطية الحكمة الإلهية التي وهبها السيد للبشرية لكي تنطق بأعمال الله وحكمته. أما تطلع السيد إلى السماء بأناتٍ، فلكي يعلن أن ما يقدمه هو عطايا سماوية يرفضها الجسدانيون. يختم الإنجيلي هذه المعجزة بقوله: "وبهتوا إلى الغاية، قائلين: إنه عمل كل شيء حسنًا، جعل الصم يسمعون، والخرس يتكلمون" [37]. لعله بهذه العبارة يعود بنا إلى بداية الخليقة، حيث رأى الله كل شيء حسنًا، فالذي كان يعمل في البدء لأجل الإنسان هو بعينه قد جاء ليجدد الخليقة، ويرد للإنسان بهجته وسلامه. ويرى بعض الدارسين أن هذه العبارة: "عمل كل شيء حسنًا" إنما تعني: "كيف تحققت هكذا فيه النبوات حسنًا!" من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح السابع الآيات (1-23): في كتاب إنجيل متى (مت1:15-20) الآيات (24-30): في كتاب إنجيل متى (مت21:15-28) الآيات (31-37): (شفاء أصم أعقد) (مر 1:7-23): واجتمع إليه الفريسيون وقوم من الكتبة قادمين من أورشليم. ولما رأوا بعضا من تلاميذه يأكلون خبزا بأيد دنسه أي غير مغسولة لاموا. لان الفريسيين وكل اليهود أن لم يغسلوا أيديهم باعتناء لا يأكلون متمسكين بتقليد الشيوخ. ومن السوق أن لم يغتسلوا لا يأكلون وأشياء أخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس وأباريق وآنية نحاس وأسرة. ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزا بأيد غير مغسولة. فأجاب وقال لهم حسنا تنبا اشعياء عنكم انتم المرائين كما هو مكتوب هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيدا. وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس غسل الأباريق والكؤوس وأمورا أخر كثيرة مثل هذه تفعلون. ثم قال لهم حسنا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم. لان موسى قال اكرم أباك وأمك ومن يشتم أبا أو أما فليمت موتا. وأما انتم فتقولون أن قال إنسان لأبيه أو أمه قربان أي هدية هو الذي تنتفع به مني. فلا تدعونه في ما بعد يفعل شيئا لأبيه أو أمه. مبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلمتموه وأمورا كثيرة مثل هذه تفعلون. ثم دعا كل الجمع وقال لهم اسمعوا مني كلكم وافهموا. ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. أن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع. ولما دخل من عند الجمع إلى البيت سأله تلاميذه عن المثل. فقال لهم افانتم أيضا هكذا غير فاهمين أما تفهمون أن كل ما يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن ينجسه. لأنه لا يدخل إلى قلبه بل إلى الجوف ثم يخرج إلى الخلاء وذلك يطهر كل الأطعمة. ثم قال أن الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان. لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة زنى فسق قتل. سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان. إنتهز السيد فرصة سؤال الكتبة والفريسيين عن عدم غسل التلاميذ أيديهم حينما يأكلون خبزاً، ليوبخ اليهود على عبادتهم الزائفة إستناداً على سنن باطلة. ولقد تعود اليهود على غسل كل ما تمتد إليه أيديهم كما يشرح معلمنا مرقس حتى لا يكون ما يمسكون به دنساً (فى نظرهم أن الشىء يتدنس مثلاً لو لمسه أممى وثنى). ومرقس لأنه يكتب للرومان الذين لا يعلمون شيئاً عن عادات اليهود إضطر لشرح عادات اليهود (3:7،4). ولكن متى إذ يكتب لليهود لم يضطر لهذا. وغسل الأيادى والأباريق هى عادة من التقليد وليس من الناموس وقد وضعها الفريسيون زيادة على أوامر الناموس. وهذا التقليد تمسك به اليهود جداً حتى أن الرابى أكيبا إذ سُجِنَ ولم يكن له أن يحصل إلاَ على قليل من الماء لا يكفى غسل يديه فضل الموت جوعاً وعطشاً من أن يأكل دون أن يغسل يديه. ويسمون الأيدى غير المغسولة أيدى دنسة (مر2:7). ولاحظ أن الجماهير البسيطة أدركت من هو المسيح وصارت تنعم بالشفاء إذ تلمسه، أما هؤلاء المتكبرين، فلقد أعمت كبرياؤهم عيونهم فأخذوا منه موقف الناقدين والمجربين. هؤلاء بسبب حسدهم رفضوا الكلمة الإلهى وقاوموه إذ تصوروا أنه جاء ليسحب الكراسى من تحتهم أو يغتصب مراكزهم. وهكذا كل من يفرح ويتلذذ بشهوة عالمية، تجده يقاوم المسيح لأنه يتصور أن المسيح سيحرمه من شىء يحبه، بينما أن المسيح يريد أن يشفيه. وهنا السيد المسيح يهاجم تقليد الفريسيين وأباء اليهود الذى يعارض الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس فى ناموس موسى أوصى بإكرام الوالدين وهذا يشمل سد إحتياجاتهم المادية. ولكن الأباء اليهود من أجل منفعتهم الشخصية وإستفادتهم من أموال الناس وضعوا لهم تقليد مخالف لناموس موسى= من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذى تنتفع به منى = وهذا يعنى :- 1) أن المساعدة التى أقدمها لك ياأبى سأمنعها عنك وأقدمها للهيكل. 2) وهناك رأى أخر أن الشخص كان ينذر كل ما يملك للهيكل بعد وفاته على أن يصرف منه على نفسه فى مدة حياته ولا يعطى لأبويه المحتاجين وهذا معنى قوله قربان= أى سيقدم للهيكل. 3) من يقدم للهيكل عطايا كانوا يعفونه من الإنفاق على والديه. ولا يفهم قول المسيح ضد تقليد اليهود أنه ضد أى تقليد، بل هو ضد التقليد إذا خالف الكتاب المقدس فكنيستنا تؤمن بالتقليد لماذا ؟ 1) الكتاب المقدس نفسه محفوظ لنا بالتقليد، فمن قال أن هذه الأسفار هى الأسفار القانونية، فهناك أسفار غير قانونية. من الذى حدد القانونى من غير القانونى سوى تقليد الأباء الذين حددوا الأسفار القانونية ورفضوا غير القانونية. 2) من الذى علًم إبراهيم دفع العشور لملكى صادق ومن الذى علّم يعقوب تدشين الأماكن بسكب الزيت ومن الذى عَلَّمَ يوسف أن الزنا حرام ولم يكن هناك ناموس، كان هذا بالتقليد (تك 20:14+18:28+22:28). 3) كيف سارت الكنيسة دون إنجيل مكتوب حتى كتب أول إنجيل ؟ بالتقليد. 4) من التقليد اليهودى عرف بولس إسمى الساحرين المقاومين لموسى (2تى 8:3). ونقل يهوذا الرسول مخاصمة ميخائيل لإبليس (يه9) وعرف أيضاً نبوة أخنوخ (يه14). ومن التقليد اليهودى عرف بولس أن الناموس كان مسلماً بيد ملائكة (غل19:3). 5) بولس يؤكد على التقليد (1كو34:11+2تس6:3) وكذلك يوحنا (2يو 12). آيه(8):- لقد تركت الأمة اليهودية عبادة الله بالقلب والحق وأهملت الوصايا الأساسية، ودققت وإهتمت بالتقاليد البشرية المسلمة من الشيوخ كغسيل الأيدى والأباريق، تركوا محبة الله ومحبة القريب وإهتموا بنظافة الجسد من الخارج. وإنه لمن السهل أن يكتفى المرء بالعبادة المظهرية وتأدية الفروض الدينية الخارجية ويترك القلب مملوء شراً ولكنه بهذا سيصير كالقبور المبيضة من الخارج وبالداخل نجاسة. وهذه النبوة من إشعياء مأخوذة من (أش13:29). يا مراؤون (مت 7:15) فهم يظهرون كمدا فعين عن الحق وهم يكسرونه.يحملون صورة الغيرة على مجد الله وهم يهتمون بما لذواتهم، يعبدون الله عبادة جافة أى ليس عن حب وإنما لتحقيق أهداف بشرية ذاتية. لذلك صارت تعاليمهم وصايا الناس (مت9:15). أما من يخدم الله بأمانة تكون تعاليمهُ هى كلام الله، كما قال الله لأرمياء مثل فمى تكون (أر 19:15). (مت 10:15) إسمعوا وإفهموا= كلم السيد الفريسيين بعنف لأنهم قادة عميان مراؤون. ولكن نجده هنا يكلم الشعب بلطف ويعلمهم، فالمرائين لا يصلح معهم الكلمات الطيبة فإن هذا سيغطى على شرهم ويفسدهم بالأكثر. أما الشعب البسيط فلا يحتمل كلمة قاسية لئلا يحطم ويعثر وييأس. هؤلاء يحتاجون لكلمة تشجيع لبنيانهم الروحى. والسيد بدأ يعلم الشعب عن حقيقة غسل الأيادى قبل الأكل التى أثارها أمامهم الفريسيون المراءون لا ليدافع عن تلاميذه بل لبنيان الشعب الروحى، ولكى لا يتعثروا بسبب الشكوك التى يثيرها الكتبة والفريسيون. والسيد شرح للشعب أن سر الحياة والقداسة لا يكمن فى الأعمال الخارجية الظاهرة وإنما فى الحياة الداخلية وهذا عكس ما ينادى به الفريسيين إذ تركوا نقاوة القلب مهتمين بغسل الأيادى. الفريسيين لما سمعوا القول نفروا= قول المسيح كان كالمشرط الذى فتح الجرح المتقيح فخرجت العفونة وظهر الفساد وهذا لا يطيقه المرائى. كل غرس لم يغرسه أبى السماوى يقلع= عبارة تشير للتقاليد والأشخاص الذين يحضونهم على إتباعها (أى جماعة الكتبة والفريسيين) يمضى إلى الجوف ويندفع إلى المخرج= جعل الله فى الإنسان، فى الجسم الإنسانى نظاماً بأن يستفيد من كل ما هو مفيد فى الطعام ويلقى بما ينجسه للخارج. ولنلاحظ أنه حتى التلاميذ قد تساءلوا عن مفهوم التطهير الداخلى وليس الخارجى، فهم قطعاً متأثرين جداً بالبيئة التى يعيشون فيها، بل إن هذا إستمر حتى بعد المسيح، حتى أن بطرس رفض أن يأكل مع أممى (غل2)واضطر الله أن يعطيه رؤيا الملاءة ليقنعه أن يذهب ويبشر كرنيليوس الأممى. فى (مت 14:15) اتركوهم = لعلهم إذا تركوهم يتوبوا عما هم فيه، إذ يتخلى عنهم الناس. فى (مر 15:7،16) ليس شئ من خارج = أى طعام مغسول أو غير مغسول أو بأيدى مغسولة أو غير مغسولة. الأشياء التى تخرج = شتائم / إدانة / كذب / نظرات شريرة. ملحوظات:- 1. كانت الغسلات للأدوات تتم بالغمر فى الماء وللأسرة بالرش. والغسل ليس للناحية الصحية بل لإزالة النجاسة الطقسية.لذلك كان اليهود يستعملون كميات كبيرة من الماء، من هنا نفهم سر وجود ستة أجران بأحجام كبيرة فى بيت يهودى (يو2). أما غسيل الأيدى لغرض صحى فهو ليس ضد المسيحية. 2. نبوة إشعياء قالها إشعياء للشعب حين أرادوا التحالف مع مصر ضد أشور وإستعملها المسيح هنا. فكون أننى أسبح الله بشفتى، والجأ إلى إنسان لحل مشكلتى، أى أعتمد عليه دون الله، فهنا أنا أسبح الله بشفتى وقلبى مبتعد عنه بعيداً. 3. طالما كان القلب طاهراً لا تستطيع الأطعمة أن تنجسه لأنها تدخل إلى جوف الإنسان، فما كان منها مفيداً يتحول إلى أنسجة جديدة، وما كان منها ضاراً يخرج إلى الخلاء، وذلك يطهر كل الأطعمة، أى يطرد كل ما هو ضار بالجسم عن طريق الإفرازات التى تخرج إلى الخلاء. 4. الخطايا التى ذكرها السيد طمع= من لا يشبع ودائماً يريد أكثر خبث= تعنى الأعمال الشريرة وهى سمة من يفرح فى مصائب الآخرين لذلك يُدعى إبليس بالخبيث. المكر= من يوقع أحد فى فخ الجهل= الحماقة الروحية والبعد عن الحق عين شريرة = حسد. والحسد لا يضر سوى الحاسد إذ يمتلىء قلبه شراً عهارة= سلوك فاسق وشذوذ. وهذه الخطايا وأمثالها هى التى تنجس الداخل. ومَن داخله أمثال هذه الخطايا يخرج من فمه كلمات نجسة وأعمال نجسة. فسق = نوع من الزنى ولكن فى فجور 5-(مر 3:7) يغسلوا أيديهم بإعتناء= أى حتى الكوع (وهو تعبير يهودى). 6- (مر11:7) قربان أى هدية = مرقس يفسر الكلمة فهو يكتب للرومان. (مر24:7-30): ثم قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا ودخل بيتا وهو يريد أن لا يعلم أحد فلم يقدر أن يختفي. لان امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به فاتت وخرت عند قدميه. وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقية سورية فسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها. وأما يسوع فقال لها دعي البنين أولا يشبعون لأنه ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب. فأجابت وقالت له نعم يا سيد والكلاب أيضا تحت المائدة تأكل من فتات البنين. فقال لها لأجل هذه الكلمة اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك. فذهبت إلى بيتها ووجدت الشيطان قد خرج والابنة مطروحة على الفراش. هنا نجد تناقض عجيب بين موقف الفريسيين الذين يقاومون المسيح ولم يكتشفوا، بل لم يروا قوته الشافية وهم الذين يحفظون الناموس وبين هذه المرأة الكنعانية الأممية الوثنية، التى إكتشفت فيه مسيحاً شافياً قادراً أن يصنع المعجزات. لذلك نسمع ثم خرج يسوع من هناك وإنصرف إلى نواحى صور وصيدا= كأن السيد قد رفض الشعب اليهودى الرافض الإيمان ليذهب يفتش عن أولاده بين الأمم. وعجيب أن يكون هؤلاء وفى أيديهم النبوات، عميان روحياً لم يعرفوا المسيح. بينما أن هذه المرأة التى لا تملك نبوة واحدة ولا هى من شعب الله، قد أدركت من هو المسيح فأتت إليه صارخة واثقة فى إستجابته. ما الذى أعمى قلب هؤلاء الفريسيين، لو قلنا الخطية فالكنعانية أكثر خطية منهم !! إذاً هو الكبرياء الذى جعلهم يظنون أنهم أعلى من المسيح، ينقدون تصرفاته ويحكمون عليه، ويتصيدون عليه أى خطأ، وهو الرياء، فبينما الفساد ضارب بجذوره فى الداخل، نجدهم يتبارون فى إظهار قداستهم. ولن نعرف المسيح إلاً لو تواضعنا وأدركنا أننا خطاة فى إحتياج إليه، مقدمين توبة. ولاحظ قول الكتاب وإذا إمرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم ففى هذا رمز لترك الشرير لشره حتى يقبله المسيح. ولاحظ فى كلامها صرخت=هى شعرت بإحتياجها إليه، وصرخت فيها معنى الإيمان والثقة. إرحمنى =لم تطلب شفاء من المسيح أو غيره بل طلبت الرحمة. ياإبن داود= هى لا تعرف النبوات ولكن سمعت عنه من اليهود فآمنت. ونادته كما يناديه اليهود إبنتى مجنونة جداً = ومرقس يقول بها روح نجس. إذاً الشيطان سبب جنونها وكانت إستجابة المسيح عجيبة فهو أولاً لم يجبها بكلمة ثم حين تكلم معه تلاميذه نجده يقول لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ولما أتت وسجدت وقالت له ياسيد أعنى. نجده يقول لها ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب.وهذه الردود العنيفة لم تكن من طبع المسيح فلماذا إستخدم السيد المسيح هذا الأسلوب معها ؟ 1. لكى لا يعثر اليهود إذا رأوه يتجاوب مع الأمم. واليهود يقسمون العالم قسمين: أ-اليهود أبناء الله ب- الكلاب وهم الأمم)ويعتبرونهم نجاسة ويغسلون أى شىء تمتد إليه يد أممى ولا يأكلون معهم. 2. قال السيد لتلاميذه تكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أع8:1). ونفذ هو بنفسه هذه الوصية فهو بدأ بأورشليم واليهودية ثم ذهب للسامرية، ولكن الوقت كان لم يحن بعد للذهاب للأمم (أقصى الأرض). بل هو لن يذهب للأمم لكن سيرسل تلاميذه. 3. صمت السيد أولاً كان ليثير تلاميذه فيطلبون لأجلها، فرسالتهم ستكون الإهتمام بالعالم الوثنى. والسيد يريد من كل مناّ أن نهتم بكل متألم ونصلى لأجله "صلوا بعضكم لأجل بعض (يع 16:5)" فهذه هى المحبة فى المسيحية، خروج من الذات والبحث عن كل محتاج. 4-السيد المسيح له طرق مختلفة مع كل خاطىء ليجذبه للتوبة، كلُ بحسب حالته، وما يصلح لهذا الإنسان لا يصلح مع الآخر. فمع المرأة السامرية التى تجهل كل شىء عن المسيح يذهب لها المسيح بنفسه ويجذبها إلى حوار ويقودها للتوبة ثم إكتشاف شخصة، أماّ الإبن الضال فهو قد خرج من حضن أبيه بعد أن تذوق حلاوة حضن أبيه، تركه باختياره، هذا لا يذهب إليه الرب، بل يحاصره بالضيقات ( مجاعة / أكل مع الخنازير/ تخلى الأصدقاء / إفلاس تام …) وهنا يشتاق الإبن الضال للعودة لأحضان أبيه إذ يَعرف مرارة البعد عنه، والبركات التى فى حضرته. أماّ هذه الكنعانية فهى من شعب ملعون، هم أشر شعوب الأرض لعنهم أبوهم نوح (تك 25:9)، ثم ثبت تاريخياً أنهم مستحقون لهذه اللعنة، فهم عاشوا فى نجاسة رهيبة ( فمنهم أهل سدوم وعمورة )، أى إشتهروا بالشذوذ الجنسى وقدموا بنيهم ذبائح للأصنام وفعلوا الرجاسات حتى مع الحيوانات وأجازوا أولادهم فى النار. والسيد إستخدم مع هذه المرأة أسلوب جديد، هو يظهر لها نجاستها، يكشف لها حقيقة نفسها وخطيتها فلا شفاء دون إصلاح الداخل ولا معجزات دون توبة أولاً. كان أسلوباً قاسياً ولكنه كمشرط الجراح، مع كل ألمه إلاّ أنه الطريقة الوحيدة لإزالة المرض. لو كان هناك أسلوب آخر لكان السيد قد إستخدمه بالتأكيد. 5. كان السيد الذى يعلم كل شىء يعرف أن هذه المرأة قادرة على إحتمال الموقف " لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون (1كو 13:10). 6. إذ كان يعلم إحتمالها، وأنها ستظهر إيماناً وصبراً عجيباً. كان بهذا يزكيها أمام الموجودين ويعلن إستحقاقها لعمل المعجزة. 7. من المؤكد أن يده الحانية كانت تسند قلبها حتى لا تجو فشماله تحت رأسى (أى كلماته الصعبة ) ويمينه تعانقنى (أى تعزياته ) (نش 6:2). 8. لاحظ قولها نعم يا سيد والكلاب أيضاً تأكل.. هذا القول هو إعتراف بالخطية، إعتراف بنجاستها. هنا ظهر أن أسلوب المسيح القاسي معها اتى بنتيجة باهرة. لم يكن المسيح ليستعمل هذا الأسلوب إلاً لو كان متأكداً من نجاحه. 9. كان المسيح يركز خدمته وسط اليهود فقط ويكون خميرة مقدسة، وهو أرسل تلاميذه لكل الأرض. لكن هو بنفسه ما كان سيذهب للأمم. لذلك سمعنا قول المزمور "شعب لم أعرفه يتعبد لى (مز43:18) من سماع الأذن يسمعون لى (مز 44:18). فالأمم آمنوا بسماعهم من الرسل عن المسيح = هذا معنى قوله لم أرسل إلاّ خراف بيت إسرئيل. لكن إستجابته للكنعانية حمل معنى قبوله للأمم مستقبلاً. ونلاحظ أن هدف إقامة شعب إسرائيل كشعب مختار كان أن يؤمنوا بالمسيح حين يأتى متجسداً وسطهم ويكونوا نوراً للعالم ولكن خاصته رفضته. ولذلك بكى المسيح على أورشليم إذ رفضته وسلمته للصلب فالمسيح كان يرجو لهم ملكوت الله حتى آخر لحظة. ولفشلهم فى أن يكونوا نوراً للعالم إنفتح الباب على مصراعيه للأمم. والسيد بهذه الإجابة أعطى درساً لليهود السامعين أن الأمم ليسوا كلاباً بل فيهم من هم أحسن من اليهود. 10. والمسيح يطوب ويمدح هذه المرأة أمام الجميع على إيمانها. 11. ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب " هو مثل يهودى شائع، وكان اليهود يستخدمون لفظ الكلاب دلالة على إحتقارهم للأمم. ولاحظ أن المسيح بهذا لا يعطى أى فرصة أو سبب لليهود حتى يرفضوه، فهو يجاملهم ويراعى شعورهم، ويظهر لهم أنه أتى من أجلهم. حقاً قال داود النبى " لكى تتبرر فى أقوالك وتغلب إذا حوكمت ( وتزكو فى قضائك) (مز 4:51). 12. يرى القديس أغسطينوس أن شفاء غلام قائد المئة وشفاء ابنة هذه المرأة دون أن يذهب المسيح إليهم فيه معنى ان الأمم سيخلصون بالكلمة دون أن يذهب المسيح إليهم بالجسد. (مر 24:7):- دخل بيتاً وهو لا يريد أن يعلم أحد = فلم يحن بعد وقت الكرازة بين الأمم.والمسيح لم يذهب للأمم. لكن كانت هذه الزيارة عربون على خلاص الأمم. وهو لا يريد أن اليهود يثيروا المشاكل لأنه ذهب لبيت وسط الأمم. 13. رقة المسيح فى قوله كلاب للمرأة الكنعانية ظهرت فى نوع الكلمة التى أستخدمها. فالكلمة التى يستخدمها اليهود كلمة تنم على الاحتقار وهى الكلمة التى إستخدمها بولس الرسول فى رسالته فى 2:3 أماّ السيد فإستخدم هنا كلمة تشير للكلاب المدللة وغالباً قالها المسيح للمرأة بنظرة حانية. 14. هناك سؤال لماذا ذهب السيد إلى تخوم صور وصيدا أى على الحدود مع الجليل ؟ الآن عرفنا الجواب وهو انه أراد أن يلتقط هذه النفس ويشفيها كما سار مسافة طويلة ليلتقي بالسامرية فتخلص. الآيات (مر31:7-37): "ثم خرج أيضاً من تخوم صور وصيدا وجاء إلى بحر الجليل في وسط حدود المدن العشر. وجاءوا إليه بأصم أعقد وطلبوا إليه أن يضع يده عليه. فأخذه من بين الجمع على ناحية ووضع أصابعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه. ورفع نظره نحو السماء وآن وقال له إفثأ أي انفتح. وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم مستقيماً. فأوصاهم أن لا يقولوا لأحد ولكن على قدر ما أوصاهم كانوا ينادون أكثر كثيراً. وبهتوا إلى الغاية قائلين أنه عمل كل شيء حسنا جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون." في الآيات السابقة رأينا السيد المسيح يذهب إلى تخوم صور وصيدا حتى يخلص نفس المرأة الكنعانية وابنتها، فهو كما ذهب للسامرة لأجل خلاص نفس السامرية، هكذا صنع هنا خلاصاً لهذه الكنعانية. ولكنه لم يًرد أن يستمر في أراضي الأمم كثيراً حتى لا يًعثر اليهود (= ثم خرج أيضاً من تخوم صور وصيداء=) إذ يرونه في شركة مع الأمم الدنسين. والسيد هنا يشفي أصم أعقد. وأعقد أي ثقيل اللسان، يتكلم بصعوبة وذلك لأنه أصم، وبسبب صممه إلتوى لسانه. وروحياً فهذا يمثل العاجز عن تسبيح الله لأنه سد أذانه عن سماع كلمة الله، ويمثل العاجز عن الشهادة للحق. والمسيح استخدم معه طرقاً ملموسة، حتى توقظ فيه هذه الحركات الخارجية روح الإيمان اللازم لنوال الشفاء، لأنه وهو أصم لا يستطيع أن يسمع كلام الرب. فالسيد وضع إصبعه في أذنيه ليشعر المريض بإصبعه أي قوته الشافية ويتلامس أيضاً مع حب المسيح وحنانه. وتفل ولمس لسانه ليؤمن أن هناك قوة ستخرج منه لتفك لسانه. ورفع نظره ليعلم المريض أن يرفع نظره لله، وليؤكد له أن القوة التي ستشفيه هي من الله وأنه متحد مع الآب. وأن قوة الشفاء هي من الله وليست من بعلزبول. والإصبع هو إشارة للروح القدس (لو20:11+ مت28:12). وعمل الروح القدس هو فتح حواسنا الروحية لندرك السماويات. وتفل المسيح كان ليرى هذا الأصم شئ معبر عن الحياة يخرج من المسيح، فجسد المسيح حي ومحيي ومن يأكله يحيا به (يو57:6) وكان التفل (جزء من جسد المسيح) ليعطي حياة لأعضائه الميتة، هذه كنقل دم لمريض ليعطيه حياة وأنَّ.. وقال إفثأ= أنين المسيح هنا هو مثل بكائه على قبر لعازر فهو متعاطف معنا، شاعر بألامنا "في كل ضيقهم تضايق" وقوله إفثأ (آرامية وتعني بالعربية إنفتح)، فهذا يعبر عن إرادة الله أن تكون حواسنا مفتوحة على السماويات. جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون= [1] إذاً هناك معجزات كثيرة أخرى لم تذكر [2] لاحظ كيف يقدم مرقس المسيح للرومان الذين يعشقون القوة، فهو ينتصر لا على جنود بل على أرواح شريرة وعلى أمراض مستعصية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع الطاهر والنجس - شفاء إبنة الكنعانية - شفاء الأصم الأعقد (1) الرد على الكتبة والفرّيسيّين وتوبيخهم ( ع 1 - 13 ) : ع 1 - 2 : " قادمين من أورشليم " : أن يترك الكتبة والفرّيسيّون أورشليم ، فهذا أمر غير معتاد. . . فنحن إذن أمام وفد ذهب إلى كفرناحوم ، ليتحرى الحقائق حول ظاهرة هذا الرجل الذى ذاع صيته واجتذب الآلاف نحوه ، سواء بتعليمه أو بمعجزاته. وكانت مشاعر الغيرة هى المالكة على قلوبهم ، أكثر من رغبتهم فى رؤية الحق. . . ولهذا كان أول ما صدمهم أنهم رأوا تلاميذ المسيح يأكلون الخبز دون غسل الأيدى ، ولهذا أدانوهم على هذا التصرفٍ. ع 3 - 4 : فى هذين العددين ، يوضح القديس مرقس خلفية هامة لقارئ إنجيله ، لأنه كان يكتب لغير اليهود عن بعض عادات الفرّيسيّين واليهود عامة ، ليفهم القارئ لماذا لاموا التلاميذ فى ( ع 2 ) ، وكمقدمة لحديثهم مع المسيح فى ( ع 5 ). فيشرح لنا اهتمامهم بالنظافة الخارجية واعتبارها تطهيراً ، والإغتسال قبل الأكل فى بيوتهم أو فى حالة شرائهم أية ثمار من الأسواق فلا يمكن أكلها دون غسل الأيدى ، وشملت هذه النظافة أيضاً أوانيهم كلها ، وحتى الأسرّة التى يرقدون عليها. ع 5 : سأل الوفد السيد المسيح عن سبب مخالفة تلاميذه للعادات الدينية التى استلموها من أجدادهم وآبائهم. ع 6 - 7 : بدأ السيد المسيح رده موبخاً الكتبة والفرّيسيّين ، مذكراً إياهم بما تنبأ به إشعياء عنهم ( 29 : 13 ) ، موضحاً رياءهم بأن إكرامهم لله نظرياً ، يقولون بألسنتهم شيئاً وما بداخل القلب شىء آخر ، فتصير عبادتهم الظاهرة بلا فائدة ، وكذلك تكون تعاليمهم تعاليم بشرية نابعة من أفكارهم وليست من روح الله القدّوس. . . ونكون نحن أيضاً مرائين لو اهتممنا بأن نظهر للناس تديننا ، حتى يكون لنا صيت حسن ، دون أن يكون لنا السلوك الحسن الحقيقى. . . أو لكى نبرز فضائلنا وخطايا الآخرين ، بينما نسمح لقلوبنا أن تظل بعيدة عن الله. ع 8 - 9 : هكذا تقود العبادة المظهرية ( الرياء ) الإنسان فى طريق يفصله عن وصية الله وغرضها الحقيقى ؛ ويضلله الشيطان بالأمور التافهة ، ويعطيها الأهمية الأولى ، فيصرف كل اهتمامه بها ، ودون أن يدرى ، يكون بذلك رافضاً لله نفسه. + صديقى العزيز. . . عندما أمر الله الإنسان فى الشريعة بالتطهير والإغتسال ، كان هذا إشارة إلى طهارة القلب والفكر. . . فالنظافة الجسدية شىء هام ، ولكن نظافة القلب من الغيرة والحسد والخصام أهم. . . فهل أنت حريص قبل التناول مثلاً على طهارة قلبك ونفسك ، أم تهتم بطهارة جسدك ؟ ليتنا نفحص أفكارنا ونياتنا ، ونغسلها بالتوبة كما نغسل أجسادنا بالماء. ع 10 - 13 : يضرب السيد المسيح لهم مثلاً يوضح إنحراف تعليمهم وفساد تقليد شيوخهم. . . فبينما أمر الله فى شريعة موسى بإكرام الأب والأم ( خر 20 : 12 ) ، وأن يكون الموت عقوبة للإبن الشاتم أحدهما ، وذلك لعظم مكانتهما. كذلك فى ( ع 11 ) ، أتى شيوخ اليهود بتعليم غريب يناقض وصية الله ، وهو أن تقديم القربان ( العطايا ) للهيكل ، أبقى وألزم على الإنسان من أن يقدمه لوالديه المحتاجين ؟!! وهذا التقليد مخالفة صريحة لوصية الإكرام ، ولا يعود بالنفع ، فى حقيقة الأمر ، إلا على شيوخ اليهود. وهكذا فى ( ع 12 ) : تمنعون الناس من رعاية آبائهم بسبب تعليمكم البشرى ، مناقضين أمر الله. وليس هذا التعليم فقط ، فهناك أمور أخرى كثيرة كسرتم بها وصية الله أيها المراءون. (2) الطاهر والنجس ( ع 14 - 23 ) : ع 14 : أراد المسيح أن يكون كلامه وتعليمه شاملاً ، فوجّه حديثه للجمع ، بعد أن كان يخاطب الكتبة والفرّيسيّين. ولشد انتباهم ، قال لهم : " اسمعوا منى كلكم وافهموا ". ع 15 - 16 : " ليس شىء من خارج " : المقصود بها الأطعمة ، سواء كانت مغسولة أو غير مغسولة ، وكذلك الأيدى الممسكة بهذا الطعام. " الأشياء التى تخرج " : أى الكلام الشرير ، مثل الإدانة والشتيمة والكذب ، وكذلك نظرات الشهوة الشريرة ، فهى التى تنجس الإنسان كله. ". . . أذنان للسمع فليسمع " : تعبير استخدمه المسيح كثيراً للدلالة على أهمية ما نطق وعلّم به. . . ويمكن القول أيضاً أن " أذنان " تعنى : الأذن الأولى : أى الأذن الخارجية التى تسمع. الأذن الثانية : أى الإرادة الداخلية التى تفهم وتعمل. والمعنى العام المقصود هو : أراد السيد المسيح أن ينقل الناس من الفهم الحرفى للوصية إلى عمق معناها الروحى ، فالله عندما تكلم عن الحيوانات النجسة والحيوانات الطاهرة فى شريعة موسى ، قصد ما وراء ذلك. . . أولاً : أن يضع فاصلاً بين ما يأكله شعبه وما يأكله الوثنيون ، فيحافظ على شعبه من الإختلاط أو عبادات الأمم. ثانياً : وهو المعنى الأعمق لهذه الآية ، أن الطهارة والنجاسة الحقة مصدرها قلب وعقل الإنسان ، وليس ما يأتيه من الخارج. ع 17 - 18 : " ولما دخل. . . سأله تلاميذه " : كالعادة ، عندما يصعب شىء على التلاميذ ، كانوا يسألون فيه المسيح ثانية بعيداً عن الجموع ، وأجاب المسيح بنفس المعنى المشروح فى العددين السابقين. ع 19 : لازال الشرح هنا موجهاً إلى تلاميذ المسيح ، فيوضح لهم أن الطعام لا يؤثر على الحالة الروحية للإنسان ( القلب ) ، وهى المقياس الأساسى أمام الله ، إذ تنصرف فضلات الطعام بعد هضمه إلى خارج الجسم ، فيتخلص الجسم مما هو ضار ، وتمتص الأمعاء ما هو مفيد منها ، وبهذا لا يتأثر القلب من الأطعمة ، بل يظل نقياً. ع 20 - 23 : تم شرح المعنى فى ( ع 15 - 16 ) ، ولكن السيد المسيح يضيف هنا أنواع من الخطايا التى تخرج من القلب والضمير النجس الشرير ، مثال أفكار الزنا ، وأفكار الفسق أى الفجور ، والقتل ، والسرقة ، والطمع أى المحبة الزائدة للمال والنفس ، وأفكار الخبث ومعناها إضمار الشر للآخر ، والمكر الذى هو كل أصناف الخداع ، والعهارة بمعنى إطلاق كل الشهوات مثل الشذوذ ، والعين الشريرة تأتى بمعنى الحسد والغيرة أو مشاهدة الأمور التى تهيّج الشهوات الردية ، والتجديف ، والكبرياء أى اعتداد الإنسان بنفسه واحتقار الآخرين وتبرير نفسه أمام الله ، والجهل. وكل هذه ليس مصدرها طعاماً ينجس إنسان ، بل قلباً وفكراً شريرين ينجسان الإنسان كله ، وسماحنا للأفكار الشريرة التى يتحدث بها الشيطان إلينا هو تلويث للقلب والفكر ، فلا تفتح حواراً مع الشيطان ، إقفل باب المناقشة معه تماماً. + ما أروع روحانية طقس قدّاس كنيستنا ، إذ يصلى الكاهن سراً فى انسكاب قائلاً : " اُذكر يارب ضعفى. . . ومن أجل خطاياى خاصة ونجاسات قلبى ، لا تمنع عن شعبك نعمة روحك القدّوس ". إن الكاهن بهذه الصلاة يعبّر عن صراخنا جميعاً لله أن يطهّر قلوبنا وأفكارنا ونياتنا قبل التناول من أسراره الإلهية ، وهى روح اتضاع يعلّمها الطقس للكاهن ولنا جميعاً ، ويؤكد ما علم به المسيح أن النجاسة مصدرها القلب ، ولا يغسلها سوى التوبة ودم المسيح المقدم على مذبحه المقدس. (3) المرأة الكنعانية ( ع 24 - 30 ) : ع 24 : ترك الرب منطقة كفرناحوم وذهب إلى نواحى صور وصيداء ( مدينتان تبعدان 80 كيلومتراً غرب كفرناحوم ، وتقعان على البحر الأبيض المتوسط بلبنان الحالية ). وذهاب المسيح إلى هناك كان لأكثر من سبب ، أهمها : الأول : البعد عن الشر والتربص اللذين صارا واضحين من الكتبة والفرّيسيّين. الثانى : إهتمامه بخلاص الأمم الغير يهودية. . . فخلاص المسيح هو للجميع بشرط الإيمان به وبالرغم من محاولة المسيح عدم إظهار نفسه ، ربما للإختلاء بنفسه وبتلاميذه ، إلا أن خبر وصوله قد انتشر. " تخوم صور وصيداء " : كلمة " تخوم " تعنى حدود. . . وتأتى هنا بمعنى البلاد المجاورة لصور وصيداء. ع 25 - 26 : " خرّت عند قدميه " : توضح سوء حالة المرأة وشدة مشكلتها ، ورجاءها فى المسيح ، وفوق كل ذلك اتضاعها. " أممية " : كان هذا اللقب يطلق على غير اليهود ، وكان لقباً كريهاً عندهم. " فينيقية سورية " : أى لبنان الحالية ومنطقة الشام ، وذكر إسم ( سورية ) تمييزاً لها عن ( فينيقية ليبيا ) فى شمال أفريقيا. أما المعنى فهو أنه : عند وصول المسيح لهذه المنطقة ، أتت هذه المرأة الغريبة عن شعب المسيح ، طالبة منه الشفاء لإبنتها التى تملّكها الشيطان بالطبع بعد أن سمعت من الجمع عن معجزات الرب ويضيف القديس متى فى ( 15 : 23 ) على ما ذكره القديس مرقس أنها كانت تصرخ وراءه قبل دخول البيت ، وأن التلاميذ طلبوا من الرب شفائها ولم يستمع إليهم أولاً. ع 27 - 29 : بدا رد الرب قاسياً ، ولكنه بهذا الرد أراد أن يوضح خطأ رأى اليهود فى الأمم باعتبار أنفسهم " بنين " ومن عداهم " كلاب ". كذلك لم يكن رد السيد يحط من قدر المرأة فى هذه العبارة ، وأراد أيضاً أن يوضح بعد ذلك عمق إيمان وشدة إتضاع المرأة. أما إجابتها المتضعة ، وعدم اعتراضها أو انصرافها ، بل موافقتها على ما يبدو إهانة ، جعل الرب يطوّب ثبات إيمانها ورجائها فيه ، ويستجيب لطلبها ، ويخبرها أن إبنتها شُفيت وعليها الذهاب إليها. . . مما يتضح منه أن قدرته على سحق الشياطين عظيمة جداً ، فقوته تتخطى كل المسافات. . ع 3. : هكذا فعلت المرأة ، فعادت لمنزلها لتجد إبنتها قد شُفيت تماماً ، وأن الشيطان قد خرج منها. وعبارة " مطروحة على الفراش " تعنى الراحة والنوم بسلام ، وليس نتيجة الهياج الذى كان ينتابها أولاً. . . ( راجع أيضاً شرح نفس المعجزة فى مت 15 : 22 - 28 ). + صديقى العزيز. . . ألا تتفق معى أن اتضاع المرأة وثقة إيمانها كانا وراء استجابة طِلبتها ؟ إقرأ معى أيها الحبيب ما يقوله الروح القدس عن طِلبة المتضع " صلاة المتواضع تنفذ الغيوم ، ولا تستقر حتى تصل ، ولا تنصرف حتى يفتقد العلى ويحكم بعدل ويجرى القضاء " ( سيراخ 35 : 21 ). فالإنسان المتضع إذن هو من تخترق طِلبته السماء وتظل أمام عرش الله حتى يستجيب لها. . . ليتنا يا إلهى نتعلم من هذه المرأة الإتضاع والثقة واللجاجة. (4) شفاء الأصم الأعقد ( ع 31 - 37 ) : ع 31 : لم تدم إقامة الرب يسوع بنواحى صور وصيداء كثيراً ، لئلا يعثر به اليهود عندما يرونه يكرز للأمم ، فعاد إلى الشرق ثانية نحو بحر الجليل عند المدن العشر ( سبق الكلام عنها فى ص 5 : 20 ). ع 32 : " وجاءوا إليه " : مقصود بالطبع أهل الإنسان الأصم الأعقد ، أى الأطرش الأخرس ، وكما هو معلوم أن المولود أطرشَ لا يستطيع تعلم الكلام ، فيصير أخرسَ. والمعنى الرمزى لهذا المرض هو أن الإنسان الذى لا يسمع كلام الله يصير أيضاً أخرسَ فى الحق وفى الشهادة لإسمه. " يضع يده عليه " : إشارة إلى رجائهم فى شفاء المريض بمجرد لمس الرب له. ع 33 - 34 : أخذ الرب هذا المريض على ناحية ، وذلك إهتماماً به ، فالمسيح يهتم بشعبه كله وكنيسته. ولكن ، لكل واحد منا مكانة خاصة فى قلبه. فتذكر أيها الحبيب أنه عندما تختلى بالمسيح فى مخدعك ، يكون مِلكاً لك وتكون مِلكاً له. ما صنعه الرب يسوع فى هذه المعجزة : أ ) " وضع أصابعه فى أذنيه " : أى لمس أذنيه. وبالطبع ، لا يستطيع الأخرس الأطرش أن يسمع أو يفهم ، ولكنه يستطيع أن يميّز اللمس الذى يعنى الحب والإشفاق. ب ) " تفل ولمس لسانه " : أى وضع أصبعهُ على لسانه ، ثم أخذ من ريقه ولمس لسان الأخرس ، ليوضح أن قوة الشفاء خارجة منه. حـ ) " رفع نظره نحو السماء " : ليعلن أنه والآب واحد ، وليعلمنا نحن أن السماء هى عوننا. د ) " أنَّ " : أى أصدر صوتاً عميقاً كالتنهد ، يعبّر به عن ألمه وحنانه نحو هذا الإنسان قبل شفائه0 هـ ) " وقال له " : أى أمره بسلطانه وحده0 و ) " إِفَّثَا " : أى انفتح ، والمقصود بذلك الأذنان واللسان معاً0 ع 35 - 37 : للوقت ، أى فى الحال ، كان الشفاء وتكلم مستقيماً ، أى خرج الكلام من شفتيه سليماً كمن اعتاد الكلام منذ طفولته ، فعمل الله دائماً عملاً كاملاً فى حياة الإنسان0 " أوصاهم أن لا يقولوا لأحد " : طلب المسيح ، فى اتضاعه وهربه من مجد الناس الذى لا يقبله ، من أهل الذى شُفى والجمع عدم إذاعة خبر المعجزة0ولكن ، على قدر ما أوصاهم ، فعلوا العكس ، إذ كانوا ينادون أكثر كثيراً بالمعجزة ، أى أذاعوها تماماً ، وهم فى حالة اندهاش ، معترفين بأن كل أعمال المسيح كانت حسنة0 " جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون " : إستخدام صيغة الجمع هنا تفيد بأنه كانت هناك معجزات أخرى للصم والخرس ، ولكنها لم تذكر كلها. . . + إلهى الحبيب. . . أطلق لسانى بتسبيحك وشُكرك فى صلاتى. . . إجعلنى أتكلم معك دائماً عن كل شىء وطول الوقت. . . إفتح أذنىَّ لتسمع وتستجيب لنداءاتك المتكررة ، فما أحلى سماع صوتك ، وما أطيب التحدث معك !!
مصادر أخرى لهذا الإصحاح