الرسالة إلى العبرانيين 11
المصدر
أبونا أنطونيوس فكري
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الحادى عشر
العلاقة بين الإصحاحات (10، 11، 12) نراها فى (عب10: 35،36، 38) حيث نرى الرسول يحثهم على الجهاد والصبر فى أن يصنعوا مشيئة الله. ويستكمل هذا الفكر فى (12: 1) لنطرح كل ثقل والخطية.. ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا. ونجد الرسول يضع إصحاح11 فى الوسط ليضع صورة لأبطال الإيمان فى العهد القديم ليقتدي بها هؤلاء العبرانيين المضطهدين ليعرفوا أنهم ليسوا وحدهم الذين تعرضوا للإضطهاد والآلام. هذا الإصحاح هو تطبيق عملي من واقع أبطال العهد القديم.
الآيات (1-2):- "1وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. 2فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ."
إن كان الإنسان قد سقط من دائرة الوجود مع الله وتغرب عن وطنه السعيد فى أرض شقائه، إلا أنه ظل مرتبطاً بذلك الوجود الأسمى غير المنظور، فى داخله حنين العودة إليه، وكان الله يغذى هذا الشعور بوعوده الصادقة. فتربت فى قرارة نفسه أحاسيس الإيمان، الإيمان بما يترجاه أو يتمناه والإيمان بصدق الله.
الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى = نسمع المرتل يقول فى (مز116: 7، 8) + (أى19: 25–27) فالإنسان يحلم بالعودة إلى مكان راحته ويترجاه.
الإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى = الإيمان هو الثقة بالمقدسات الإلهية غير المنظورة كحقائق واقعة وحاضرة، فيحيا الإنسان فى يقين من جهة الأمور غير المنظورة ولا ملموسة بالحواس. هو رؤية واضحة للأمور وتأكد كامل من جهة غير المنظورات كأنها من المنظورات. ومن غير المنظورات مثلاً أمجاد السموات.
فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ = هم وثقوا فيما ترجوه من الله من جهة الحياة القادمة ووثقوا فى وعوده بالرغم من أنهم لم ينظروها. (11: 13، 16).
والإيمان يبدأ صغيراً ويظل ينمو، الله ينميه إلى أن يثق المؤمن فى وعود الله تماماً. فمثلاً السماويات وأمجاد السماويات هى أشياء غير منظورة ولكن الروح القدس يعلنها للإنسان قليلاً قليلاً (1كو2: 9، 10، 12) + (1تس3: 10) + (2تس1: 3).
آية (3):- "3بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ."
الله صالح، خلق كل شئ من العدم بكلمته الذاتية يسوع المسيح ربنا. وبه أيضاً جدد الخلقة وخلصها.
الآيات (4-5):- "4بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ! 5بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ. "
هَابِيلُ :- هابيل دمه يتكلم بعد:
1. يطلب القصاص.
2. بإيمانه ظل حياً أما قايين فمات لخطيته.
3. مازالت الناس تمدحه.
هابيل بتقديمه ذبائح كأنه يشتاق للعودة للحالة الفردوسية فهو يقدم ذبائحه إسترضاء لوجه الله وكنوع من الشكر والعبادة. بل كانت حياته بارة بشهادة المسيح (مت23: 35) + (1يو12:3). ولذلك كانت ذبيحة هابيل أفضل إذ تسندها أعماله البارة وتقديم قرابينه بالإيمان، الإيمان الحى الذى تسنده الأعمال البارة. ونلاحظ أن الذبائح كانت تشير لعمل المسيح الفدائى لذلك كانت ذبيحة هابيل الحيوانية أفضل من تقدمة قايين النباتية.
أَخْنُوخُ :- حياة أخنوخ حملت بالإيمان صورة للكنيسة السماوية الفائقة. أما البار فبالإيمان يحيا. هو بإيمانه إستطاع أن يرضى الله. أخنوخ نموذج لمن يستطيع أن يحيا باراً وسط عالم شرير. ومن يغلب ويسلك بإيمانه فى بر مثل أخنوخ ينقله الله ليحيا معه فى شركة أمجاده. والسؤال لماذا جاهد أخنوخ ليرضى الله ؟ لأنه يؤمن أنه موجود.
آية (6):- "6وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ."
الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ = بالصلاة والعبادة والوجود فى حضرته وفى النهاية يحيا معه للأبد (2أى15 :1، 2). يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ = مع أنه لا يراه (آية1) وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ =هذا هو رجاؤه هذه الآية تشرح لماذا أرضى أخنوخ الله.
وما هو الإيمان المطلوب الذي يُرضي الله؟
1.أنه إله طيب وصانع خيرات لا يُريد أن يؤذي أحد. إذاً حتى لو سمح لأحد بتجربة فهي للخير (رو28:8). إذاً لا نتذمر على أحكامه فهو الله الذي يحبني لدرجة الموت عني.
2.أنه موجود يَرى ويسمع فنخاف أن نخطئ فنغضبه.
3.هو فاحض القلوب والكلى، فنخاف أن نفكر في أي شر أو شبه شر.
4.هو كلي الحكمة. فنخاف أن ننسب له أنه أخطأ.
آية (7):- "7بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ."
نُوحٌ:- بإيمان نوح نجا هو وكل العالم معه من الفناء الكلى. ونرى بر نوح فى (تك6: 9، 7: 1، 5). ونرى طاعة نوح الفورية فى إقامة الفلك الذى به خلص هو وأسرته بل العالم كله. كان هذا لإيمانه فيما قاله الله عن الطوفان القادم وهو لم يراه بل صدق كلام الله، وعوده له ووعيده للعالم الشرير. بِهِ دَانَ الْعَالَمَ= إيمان نوح يمثل دينونة للعالم غير المؤمن والخاطئ الذى حوله. وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ = نوح شهد الله ببره، نتيجة حياته مع الله ولأنه أطاع وصنع الفلك كما أمره الله أضاف على البر الذى له بالإيمان بر الطاعة. نوح ورث بر أبائه أخنوخ وغيره.
الآيات (8-10):- "8بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. 9بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. 10لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ."
إِبْرَاهِيمُ: عظمة إيمان إبراهيم ظهرت أولاً فى أنه ترك الملموسات والمنظورات فى ثقة فى وعود الله عن أرض لم تكن ملموسة ولا منظورة وإعتبرها كأنها موجودة، فهل هو رأى خيرات كنعان ليترك أهله وعشيرته، بل هو آمن بمن يحيى من الموت وقدم إبنه فهو أحب الله أكثر من وحيده. ونحن أخذنا مواعيد فهل نخرج من أرض الخطية، بل إبراهيم حين خرج لم يكن يعلم أنه سيرث أرض كنعان = فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي أتى.
كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ = هذه تفهم أن إبراهيم عاش فى كنعان التى وعده بها الله على أنه غريب حتى أنه إشترى قبر زوجته. ولكن تفهم أيضاً فى عظمة إيمانه إعتبر أرض العالم أياً كانت أرض غربة، هو مستعد للرحيل دائماً، فهو إعتبر أن وعد الله هو راحته وغناه، وهذا الكلام موجه للعبرانيين المتضجرين من الإضطهاد وموجه لنا أيضاً.
الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ = لقد إمتد بصر إبراهيم لما فوق الأرض، لما هو غير منظور، حقاً سيرث أولاده هذه الأرض التى يراها وهى أرض كنعان. ولكن نظره إمتد لأورشليم السماوية. لقد وعده الله ببركة (تك15: 1) وعرف أنها سماوية. لقد قدم كل أب من الأباء جانباً من جوانب الإيمان :-
هابيـل: قدم الجانب الإلهى وهو تقديم الذبيحة المقدسة التى بها يتبرر.
أخنوخ : كشف عن طبيعة الكنيسة المؤمنة ألاوهو الجانب السماوى. أى تحيا سماوية.
نــوح: أعلن أنه لا خلاص خارج الكنيسة المقدسة. (ومثالها الفلك).
إبراهيم: قدم الجانب العملى للإيمان وهو الطاعة لله.
الآيات (11-12):- ""11بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْل، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا. 12لِذلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ."
سَارَةُ: كما قدم لنا الرسول رجال إيمان ها هو يقدم أمثلة حية لنساء مؤمنات. بالإيمان سارة نَفْسُهَا = ربما يشير بولس الرسول هنا لضحك سارة حين سمعت بخبر ولادتها لطفل. وبولس يؤكد أنها مؤمنة وآمنت بالوعد ولذلك نفهم أن الضحك قد يكون من فرحتها الشديدة أو أن الخبر هو فوق المعقول، لقد ضحكت سارة وتساءلت لمدة لحظات ثم تحولت مشاعرها للإيمان وعموماً فالإنفعالات الأولى لا تحسب للإنسان فالعذراء مريم أيضاً تساءلت حين سمعت. ولكن الله رأى الإيمان داخل أحشاء سارة مستقراً فيها.
وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ = كان إبراهيم مماتاً فى الجسد وسارة أيضاً مماتة فى الجسد فكلاهما كانا واحد فى موت جسدهما. وهما واحد أيضاً فى جسدهما الواحد بالزواج وواحد فى محبتهما لبعض وإيمانهما الواحد بالله. وَذلِكَ مِنْ مُمَاتٍ = هنا نفهم أن الوحدة المقصودة هى موت جسديهما أى إنعدام فرصة إيجاد نسل من كليهما.
وتفهم الاية أيضا على ان الايمان جعل نسل وَاحِدٍ فقط وهو ابراهيم من الكثرة حتى صار كنجوم السماء (هم اليهود الذين كانوا فى العهد القديم قبل ان يأتى المسيح شمس البر والنجوم تظهر ليلا) وكرمل الأرض (هم المؤمنين بالمسيح أبناء ابراهيم بالايمان، هؤلاء اشرق عليهم نور المسيح). وهذا رمز لما عمله المسيح الواحد الذى جعل الإثنين واحداً أى اليهود والامم.
الآيات (13-16):- "13فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. 14فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. 15فَلَوْ ذَكَرُوا ذلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. 16وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً."
فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ = أى حسب الإيمان مات إبراهيم وأسحق ويعقوب. وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ = لا إبراهيم ولا إسحق ولا يعقوب إنتفعوا بكنعان مع أنها أعطيت لهم بوعد بل عاشوا فيها غرباء على رجاء الوعد.
غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ = هنا يشرح بولس الرسول أن عظمة إيمان الأباء البطاركة أنهم عاشوا فى الأرض التى وعدهم الله بها كغرباء، ولكنهم رأوا الوطن السماوى السعيد والمواعيد الأبدية مختفية وراء المواعيد الزمنية. تطلعوا بالإيمان إلى وعود الله فصدقوها بالإيمان، وحيوها بالعمل الجاد للتمتع بها، وأحسوا أمام هذه الوعود أنهم بحق هم غرباء ينتظرون العبور لوطنهم السماوى. هنا تأنيب للعبرانيين الذين أعطوا الميراث السماوى بالمسيح ويريدون الإرتداد لميراث التراب.
يَقُولُونَ مِثْلَ هذَا = قال إبراهيم لبنى حث "أنا غريب ونزيل عندكم" (تك23: 4).
يَطْلُبُونَ وَطَنًا = من يقول أنا غريب فهو بالتأكيد يعلم أن له وطن وهو يطلبه.
15فَلَوْ ذَكَرُوا ذلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ = كانت أور موطناً أصلياً لإبراهيم ولكنه لم يعتبر نفسه متغرباً عن أور، فلو كان يفكر هكذا لكان قد عاد إلى أور. ولكنه حسب أن وطنه الحقيقى الذى هو متغرب عنه هو السماء.
يُدْعَى إِلهَهُمْ = أنا إله أبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب. (مت22: 32).
الآيات (17-19):- "17بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ 18الَّذِي قِيلَ لَهُ:«إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». 19إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال."
إِبْرَاهِيمُ: الله جرب إبراهيم لا ليعرف إيمانه، بل بطاعته ظهر إيمانه وهو رأى فى نجاة إسحق صورة للخلاص الذى بالمسيح ففرح (يو8: 56). وَهُوَ مُجَرَّبٌ = أى وهو فى محنة، محنة من يقيد إبنه ليذبحه.
قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ = التجربة أصابت الإبن الذى أخذ فيه إبراهيم المواعيد (تك17: 19).
إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ..= كان إيمان إبراهيم عجيباً فهو آمن بأن الله لابد وسيحقق مواعيده فى إسحق فحتى لو ذبحه فالله لابد وسيقيمه ليحقق مواعيده فيه.
أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال = لقد عاد إبراهيم بإبنه حياً وكأنه أخذه من بين الأموات وكان هذا مثالاً لقيامة المسيح بعد صلبه. لذلك فإبراهيم رأى خلاص المسيح وفرح.
عظمة إيمان إبراهيم في أن الله قادر أن يخرج من الموت حياة.
آية (20):- "20بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ."
إِسْحَاقُ: كانت نية إسحق أن يبارك عيسو. ولكن يعقوب خادع أباه. ونطق إسحق بكلمات البركة التى أوحى بها الله بإيمان أن الله سيبارك إبنه حسب وعده. ولما عرف الخدعة تذكر وعد الله ببركة يعقوب (تك23:25) قال نعم ويكون مباركاً (تك27 :32، 33). أى أن ما قلته بوحى من الله من كلمات البركة على رأس إبنى أياً كان لابد وسينفذه الله، فالله يريد هذا. هنا نرى إصرار إسحق على ما نطق به بالإيمان حتى لو كان ما نطق به هو ضد إرادته شخصياً.
آية (21):- "21بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ."
يَعْقُوبُ: نرى هنا أيضاً أن يعقوب يبارك أيضا بحسب الوحى لا بحسب الرؤيا الطبيعية، ولا بحسب إرادة يوسف. هنا يظهر أن الإختيار هو إختيار الله، ويعقوب بإيمان ينفذ غير عالم بالمستقبل وماذا سيكون عليه إفرايم ومنسى فهو لم يرى شيئاً. سَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ=هى إنحناءة سجود لله الذى يبارك فى المستقبل كأنه رأى هذه البركة بالإيمان. هو أمسك العصا (ربما عصا يوسف أو عصاه) وسجد لمن بصليبه (عصاه) سيبارك كل البشرية.
آية (22):- "22بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ."
يُوسُفُ: عِنْدَ مَوْتِهِ = عند إقتراب نهايته. ونلاحظ أن يوسف آمن بأن شعبه لابد وسيخرجون من أرض مصر. وأن خروجهم هو الخلاص. فغناه وسلطته لم ينسياه الحنين لأرض الموعد وطالب بنصيبه فى هذه الأرض ولو لعظامه. فكان يرى المستقبل حاضراً أمامه.
آية (23):- "23بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ."
والدا موسى: هنا نرى الإيمان بالوعد يواجه عواصف شديدة فى مصر. وبولس الرسول إذ إقترب من الحديث عن العظيم موسى لم ينسى إيمان والديه. لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً = كان جمالاً إلهياً غير عادى. وأحسوا أن وراءه أمراً مخفياً وعمل إلهى ينتظره. جماله كانت فيه رهبة. وهذا الجمال هو الذى جذب قلب إبنة فرعون. هذه الرهبة الإلهية جعلت أبواه يخفيانه ويتحملان العاقبة وهى عقوبة الموت. وجرأتهما كانت مسنودة بإيمانهما. ويقول يوسيفوس أن مريم أخت موسى رأت رؤيا خاصة بموسى ولذلك أخفاه أبويه إيماناً بالله.
الآيات (24-29):- "24بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، 25مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، 26حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ. 27بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ،لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى. 28بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ. 29بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا."
مُوسَى: موسى كان كلما كبر يشتد حنينه لوطنه الموعود الذى رضع حبه من أمه وأخته وآمن بصدق مواعيد الله عنه. وأحب شعبه وحينما إنحاز للعبرانى المظلوم كان هذا بمثابة قرار للإنضمام تحت نير المظلومين. وضربه للمصرى وقتله كان بداية عملية الفداء لخلاص شعبه هذه التى ولد موسى لأجلها. وكان الإغراء أمام موسى كبيرا فهو إبن إبنة فرعون. ويقول فيلو العلامة اليهودى أنها كانت بلا ولد. ولذلك فموسى كان وريث العرش. ولكنه رفض هذا الإغراء الكبير بسبب إيمانه القوى وإختار أن يذل مع شعبه وفضل هذا عن التمتع الوقتى فى قصر فرعون تحت ظلال خطية أوثان مصر. لذلك تزكى أمام الله فأدخله تحت التدريب فى سيناء ليعده كقائد للشعب. الله هذبه بكل علوم مصر ثم علمه التواضع فى سيناء، علمه أنه سيخرج بنى إسرائيل بيد الله لا بيده هو. بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ = هو هرب خوفاً من إنتقام فرعون ولكن فى داخل قلبه كان مصمماً بلا خوف أن يكمل المواجهة مع فرعون فى الوقت المناسب ليخلص شعبه بطريقة أو بأخرى. فهو لم يخاف الموت ولكنه خاف أن لا يكمل عمله فى خلاص شعبه. وقد تفهم أن موسى قاد الشعب خارجاً من مصر دون أن يخاف فرعون. بالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ = الإيمان هنا هو طاعة موسى فى رش دم خروف الفصح على القائمتين ليخلص الأبكار. الفصح هو عبور، عبور الملاك المهلك على الشعب الذى رش الدم على أبوابه ولا يهلك أبكار الشعب المحتمى بدم الخروف. هو عبور الفداء، فصح الخلاص. بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ = إستمد الشعب إيمانه من إيمان موسى. وإيمانهم حفظ البحر مشقوقاً والدليل أن المصرين الذين هم بلا إيمان إنطبق عليهم البحر لما شرعوا فى تقليد الشعب. فعدم إيمان المصريين يعنى عدم رضا الله.
آية (30):- "30بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ."
الأسوار سقطت بالإيمان وليس بقوة بشرية. فهل يهدم دوران الشعب حول أسوار مدينة، أسوار هذه المدينة؟!!
آية (31):- "31بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ."
نجد هنا إيمان يحول زانية إلى قديسة.
الآيات32 – 35 نجد فيهم أمثلة لأبطال إيمان صنعوا أعمالاً عظيمة.
الآيات35 – 38 نجد فيهم أمثلة لأبطال إيمان تحملوا مشقات عظيمة.
آية (32):- "32وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ."
الرسول يجول بهم فى كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وجد شهود حق لله فى أحلك العصور.
آية (33):- "33الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ."
قَهَرُوا مَمَالِكَ = فجدعون قهر المديانيين وباراق قهر الكنعانيين وداود قهر الفلسطينين والموآبيين والعمونيين. صَنَعُوا بِرًّا = كانت نتيجة نجاحهم فى الحروب وإخضاع الأعداء أن حكموا بالعدل والبر فإرتفع مستوى الأخلاق ومخافة الله. وهؤلاء القضاة ومعهم داود كانوا فى حكمهم يحكمون ضد الخطاة فإنتشر البر (2صم8: 15). نَالُوا مَوَاعِيدَ = نجاحهم فى أداء رسالتهم كان سبباً فى إستقرار إسرائيل وتقويتها وإمتدادها فتحققت مواعيد الله لهم بإمتلاك بقية الأرض وأن يتمتعوا بخيرات الأرض. سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ = وهذا حدث مع دانيال.
آية (34):- "34أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ."
أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ = وهذا حدث مع الثلاثة فتية. نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ = موسى نجا من سيف فرعون وداود من سيف شاول وإيليا من سيف إيزابل. تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَفٍ = مثال ذلك جدعون الضعيف صار بطلاً وقاد جيش صغير من 300 شخص ليهزم جيش المديانيين الكبير. صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ = مثال لذلك داود والمكابيين الذين هزموا جيوش اليونانيين الغرباء.
آية (35):- "35أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ."
أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ = كما فعلت الأرملة مع إيليا النبى والمرأة الإسرائيلية مع إليشع النبى. هؤلاء آمنوا أن الله قادر أن يقيم أمواتهن من الموت فأقامهم. فى النصف الأول من الآية نرى من آمن بقيامة الموتى فطلبها. أما فى النصف الثانى نرى من آمن بالقيامة فإحتقر حياته وإبتدء من النصف الثانى من آية 35 ينتقل بولس الرسول إلى المجموعة الثانية من أبطال الإيمان أى الذين تحملوا مشقات عظيمة = وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ = وهذا حدث فى أيام المكابيين وما قبلهم. وعذبوا هنا مثل الضرب حتى الموت.
آية (36):- "36وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ."
تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ = مثال لذلك أرميا النبى وهو أيضاً وضع فى القيود.
آية (37):- "37رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ."
رُجِمُوا = رجموا أرمياء النبى فى مصر بعد أن تنبأ عليهم بالفناء بسبب عبادتهم للأصنام ورجموا نابوت + (مت23: 37) + (أع7: 52). نُشِرُوا = منسى الملك نشر أشعياء النبى. طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ = هذه الأحداث حدثت أيام أنطيوخس أبيفانيوس. إذ من شدة الإضطهاد هربوا للجبال وتركوا كل أموالهم.
آية (38):- "38وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ."
الله أرسل هؤلاء لينذروا العالم ولكن العالم رفضهم وقتلهم وبذلك أثبت العالم أنه غير مستحق لهم بل مستحق للدينونة. شُقُوقِ الأَرْضِ = المغائر الطبيعية التى لم تحفرها يد. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ = الأباء الذين عانوا من أجل كلمة الحق وكلمة الله وكان إيليا النبى قد حدث معه شئ من ذلك. ومن هؤلاء السواح الأن.
الآيات (29-40):- "39فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ، 40إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا."
لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ = وعد الله داود أن كرسيه سيجلس عليه من نسله للأبد ولكنه وغيره من أبطال الإيمان لم يروا تنفيذ وعود الله لهم لأن هذه الوعود تحققت فى المسيح. ولكنهم بإيمانهم صدقوا وكان لهم رجاء فى تحقيق هذا الوعد. وهم إحتملوا الألام وإستشهدوا، والله سمح بهذا ليشهد لإيمانهم ويعلنه للعالم كله هذا الإيمان الصادق الذى جعلهم بحق شركاء فى الموعد بالميراث السمائى. وحتى نحن الآن نحيا بهذا الرجاء وكلنا ننتظر تمام تكميل المواعيد حتى يشترك الجميع فى الإيمان الواحد والضيق الواحد وبعد ذلك فى الميراث السماوى. وبولس الرسول يضع أمام العبرانيين هذه الصورة ليعرفوا أنه يجب عليهم أن يحتملوا الألام لفترة ليتزكى إيمانهم.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح