كلمة منفعة
ما أكثر الذين يتجهون في حياتهم الروحية إلى أقصى اليمين، وأقصى اليسار، ويتأرجحون بين نقيضين...
— التوازن
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
المزمور الخمسون ذبيحة التسبيح آساف أول مزمور لآساف ؛ وآساف اسم عبرى معناه " من يجمع " ، وربما هو اختصار " يهوه ساف " أى " الرب جمع " . كان رئيس فرقة الموسيقيين المقدسة فى الخيمة حيث وضع فيها تابوت العهد . وقد عين فى وظيفة دائمة فى ضرب الصنوج أثناء خدمة الهيكل ( 1 أى 16 : 4 ، 5 ، 6 ) . مزمور نبوى ليتورجى يرى البعض أنه ليس بالمزمور فى معناه العادى ، وإنما هو نبوة تعلن عن الدينونة العامة ، وتكشف عن إدانة الله للرياء فى العبادة حيث تمارس فى شكليات بلا روح ، وإدانة الحياة الشريرة . يرى البعض أن المزمور يناسب عصر حزقيا حيث الإصلاح وإن كان البعض ينسبه إلى عصر يوشيا . واضح أن المزمور ينتسب إلى فترة ما قبل السبى حيث كانت أورشليم فى جمالها الكامل البهى . جاءت مقدمة المزمور تصف ظهور الله فى الهيكل ، أو على جبل صهيون ، فى نار وعاصف ، ليجمع العالم كله أمام قضاء حكمه وكرسى دينونته . إن كانت كل عيون الشر تتجه إليه فإن عينى الرب تتطلعان إلى شعبه لتقديسهم ، كما تتطلع إلى القساة والمنافقين لعلهم يعرفون طريق الخلاص ويتمتعون بحياة التسبيح حتى لا يحل بهم القضاء الأبدى . " إله الآلهة الرب تكلم ، ودعا الأرض من مشارق الشمس إلى مغاربها . من صهيون حسن بهاء جماله . الله يأتى جهارا . وإلهنا لا يصمت . النار قدامه تتقد ، وحوله عاصف جدا " [ 1 - 3 ] . + عندما جاء الرب كان مختفيا ، لأنه جاء لكى يتألم ، ومع كونه قويا فى ذاته ظهر فى الجسد ضعيفا . كان يحتاج أن يظهر بطريقة لا يدرك بها ، فيحتقر ويقتل . كان ذلك اخفاء لمجد اللاهوت فى الجسد . " لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد " 1 كو 2 : 8 . هكذا سار مختفيا بين اليهود ، بين أعدائه ، يصنع عجائب ، ويحتمل شرورا ، حتى علق على الخشبة . وإذ رآه اليهود معلقا بالأكثر احتقروه وكانوا ينغصون رؤوسهم أمام الصليب ، قائلين : " إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب " مت 27 : 40 . كان إله الآلهة مخفيا ، مقدما كلمات أكثر حنوا مما تصدر عن جلاله ... ولكن هل يبقى مخفيا إلى الأبد ؟ حتما لا ! اسمع ماذا قال : " الله سيأتى جهارا " . ذاك الذى جاء مخفيا سيأتى جهارا ، جاء مخفيا لكى يحاكم ، وسيأتى جهارا لكى يدين . جاء مخفيا لكى يقف أمام قاض ، وسيأتى جهارا ليدين حتى القضاة . خلال هذا الظهور الإلهى المهيب حيث تتقد النار قدامه وحوله عاصف جدا ، يدعو الديان السماء والأرض لتشهدا حكمه ، حيث يفصل المؤمنين الحقيقيين عن المرائين ، والحنطة عن الزوان . يوجه دعوة عامة إلى كل الخليقة السماوية والأرضية للشهادة ، أما أتقياؤه الذين دخلوا فى عهد معه خلال ذبيحة الصليب فيجمعهم ليكونوا معه يتمتعون بيمينه : " يدعو السماء من فوق إلى محاكمة شعبه اجمعوا إليه ابراره ، الواضعين عهده على الذبائح . وتخبر السموات بعدله ، لأن الله هو الديان " [ 4 - 6 ] . هنا يدعو السماء أى الطغمات السمائية ، والأرض أى البشر جميعا ، لكى يشهد الكل عدل الله فى محاكماته لشعبه . إدانة الشكليين فى العبادة " اسمع يا شعبى فأكلمك ، ويا إسرائيل فأشهد عليك . إنى أنا هو الله إلهك ، لست أوبخك على ذبائحك ، محرقاتك هى قدامى فى كل حين " [ 7 ، 8 ] . عجيب الله فى معاملاته مع الإنسان ، فإنه حتى حينما ينتقد أو يعاتب أو يوبخ لا يستخدم كلمات جارحة بل فى لطف يبدأ بكلمات رقيقة للغاية تجتذب النفس إليه لتتقبل كلماته . نلاحظ هنا فى توبيخه أنه يدعوهم " شعبى " ... وكأنه يقول لهم أنتم لى ، إن إنتقدتكم فليس للتشهير بكم ولا لمحاكمتكم ، وإنما لتقديسكم ... ما يمسكم يمسنى : " أنا هو الله إلهك " ! أنتم تنتسبون لى وأنا لكم ، لذا فالأمر يحتاج إلى صراحة كاملة خلال دائرة الحب ! " لست أقبل من بيتك عجولا ، ولا من قطعانك جداء . لأن لى هى كل وحوش البر ، البهائم التى فى الجبال والبقر . قد عرفت سائر طيور السماء ، وبهائم الحقل هى معى " [ 9 - 11 ] . لم يطلب الله الذبائح الحيوانية إلا بكونها رمزا لذبيحته الفريدة ، التى قدمها الكلمة المتجسد . فالله ليس فى عوز إلى ذبائح أو خدمات بشرية ، إنما الإنسان فى حاجة إلى مصالحته مع الله الذى لا يعوزه شىء ، لأن كل الخليقة هى من صنع يديه وتخضع له ، لكن الإنسان فى حالة عوز واحتياج . بمعنى آخر الله لا يطلب ذبائح وتقدمات وهبات إنما يطلب الإنسان نفسه أن يبادله الحب : يقدم نفسه ملكا لمن قدم ذاته له ليمتلكه ، ويقبل رعايته وعنايته ونعمته ، ويدخل معه فى شركة واتحاد ! خلال هذا المفهوم يقدم الإنسان كيانه كله محرقة حب يشتمها رائحة رضا وسرور . " إن جعت فلا أقول لك . لأن لى المسكونة وكل ما فيها . هل آكل لحم ثيران . أو أشرب دم التيوس ؟! " [ 12 ، 13 ] . كان الله يرسل نارا لتلتهم الذبيحة علامة قبوله إياها ، ورضاه على مقدمها . هذه النار النازلة من السماء كانت تحسب أشبه بفم الله ... إنه لا يأكل لحوم حيوانات أو يشرب دمها ، إنما يعلن عن جوعه إلى قلب الإنسان : " يا إبنى اعطنى قلبك ، ولتلاحظ عيناك طرقى " أم 23 : 26 . لقد جاع كلمة الله المتجسد وعطش ، وكما قال لتلاميذه : " أنا لى طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم ... طعامى أن اعمل مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله " يو 4 : 32 ، 34 . طعامه أن يتمم مشيئة أبيه ، ألا وهى خلاص بنى البشر والدخول بهم إلى مجد ميراثه . لقد افتقر وهو الغنى لكى بفقره يغنينا ، وجاع لكى يشبعنا ، وعطش لكى يروينا بينابيع روحه القدوس . إذن ماذا يطلب الله منا ؟ " أذبح لله ذبيحة التسبيح . أوف العلى نذورك ، وأدعنى فى يوم شدتك ، فأنقذك وتمجدنى " [ 14 ، 15 ] . إن كان الله لا يسر بالذبائح الحيوانية التى تقوم على عشور الإنسان أو الجماعة باحتياج الله إليها ، إنما يقبلها كرمز لذبيحة الصليب التى تحقق المصالحة مع الله ، والقادرة على تجديد الإنسان الداخلى ، فما هى ذبيحة التسبيح التى يطلبها ؟ وماذا يعنى بإيفاء النذور ؟ قدم السيد المسيح حياته مبذولة لأجلنا ، لكى يصلح من طبيعتنا الفاسدة ويحوله إلى طبيعة جديدة مقدسة فى الرب ، وبهذا نتحول من حالة الجحود إلى حالة شكر مع تسبيح لله وحمد ، لهذا تدعى ذبيحة الصليب " أفخارستيا " أى " الشكر " . الله يطلب طاعة الوصية وليس مجرد النطق بها أو الكرازة بها : " للخاطىء قال الله : لماذا تحدث بعدلى ؟ وتأخذ عهدى فيك ؟ " [ 16 ] . لا يليق التسبيح فى فم الشرير ، لأنه كيف يمكن لنا أن نسبح الله بفم نجس ؟! " وأنت قد أبغضت أدبى ، وألقيت كلامى إلى خلفك " [ 17 ] . لكى تكون عبادتنا وكرازتنا مقبولة يليق بنا أن نقبل أحكام الرب فى حياتنا وتأديباته بفرح وسرور ... فإن من يرفض التأديب يكون كمن وضع كلام الرب خلف ظهره ، فكيف يجسر ويعبد الله أو يشهد له ؟! عدم الشركة مع الأشرار : " إذا رأيت سارقا سعيت معه ، ومع الفسقة جعلن نصيبك " [ 18 ] هذه ثمرة عدم قبول تأديب الرب ، أن تكون للإنسان شركة مع الأشرار فى شرهم ، أو على الأقل رضا بما يفعلونه وكما يقول القديس أغسطينوس : [ إنك لا تفعل الشرور ، فهل تمدح فاعلى الشر ؟ ! ] . انتزاع الخداع والمكر : " فمك أكثر من الشر ، ولسانك ضفر غشا . إذا جلست تقع بأخيك وعلى ابن أمك وضعت شكا " [ 19 ، 20 ] . بالنسبة لنا يليق بنا ألا نكون نمامين ، ولا نحكم على الآخرين ، ولا نكون مخادعين . تحذير " هذه صنعتها وسكت ، فظننت إثما إنى أكون مثلك . أوبخك وأقيمها أمام وجهك . افهموا هذه أيها الذين نسوا الله لئلا يخطف ولا يكون منقذ " [ 21 - 22 ] . أعنى أنى قد أمهلت وأطلت أناتى منتظرا توبتك ولم أعاقبك وقتئذ . وأما أنت فظننت أن إمهالى هو رضا منى على رذائلك . ولكننى أوبخك على قلة ندامتك ، وفى يوم الدينونة أشهر بأعمالك أمام وجهك . " ذبيحة التسبيح تمجدنى ، وهناك الطريق حيث أريه خلاص الله " [ 23 ] . يختم حديثه قائلا : أنصحكم يا أحبائى بمعونة الله أن نجاهد ما استطعنا . لنسبح الله بحياة صالحة كما بالكلمات . + + +