كلمة منفعة
حقًا إن أيام الخماسين أيام فرح، وليس فيها صوم ولا مطانيات metanoia حتى في يومي الأربعاء والجمعة..
— روحياتك في الخماسين
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 11 العبرانيين الإصحاح رقم 11 الأصحاح الحادي عشر الإيمان يعتبر هذا الأصحاح تطبيقًا عمليًا من واقع رجال العهد القديم المؤمنين، فبعد أن تحدث الرسول عن السيد المسيح كرئيس الكهنة الذي فتح الأقداس السماوية، مقارنًا بين خدمة الكهنوت اللاوي والكهنوت الجديد، يؤكد ضرورة الإيمان كطريق للتمتع بهذه المقادس السماوية المفتوحة للبشرية كلها في المسيح يسوع. 1. ما هو الإيمان؟ 1 - 3. 2. رجال الإيمان 4 - 12. 3. الإيمان بالوطن السماوي 13 - 15. 4. رجال الإيمان (يتبع) 16 - 40. 1. ما هو الإيمان؟ "وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [1-2]. الإيمان هو الثقة بالمقدسات الإلهية غير المنظورة كحقائق واقعة وحاضرة، فيحيا الإنسان في يقين من جهة الأمور غير المنظورة ولا ملموسة بالحواس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الإيمان هو رؤية واضحة للأمور وتأكد كامل من جهة غير المنظورات كأنها من المنظورات.] كما يقول: [سأوضح الأمر بأمثلة... فقد قال الرب أن من يترك أبًا أو أمًا أو إخوة أو أخوات يصير له أباء وأمهات، فنرى ذلك القول أنه يتحقق فعلاً. وأيضًا إذ يقول: "في العالم يكون ضيق لكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33)، بمعنى أنه لا يغلبك أحد، هذا يدركه (المؤمن) أنه حقيقة واقعة. وأيضًا عندما يقول أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة (مت 16: 18) حتى وإن كانت مُضطهدة، وأنه لا يستطيع أحد أن يوقف الكرازة، يدرك أن هذه النبوة حقيقة واقعة مع أن هذا قيل في وقت كان يصعب فيها تصديقها.] بالإيمان قبلنا وصايا الله الصعبة ومواعيده التي يبرهن على صدقها لا بكلمات وإنما بخبرة عملية عند ممارستها. بالإيمان نسلكها ونتقبل مواعيدها التي تبدو غير معقولة لكننا نكتشف صدقها خلال الخبرة. لهذا [يتطلب الإيمان نفسًا نشطة ومملوءة غيرة، تسمو فوق الأمور الحسية وتعبر فوق كل تعقلات بشرية، فإنه لا يمكن أن تصير مؤمنة إن لم ترتفع فوق العادات العامة التي للعالم.] ولما كان الرسول يتحدث إلى مسيحيين من أصل عبراني لهذا قال: "فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [2]؛ وكأنه يقول لهم إن هذا الأمر ليس بغريبٍ عنكم، فقد اختبره آباؤكم. تاريخهم العبراني هو خير شاهد لحياة الإيمان. كأن الرسول يضع أمامهم أسفار العهد القديم ليتصفح معهم حياة الإيمان كما عاشتها كنيسة العهد القديم. لقد بدأ العهد القديم بإعلان الله كخالق "بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ" [3]. فإن رجال العهد الجديد لا يستطيعوا أن يتقبلوا السيد المسيح "كلمة الله المتجسد" كمخلص ومجدد طبيعتهم الداخلية بروحه القدوس، ما لم يتقبلوا الأساس الأول أن الله هو الخالق بكلمته. فالكلمة الذي يخلق هو وحده يقدر أن يجدد الخلقة بعد أن فسدت. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الله صالح، أو بالحري الصلاح في جوهره... خلق كل شيء من العدم بكلمته الذاتية، يسوع المسيح ربنا.] وبه أيضًا جدد الخلقة وخلصها ويرى أيضًا في هذه العبارة الرسولية أن الله هو الخالق ليس من يبلغ قياسه، كائن قبل كل الدهور، به جاء الزمن. 2. رجال الإيمان ينتقل من الأساس الأول للإيمان بكلمة الله الخالق الأزلي، إلى أمثلة عملية لرجاء الإيمان في العهد القديم، وكأن إيمان الكنيسة ما هو إلاَّ امتداد لرجال الكنيسة الأولى قبل التجسد. ولعله ذكر هذه الأمثال لأن الرسول بولس - كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم - أراد أن يعلن لهم أن العبرانيين قد بدأوا حياتهم مع الله بالإيمان خلال أشكال مختلفة، لكن للأسف كملوا في ضعف بقلوب فاترة في الإيمان. وقد لاحظ القديس أثناسيوس الرسولي الذي قضى أغلب حياته الرعوية في جهاد من أجل الإيمان المستقيم، وغالبًا ما كان يضطر أن يترك كرسيه ويهرب من الأريوسيين الذين صمموا على قتله، أن الجهاد من أجل الإيمان لا يقل عن الاستشهاد. وأن رجال الإيمان الذين ذكرهم الرسول هنا غالبيتهم لم يستشهدوا لكنهم عاشوا رجال إيمان. يقول القديس: [لا تقوم تزكية الشهيد على مجرد رفضه للتبخير للأوثان وإنما على رفضه إنكار الإيمان، فإن هذا يمثل شهادة واضحة عن الضمير الصالح. هذا ولا يُدان فقط الذين ينجرفون إلى عبادة الأوثان كغرباء وإنما يُدان أيضًا الذين يخونوا الإيمان.] كما يمتدح الإيمان قائلاً: [إبراهيم الأب البطريرك قد قبل الإكليل ليس لأنه تألم حتى الموت، وإنما لأنه آمن بالله، وأيضًا القديسون الذين ذكرهم بولس من جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والبقية لم يتكملوا بسفك دمائهم، إنما تبرروا بالإيمان، إذ كانوا مستعدين أن يحتملوا الموت من أجل التقوى نحو الله.] قدم بولس الرسول الأمثلة التالية من عظماء المؤمنين والمؤمنات: أ. هابيل: إنه المثل الأول لرجال الإيمان، لا يقوم على أساس حياته الخاصة وإنما يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" [4] لقد شهد الله ببره ليس لأفضلية حياته أو أعماله الخاصة عما لقايين، وإنما لأفضلية ذبيحته عن قرابين قايين. لقد قدم قايين من ثمرات الأرض قربانًا، لكن الله اشتم رائحة الرضا في الذبيحة الدموية التي لهابيل. كانت تحمل رائحة السيد المسيح على الصليب وظلالها. هذا هو أساس إيماننا أن كلمة الله الخالق يجددنا نحن خليقته خلال الدم الثمين، فنقدم حياتنا ذبيحة حب خلال إتحادنا بالذبيح الحق، بهذا نصير كهابيل الذي صار هو نفسه كذبيحة وهو مرفوض من أخيه. كأن الرسول يحدث المسيحيين العبرانيين المطرودين من الهيكل، أنهم قد صاروا كهابيل المرفوض من أخيه من أجل الذبيحة المقبولة لدى الله الآب، ذبيحة السيد المسيح. لهذا وإن حاول إخوتهم أن ينهوا حياتهم لكن صوتهم يبقى مدويًا، وشهادتهم لا يمكن كتمانها بالموت، ولا للزمن أن يحطمها. لا يزال صوت هابيل عاليًا يعلن عن قبول الله ذبيحته الدموية، ويبقى صوت المؤمنين المرذولين والمضطهدين صارخًا يشهد للحق بغير انقطاع. ب. أخنوخ: "بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ - إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ" [5]. إن كان هابيل بإيمانه أعلن عن سرّ ذبيحة المسيح المقبولة عنده، وقبولنا الموت معه كل يوم، فإن حياة أخنوخ حملت بالإيمان صورة حية للكنيسة السماوية الفائقة، والتي تعلو فوق الحياة البشرية الطبيعية، تشهد لسيرتها أمام العالم، لهذا ينقلها الرب إليه لتحيا معه شريكة في أمجاده. يقول الرسول: "فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع، الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده". بالإيمان نتمتع بالحياة السماوية كأعضاء في كنيسة الله المقبولة لدى عريسها، "وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ" [6]. ليت قلبنا يكون بحق كأخنوخ يؤمن بالله فيُنقل إلى فوق لينتظر المجازاة للذين يطلبونه، التي هي بحق اقتناء ربنا يسوع. هذه هي مكافأة النفس التي تطلبه... إنها تناله وتوجد معه في سماواته وأمجاده الأبدية في حضن الآب السماوي. ج. نوح: إن كان هابيل يعلن في إيمانه الذبيحة الفريدة التي لا تصمت قط عن الشهادة للحق فينا، وأخنوخ يمثل الكنيسة المرتفعة إلى عريسها لكي تحيا في السماويات عبر وجودها بالجسد على الأرض، فإن نوحًا يمثل إيمانه إدانة العالم الذي رفض الدخول في الفلك، فإنه لا خلاص خارج الفلك، ولا تمتع بالحياة الجديدة إلى خلال مياه المعمودية. "بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ" [7]. إن كانت الكنيسة تمتع بالخلاص في الصليب كما في فلك نوح وسط مياه المعمودية، فإن هذا الخلاص إنما يدين العالم. لقد اعتاد الآباء أن يقيموا الكنيسة غالبًا على شكل فلك نوح علامة العبور من العالم القديم إلى الحياة الجديدة... وقد سبق لنا الحديث في شيء من التفصيل عن الكنيسة وعلاقتها بفلك نوح، مستندًا على كتابات الآباء الأولين. د. إبراهيم: قدم كل أب من الآباء جانبًا من جوانب الإيمان، هابيل قدم الجانب الإلهي وهو تقديم الذبيحة المقدسة، أي تقديم حمل الله، وأخنوخ كشف عن طبيعة الكنيسة المؤمنة ألا وهو الجانب السماوي، ونوح أعلن أنه لا خلاص خارج الكنيسة المقدسة، أما إبراهيم فقدم الجانب العملي للإيمان وهو الطاعة لله بجانب جوانب متفاعلة معًا. لقد آمن إبراهيم أب الآباء عمليًا فترك الملموسات والمنظورات في ثقة في وعود الله التي لم تكن ملموسة ولا منظورة. يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهَذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" [8-10]. لقد أطاع أن يخرج الذي كان عتيدًا أن يتمتع بالميراث، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب. الإيمان هو الذي قاده! لم يسمع من قبل عن أمثلة إيمانية حيَّة يقتدي بها إلاَّ ما قد تسلمه بالتقليد عن هابيل وأخنوخ ونوح، ليس بين يديه كتاب مقدس ولا شريعة مستلمة ولا من يرشده أو نبي أو كاهن، لكن الإيمان أنار له الطريق؛ وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان أبوه أمميًا وعابد وثن، ولم يسمع أنبياء ولا عرف أين يذهب.] بالإيمان لم ينل أرض موعد، لكنه وثق أن نسله يرث الأرض التي يسير عليها كغريبٍ هو وابنه إسحق وحفيده يعقوب، وكان غير مضطرب وبلا هم، متأكدًا من تحقيق مواعيد الله في الأجيال القادمة الخارجة من صلبه. هـ. سارة: كما قدم لنا الرسول رجال إيمان هكذا يقدم لنا أمثلة حية لنساء مؤمنات مثل سارة التي تمثل الكنيسة المؤمنة بالله واهب القيامة. "بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْلٍ، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا. لِذَلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ" [11-12]. إن كان رجال الإيمان قد ابتدأوا بهابيل الصديق ليعلن الوحي الإلهي ذبيحة السيد المسيح التي لن تصمت بل تبقى عاملة عبر الأجيال، فإن النساء المؤمنات يبتدئن بسارة الأم المباركة التي كانت في حكم الموت، كانت أحشاؤها عاقرًا غير قادرة على الإنجاب ويؤكد موتها شيخوختها! لقد نالت بالإيمان قوة القيامة لتنجب من الأحشاء الميتة أولادًا لله مثل نجوم السماء ورمل شاطيء البحر الذي لا يُعد! لقد قال القديس يوحنا المعمدان لليهود: "لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم ان الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 9). هذا القول لم يكن حديث مبالغة فقد أقام الله بالفعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم، إذ كانت أحشاء سارة أشبه بالحجارة التي لا تنجب، في حكم الجماد من جهة إمكانية الإنجاب، وبالإيمان وهبها الله أن يقيم لها من الحجارة أولادًا لإبراهيم. هذا هو إيمان سارة في قيامة السيد المسيح الذي بقيامته أقام من الحجارة أولادًا لإبراهيم ولا يزال يقيم! لقد كان آباؤنا من الأمم كالحجارة إذ يعبدون الوثن الحجري، وتحولوا إلى أولاد إبراهيم بل أولاد الله! لقد حوَّل الإيمان القلوب الحجرية إلى أولاد الله الحيّ! 3. الإيمان بالوطن السماوي: إذ طُرد المؤمنون من الهيكل اليهودي وحرموا من ممارسة العبادة الجماعية مع إخوتهم، فإن الرسول يرفع أعينهم إلى هيكل آخر سماوي وعبادة على مستوى ملائكي، ليدركوا أن ما فقدوه من منظورات لا يقارن أمام ما يتمتعون به في عالم غير المنظورات. هذا ليس بأمر خيالي، إنما هو حياة إيمانية تمثل امتدادًا للحياة التي عاشها آباؤهم، محتملين الحرمان من الكثير، لينعموا بالمواعيد السماوية. يقول الرسول: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. فَلَوْ ذَكَرُوا ذَلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. وَلَكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذَلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً" [13-16]. هكذا يؤكد الرسول أن رجال العهد القديم، ليس كما يظن البعض قد وضعوا رجاءهم في مواعيد زمنية، وإنما رأوا الوطن السماوي والمواعيد الأبدية مختفية وراء المواعيد الزمنية. لقد تطلعوا بالإيمان إلى وعود الله الأبدية فصدقوها بالإيمان وحيّوها بالعمل الجاد للتمتع بها ولهيب قلبهم الذي لا ينقطع في الشوق إليها. لقد أحسوا أمام هذه الوعود أنهم بحق هم غرباء ينتظرون العبور إلى وطنهم السماوي للتمتع بها، ليس من أمر زمني - مهما كانت قدرته - يستحق أن يسحب القلب إلى الوراء نحو الأرضيات. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا كانوا في أوجاع الطلق كل يوم، مشتاقين إلى التحرر من هذا العالم ليرجعوا إلى وطنهم. أما نحن فعلى العكس متى أصابتنا حمى نهمل كل شيء ونبكي كأطفالٍ صغار خائفين من الموت. لسنا بلا سبب نفعل هذا، فإننا إذ لا نعيش هنا كغرباء ولا نسرع نحو وطننا نكون كمن يذهب لينال العقوبة لهذا نحزن. إننا لا نسلك كما ينبغي لكننا نقلب الأوضاع رأسًا على عقب. نحزن حينما يليق الفرح، ونرتجف كالمجرمين ورؤساء العصابات عندما يُقدمون إلى كرسي القضاء، متذكرين ما ارتكبوه فيخافون ويرتعبون.] يشتهي رجال الإيمان وطنهم السماوي، لهذا يُسر الله بهم، فيدعى إلههم لأنه أعد لهم المدينة السماوية التي فيها يجتمعون معه ويسكن هو في وسطهم إلى الأبد، يفرح بأولاده ويفرحون بأبيهم السماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [آه! يا لعظم الكرامة! لقد وهبهم أن يدعى إلههم... فإنه يتمجد عندما يدعى إلها للصالحين والمترفقين والذين يهتمون بالفضيلة.] لقد سبق في دراستنا للعهد القديم أن رأينا الله يعتز بنسب نفسه إلهًا للمباركين ولا ينسب نفسه إلهًا للأشرار مع أنه إله الكل! ويحسب الشعب "شعبه" حينما يكون مقدسًا، أما عند صنعه الشر فلا يدعوه "شعبي" بل "الشعب" أو "شعبك" (شعب موسى). 4. رجال الإيمان (يتبع): إذ قطع الرسول حديثه عن أمثلة من رجال الإيمان ليؤكد غايتهم وهو التمتع بالوطن السماوي عاد ليعطي أمثلة من رجال ونساء العهد القديم: أ. إبراهيم: عاد الرسول يتحدث عن إبراهيم ليعلن إيمانه العجيب في مواعيد الله التي وُهبت له والتي جاءت كأنها متضاربة مع الأوامر الإلهية الصادرة إليه. لقد أعطاه الله وعدًا أن يبارك إسحق ابنه ليقيم منه نسلاً بلا عدد، وفي نفس الوقت يطلب إليه تقديم هذا الابن الوحيد والحبيب ابن الموعد ذبيحة. بالإيمان قبل أبونا إبراهيم الوعد بثقة وأطاع الأمر بغير اضطراب أو شك. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سمع إبراهيم ما يضاد المواعيد من ذاك الذي وهبه إياها، ومع هذا لم يضطرب بل نفذ الأمر غير المنسجم مع المواعيد. حقًا طبقًا للحسابات البشرية الأمر غير منسجم مع المواعيد، لكن بالإيمان تظهر منسجمة معًا. كيف حدث هذا؟ لقد علمنا الرسول نفسه هذا بقوله: "حاسبًا أن الله قادر على إقامته من الأموات"، وذلك بذات الإيمان الذي كان له بأن الله يهبه (إسحق) مما لم يكن ويقيمه من الموت (إذ وهبه إياه خلال رحم سارة الميت فأقامه من العدم ووهبه حياة عوض الموت). لقد آمن أيضًا أنه سيقيمه بعد تقديمه ذبيحة. طبقًا للحسابات البشرية الأمران مستحيلان: أي إنجاب طفل من رحم ميت عقيم ومتقدم في الأيام، وإقامة إنسان ذبيح. إيمانه السابق قد أعد الطريق للأمور المقبلة.] يعلق القديس أثناسيوس الرسولي على إيمان إبراهيم أب الآباء في تقديمه إسحق للرب قائلاً: [في تقديم ابنه تعبد لابن الله، إذ مع تقديم إسحق ذبيحة رأى المسيا في الكبش (تك 22: 15) الذي قُدم ذبيحة لله عوضًا عنه، لقد جُرب الأب البطريرك في إسحق، لكنه على أي الأحوال لم يقدم ذبيحة من عيّن ذبيحة في إشعياء: "كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش 53: 7)... لقد قبل الله إرادة (نية) مقدم الذبيحة لكنه منع الذبح، لأنه ما كان موت إسحق يقدر أن يهب للعالم الحرية وإنما هو موت المخلص وحده الذي َبِحُبُرِهِ شُفِينَا (إش 53: 5).] هكذا بالإيمان قدم إبراهيم ابنه ذبيحة حب لله فرأى في الحمل الموثق بقرنيه صورة الفداء في حمل الله الذي يحمل خطية العالم. هذا ومن جانب آخر رأى في إسحق نفسه أيضًا صورة حية لعمل المسيح الفدائي، وقد اعتادت الكنيسة في كل خميس للعهد إذ تذكر تأسيس سرّ الإفخارستيا، تصلي بقسمة "ذبح إسحق" كرمز لذبيحة السيد المسيح على الصليب. ب. إسحق: "بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ" [20]. بارك إسحق المتغرب ابنيه يعقوب وعيسو ناظرًا إلى الأمور المستقبلة بوضوح. فقد قدّم ابنه يعقوب عن عيسو البكر جسديًا، لأن الأول قد صار في عيني الله بكرًا، مع أنه حسب الجسد هو الثاني. لقد حمل بهذا رمزًا لما هو عتيد أن يحدث فإن يسوع المسيح، آدم الثاني، صار بكرًا للبشرية وخسر آدم الأول البكورية، لأن آدم بعد سقوطه لم يكن قادرًا أن يرضي الله، أما رب المجد يسوع فهو موضع سرور الآب، فيه ننعم برضا الآب ويسر الآب بنا. ج. يعقوب: "بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ" [21]. عندما بارك ابني يوسف وضع يعقوب يمينه على رأس الأصغر (إفرايم) ويساره على رأس الأكبر (منسي)، فصارت يداه أثناء تقديم البركة على شكل صليب، الأمر الذي أحزن قلب والدهما يوسف وحاول تصحيح الوضع، لكن يعقوب أصر على موقفه. بهذا وضع يمين البركة على الأصغر إفرايم، وليس على رأس البكر جسديًا منسى... وكأن البكورية لا تعطى حسب الجسد وإنما هي عطية توهب مجانًا لمن يستحقها روحيًا. كأن يعقوب يكرر ما فعله أبوه إسحق حين باركه وهو الأصغر. ومن ناحية أخرى أعلن أبونا يعقوب أن كل بركة روحية تحل علينا إنما هي خلال علامة الصليب وكما يتحدث القديس هيبوليتس عن فاعلية الصليب وبركته فينا: [الصليب هو سلم يعقوب، هذه الشجرة ذات الأبعاد السماوية ارتفعت من الأرض حتى السماء، أقامت ذاتها غرسًا أبديًا بين السماء والأرض، لكي ترفع المسكونة... وتضم معًا أنواعًا مختلفة من الطبيعة البشرية.] أما سجوده على رأس عصاه فكان إشارة إلى سجوده للصليب. د. يوسف: "بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ" [22]. سمع يوسف الوعد الإلهي لجده إبراهيم فآمن أن الله لن يترك شعبه متغربًا، لهذا بالإيمان أوصى بعظامه عند الخروج إعلانًا عن شوقه للدخول إلى مواعيد الله خلال عظامه اليابسة. كان يوسف في مصر يعيش في مجدٍ، بكونه الرجل الثاني بعد فرعون، لكن القصر لم يشغله عن الوعد الإلهي، مشتركًا بالإيمان مع الشعب في الخروج خلال النية، كرمز للخروج من عبودية الخطية إلى الحياة الجديدة في المسيا المخلص. هـ. والدا موسى: "بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ" [23]. لم ينسَ الرسول عند حديثه عن موسى النبي كرجل إيمان عظيم أن يبرز أولاً إيمان والديه. لقد قدم الرسول لنا والدين كمثالٍ بين أمثلة الإيمان حتى ندرك خطورة دور الأسرة في الحياة الإيمانية وعمل الوالدين الجسديين مع الأب الروحي في تهيئة الأجيال المؤمنة بحق. هذا أيضًا أبرزه الرسول حين كتب إلى تلميذه تيموثاوس يقول له: "أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك، الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي، ولكن موقن أنه فيك أيضًا" (2تي 1: 5). لقد ظهر إيمان والدي موسى في إخفائهما الطفل ثلاثة أشهر، "لأنهما رأيا الصبي جميلاً"، وكما يقول الشماس اسطفانوس: "كان جميلاً جدًا". ماذا رأيا في وجهه إلاَّ انعكاس مجد السيد المسيح المقام من الأموات. فقد كان الطفل تحت حكم الموت، لأن فرعون طلب قتل كل الأطفال الذكور، لكن الوالدين استبقياه بإيمان أن جمالاً داخليًا يكمن فيه. لقد بقى ثلاثة شهور، ونحن نعلم أن رقم 3 يشير إلى القيامة (حيث قام السيد في اليوم الثالث)، ليظهر بعد الشهور الثلاثة على وجه المياه، مقدسًا المياه لتهب المؤمن قوة القيامة معه. لقد كان موسى جميلاً في أعينهما، لذا احتفظا به ثلاثة أشهر، وهكذا بالإيمان نحمل في داخلنا لا موسى بل ربه، مدركين أنه "أبرع جمالاً من بني البشرية"، نخفيه فينا ثلاثة أشهر حتى ننعم بالقيامة معه، فلا نوجد محمولين على مياه النهر بل على البحر الزجاجي في أورشليم العليا. و. موسى "بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية..." [24]. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [إذ وُضعت السماء أمام موسى صار الإعجاب بقصر مصري أمرًا تافهًا... لقد حسب العار من أجل المسيح أفضل من الحياة السهلة، وهذا في ذاته يحمل مكافأة... لقد ألقى موسى بنفسه في مخاطر كثيرة بمحض اختياره في الوقت الذي كان في إمكانه أن يعيش متدينًا وهو يتمتع بالخيرات...، لكنه حسبه خطية ألاَّ يكون مستعدًا لاحتمال الآلام مع الغير، فصار احتماله للآلام خيرًا عظيمًا، ملقيًا بنفسه فيها تاركًا القصر الملكي. لقد فعل هذا لأنه رأى أمامه أمورًا عظيمة، حاسبًا عار المسيح أفضل من خزائن مصر.] بالإيمان ترك موسى مصر غير خائف من غضب الملك، لقد هرب أولاً خائفًا من الملك لكي لا يجرب الرب وسط المخاطر بلا هدف، وعندما دُعي للعمل أطاع وعاد ليواجه فرعون بلا خوف. "بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْح،َ وَرَشَّ الدَّم،َ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ" [28]. لقد قام موسى بهذا العمل بكونه رمزًا لعمل السيد المسيح الخلاصي، أي الفصح الحقيقي الذي عبر بنا من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، وقد سبق لنا الحديث عن ذلك بشيءٍ من التوسع في دراستنا لسفر الخروج. "بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا" [29]. هنا يقارن شعبًا بشعبٍ، فقد قاد موسى الشعب كله بالإيمان ليجتازوا البحر كيابسة. إن كان موسى بشعبه يمثل مملكة الله التي ينفتح لها الطريق خلال مياه المعمودية، فإن فرعون بجيشه يمثل مملكة إبليس التي تتحطم خلال نفس مياه المعمودية. في المعمودية تقوم مملكة السماوات فينا وتتحطم مملكة إبليس ولا يكون لها موضع فينا. ز. يشوع: "بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا، بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ" [30]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالتأكيد لا تستطيع أصوات الأبواق أن تسقط الحجارة (التي للأسوار)... لكن الإيمان يقدر أن يفعل كل شيء.] ح. راحاب الزانية: "بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ" [31]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [من العار أن تظهر في عدم إيمان أكثر من زانية! لقد سمعت ما رواه الرجلان وآمنت! وكانت النتيجة هلاك الكل بينما حُفظت وحدها من الهلاك. لم تقل في نفسها: أني أبقى مع أصدقائي الكثيرين، ولا قالت: هل أنا أكثر حكمة من هؤلاء الرجال العقلاء الذين لا يؤمنون، وأنا أؤمن؟! لم تقل شيئًا من هذا بل آمنت بما سيحدث وما سيعانيه (الكنعانيون).] انتقل الرسول من الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى يوسف فموسى كأول قائد للشعب ثم تلميذه يشوع الذي دخل بالشعب أرض الموعد، وهنا يتوقف أمام امرأة زانية غريبة الجنس "راحاب" نالت ما لم يستطع كثير من العبرانيين أن ينالوه، فقد استحقت أن تُحسب في نسب السيد المسيح (مت 1: 5)، ثم يبلغ بنا إلى رجال إيمان من القضاة مثل جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، والملوك مثل داود، والأنبياء كصموئيل. هكذا يجول بهم خلال كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وُجد شهود حق لله حتى في أحلك العصور. انتقل الرسول من أمثلة رجال ونساء للإيمان إلى أمثلة للأعمال الإيمانية منها: * قهر المالك بالإيمان. * صنع البرّ. * نوال المواعيد. * سد أفواه الأسود. * إطفاء قوة النار. * النجاة من حد السيف. * نوال قوة من ضعف. * التشدد في الحرب. * أخذت نساء أمواتهن بقيامة كما فعلت الأرملة مع إيليا النبي. * احتمال العذاب ورفض النجاة الزمنية من أجل نوال قيامة أفضل. * الدخول في تجارب من هزء وجلد وقيود وحبس. * احتمال الموت من نشر وقتل بالسيف. * الطواف في جلود غنم وجلود معزي في عوز مكروبين ومذلين. هذه مجرد أمثلة حية واقعية لأعمال إيمانية عاشها رجال العهد القديم، ويعيشها المؤمن في العهد الجديد بفهمٍ روحيٍ جديدٍ، فبالمسيح يسوع يقهر المؤمن ممالك إبليس والخطية ومحبة العالم، وبه يمارس البرّ ليحيا كشبه إلهه، وينعم بالمواعيد الإلهية. بالإيمان نسد أفواه أسود الشر والرجاسات التي تود افتراسنا، ونطفئ لهيب الشهوات الجسدية النار الداخلية. بالإيمان بالسيد المسيح ننعم بالنجاة من كل سيف أو سهم شرير، ونتمتع بالقوة بالرغم مما لنا في ذاتنا من ضعف، ونتشدد كجنود روحيين في حربنا ضد العدو غير المنظور. بالإيمان تتقدم النفس كالأرملة التي مات وحيدها، فيقيم مسيحنا النفس الميتة. بالإيمان نحتمل الآلام بفرحٍ ولا نطلب خلاصًا زمنيًا بل المكافأة الأبدية. في اختصار نردد ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم عما يفعله الإيمان في حياة المؤمنين وما يهبهم من قوة روحية وغلبة: [لو وضعت العالم كله ضدهم، أجدهم راجحين في الميزان، ذوي قيمة عظيمة.] إن كانوا قد عاشوا في عوز ومذلة، لكن "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" [37]. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر العلاقة بين الإصحاحات (10، 11، 12) نراها فى (عب10: 35،36، 38) حيث نرى الرسول يحثهم على الجهاد والصبر فى أن يصنعوا مشيئة الله. ويستكمل هذا الفكر فى (12: 1) لنطرح كل ثقل والخطية.. ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا. ونجد الرسول يضع إصحاح11 فى الوسط ليضع صورة لأبطال الإيمان فى العهد القديم ليقتدي بها هؤلاء العبرانيين المضطهدين ليعرفوا أنهم ليسوا وحدهم الذين تعرضوا للإضطهاد والآلام. هذا الإصحاح هو تطبيق عملي من واقع أبطال العهد القديم. الآيات (1-2):- "1وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. 2فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ." إن كان الإنسان قد سقط من دائرة الوجود مع الله وتغرب عن وطنه السعيد فى أرض شقائه، إلا أنه ظل مرتبطاً بذلك الوجود الأسمى غير المنظور، فى داخله حنين العودة إليه، وكان الله يغذى هذا الشعور بوعوده الصادقة. فتربت فى قرارة نفسه أحاسيس الإيمان، الإيمان بما يترجاه أو يتمناه والإيمان بصدق الله. الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى = نسمع المرتل يقول فى (مز116: 7، 8) + (أى19: 25–27) فالإنسان يحلم بالعودة إلى مكان راحته ويترجاه. الإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى = الإيمان هو الثقة بالمقدسات الإلهية غير المنظورة كحقائق واقعة وحاضرة، فيحيا الإنسان فى يقين من جهة الأمور غير المنظورة ولا ملموسة بالحواس. هو رؤية واضحة للأمور وتأكد كامل من جهة غير المنظورات كأنها من المنظورات. ومن غير المنظورات مثلاً أمجاد السموات. فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ = هم وثقوا فيما ترجوه من الله من جهة الحياة القادمة ووثقوا فى وعوده بالرغم من أنهم لم ينظروها. (11: 13، 16). والإيمان يبدأ صغيراً ويظل ينمو، الله ينميه إلى أن يثق المؤمن فى وعود الله تماماً. فمثلاً السماويات وأمجاد السماويات هى أشياء غير منظورة ولكن الروح القدس يعلنها للإنسان قليلاً قليلاً (1كو2: 9، 10، 12) + (1تس3: 10) + (2تس1: 3). آية (3):- "3بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ." الله صالح، خلق كل شئ من العدم بكلمته الذاتية يسوع المسيح ربنا. وبه أيضاً جدد الخلقة وخلصها. الآيات (4-5):- "4بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ! 5بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ. " هَابِيلُ :- هابيل دمه يتكلم بعد: 1. يطلب القصاص. 2. بإيمانه ظل حياً أما قايين فمات لخطيته. 3. مازالت الناس تمدحه. هابيل بتقديمه ذبائح كأنه يشتاق للعودة للحالة الفردوسية فهو يقدم ذبائحه إسترضاء لوجه الله وكنوع من الشكر والعبادة. بل كانت حياته بارة بشهادة المسيح (مت23: 35) + (1يو12:3). ولذلك كانت ذبيحة هابيل أفضل إذ تسندها أعماله البارة وتقديم قرابينه بالإيمان، الإيمان الحى الذى تسنده الأعمال البارة. ونلاحظ أن الذبائح كانت تشير لعمل المسيح الفدائى لذلك كانت ذبيحة هابيل الحيوانية أفضل من تقدمة قايين النباتية. أَخْنُوخُ :- حياة أخنوخ حملت بالإيمان صورة للكنيسة السماوية الفائقة. أما البار فبالإيمان يحيا. هو بإيمانه إستطاع أن يرضى الله. أخنوخ نموذج لمن يستطيع أن يحيا باراً وسط عالم شرير. ومن يغلب ويسلك بإيمانه فى بر مثل أخنوخ ينقله الله ليحيا معه فى شركة أمجاده. والسؤال لماذا جاهد أخنوخ ليرضى الله ؟ لأنه يؤمن أنه موجود. آية (6):- "6وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ." الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ = بالصلاة والعبادة والوجود فى حضرته وفى النهاية يحيا معه للأبد (2أى15 :1، 2). يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ = مع أنه لا يراه (آية1) وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ =هذا هو رجاؤه هذه الآية تشرح لماذا أرضى أخنوخ الله. وما هو الإيمان المطلوب الذي يُرضي الله؟ 1.أنه إله طيب وصانع خيرات لا يُريد أن يؤذي أحد. إذاً حتى لو سمح لأحد بتجربة فهي للخير (رو28:8). إذاً لا نتذمر على أحكامه فهو الله الذي يحبني لدرجة الموت عني. 2.أنه موجود يَرى ويسمع فنخاف أن نخطئ فنغضبه. 3.هو فاحض القلوب والكلى، فنخاف أن نفكر في أي شر أو شبه شر. 4.هو كلي الحكمة. فنخاف أن ننسب له أنه أخطأ. آية (7):- "7بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ." نُوحٌ:- بإيمان نوح نجا هو وكل العالم معه من الفناء الكلى. ونرى بر نوح فى (تك6: 9، 7: 1، 5). ونرى طاعة نوح الفورية فى إقامة الفلك الذى به خلص هو وأسرته بل العالم كله. كان هذا لإيمانه فيما قاله الله عن الطوفان القادم وهو لم يراه بل صدق كلام الله، وعوده له ووعيده للعالم الشرير. بِهِ دَانَ الْعَالَمَ= إيمان نوح يمثل دينونة للعالم غير المؤمن والخاطئ الذى حوله. وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ = نوح شهد الله ببره، نتيجة حياته مع الله ولأنه أطاع وصنع الفلك كما أمره الله أضاف على البر الذى له بالإيمان بر الطاعة. نوح ورث بر أبائه أخنوخ وغيره. الآيات (8-10):- "8بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. 9بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. 10لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ." إِبْرَاهِيمُ: عظمة إيمان إبراهيم ظهرت أولاً فى أنه ترك الملموسات والمنظورات فى ثقة فى وعود الله عن أرض لم تكن ملموسة ولا منظورة وإعتبرها كأنها موجودة، فهل هو رأى خيرات كنعان ليترك أهله وعشيرته، بل هو آمن بمن يحيى من الموت وقدم إبنه فهو أحب الله أكثر من وحيده. ونحن أخذنا مواعيد فهل نخرج من أرض الخطية، بل إبراهيم حين خرج لم يكن يعلم أنه سيرث أرض كنعان = فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي أتى. كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ = هذه تفهم أن إبراهيم عاش فى كنعان التى وعده بها الله على أنه غريب حتى أنه إشترى قبر زوجته. ولكن تفهم أيضاً فى عظمة إيمانه إعتبر أرض العالم أياً كانت أرض غربة، هو مستعد للرحيل دائماً، فهو إعتبر أن وعد الله هو راحته وغناه، وهذا الكلام موجه للعبرانيين المتضجرين من الإضطهاد وموجه لنا أيضاً. الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ = لقد إمتد بصر إبراهيم لما فوق الأرض، لما هو غير منظور، حقاً سيرث أولاده هذه الأرض التى يراها وهى أرض كنعان. ولكن نظره إمتد لأورشليم السماوية. لقد وعده الله ببركة (تك15: 1) وعرف أنها سماوية. لقد قدم كل أب من الأباء جانباً من جوانب الإيمان :- هابيـل: قدم الجانب الإلهى وهو تقديم الذبيحة المقدسة التى بها يتبرر. أخنوخ : كشف عن طبيعة الكنيسة المؤمنة ألاوهو الجانب السماوى. أى تحيا سماوية. نــوح: أعلن أنه لا خلاص خارج الكنيسة المقدسة. (ومثالها الفلك). إبراهيم: قدم الجانب العملى للإيمان وهو الطاعة لله. الآيات (11-12):- ""11بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْل، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا. 12لِذلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ." سَارَةُ: كما قدم لنا الرسول رجال إيمان ها هو يقدم أمثلة حية لنساء مؤمنات. بالإيمان سارة نَفْسُهَا = ربما يشير بولس الرسول هنا لضحك سارة حين سمعت بخبر ولادتها لطفل. وبولس يؤكد أنها مؤمنة وآمنت بالوعد ولذلك نفهم أن الضحك قد يكون من فرحتها الشديدة أو أن الخبر هو فوق المعقول، لقد ضحكت سارة وتساءلت لمدة لحظات ثم تحولت مشاعرها للإيمان وعموماً فالإنفعالات الأولى لا تحسب للإنسان فالعذراء مريم أيضاً تساءلت حين سمعت. ولكن الله رأى الإيمان داخل أحشاء سارة مستقراً فيها. وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ = كان إبراهيم مماتاً فى الجسد وسارة أيضاً مماتة فى الجسد فكلاهما كانا واحد فى موت جسدهما. وهما واحد أيضاً فى جسدهما الواحد بالزواج وواحد فى محبتهما لبعض وإيمانهما الواحد بالله. وَذلِكَ مِنْ مُمَاتٍ = هنا نفهم أن الوحدة المقصودة هى موت جسديهما أى إنعدام فرصة إيجاد نسل من كليهما. وتفهم الاية أيضا على ان الايمان جعل نسل وَاحِدٍ فقط وهو ابراهيم من الكثرة حتى صار كنجوم السماء (هم اليهود الذين كانوا فى العهد القديم قبل ان يأتى المسيح شمس البر والنجوم تظهر ليلا) وكرمل الأرض (هم المؤمنين بالمسيح أبناء ابراهيم بالايمان، هؤلاء اشرق عليهم نور المسيح). وهذا رمز لما عمله المسيح الواحد الذى جعل الإثنين واحداً أى اليهود والامم. الآيات (13-16):- "13فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. 14فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. 15فَلَوْ ذَكَرُوا ذلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. 16وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً." فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ = أى حسب الإيمان مات إبراهيم وأسحق ويعقوب. وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ = لا إبراهيم ولا إسحق ولا يعقوب إنتفعوا بكنعان مع أنها أعطيت لهم بوعد بل عاشوا فيها غرباء على رجاء الوعد. غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ = هنا يشرح بولس الرسول أن عظمة إيمان الأباء البطاركة أنهم عاشوا فى الأرض التى وعدهم الله بها كغرباء، ولكنهم رأوا الوطن السماوى السعيد والمواعيد الأبدية مختفية وراء المواعيد الزمنية. تطلعوا بالإيمان إلى وعود الله فصدقوها بالإيمان، وحيوها بالعمل الجاد للتمتع بها، وأحسوا أمام هذه الوعود أنهم بحق هم غرباء ينتظرون العبور لوطنهم السماوى. هنا تأنيب للعبرانيين الذين أعطوا الميراث السماوى بالمسيح ويريدون الإرتداد لميراث التراب. يَقُولُونَ مِثْلَ هذَا = قال إبراهيم لبنى حث "أنا غريب ونزيل عندكم" (تك23: 4). يَطْلُبُونَ وَطَنًا = من يقول أنا غريب فهو بالتأكيد يعلم أن له وطن وهو يطلبه. 15فَلَوْ ذَكَرُوا ذلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ = كانت أور موطناً أصلياً لإبراهيم ولكنه لم يعتبر نفسه متغرباً عن أور، فلو كان يفكر هكذا لكان قد عاد إلى أور. ولكنه حسب أن وطنه الحقيقى الذى هو متغرب عنه هو السماء. يُدْعَى إِلهَهُمْ = أنا إله أبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب. (مت22: 32). الآيات (17-19):- "17بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ 18الَّذِي قِيلَ لَهُ:«إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». 19إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال." إِبْرَاهِيمُ: الله جرب إبراهيم لا ليعرف إيمانه، بل بطاعته ظهر إيمانه وهو رأى فى نجاة إسحق صورة للخلاص الذى بالمسيح ففرح (يو8: 56). وَهُوَ مُجَرَّبٌ = أى وهو فى محنة، محنة من يقيد إبنه ليذبحه. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ = التجربة أصابت الإبن الذى أخذ فيه إبراهيم المواعيد (تك17: 19). إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ..= كان إيمان إبراهيم عجيباً فهو آمن بأن الله لابد وسيحقق مواعيده فى إسحق فحتى لو ذبحه فالله لابد وسيقيمه ليحقق مواعيده فيه. أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال = لقد عاد إبراهيم بإبنه حياً وكأنه أخذه من بين الأموات وكان هذا مثالاً لقيامة المسيح بعد صلبه. لذلك فإبراهيم رأى خلاص المسيح وفرح. عظمة إيمان إبراهيم في أن الله قادر أن يخرج من الموت حياة. آية (20):- "20بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ." إِسْحَاقُ: كانت نية إسحق أن يبارك عيسو. ولكن يعقوب خادع أباه. ونطق إسحق بكلمات البركة التى أوحى بها الله بإيمان أن الله سيبارك إبنه حسب وعده. ولما عرف الخدعة تذكر وعد الله ببركة يعقوب (تك23:25) قال نعم ويكون مباركاً (تك27 :32، 33). أى أن ما قلته بوحى من الله من كلمات البركة على رأس إبنى أياً كان لابد وسينفذه الله، فالله يريد هذا. هنا نرى إصرار إسحق على ما نطق به بالإيمان حتى لو كان ما نطق به هو ضد إرادته شخصياً. آية (21):- "21بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ." يَعْقُوبُ: نرى هنا أيضاً أن يعقوب يبارك أيضا بحسب الوحى لا بحسب الرؤيا الطبيعية، ولا بحسب إرادة يوسف. هنا يظهر أن الإختيار هو إختيار الله، ويعقوب بإيمان ينفذ غير عالم بالمستقبل وماذا سيكون عليه إفرايم ومنسى فهو لم يرى شيئاً. سَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ=هى إنحناءة سجود لله الذى يبارك فى المستقبل كأنه رأى هذه البركة بالإيمان. هو أمسك العصا (ربما عصا يوسف أو عصاه) وسجد لمن بصليبه (عصاه) سيبارك كل البشرية. آية (22):- "22بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ." يُوسُفُ: عِنْدَ مَوْتِهِ = عند إقتراب نهايته. ونلاحظ أن يوسف آمن بأن شعبه لابد وسيخرجون من أرض مصر. وأن خروجهم هو الخلاص. فغناه وسلطته لم ينسياه الحنين لأرض الموعد وطالب بنصيبه فى هذه الأرض ولو لعظامه. فكان يرى المستقبل حاضراً أمامه. آية (23):- "23بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ." والدا موسى: هنا نرى الإيمان بالوعد يواجه عواصف شديدة فى مصر. وبولس الرسول إذ إقترب من الحديث عن العظيم موسى لم ينسى إيمان والديه. لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً = كان جمالاً إلهياً غير عادى. وأحسوا أن وراءه أمراً مخفياً وعمل إلهى ينتظره. جماله كانت فيه رهبة. وهذا الجمال هو الذى جذب قلب إبنة فرعون. هذه الرهبة الإلهية جعلت أبواه يخفيانه ويتحملان العاقبة وهى عقوبة الموت. وجرأتهما كانت مسنودة بإيمانهما. ويقول يوسيفوس أن مريم أخت موسى رأت رؤيا خاصة بموسى ولذلك أخفاه أبويه إيماناً بالله. الآيات (24-29):- "24بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، 25مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، 26حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ. 27بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ،لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى. 28بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ. 29بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا." مُوسَى: موسى كان كلما كبر يشتد حنينه لوطنه الموعود الذى رضع حبه من أمه وأخته وآمن بصدق مواعيد الله عنه. وأحب شعبه وحينما إنحاز للعبرانى المظلوم كان هذا بمثابة قرار للإنضمام تحت نير المظلومين. وضربه للمصرى وقتله كان بداية عملية الفداء لخلاص شعبه هذه التى ولد موسى لأجلها. وكان الإغراء أمام موسى كبيرا فهو إبن إبنة فرعون. ويقول فيلو العلامة اليهودى أنها كانت بلا ولد. ولذلك فموسى كان وريث العرش. ولكنه رفض هذا الإغراء الكبير بسبب إيمانه القوى وإختار أن يذل مع شعبه وفضل هذا عن التمتع الوقتى فى قصر فرعون تحت ظلال خطية أوثان مصر. لذلك تزكى أمام الله فأدخله تحت التدريب فى سيناء ليعده كقائد للشعب. الله هذبه بكل علوم مصر ثم علمه التواضع فى سيناء، علمه أنه سيخرج بنى إسرائيل بيد الله لا بيده هو. بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ = هو هرب خوفاً من إنتقام فرعون ولكن فى داخل قلبه كان مصمماً بلا خوف أن يكمل المواجهة مع فرعون فى الوقت المناسب ليخلص شعبه بطريقة أو بأخرى. فهو لم يخاف الموت ولكنه خاف أن لا يكمل عمله فى خلاص شعبه. وقد تفهم أن موسى قاد الشعب خارجاً من مصر دون أن يخاف فرعون. بالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ = الإيمان هنا هو طاعة موسى فى رش دم خروف الفصح على القائمتين ليخلص الأبكار. الفصح هو عبور، عبور الملاك المهلك على الشعب الذى رش الدم على أبوابه ولا يهلك أبكار الشعب المحتمى بدم الخروف. هو عبور الفداء، فصح الخلاص. بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ = إستمد الشعب إيمانه من إيمان موسى. وإيمانهم حفظ البحر مشقوقاً والدليل أن المصرين الذين هم بلا إيمان إنطبق عليهم البحر لما شرعوا فى تقليد الشعب. فعدم إيمان المصريين يعنى عدم رضا الله. آية (30):- "30بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ." الأسوار سقطت بالإيمان وليس بقوة بشرية. فهل يهدم دوران الشعب حول أسوار مدينة، أسوار هذه المدينة؟!! آية (31):- "31بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ." نجد هنا إيمان يحول زانية إلى قديسة. الآيات32 – 35 نجد فيهم أمثلة لأبطال إيمان صنعوا أعمالاً عظيمة. الآيات35 – 38 نجد فيهم أمثلة لأبطال إيمان تحملوا مشقات عظيمة. آية (32):- "32وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ." الرسول يجول بهم فى كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وجد شهود حق لله فى أحلك العصور. آية (33):- "33الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ." قَهَرُوا مَمَالِكَ = فجدعون قهر المديانيين وباراق قهر الكنعانيين وداود قهر الفلسطينين والموآبيين والعمونيين. صَنَعُوا بِرًّا = كانت نتيجة نجاحهم فى الحروب وإخضاع الأعداء أن حكموا بالعدل والبر فإرتفع مستوى الأخلاق ومخافة الله. وهؤلاء القضاة ومعهم داود كانوا فى حكمهم يحكمون ضد الخطاة فإنتشر البر (2صم8: 15). نَالُوا مَوَاعِيدَ = نجاحهم فى أداء رسالتهم كان سبباً فى إستقرار إسرائيل وتقويتها وإمتدادها فتحققت مواعيد الله لهم بإمتلاك بقية الأرض وأن يتمتعوا بخيرات الأرض. سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ = وهذا حدث مع دانيال. آية (34):- "34أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ." أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ = وهذا حدث مع الثلاثة فتية. نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ = موسى نجا من سيف فرعون وداود من سيف شاول وإيليا من سيف إيزابل. تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَفٍ = مثال ذلك جدعون الضعيف صار بطلاً وقاد جيش صغير من 300 شخص ليهزم جيش المديانيين الكبير. صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ = مثال لذلك داود والمكابيين الذين هزموا جيوش اليونانيين الغرباء. آية (35):- "35أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ." أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ = كما فعلت الأرملة مع إيليا النبى والمرأة الإسرائيلية مع إليشع النبى. هؤلاء آمنوا أن الله قادر أن يقيم أمواتهن من الموت فأقامهم. فى النصف الأول من الآية نرى من آمن بقيامة الموتى فطلبها. أما فى النصف الثانى نرى من آمن بالقيامة فإحتقر حياته وإبتدء من النصف الثانى من آية 35 ينتقل بولس الرسول إلى المجموعة الثانية من أبطال الإيمان أى الذين تحملوا مشقات عظيمة = وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ = وهذا حدث فى أيام المكابيين وما قبلهم. وعذبوا هنا مثل الضرب حتى الموت. آية (36):- "36وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ." تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ = مثال لذلك أرميا النبى وهو أيضاً وضع فى القيود. آية (37):- "37رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ." رُجِمُوا = رجموا أرمياء النبى فى مصر بعد أن تنبأ عليهم بالفناء بسبب عبادتهم للأصنام ورجموا نابوت + (مت23: 37) + (أع7: 52). نُشِرُوا = منسى الملك نشر أشعياء النبى. طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ = هذه الأحداث حدثت أيام أنطيوخس أبيفانيوس. إذ من شدة الإضطهاد هربوا للجبال وتركوا كل أموالهم. آية (38):- "38وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ." الله أرسل هؤلاء لينذروا العالم ولكن العالم رفضهم وقتلهم وبذلك أثبت العالم أنه غير مستحق لهم بل مستحق للدينونة. شُقُوقِ الأَرْضِ = المغائر الطبيعية التى لم تحفرها يد. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ = الأباء الذين عانوا من أجل كلمة الحق وكلمة الله وكان إيليا النبى قد حدث معه شئ من ذلك. ومن هؤلاء السواح الأن. الآيات (29-40):- "39فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ، 40إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا." لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ = وعد الله داود أن كرسيه سيجلس عليه من نسله للأبد ولكنه وغيره من أبطال الإيمان لم يروا تنفيذ وعود الله لهم لأن هذه الوعود تحققت فى المسيح. ولكنهم بإيمانهم صدقوا وكان لهم رجاء فى تحقيق هذا الوعد. وهم إحتملوا الألام وإستشهدوا، والله سمح بهذا ليشهد لإيمانهم ويعلنه للعالم كله هذا الإيمان الصادق الذى جعلهم بحق شركاء فى الموعد بالميراث السمائى. وحتى نحن الآن نحيا بهذا الرجاء وكلنا ننتظر تمام تكميل المواعيد حتى يشترك الجميع فى الإيمان الواحد والضيق الواحد وبعد ذلك فى الميراث السماوى. وبولس الرسول يضع أمام العبرانيين هذه الصورة ليعرفوا أنه يجب عليهم أن يحتملوا الألام لفترة ليتزكى إيمانهم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح