كلمة منفعة
مهما كانت حالتك الروحية ضعيفة، فلا تيأس، لأن اليأس حرب من حروب الشيطان، يريد بها أن يضعف معنوياتك. ويبطل جهادك، فتقع في يديه.
— لا تيأس
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 9 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 9 الأصحاح التاسع : أعماله الملوكيّة (2) يستعرض معلّمنا متّى الإنجيلي جانبًا من أعماله الملوكيّة: 1. شفاء المفلوج 1-8. 2. دعوة متّى 9-13. 3. مفهوم الصوم 14-17. 4. إقامة الصبيّة 18-26. 5. شفاء أعميين 27-31. 6. شفاء مجنون 32-34. 7. الكرازة في المدن والقرى 35-38. 1. شفاء المفلوج "فدخل السفينة واجتاز وجاء إلى مدينته" [ع 1]. ما هي مدينته؟ أولاً: من الجانب الروحي يمكن أن نفهم مدينته أي مدينة الله على أنها السماوات، فإن السيّد المسيح بعدما شفى المجنونين أي قدّم الخلاص لليهود والأمم، وإن كان قد رفضه أهل الكورة، أي أهل العالم المحبّين للعالم والمستعبدين للزمنيّات، ركب السفينة التي هي كنيسته المقدّسة ليبحر بها خلال مياه هذا العالم إلى مدينته الإلهيّة، التي هي السماوات، لتستريح هناك في الحضن الإلهي. ثانيًا: ما هي مدينة الله إلا كنيسته التي يسكن في وسطها، ويُعلن ملكوته الأبدي في داخلها. فعودة السيّد إلى مدينته بعد رفضه في كورة الجرجسيّين إنّما يُشير إلى دخوله في حياة مؤمنيه بعدما رفضه اليهود. يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه: [بطريقة سرّيّة إذ رفضته اليهوديّة عاد إلى مدينته، مدينة الله هي الشعب المؤمن، إذ دخل إليهم بواسطة السفينة، أي خلال الكنيسة.] خلال هذا المفهوم يمكننا أن ندرك سرّ استخدامه السفينة في العبور إليها، فإنه كان قادرًا أن يسير على المياه دون أن يغرق. لكنّه إذ يدرك حاجة السفينة إليه، يتظاهر بحاجته إليها، لكي تقبله فيها، فيستلم قيادتها ويعبر بها إلى الميناء الأبدي بسلام. لقد نزل إلينا يحمل جسدنا لا ليسير على المياه، وإنما ليدخل السفينة كواحدٍ منّا فيقودنا، أمّا سيره على المياه إنّما يستخدمه عند الضرورة ولتأكيد غلبته على العالم الشرّير. لو سار السيّد في كل مرّة على المياه لما تأكّدنا من ناسوته، ولظن البعض خيالاً لا يحمل طبيعتنا، فنُحرم من دخوله إلى السفينة، وتحرم السفينة من قدرتها على الإبحار. ثالثًا: من الناحية الجغرافيّة فإن مدينته هي كفرناحوم كما يظهر من إنجيل مار مرقس (2: 1)، فقد كانت هذه المدينة هي مركز خدماته وتنقّلاته في تلك المرحلة من خدمته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [مدينته هنا تعني كفرناحوم. لقد استقبلته مدينة في ميلاده هي بيت لحم، ثم أخرى فيما بعد هي الناصرة، فثالثة استقبلته كمواطن فيها هي كفرناحوم.] لقد قبل في ميلاده بيت لحم أي بيت الخبز كموضع ميلاده، مقدّمًا نفسه خبزًا لكل جائع، يأتي إليه فيها البسطاء كالرعاة، والحكماء المتواضعين كالمجوس، اليهود كما الأمم. وبعد عودته من مصر يتقبّل الناصرة، أي الغصن أو المحتقر كموطن له، حتى يلتقي به كل من يقبل الاتّحاد معه كغصن في الكرمة (يو 15: 2)، وأخيرًا يقبل كفرناحوم موطنًا له، أي كفر التعزية، أو النياح, الموضع الذي فيه تجد كل نفس تعزيتها وراحتها بروحه القدّوس المعزّي. العجيب أن الابن الكلمة الذي به كان كل شيء، إذ قبل إنسانيّتنا اشترك معنا في كل شيء ما عدا الخطيّة، فقبِل أن تكون له مدينته أو وطنه، مقدّسًا بهذا حق "المواطنة"، فيلتزم كل مسيحي بالأمانة نحو وطنه، مقدّمًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. كأن اتّساع قلبه لكل البشريّة إنّما يكمّله التزامه بواجباته الوطنية. ماذا يفعل السيّد في مدينته؟ "وإذا مفلوج يقدّمونه إليه مطروحًا على فراش. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك" [2]. دخل السيّد إلى مدينته، أي إلى شعبهن لكي يشفي فالج نفوسهم الداخلي، واهبًا الصحّة لنفوسهم التي فقدت كل حيويّتها، وعندئذ يشفى أجسادهم من الفالج الظاهري. هذا ما صنعه السيّد ويصنعه في كل جيل، فخلال قيامته وهب نفوسنا - بالإيمان - الحياة الجديدة، فتخرج من مياه المعموديّة مقامة معه تنعم بالميلاد الروحي الجديد، خلال هذه القيامة الداخليّة نسلك في رجاء ننتظر فداء أجسادنا، كقول الرسول: "نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا، نئن في أنفسنا، متوقّعين التبنّي فداء أجسادنا، لأننا بالرجاء خلصنا" (رو 8: 23-24). نلنا فيه قيامة النفس لندخل ملكوته الألفي الذي نحياه الآن، منتظرين قيامة أجسادنا في يوم الرب العظيم إلى سماواته، فنراه وجهًا لوجه ونحيا معه بلا تغرّب. يُعلّق القدّيس جيروم على اهتمام السيّد بالنفس قائلاً: [في هذا نجد مثالاً للنفس المريضة الراقدة في جسدها وقد خارت قواها، وها هي تُقدّم للرب الطبيب الكامل واهبًا إيّاها الشفاء.] ويرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه في هذه المعجزة صورة حيّة لعمل السيّد المسيح داخل الكنيسة إذ يغفر الخطايا واهبًا النفس الشفاء متمتّعة بالبنوّة لله، إذ يدعوه "يا بنيّ"، الأمر الذي عجز عنه الناموس، كما يقول القدّيس: [في المفلوج أُحضر إليه كل الأمم لينالوا الشفاء... لقد دعاه "يا بنيّ" لأنه عمل الله. لقد غفر له خطاياه، الأمر الذي لم يستطع أن يفعله الناموس، إذ بالإيمان وحده (لا الناموس) يتبرّر. إنه يُعلن قوّة القيامة بحمله السرّير ليعلِّم بأن في السماء ستكون الأجساد بلا ضعفات.] لقد لفت أنظار آباء الكنيسة في هذه المعجزة اهتمام الإنجيليّين بالكشف عن فاعلية حياة الشركة الروحيّة، فيستند المؤمن على إخوته في المسيح يسوع ربّنا، كما يسند هو الآخرين، ويعيش الكل كبناء واحد متكامل يرتكز على "المسيح يسوع" حجر الزاوية. لقد حمل المؤمنون المفلوج، وشفاه الرب من أجل إيمانهم، إذ يقول الإنجيلي: "فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: ثق يا بنيّ مغفورة لك خطاياك" [2]. ما أحوجنا أن نُحمل بإيمان الآخرين، ونحمل نحن الآخرين بإيماننا! + ليتنا أول كل شيء نردّد ما سبق فقلناه، إنه إن كان أحد مريضًا فليطلب صلوات الآخرين حتى يردُّوه إلى الصحّة (مت 9: 2)، فخلال شفاعتهم يُردْ هيئة جسدنا الواهن، أي خطوات أعمالنا المتردّدة إلى الصحّة، بعلاج الكلمة السماوي. ليتهم يسندوا النفس حتى تقوم، هذه الملقاة بلا حراك في ضعف الجسد الخارجي، فإنه خلال معونتهم يحمل الإنسان كلّه ويدُلى في حضرة يسوع، فيتأهّل لأن يكون موضع رؤية يسوع. + هل فقدت الثقة بسبب خطاياك الخطيرة؟ أطلب صلوات الآخرين! استدع الكنيسة فتصلّي عنك، فإن الرب يتطلّع إليها ويهبك ما يرفضه بالنسبة لك. القدّيس أمبروسيوس إن قارنّا بين شفاء هذا المفلوج وشفاء مفلوج بيت حسدا (يو 5)، نجد أن السيّد المسيح هنا ينتظر في البيت، لا لكي يدخل به أحباؤه، وإنما لكي ينقبوا أيضًا السقف ويدلّوه، أمّا الآخر فذهب السيّد نفسه إليه يسأله إن كان يريد أن يبرأ. هذا المفلوج شُفيت نفسه أولاً من الخطيّة، وعندئذ حمل سريره ومشى، أمّا الآخر فشُفى جسده أولاً، وبعد ذلك التقى به ليطالبه ألا يخطئ بعد. فهل لدى الله محاباة، يعامل إنسانًا بطريقة، والآخر بطريقة أخرى؟ إنه بلا شك الأب محب البشر الذي يعرف أن يقدّم لكل ابن ما هو لبنيانه، فهو لا يميّز بين البشر، إنّما يميّز في الوسيلة بما يناسب كل أحد. فالمفلوج هنا له أصدقاؤه الذين يحبّوه ويقدرون أن يحملوه بعدما أخبروه عن أعمال المسيّا التي انتشرت. لهذا انتظرهم السيّد ليحملوا فيهم الروح الكنسيّة الجماعيّة، وينالوا إكليل الحب الجماعي. وبدأ بشفاء نفسه، لأن المريض يدرك الكثير عن المسيح وأعماله، فأراد أن يوجّهه إلى شفاء الفالج الداخلي. أمّا مفلوج بيت حسدا فله ثمانية وثلاثون عامًا في المرض، ليس له من يسنده ولا من يعينه، تحطّمت نفسه. فهو محتاج إلى مجيء السيّد بنفسه إليه، وشفاء جسده أولاً عندئذ يوجّهه إلى حياته الداخليّة. مقاومة الكتبة إن كان المؤمنون يحملون بعضهم البعض، ويسندون بعضهم البعض لكي ينعم الكل بالحضرة الإلهيّة، ويتمتّع المريض بشفاء النفس والجسد، كما فعل حاملو المفلوج، فإنه يوجد أيضًا من هم بالكبرياء يحطّمون غيرهم. كان يلزم للكتبة أن يحملوا المفلوج للسيّد، لأنهم مؤتمنون على الشريعة التي غايتها الدخول بالنفوس المصابة بالفالج إلى المسيّا المخلّص، لكنهم عِوض أن يكرزوا لاخوتهم ويشهدوا للمسيح فينالوا الشفاء، صاروا ناقدين يشوّهون الحق ويقاومون العمل الإلهي. صاروا يجدّفون على السيّد في أفكارهم، لكن السيّد لم يتركهم في شرّهم، ولا تجاهل خلاصهم، إنّما في رقة وبّخهم، لا ليفحمهم، وإنما بالأحرى لكي ينقذ أفكارهم من التجديف المهلك، قائلاً لهم: "لماذا تفكّرون بالشرّ في قلوبكم. أيّهما أيسر: أن يقال لك مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال: قم وأمش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا حينئذ قال للمفلوج: قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك" [4-6]. لقد أكّد لهم أنه الله العالم بالأفكار، فكشف لهم ما بداخلهم، وأكّد لهم أنه غافر الخطايا بطريقة ملموسة تناسب فكرهم المادي بشفائه المفلوج فورًا. لقد غفر للمفلوج خطاياه، وهاهو يفتح الباب لهم كي ينعموا هم بما ناله. حمل السرير بلا شك لحمل السرّير ذكريات مرّة عند المفلوج، فقد نام عليه سنوات طويلة يئن من المرض والحرمان؛ كان يمثّل القيد الذي ارتبط به زمانًا طويلاً أفقده بهجة الحياة وحيويّتها. حمْل السرّير إنّما يُشير إلى تذكُّر الخطايا الماضية فيقدّم الإنسان شكره الدائم لله واهب الحياة. حمْل السرّير يسند النفس فلا تسقط في الكبرياء، إذ تذكر سنوات العبوديّة المرة للمرض. يرى القدّيس أمبروسيوس في حمْل هذا السرّير صورة رمزيّة لقيامة الجسد، فبعدما كانت النفس تحمل الجسد كسرير ألم مرّ، يصير في القيامة سرّ بهجة دائمًا لا يتعرّض بعد لتجربة أو ألم، إذ يقول: [ماذا يعني هذا السرّير الذي طُلب منه أن يحمله، إلا أن يقدّم جسده البشري؟ هذا هو السرّير الذي كان داود يغسله كل ليلة كما نقرأ: "أغسل سريري، أغسل فراشي بدموعي" (مز 6: 7). هذا هو سرير الألم الذي تضطجع فيه نفسنا المريضة بعذاب الضمير الخطير. لكن إن حمَل أحد هذا السرّير بوصايا المسيح لا يعود بعد سريرًا للألم بل للراحة. فما كان قبلاً موتًا بدأ الآن يصير للراحة، وذلك بفعل مراحم الرب التي غيرّت نوم موتنا إلى نعمة بهجة الرب.] العودة إلى بيته أمَره السيّد: "اذهب إلى بيتك" [6]، يؤكّد الإنجيلي أنه مضى إلى بيته، فما هو هذا البيت الذي حُرم منه المفلوج طوال هذا الزمان من مرضه؟ لقد حرمت الخطيّة الإنسان من بيته الأول، أي الفردوس، فخرج منه يحمل أثقال المرارة، ويدب فيه الموت الأبدي، وقد بقيَ في الناموس الطبيعي فالموسوي كمن هو متغرّب في الشوارع، عاجز عن العودة إلى حياته الفردوسية الأولى، والراحة في البيت الذي أقامه له الرب نفسه. نستطيع أيضًا أن نقول بأنه بيته الحقيقي هو "الله" نفسه، ففيه وحده يستريح الإنسان كمن في حضن أبيه، وإذ صار بالخطيّة في عداوة مع أبيه جاء الابن الوحيد إلينا، وحملنا فيه، ليدخل بنا إلى حضن أبيه أولادا لله. هذه هي العودة إلى بيتنا الأول! + لم يأمره فقط أن يحمل سريره، وإنما أن يعود أيضًا إلى بيته، أي أخبره أن يعود إلى الفردوس، فإن هذا هو بيت الإنسان الحقيقي، الذي استقبله أولاً، هذا الذي فقده ليس خلال الناموس وإنما خلال الضلال. حقًا لقد أُعيد إلى بيته، إذ جاء من هو بالحق يحطم الضلال ويعيد الحق. القدّيس أمبروسيوس + خُلق الإنسان لكي يتطلّع إلى خالقه، ويسكن في جماله، ويحيا في فرح محبّته، لكن بالعصيان فقد مسكنه وصار يتجوّل في الطرق المظلمة، وذهب بعيدًا عن مسكن النور الحقيقي. + الخالق نفسه هو موضع الإنسان، لكن ليس كمكان، فقد جبله ليسكن فيه. وإذ أعطى الإنسان أُذنه للمجرِّب هجر مسكنه، هجر حب الخالق. لكي يخلّصنا القدير ظهر لنا جسديًا، وإن أمكنني القول، أنه اقتفى أثر الإنسان الذي هرب منه وجاء به إليه كموضع يُحفظ فيه الإنسان المفقود. الأب غريغوريوس (الكبير) 2. دعوة متّى يروي لنا الإنجيلي متّى قصة دعوته لتبعيّة المسيح في كلمات مختصرة: "وفيما يسوع مجتاز من هناك، رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متّى، فقال له: اتبعني، فقام وتبعه" [9]. كان متّى (لاوي) جالسًا عند مكان الجباية وكان قلبه وكل أحاسيسه وأفكاره قد اِمتُصِّت بالكامل في أمور هذه الحياة وغناها. وكان الأمر يحتاج إلى كلمة من السيّد المسيح: "اتبعني"، قادرة أن تفك رباطاته وتسحب قلبه إلى السماويات، دون تردّد، وبغير حاجة إلى مشورة عائلته أو أصدقائه. لحق الإنجيلي دعوته باجتماع السيّد بالعشّارين والخطاة، أو كما يقول الإنجيلي لوقا: "صنع له ضيافة كبيرة في بيته، والذين كانوا متكئين معهم كانوا جمعًا كثيرًا من عشّارين وآخرين" (لو 5: 29). حقًا إذ يتقبّل الإنسان نعمة الله الغنيّة يتبرّر القلب من مكان الجباية حيث دفاتر الحسابات والخزائن المكدّسة بالمال، لا ليعيش في عوزٍ، وإنما ليتقبّل السيّد المسيح نفسه سرّ شبعه وغناه. يقول الرسول بولس: "إنكم في كل شيء استغنيتم فيه" (1 كو 1: 5). يتحوّل القلب الذي كان مسرحًا للهم والقلق إلى ضيافة عظيمة ووليمة يقيمها السيّد المسيح نفسه، ليكون على رأس المتّكئين، يهبهم ذاته سرّ غناهم. وعِوض البرّيّة التي كانت سِمة القلب الخاطيء، يصير فينا فردوس الله المملوء من ثمر الروح القدس. يفرح السيّد نفسه بهذه الوليمة فيترنّم قائلاً: "قد دخلتُ جنتي يا أختي العروس، قطفتُ مرّي مع طيبي، أكلتُ شهدي مع عسلي، شربتُ خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء" (نش 5: 1). في الظاهر صنع متّى الوليمة، لكن بالحق هي وليمة السيّد الذي يفرح بجنّته المثمرة في قلوب طالبيه، فيدعوا الخطاة والعشّارين ليذوقوا هذا الثمر المفرح، ويقتدوا بمن نال هذه النعم! لقد أعلن السيّد أننا لا نصوم مادام العريس حال في وسطنا، وكأنه يسألنا إذ نحمله فينا أن نفتح قلوبنا بالحب ليأكل من ثمره المقدّس فينا وندعو الآخرين يأكلون معه، قائلين: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب!"... إننا ندعوهم لينعموا بالوليمة الداخليّة التي أقامها الرب بروحه القدّوس فينا، هذه التي تسبّب تذمُّرًا بين الكتبة والفرّيسيّين، قائلين: لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين والخطاة؟ فيجيبهم: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلّموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطاة إلى التوبة" [12]. يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على صنع الوليمة، قائلاً: [عندما ترك مكان الجباية تبع المسيح بقلبٍ ملتهبٍ، ثم صنع له وليمة عظيمة. فمن يقبل المسيح في قلبه يمتلئ بالأطاييب الكثيرة والسعادة الفائقة، ويود الرب نفسه أن يدخل في قلب المؤمن ويستريح!... كل من يقبل جمال الفضيلة، ويقبل المسيح في بيته، يصنع له وليمة عظيمة أي وليمة سماويّة من الأعمال الصالحة، هذه التي يحرم منها جماعة الأغنياء ويشبع منها الفقير.] هذه الوليمة يدخلها الخطاة والعشّارون الذين يشعرون بالحاجة إلى المخلّص لكي يبرّرهم، بينما يقف الفرّيسيّون خارجًا ينتقدون السيّد على محبّته المتّسعة لهم، لذلك أكّد لهم السيّد: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى... لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة". يُعلّق القدّيس أغسطينوس على هذا القول الإلهي، قائلاً: [لو لم يحب الله الخطاة ما كان قد نزل من السماء إلى الأرض.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [إنه لا يدعو من يدعون أنفسهم أبرارًا، فإنهم إذ يجهلون برّ الله ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم لم يخضعوا لبرّ الله (رو 10: 3). من يدعون أنفسهم أبرارًا لا تقترب إليهم النعمة. فإن كانت التوبة هي بداية النعمة فمن الواضح أن احتقار التوبة هو تخلي عن النعمة.] نختم حديثنا عن دعوة متّى الإنجيلي بالمناجاة التي ينطق بها القدّيس أمبروسيوس على لسانه بعد تركه موضع الجباية وتبعيّته للسيّد المسيح: [لست بعد عشّارًا، فقد تبررت من أن أكون لاويًا! لقد خلعت عنّي لاوي، ولبست المسيح! كرهت أسْري، وهربت من حياتي الأولى! إني لا أتبع آخر سواك أيها الرب يسوع! يا من تشفي جراحاتي! من سيفصلني عن محبّة الله التي فيك؟ أشدة أم ضيق أم جوع؟(رو 8: 35). تُسمّرني فيك بمسامير الإيمان، وتربطني بك قيود الحب الصالحة! وصاياك هي أداة الكيّ التي سأحتفظ بها على جرحي، إنها الوصيّة التي تحرق الموت الذي في الجسد، حتى لا تنتقل العدوى إلى الأعضاء الحيّة، إنه دواء مؤلم يحمي من عفونة الجرح! أيها الرب يسوع، اقطع بسيفك القوي عفونة خطاياي، وقيّدني برباطات الحب، نازعًا كل فساد فيّ! أسرع وتعال لتفضح الشهوات الخفيّة والمتنوّعة! اكشف الجرح فلا تزداد عفونته! طهّر كل فساد بحميم الميلاد الجديد.] 3. مفهوم الصوم "حينئذ أتى إليه تلاميذ يوحنا قائلين: لماذا نصوم نحن والفرّيسيّون كثيرًا، وأما تلاميذك فلا يصومون؟" [14]. جاءت إجابة السيّد تكشف عن مفهوم الصوم بمنظار جديد، إذ قال: أولاً: "هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم؟ ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون" [15]. كأن الصوم ليس مجرّد واجب يلتزم به المؤمنون، إنّما هو عمل خاص ببني العرس الذين يصومون كمعين لهم في حياة الندامة (النوح) والتوبة، أي ليس كغاية في ذاته، وإنما من أجل الدخول إلى العريس والتمتّع بالعرس خلال التوبة. فإن كان العريس نفسه حاضرًا في وسطهم فما الحاجة إلى الصوم؟ إنه سيرتفع عنهم جسديًا فتمارس، الكنيسة صومها لتتهيّأ لمجيئه الأخير فتلتقي معه في العرس الأبدي. مادام العريس مرفوعًا لا نراه حسب الجسد، وجهًا لوجه، فيلزمنا أن نصوم لا عن الطعام فحسب، وإنما عن كل لذّة وترف من أجل طعام أفضل سماوي ولذّة روحيّة أبديّة وأمجاد علويّة هي في جوهرها تمتّع بالعريس نفسه. ثانيًا: "ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، لأن الملء يأخذ من الثوب فيصير الخرق أردأ. ولا يجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعًا" [16-17]. ماذا يعني السيّد بهذا القول؟ وما هو ارتباطه بالصوم؟ إنه يؤكّد أنه بحلوله وسط البشريّة إنّما أراد تقديم حياة جديدة يعيشها المؤمنون به، لها سماتها الجديدة وطبيعتها الجديدة وإمكانيّاتها الجديدة، فلا تُمارس العبادة بالمفهوم القديم الذي ارتبط بذهن الكثيرين. فالسيّد لا يقبل فكرة الإصلاح عن طريق "الترقيع" بين ما هو قديم وما هو جديد، وإنما بهدم الحرفيّة القاتلة القديمة لبناء الفكر الروحي الجديد. بهذا يصير الصوم سرّ انطلاق للنفس بالروح القدس لتمارس الحياة العرسيّة المفرحة. ما أحوجنا أن نلبس الثوب الجديد عِوض وضع رقعة جديدة في ثوب قديم، وأن يكون لنا الزقاق الجديد إنّما هو ثوب المعموديّة الأبيض، الطبيعة الجديدة التي توهب لنا خلال تمتّعنا بالقيامة مع مسيحنا بروحه القدّوس، والزقاق الجديد هو إنساننا الجديد الذي يتقبّل خمر الروح القدس المجدّد لحياتنا على الدوام. + لنحتفظ بالثوب (الجديد) الذي ألبسنا إيّاه الرب في المعموديّة. ولكن ما أسهل تمزيق هذا الثوب إن كانت أعمالنا لا تتّفق مع نقاوته، سرعان ما يفسده سوس الجسد وينجّسه ضلال الإنسان العتيق. لهذا يمنعنا الرب من الخلط بين الجديد والقديم، يحرم الرسول ارتداء الثوب الجديد فوق العتيق، إنّما نخلع العتيق ونلبس الجديد فلا نوجد عراة (كو 5: 2-4 )؛ فإنّنا نكون هكذا عراة إن سلب مكر إبليس رداءنا. القدّيس أمبروسيوس 4. إقامة الصبيّة جاءت قصة إقامة ابنة يايرس مرتبطة بشفاء نازفة الدم بأكثر تفصيل في إنجيل معلّمنا لوقا البشير (8: 41-56). لقد تقدّم يايرس رئيس المجمع إلى السيّد، ووقع عند قدميه، يسأله أن يدخل بيته، لأن ابنته كانت في حالة موت. حقًا لقد أظهر يايرس رئيس المجمع اليهودي إيمانا بالسيّد، لكن قائد المائة الأممي غلبة في إيمانه (مت 8: 5-13)، إذ لم يسأله أن يحضر إلى بيته ولا أن يمد يده على غلامه ليشفيه، وإنما قال: "قل كلمة"، أمّا رئيس المجمع اليهودي فقال: "تعال وضع يدك عليها، فتحيا". حقًا إن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب بإيمان أعظم ممّا لبني الملكوت! في الطريق قبل أن يسمع أن ابنته ماتت (لو 8: 49). سمح الرب بشفاء نازفة الدم ليرى بعينيّه ويلمس عمله الإلهي فلا يشك. إن عُدنا إلى الكتاب المقدّس نجده يروي لنا ثلاث معجزات خاصة بإقامة السيّد المسيح للموتى، تمثل عمله الإلهي في إقامتنا من موت الخطيّة... هذه المعجزات هي: أولاً: إقامة ابنة يايرس وهي بعد صبيّة صغيرة، لم تُرفع بعد عن سرير الموت في بيت أبيها، تُشير إلى النفس التي ماتت بالخطيّة خلال الفكر الخفي في الداخل، وهي تحتاج أن يدخل السيّد إلى بيتها "قلبها"، ويلمس يدها فتقوم. ثانيًا: إقامة الشاب ابن الأرملة، وكان قد حُمل في النعش إلى الطريق، يمثّل النفس التي عاشت في الخطيّة ليس خلال الفكر فقط، وإنما ظهرت أيضًا خلال العمل، فخرجت من البيت إلى الطريق كما في نعش، تحتاج إلى أن يوقِف الله حاملي النعش، ويأمر الشاب أن يقوم ثم يدفعه إلى أمه. إنها تحتاج إلى تدخّل الله للتوقّف عن التحرّك نحو قبر الخطايا، فلا يكمّل الشرّير طريق شرّه، حتى لا تتحوّل الخطيّة فيه إلى عادة، إنّما يسمع الصوت الإلهي يناديه ليهبه روح القيامة ويدفعه إلى الكنيسة أمه. ثالثًا: إقامة لعازر بعدما دفن في القبر أربعة أيام وحدث تعفُّن للجسد، إشارة إلى من تحوّلت الخطيّة في حياته إلى عادة، ارتبطت به وهو ارتبط بها، فصار كأنه والخطيّة أمر واحد. لقد انزعج السيّد وبكى وأمر برفع الحجر، ثم نادى لعازر أن يخرج، وطلب ممّن حوله أن يحلّوه من الرباطات! مثل هذه النفوس يبكيها السيّد نفسه، ويذهب إلى قبرها، ويأمر برفع حجر القسوة، وبكلمة فمه يقيمها ويخرجها من قبر الخطيّة، طالبًا من الكهنة أن يحلّوها من رباطاتها. إن عدنا إلى إقامة الصبيّة نجد السيّد يقول: "تنحّوا، فإن الصبيّة لم تمت لكنها نائمة" [24]، وكأنه كان يشجّع تلاميذه على قبول الموت بلا انزعاج كمن يدخل إلى النوم ليستريح. + حقًا عندما جاء المسيح صار الموت نومًا! + إن كنت تحب الراحل يلزمك أن تفرح وتسر أنه قد خلُص من الموت الحاضر. القدّيس يوحنا الذهبي الفم أما بخصوص شفاء نازفة الدم بلمسها هدب ثوب السيّد خفية، فقد أعلن السيّد أمرها، ويقدّم القدّيس يوحنا الذهبي الفم التعليلات التالية لتصرُّف السيّد: أولاً: ليضع نهاية لمخاوف المرأة، لئلا تتألّم إذ ينخسها ضميرها أنها نالت العطيّة خلسة. ثانيًا: أنه حسبها على حق أن تخفي فكرها. ثالثًا: أعلن إيمانها للكل، ليحثّ البقيّة على الاقتداء بها، فإن وقفِه لينبوع دمها ليس بعلامة أعظم ممّا أظهره أنه يعرف كل الأمور (يعرف فكرها وإيمانها وتلامسها الخفي معه). علاوة على هذا كان رئيس المجمع في طريقه إلى الدخول إلى عدم الإيمان وهلاكه تمامًا، فجاءت هذه المرأة لتصلح من شأنه. لقد جاءوا إليه قائلين: "قد ماتت ابنتك، لا تُتعب المعلّم" (لو 8: 49)، والذين كانوا في البيت ضحكوا عليه ساخرين به عندما قال أنها نائمة، وكان يمكن أن يكون للأب نفس هذه المشاعر، لهذا قدّم له هذه المرأة البسيطة ليُصحّح من ضعفه مقدّمًا. بين كنيسة الأمم وكنيسة اليهود ارتباط شفاء نازفة الدم بإقامة ابنة يايرس رئيس المجمع اليهودي إنّما يُشير إلى التقاء الأمم كما اليهود بالسيّد المسيح كطبيب النفوس وواهب الحياة؛ ويلاحظ في هاتين المعجزتين: أولاً: كان عمر الصبية التي ماتت وقد استدعى والدها السيّد المسيح لإقامتها اثني عشر سنة إشارة إلى جماعة اليهود الذين ينتسبون إلى اثني عشر سبطًا، وقد سقطوا تحت الموت، فانطلق الناموس كقائد لهم يُعلن الحاجة إلى مجيء المسيّا ليقيمهم. وقد جاء السيّد إلى بيتها، لأن المسيّا وُلد بين اليهود كواحد منهم. أمّا نازفة الدم فقد عاشت اثنتي عشرة عامًا في حالة نزف دم إشارة إلى قضاء كل زمانها السابق في نجاسة الخطيّة التي استنزفت حياتها. إنها اِلتقت بالسيّد في الطريق ولم يدخل السيّد بيتها، فإن السيّد لم يأتِ بالجسد من الأمم، ولا حلّ جسديًا في وسطهم، إنّما اِلتقى بهم كما في الطريق. + يُفهِّم هذا الرئيس بكونه الناموس الذي يسأل الرب أن يهب حياة للشعب الميّت، هذا الناموس الذي بشَّر بالتطلّع إلى مجيء الرب. + يذهب الرب إلى بيت الرئيس كما إلى المجمع، الذي منه تخرج الأصوات كما من نحيب من ترنيمات الناموس. الأب هيلاري أسقف بواتييه + نقول بأن المرأة (نازفة الدم) تمثل الكنيسة الخارجة من الأمم. إذ كان الرب في طريقه لإقامة ابنة رئيس المجمع، هذه التي تمثل الشعب اليهودي، إذ جاء الرب من أجل اليهود وحدهم، قائلاً: "لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت 15: 24). إذن كما جاء إلى ابنة رئيس المجمع، فجأة لا أعرف من أين جاءت هذه المرأة ولمست بإيمان الرب، قائلة: "إن مسست هُدب ثوبه فقط شُفيت"، وقد لمست وشفيت. إذن عانت هذه المرأة من نزف الدم... وأنفقت كل معيشتها على الأطباء (لو 8: 43). إنها تشبه كنيسة (جماعة) الأمم البائسة التي طلبت السعادة، وسألت عن مصدر القوّة، بكل وسائل الشفاء. أي شيء عندها لم تنفقه على الأطباء الباطلين من الفلكيّين والمنجّمين ومفسدي الهياكل؟! لقد وعدها هؤلاء جميعًا بالشفاء لكنهم لم يقدروا، إذ لا يملكونه. لقد أنفقت كل ما عندها ولم تشفى. لذلك قالت: "إن مسست هدب ثوبه فقط شفيت". لقد لمست وشفيت. لنسأل ما هو هدب ثوبه؟... لنفهم أن الرسل هم ثوب الرب الملاصقون له. اسأل من هو الرسول الذي أُرسل للأمم؛ تجده بولس الرسول، إذ كانت أعظم أعماله الرسوليّة بين الأمم... إنه هدب ثوب الرب، إذ كان آخر الرسل. هل يوجد أحد يُحسب كآخر هذا الثوب والأقل؟ يقول الرسول أنه كان هكذا: "آخر الكل، لأني أصغر الرسل" (1 كو 15: 8-9). لنلمسه نحن أيضًا، أي لنؤمن فنشفَى! + أي شيء تمثله هذه المرأة؟ كنيسة الأمم التي نالت الشفاء التي لم تشاهد المسيح بالجسد، والتي أشار إليها المزمور: "شعب لم أعرفه يتعبّد لي، من سماع الأذن يسمعون لي" (مز 18: 43-44). لقد سمع العالم كلّه عنه وآمن به، أمّا اليهوديّة فرأته وصلبته أولاً، وبعد ذلك سيأتون إليه. سيؤمن اليهود به في نهاية العالم. القدّيس أغسطينوس 5. شفاء أعميين "وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه أعميان يصرخان ويقولان: ارحمنا يا ابن داود. ولما جاء إلى البيت تقدّم إليه الأعميان، فقال لهما يسوع: أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟ قالا له: نعم يا سيّد. حينئذ لمس أعينهما، قائلاً: بحسب إيمانكم ليكن لكما. فانفتحت أعينهما" [27-30]. كان العالم في ذلك الحين وقد انقسم إلى يهود وأمم قد أُصيب كلّه بالعَمي الروحي، فقدَ اليهود بصيرتهم الداخليّة بسبب كبرياء قلبهم وحرفيّة إدراكهم للناموس وانجذابهم إلى الرجاسات الوثنيّة، وفقد الأمم أيضًا بصيرتهم بسبب العبادة الوثنيّة. وكأن هذين الأعميين اللذين كانا يصرخان: ارحمنا يا ابن داود يمثّلان العالم كله، يهودًا وأممًا، يُعلن عوزه إلى المسيّا المخلّص ابن داود لكي يعيد إليه بصيرته الروحيّة. وقد جاء السيّد إلى "البيت"، أي إلى مسكننا؛ جاء إلينا في الجسد حتى نستطيع أن نتقدّم إليه، ويمكننا أن نتقبّل لمسات يده الإلهيّة على أعيننا الداخليّة. فالبيت هنا إنّما يُشير إلى التجسّد الذي بدونه ما كان يمكننا التلامس مع ابن الله، والتمتّع بإمكانيّاته الإلهيّة، ليهب لأعيننا نوره، فتعاين النور. جاءنا ابن الله متجسّدًا، معلنًا مبادرته بالحب. لكنّه يسأل: أتؤمنان إني أقدر أن أفعل هذا؟ بالإيمان يحلّ في قلوبنا (أف 3: 17)، فتنفتح بصيرتنا من يوم إلى يوم لمعاينة الأسرار خلال تمتّعنا بها فيه. إن كنّا بسبب الخطيّة انطمست أعيننا من معاينة النور، فانحرفنا عن الطريق، وصرنا نتخبّط في الظلمة، فقد صرخت البشريّة على لسان المرتّل: "أرسل نورك وحقّك، هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل قدسك وإلى مساكنك" (مز 43: 3). وقد جاءنا من هو "نور العالم" (يو 8: 12) معلنًا: "أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة"، "أنا هو الطريق والحق والحياة " (يو 14: 6). جاءنا الملتحف بالنور كثوب (مز 104: 2)، الذي ليس فيه ظلمة البتة (1 يو 1: 5)، يشرق في الظلمة بنوره (إش 58: 10)، نلبسه فنصير أبناء نور وأبناء نهار (1 تس 5:5)، بل نصير به نورًا للعالم (مت 5: 14). يصرخ القدّيس أغسطينوس في مناجاة نفسه مع الله قائلاً: [إلهي... أنت نوري. افتح عينيّ فتعاينا بهاءك الإلهي، لأستطيع أن أسير في طريقي بغير تعثّر في فخاخ العدوّ! حقًا، كيف يمكنني أن أتجنّب فخاخه ما لم أراها؟ وكيف أقدر أن أراها إن لم أستنر بنورك؟ ففي وسط الظلمة يخفي "أب كل ظلمة" هذه الفخاخ، حتى يصطاد كل من يعيش في الظلمة. هذا العدوّ الذي يودّ أن يكون أبناؤه محرومين من نورك ومن سلامك الكامل... ما هو النور إلا أنت يا إلهي! أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضيء لأولادك حتى لا يتعثّروا... يا نور نفسي، لا تتوقّف قط عن إنارة خطواتي!] القدّيس أغسطينوس + أيها النور الحقيقي الذي تمتّع به طوبيا عند تعليمه ابنه، مع أنه كان أعمى! أيها النور الذي جعل اسحق - فاقد البصر - يُعلن بالروح لابنه عن مستقبله!... أنت هو النور الذي أنار عقل يعقوب، فكشف لأولاده عن الأمور المختلفة!... أنت هو الكلمة القائل: "ليكن نور، فكان نور". قل هذه العبارة الآن أيضًا، حتى تستنير عيناي بالنور الحقيقي، وأميّزه عن غيره من النور. فبدونك كيف أقدر أن أميّز النور عن الظلمة، والظلمة عن النور؟! نعم... خارج ضيائك، تهرب الحقيقة منّي، ويقترب الخطأ إليّ، ويملأني الزهو... ويصير فيّ الارتباك عِوض التمييز، يصير لي الجهل عِوض المعرفة، والعَمى عِوض البصيرة! القدّيس أغسطينوس وفي دراستنا للمعموديّة رأيناها "سرّ الاستنارة"، حيث نخلع الإنسان القديم بظلمته لنلبس الإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا، فنحمل فينا مسيحنا سرّ استنارتنا، ويكون روحه القدّوس واهبًا لنا إمكانيّة التقديس التي بدونها لا نقدر أن نُعاين الله. يقول القدّيس مار يعقوب السروجي: [المعموديّة هي ابنة النهار، فتحت أبوابها فهرب الليل الذي دخلت إليه الخليقة كلها.] نعود إلى الأعميين اللذين شفاهما السيّد، إذ يقول الإنجيلي: "انتهرهما يسوع قائلاً: انظرا لا يُعلما أحد، ولكنّهما خرجا وأشاعاه في تلك الأرض كلها" [31]. لقد قدّم لنا السيّد درسًا في التواضع، فمن أجل محبّته لهما شفاهما حتى يبعث فينا روح الحب الخفي وعدم طلب المجد الباطل. لم يخالف الأعميان أمرًا إلهيًّا حين أشاعا الخبر، فإن قوله: "أنظرا لا يُعلما أحد" لم يكن وصيّة يلزمهما بها، وإنما هو حديث حبّي فيه يُعلن عدم طَلبه مجد العالم مقابل محبّته، أمّا هما فردّا الحب بالحب خلال الشهادة له. لقد استنارت أعينهما فاشتهيا أن يتمجّد الطبيب السماوي بتفتيح أعين الكل، ليعاينوا ما يعايناه هما! من يرى النور لا يقدر أن ينظر إخوته سالكين في الظلمة بل يدعوهم إلى النور الذي ينعم به، كما فعلت المرأة السامريّة حيث تركت جرّتها وخرجت إلى مدينتها تقول للناس: "هلمّوا، انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح؟" (يو4: 29). وفي حديث للقدّيس يوحنا الذهبي الفم مع المواظبين على اجتماعات الكنيسة والمشتركين فيها يقول: [علِّموا الذين هم من خارج أنكم في صحبة طغمة السيرافيم، محسوبين مع السمائيّين، معدِّين في صفوف الملائكة، حيث تتحدّثون مع الرب، وتكونون في صحبة السيّد المسيح.] 6. شفاء مجنون قُدّم للسيّد المسيح إنسان أخرس مجنون، "فلما أخرج الشيطان تكلّم الأخرس، فتعجّب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أمّا الفرّيسيّون فقالوا برئيس الشيّاطين يخرج الشيّاطين" [33-34]. لا يمكن للبشريّة الصامتة زمانًا هذا مقداره أن تتحدّث مع خاِلقها، ولا أن تسبّحه داخليًا وتشكره، حتى وإن سبَّحته بالفم واللسان، فقد صمت اللسان الداخلي عن الحديث السرّي الخفي مع الخالق، بسبب العداوة التي نشأت كثمرة طبيعيّة للخطيّة، فصارت كمن يسكنها شيطان أخرس. لهذا جاء السيّد المسيح طاردًا روح الشرّ والخطيّة، فينطق لسانها الداخلي بالحمد والتسبيح، وتصير طبيعتها شاكرة عِوض الجحود القديم. لقد أدركت الجموع البسيطة عمل السيّد المسيح كمخلّص بينما تعثّر أصحاب المعرفة النظريّة، الفرّيسيّون، بسبب كبرياء قلبهم وتعبُّدهم لذواتهم فرأوا فيه كرئيس للشيّاطين لا كمخلّص من الشيّاطين! بينما جاء السيّد المسيح يفتح أعين العميان لكي تبصر بالإيمان ملكوت السماوات في القلب انفضح عمى القيادات الدينيّة المتعجرفة، انكشف الفرّيسيّون العارفون بالكتب المقدّسة كجهلاء يرفضون المخلّص ويتّهمونه برئيس الشيّاطين. أمّا سرّ عَمى بصيرتهم فهو تركهم للعمل الرعوي الحق ليرعوا كرامتهم وبطونهم وخزائنهم عِوض رعايتّهم لشعب الله، فحلّت "الأنا" عِوض "الله نفسه"، هؤلاء يقول عنهم الرسول: "يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في 2: 21)، ويعاتبهم الله في مرارة، قائلاً: "ألا يرعى الرعاة الغنم؟ تأكلون الشحم وتلبسون الصوف، وتذبحون السمين، ولا ترعون الغنم! المريض لم تقووه، والمجروح لم تعصبوه، والمكسور لا تجبروه، والمطرود لم تستردوه، والضال لم تطلبوه، بل بشدة وعنف تسلّطتم عليه... أيها الرعاة غنمي صار غنيمة!" (حز 34: 2-8). مثل هؤلاء الرعاة العميان يقودون العميان فيسقط الكل في حفرة (مت 15: 14)، وبدلاً من أن يصير قلبهم سماءً مقدّسة، ومسكنًا لله، يرتفعون بالشعب من مجدٍ إلى مجدٍ، إذ بقلبهم يلتصق بالتراب وينحدرون بالشعب من هوانٍ إلى هوانٍ حتى يبلغون بهم إلى أعماق الهاوية. 7. الكرازة في المدن والقرى إذ فسد الرعاة الروحيّون يلتزم الله نفسه من أجل محبّته للنفس البشريّة أن يفتقد شعبه، يقول الإنجيلي: "ولما رأى الجموع تحنّن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها" [36]. وفي سفر حزقيال يقول الرب: "هاأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها" (حز 34: 11)، فإنه ليس شيء أثمن لدى الله من النفس البشريّة التي أوجدها على صورته ومثاله. جاء إلينا بنفسه بكونه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11). من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح التاسع (مت 1:9-8+ مر 1:2-12+ لو 17:5-26):- (مت 1:9-8):- فدخل السفينة واجتاز وجاء إلى مدينته. وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحا على فراش فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج ثق يا بني مغفورة لك خطاياك. وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم هذا يجدف. فعلم يسوع أفكارهم فقال لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم. أيما ايسر أن يقال مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وامش. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا حينئذ قال للمفلوج قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك. فقام ومضى إلى بيته. فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا. (مر 1:2-12):- ثم دخل كفرناحوم أيضا بعد أيام فسمع انه في بيت. وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة. وجاءوا إليه مقدمين مفلوجا يحمله أربعة. وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من اجل الجمع كشفوا السقف حيث كان وبعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعا عليه. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم. لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فللوقت شعر يسوع بروحه انهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم. أيما ايسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم واحمل سريرك وامش. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج. لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط. (لو 17:5-26):- وفي أحد الأيام كان يعلم وكان فريسيون ومعلمون للناموس جالسين وهم قد أتوا من كل قرية من الجليل واليهودية وأورشليم وكانت قوة الرب لشفائهم. وإذا برجال يحملون على فراش إنساناً مفلوجا وكانوا يطلبون أن يدخلوا به ويضعوه أمامه. ولما لم يجدوا من أين يدخلون به لسبب الجمع صعدوا على السطح ودلوه مع الفراش من بين الأجر إلى الوسط قدام يسوع. فلما رأى إيمانهم قال له أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك. فابتدأ الكتبة والفريسيون يفكرون قائلين من هذا الذي يتكلم بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فشعر يسوع بأفكارهم وأجاب وقال لهم ماذا تفكرون في قلوبكم. أيما ايسر أن يقال مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وامش. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك. ففي الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضطجعا عليه ومضى إلى بيته وهو يمجد الله. فأخذت الجميع حيرة ومجدوا الله وامتلاوا خوفا قائلين أننا قد رأينا اليوم عجائب. آية(1):-حينما رفضه أهل كورة الجدريين دخل السفينة وإجتاز، فالسيد لا يبقى قط حيث لا يُرْغَبْ فيه. وجاء إلى مدينته = أى كفر ناحوم (مر 1:2) وكانت كفر ناحوم هى مركز خدماته وتنقلاته فى تلك المرحلة. قصة شفاء المفلوج : إذا مفلوج يقدمونه إليه= أروع خدمة نقدمها لإنسان هى أن نضعه أمام المسيح، والمسيح هو الذى يعرف إحتياجاته. ومن إنجيلى مرقس ولوقا نفهم أنهم قدموه بطريقة غير عادية، إذ هم نقبوا سقف البيت ولنلاحظ. 1) أنه إذ دخل المسيح إلى البيت، حالاً ذاع الخبر فإجتمع الناس حوله. وإذا دخل المسيح حياتى لصرت رائحة المسيح الزكية، فيجتمع الناس حولى يسألون عن المسيح، وهذه هى الكرازة بحياة المسيح الذى فينا. 2) ما ذنب صاحب البيت الذى نقبوا سقفه ؟ ولكن على الخادم الأمين أن يحتمل الضيقات لأجل المسيح. 3) مغفورة لك خطاياك = فالخطية هى سبب ألامنا. والمسيح يبحث عن شفاء البؤرة الصديدية، أصل الداء. ولنفهم أن كثيراً ما يؤدبنا الرب بأمراض الجسد بسبب خطايانا، يؤدبنا فى الجسد لكى لا ندان مع العالم (عب 5:12-11). ومن تألم فى الجسد يكف عن الخطية (ابط 1:4).والمسيح حين يغفر الخطايا فهو يشفى النفس لتتمتع بالبنوة =ثق يابنى. 4) المسيح فى معجزة.بيت حسدا ذهب هو للمريض، إذا ليس له أصدقاء يلقونه فى البركة إذا تحرك الماء. وهنا ينتظر المسيح أصدقاء هذا المفلوج أن يأتوا به إليه، فمما يفرح المسيح روح المحبة هذه التى جعلت الأصدقاء يحملون صاحبهم ليأتوا به للمسيح، هذا هو مفهوم الشفاعة الذى يفرح المسيح أن نصلى بعضنا لأجل بعض وأن يصلى السمائيين لأجل الأرضيين ويصلى الأرضيين لأجل السمائيين، أما من ليس له أحد يذكره كمريض بيت حسدا، فهذا لا ينساه المسيح بل يذهب إليه بنفسه ليشفيه. 5) لماذا تفكرون بالشر فى قلوبكم. وفى مرقس لماذا تفكرون بهذا فى قلوبكم فالسيد الرب هو فاحص القلوب والكلى. ولنعلم أن الله يسألنا فيماذا نفكر فبينما يمجد الله بعض الناس على حدث ما، يجدف البعض الآخر عليه بسببه ولنذكر أنه فى بداية كل قداس يقول الكاهن أين هى قلوبكم.ولعل السيد بكشفه لما فى قلوبهم يظهر لهم أنه إن كان يعرف ما فى قلوبهم فهو قادر أن يغفر أيضاً الخطايا كما يقول. فمعرفة ما فى القلوب منسوبة لله ( مز 15:33).يجدف= يدعى أن له سلطان الغفران وهو لله وحده. وبهذا ففى نظرهم أنه يدعى الألوهية. 6) أيما أيسر أن يقال… = لاحظ أن السيد المسيح لم يقل أيما ايسر أن أغفر الخطايا أما أن أشفى المرض، بل أيما أيسر أن يقال كذا أو كذا. لأن فى نظر الناس أن الأيسر هو أن يقال مغفورة لك خطاياك من أن يقال قم إحمل سريرك وإمشى. فإنه إذا قال مغفورة لك خطاياك فلن يرى أحد الخطايا وهى تغفر، ولكن لو قال قم إحمل سريرك فهنا سيظهر صدقه إن قام الرجل وحمل سريره. ولكن المسيح إذ هو ينوى أن يشفى المريض فلقد إختار أن يستأصل أصل الداء وهو الخطية. وبهذا يكون قوله مغفورة لك خطاياك هو الأصعب لأنه يشتمل على(1) غفران الخطايا (2) الشفاء الجسدى. وكان هذا سيظهر للناس فوراً إذ يقوم المفلوج.ولما شكوا فى المسيح إذ قال مغفورة لك خطاياك إذ هم يعلمون أن الله وحده هو الذى يغفر الخطايا، أقام المسيح هذا المفلوج بعد أن فهموا ضمناً أنه غفر خطاياه لأنها أصل الداء. وبهذا فلقد صار عليهم أن يعترفوا بأنه هو الله، فحسب ما يؤمنون أن الله وحده هو غافر الخطايا. كلام السيد المسيح هنا يفهم أن كلا الأمرين مستحيل على البشر أن يقولوا مغفورة لك خطاياك وأن يقولوا قم وأمش، ومن يفعل هذا هو قادر أن يفعل تلك ولا يستطيع أن يفعل هذه أو تلك إلاّ الله، وبحدوث المعجزة صار عليهم أن يعترفوا أن المسيح له سلطان على مغفرة الخطايا.. إذاً هو الله.المسيح هنا يعلن أنه إبن الإنسان الذى جاه مملاً بقوة غفران الخطايا ليشفى البشر من خطاياهم وأثارها (مت 21:1). 7) فلما رأى يسوع إيمانهم =ليس إيمان الأصدقاء الذين حملوا المفلوج فقط، بل إيمان المفلوج الذى إحتمل هذا الوضع العجيب أن يدلونه من السقف، ولم يعترض إذ سمع قول السيد مغفورة لك خطاياك. 8) قول المسيح يابنى يساوى تماماً قوله مغفورة لك خطاياك فغفران الخطايا يعيدنا لحالة البنوة لله. 9) ولكن لكى تعلموا أن لإبن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا = هناك تفسير لطيف آخر لهذه الآية، أن الربيين كانوا يعلمون أن الإنسان لا يمكن شفاؤه من مرض إلاّ إذا غفرت خطاياه كلها. وبهذا يكون السيد المسيح حين قام بشفاء المفلوج قد أثبت انه غفر خطاياه كما قال. 10) فقام للوقت وحمل السرير= حين يعطى السيد أمراً أو وصية فهو يعطى معها القوة على التنفيذ، لقد قام هذا المفلوج بصحة وعافية وكأننا أمام معجزة خلق من جديد. وهكذا يحدث مع كل تائب، أن الله يعطيه أن يصير فى المسيح خليقة جديدة. لقد كان حَمْلَ السرير هو علامة القوة التى تمتع بها هذا المفلوج. 11) إذهب إلى بيتك= بسبب الخطية حرمنا من الفردوس بيتنا الأول وحُرِمنا من الأحضان الإلهية. وبالتوبة نعود إلى احضان الآب كما تمتع الإبن الضال بقبلات أبيه وأحضانه عند عودته تائباً. (مت 9:9-13 + مر 13:2-17 + لو 27:5-32):- (مت 9:9-13):- وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً جالسا عند مكان الجباية اسمه متى فقال له اتبعني فقام وتبعه. وبينما هو متكئ في البيت إذا عشارون وخطاة كثيرون قد جاءوا واتكاوا مع يسوع وتلاميذه. فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة. فلما سمع يسوع قال لهم لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلموا ما هو أنى أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم أت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة. وهنا نسمع عن دعوة متى العشار كاتب هذا الإنجيل ليكون من تلاميذ المسيح، وهذه الدعوة تأتى مباشرة بعد شفاء المفلوج بغفران خطاياه. فالمسيح أتى ليدعو الخطاة إلى التوبة ويشفى من أثار الخطية، ويحول الخطاة لتلاميذ له.ومتى هو متى العشار= رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية. والعشارين كانوا مشهورين بالظلم والقسوة، مكروهين من الشعب فهم يستغلون وظيفتهم فى إغتصاب أموال الشعب وهم يعملون لصالح المستعمرين الرومان. وهنا متى يعترف بوظيفته الأولى المخجلة قبل أن يعرف المسيح. كما إعترف بولس بإضطهاده للكنيسة أولاً. ومتى هذا كان إسمه لاوى. والقديسين مرقس ولوقا إستخدما إسم لاوى حتى يتفادوا إستخدام إسم متى العشار، فمتى كان مشهوراً بهذا الإسم، ومرقس ولوقا تأدباً تجاه زميلهم الإنجيلي قالا لاوى. وكان من الأشياء المألوفة أن يكون للشخص إسمين (شاول / بولس..) ومتى غالباً كان له علاقة سابقة بالمسيح ولكن إستمر فى عمله حتى دعاه السيد المسيح هنا لتبعيته. وقول المسيح إتبعنى قطع كل ربا طاته مع ماضيه. ونفهم من مرقس ولوقا أن متى صنع وليمة للرب فى بيته، ودعا إليها زملاؤه العشارين، كما دعت السامرية أهلها وجيرانها ليعرفوا ويفرحوا بالمسيح. ومتى إنكاراً لذاته لم يذكر هذه الوليمة ولكننا نسمع فى( مت 10:9 ) أن يسوع كان فى بيته وبهذا نفهم أنه كان فى بيته لأجل هذه الوليمة. لقد تحرر العشار من خطاياه وصار بيته مكانا للمسيح ووليمة وفرح، وهذا حال كل تائب حقيقى. والفريسيين المتكبرين لم يعجبهم جلوس المسيح مع خطاة، والمسيح يقول لهذا أتيت " أنا أريد رحمة لا ذبيحة " لقد قبل السيد لاوى بن حلفى هذا وصيره تلميذاً لهُ حتى يشهد لمن يبشرهم أنه المسيح يريد ويقبل الخطاة. والسمائيين وأولاد الله يفرحون بتوبة الخطاة أما الفريسيين المتكبرين الأرضيين فقد ثاروا على المسيح لجلوسه مع الخطاة.العشارين والخطاة = ارتبط إسم العشارين مع الخطاة نظراً لطمعهم وقساوتهم. ربما يتعلل الفريسيين بالمزمور الأول " طوبى للرجل الذى لا يجلس فى مجلس المستهزئين" ولكن هناك فرق، فالسيد لم يجلس فى مجلس مستهزئين، بل مع خطاة فرحوا بمن يقبلهم وإشتاقوا لتغيير حياتهم، وتلامسهم مع المسيح قدسهم. وعلى مائدة الإفخارستيا نجتمع كخطاة تائبين لننال مغفرة خطايانا. لم آت لأدعو أبراراً = أى من يظن فى نفسه أنه بار كالفريسيين، والحقيقة فإنه لا يوجد ولا واحد بار سوى المسيح وحده. والمسيح أتى لمن إكتشف أنه خاطىء نجس يحتاج للمسيح لكى يرحمه ويغفر له. لا يحتاج الأصحاء الى طبيب…= فالخاطئ فى نظر الله ما هو إلاّ مريض يريد الله شفاؤه. (مت 14:9-17 + مر18:2-22 + لو 33:5-39):- (مت 14:9-17):- حينئذ أتى إليه تلاميذ يوحنا قائلين لماذا نصوم نحن والفريسيون كثيرا وأما تلاميذك فلا يصومون. فقال لهم يسوع هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون. ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق لان الملء يأخذ من الثوب فيصير الخرق اردا. ولا يجعلون خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تنشق الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا. (مر18:2-22) وكان تلاميذ يوحنا والفريسيين يصومون فجاءوا وقالوا له لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون. فقال لهم يسوع هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم ما دام العريس معهم لا يستطيعون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام. ليس أحد يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق فيصير الخرق اردا. وليس أحد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديد. (لو 33:5-39):- وقالوا له لماذا يصوم تلاميذ يوحنا كثيرا ويقدمون طلبات وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضا وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون. فقال لهم أتقدرون أن تجعلوا بني العرس يصومون ما دام العريس معهم. ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام. وقال لهم أيضا مثلا ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد. وليس أحد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فهي تهرق والزقاق تتلف. بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا. وليس أحد إذا شرب العتيق يريد للوقت الجديد لأنه يقول العتيق أطيب. تحولت العبادة فى اليهودية إلى المظهريات طلباً للمجد الدنيوى، فكانوا يصومون ويصلون لعلة، أى ليثيروا إنتباه الناس إلى تقواهم، وهم هنا بسؤالهم عن عدم صوم تلاميذ المسيح كان هذا ليشيروا بطريقة غير مباشرة لأفضليتهم عن تلاميذ المسيح. والسيد المسيح فى إجابته شرح مفهوماً جديداً للصوم فى المسيحية، فهمنا منه أن المسيحى هو عروس للمسيح العريس، والمسيح دفع دمه ثمناً لهذه الخطية فطالما هو موجود بالجسد، فالتلاميذ ينعمون بوجود عريسهم معهم، فهم فى فرح، والفرح لا يصح معه النوح والتذلل والصوم. أماّ بعد أن يرفع العريس، فالعروس سوف تفهم أنه طالما أن عريسها فى السماء فهى غريبة على الأرض، ستفهم النفس أن عريسها ذهب ليعد لها مكاناً وسيأتى ليأخذها إليه، وستذكر أنها لم تتكلف شيئاً للحصول على هذا المكان السماوى، بل أن عريسها دفع كل الثمن، فتقف النفس لتقول مع عروس النشيد أنها مجروحة حباً. وتكتشف بُطْلْ هذا العالم وأنها مع كل حب عريسها لها فهى ما زالت محبة للعالم ولشهواته فتخجل من نفسها قائلة ماذا أقدم لمن أحبنى كل هذا الحب ؟ سأقدم له إثبات إيمانى بهذا النصيب السماوى، سأبيع الأرض وكل ما فيها، ولن أطلب أى ملذات فيها ودون طلب أى أجر فى مقابل هذا، ولن أطلب أن يلتفت الناس إلى ما أفعل فأنا لا أهتم سوى بعريس نفسى. النفس التى تذوقت حب عريسها لن تكتفى بالصوم بهذا المفهوم، بل ستترك عن طيب قلب كل ملذات العالم، بل وهى المجروحة حباً ستبكى وتنوح على خطاياها التى سببت الألم لعريسها لذلك نسمع فى متى قول السيد هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ويكرر مرقس ولوقا القول مستبدلين كلمة ينوحوا بكلمة يصوموا.فالأصل أن النفس المجروحة حباً تنوح إذ تحزن قلب عريسها. لقد تحول الصوم إلى عمل خاص بالعروس فيه تنوح وتتذلل فى حب لعريسها علامة توبة وندم، فتتمتع هنا بحبه كعريس لها، وتتهيأ لتلتقى معهُ فى العرس الأبدى. والسيد يرفض فكرة الترقيع، فلا يصح أن يصوم تلاميذه وهو معهم بنفس الأفكار القديمة الفريسية، هم سيحصلوا على الطبيعة الجديدة بعد حلول الروح القدس وحينئذ يصومون بالفكر الجديد، فالطبيعة الجديدة أو الخليقة الجديدة ( 2كو 17:5) هى عطية من الله وليست بإضافة بعض الأصوام والصلوات، وكيف تليق تعاليم العهد الجديد بالفريسيين الذين يهتمون بالتحيات فى الأسواق وبملذاتهم ومسراتهم. فى المسيحية تكون النفس مستعدة لأن تصوم العمر كله وتترك الكل وتحسب الكل نفاية، بذل الجسد كذبيحة حية.. فهل يستطيع الفكر اليهودى تحمل هذا ؟ قطعاً لا، بل إن اليهودى لو أضفنا له هذه الأفكار المسيحية ( وهى كرقعة من قطعة جديدة)، واليهودى ( كثوب عتيق ) من المؤكد أنه لن يتحمل، بل سيتمزق لإنكماش الجديد بعد الغسيل. ونلاحظ أن اليهود كانوا يصومون يومى الإثنين والخميس أسبوعياً مع يوم الكفارة. المسيحية تنكر حقوقها من ملذات العالم ليس كفرض عليها وإنما حباً فى عريسها، وسمواً بالنفس إلى مجال الروح حتى تنتعش وتتخلص من رباطات المادة. فهل هذا يتفق مع الأفكار الفريسية، هذا لا يتناسب إلاّ مع من يحوله الروح القدس إلى خليقة جديدة. وفى المسيحية تكتشف النفس أنها كلما بذلت ذاتها وباعت الأرضيات وتركت شهوة الجسد ترتفع للسماويات فتلقى مع عريسها فى فرح، وإذا حدث هذا فماذا سهم النفس إن طوبها الآخرين، وهذا هو هدف الفريسيين من الصوم. لقد صار الصوم فى المسيحية تحريراً للنفس من الأرضيات لتلتقى بعريسها فى علاقة سرية سواء فى الصوم والتذلل والنوح أو فى الفرح والتعزية. والخمر الجديدة إذا وضعت فى زقاق (من الجلد) قديم، فبسبب تفاعلات الخمر الجديدة تنبعث غازات لا يحتملها جلد الزقاق القديم فيتشقق الزقاق. وطبعاً الزقاق القديم إشارة لطبيعة الإنسان العتيق قبل المعمودية وهذه الطبيعة القديمة لا تحتمل أفراح اللقاء مع العريس السماوى ( فالخمر إشارة للفرح). فببساطة لو تذوق الفريسى أفراح العهد الجديد لإنفجر فى كبريائه إذ سينسب ما حصل عليه إلى تقواه وورعه وإلى أصوامه وصدقاته، ولن ينسبها إلى محبة المسيح، فيسقط فى كبرياء قاتل. فالفريسية التى هاجمها المسيح تشير لطبيعة الإنسان العتيق الذى يميل لأن يفتخر بما يعمله من بر وبهذا يُعَرِّفْ شماله ما تفعله يمينه. إن الفريسى أو اليهودى أو الإنسان العتيق لن يستسيغ تعاليم المسيح والعهد الجديد، لذلك سيفضل ما يعرفه بخبراته = يقول العتيق أطيب فالخمر العتيقة أطيب لذلك فضل السيد أن لا يصوم تلاميذه حتى يحصلون على الطبيعة الجديدة.الخمر الجديدة = هى العبادة بالروح ومن ضمنها الصوم، وهذه تثير الفرح فى الإنسان كثمرة للروح القدس. والزقاق القديمة = يكون جلدها قد فقد مرونته فتنشق مع تخمر وتفاعلات الخمر الجديدة. ( مت 18:9-26 + مر 21:5-43 + لو 40:8-56):- ( مت 18:9-26):- وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء فسجد له قائلا أن ابنتي الآن ماتت لكن تعال وضع يدك عليها فتحيا. فقام يسوع وتبعه هو وتلاميذه. وإذا امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة قد جاءت من ورائه ومست هدب ثوبه. لأنها قالت في نفسها أن مسست ثوبه فقط شفيت. فالتفت يسوع وأبصرها فقال ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك فشفيت المرأة من تلك الساعة. ولما جاء يسوع إلى بيت الرئيس ونظر المزمرين والجمع يضجون. قال لهم تنحوا فان الصبية لم تمت لكنها نائمة فضحكوا عليه. فلما اخرج الجمع دخل وامسك بيدها فقامت الصبية.فخرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها. (مر 21:5-43):- ولما اجتاز يسوع في السفينة أيضا إلى العبر اجتمع إليه جمع كثير وكان عند البحر. وإذا واحد من رؤساء المجمع اسمه يايرس جاء ولما رآه خر عند قدميه. وطلب إليه كثيرا قائلا ابنتي الصغيرة على أخر نسمة ليتك تأتى وتضع يدك عليها لتشفى فتحيا. فمضى معه وتبعه جمع كثير وكانوا يزحمونة. وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة.وقد تألمت كثيرا من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئا بل صارت إلى حال اردا. لما سمعت بيسوع جاءت في الجمع من وراء ومست ثوبه. لأنها قالت أن مسست ولو ثيابه شفيت. فللوقت جف ينبوع دمها وعلمت في جسمها أنها قد برئت من الداء. فللوقت التفت يسوع بين الجمع شاعرا في نفسه بالقوة التي خرجت منه وقال من لمس ثيابي. فقال له تلاميذه أنت تنظر الجمع يزحمك وتقول من لمسني. وكان ينظر حوله ليرى التي فعلت هذا. وأما المرأة فجاءت وهي خائفة ومرتعدة عالمة بما حصل لها فخرت وقالت له الحق كله. فقال لها يا ابنة إيمانك قد شفاك اذهبي بسلام وكوني صحيحة من دائك. وبينما هو يتكلم جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين ابنتك ماتت لماذا تتعب المعلم بعد. فسمع يسوع لوقته الكلمة التي قيلت فقال لرئيس المجمع لا تخف أمن فقط. ولم يدع أحدا يتبعه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب. فجاء إلى بيت رئيس المجمع ورأى ضجيجا يبكون ويولولون كثيرا. فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون لم تمت الصبية لكنها نائمة. فضحكوا عليه أما هو فاخرج الجميع واخذ أبا الصبية وأمها والذين معه ودخل حيث كانت الصبية مضطجعة. وامسك بيد الصبية وقال لها طايبثا قومي الذي تفسيره يا صبية لك أقول قومي. وللوقت قامت الصبية ومشت لأنها كانت ابنة اثنتي عشرة سنة فبهتوا بهتا عظيما. فأوصاهم كثيرا أن لا يعلم أحد بذلك وقال أن تعطى لتأكل. (لو 40:8-56):- ولما رجع يسوع قبله الجمع لأنهم كانوا جميعهم ينتظرونه. وإذا رجل اسمه يايرس قد جاء وكان رئيس المجمع فوقع عند قدمي يسوع وطلب إليه أن يدخل بيته. لأنه كان له بنت وحيدة لها نحو اثنتي عشرة سنة وكانت في حال الموت ففيما هو منطلق زحمته الجموع. وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد. جاءت من ورائه ولمست هدب ثوبه ففي الحال وقف نزف دمها. فقال يسوع من الذي لمسني وإذ كان الجميع ينكرون قال بطرس والذين معه يا معلم الجموع يضيقون عليك ويزحمونك وتقول من الذي لمسني. فقال يسوع قد لمسني واحد لأني علمت أن قوة قد خرجت مني. فلما رأت المرأة أنها لم تختف جاءت مرتعدة وخرت له وأخبرته قدام جميع الشعب لأي سبب لمسته وكيف برئت في الحال. فقال لها ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك اذهبي بسلام. وبينما هو يتكلم جاء واحد من دار رئيس المجمع قائلا له قد ماتت ابنتك لا تتعب المعلم. فسمع يسوع وأجابه قائلا لا تخف أمن فقط فهي تشفى. فلما جاء إلى البيت لم يدع أحدا يدخل إلا بطرس ويعقوب ويوحنا وأبا الصبية وأمها. وكان الجميع يبكون عليها ويلطمون فقال لا تبكوا لم تمت لكنها نائمة. فضحكوا عليه عارفين أنها ماتت. فاخرج الجميع خارجا وامسك بيدها ونادى قائلا يا صبية قومي. فرجعت روحها وقامت في الحال فأمر أن تعطى لتأكل. فبهت والداها فأوصاهما أن لا يقولا لأحد عما كان. من وضع قصص الإنجيليين الثلاثة معاً، نفهم أن يايرس، رئيس المجمع كانت إبنته مريضة، وقد إقتربت من الموت، فذهب للسيد المسيح يسأله أن يأتى ويشفيها، والسيد قبل أن يذهب، لكن موضوع نازفة الدم فى الطريق وشفائها عطل السيد. وجاء خبر أن البنت قد ماتت، لكن يايرس أصر على أن يذهب السيد ويقيمها = تعال وضع يدك عليها فتحيا ( مت 18:9 ) وواضح أن متى يختصر القصة ويقدم خلاصة الموضوع. وهنا نحن أمام معجزتين متداخلتين 1) شفاء نازفة الدم 2) إقامة إبنة يايرس 1) شفاء نازفة الدم : كثيرون ساروا وراء المسيح وواحدة نالت الشفاء لأنها تقدمت 1) بإيمان 2) بنفس منكسرة تتقدم فى الخفاء بإنسحاق لتتلامس مع الرب. وبحسب الناموس فنازفة الدم هى نجسة تنجس من يتلامس معها، لكن السيد القدوس لا يتنجس منا بل بتلامسه معنا يشفينا ويقدسنا. والسيد أعلن ما فعلته هذه المرأة ليعلن إيمانها فنتشبه بها وحتى لا ينخسها ضميرها لأنها نالت العطية خلسة، ولأن المسيح أعجب بإنسحاقها. ونلاحظ قول مرقس عنها، وقد تألمت كثيراً من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئناً بل صارت إلى حال أردأ. بينما أن لوقا كطبيب يحترم مهنة الطب لا يقول هذا بل يقول أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد. هذه المرأة تشير لأن العالم غير قادر على شفاءنا من أمراضنا. فقط المسيح. والسيد بعد أن شفاها جسدياً منحها السلام لنفسها = إذهبى بسلام إن مسست ثَوْبَهُ فقط … من لمسنى = هناك من يلمس السيد بإيمان فيشفى وهناك كثيرين يزحمونه ويلتقون حوله بلا إيمان فلا يأخذون شيئاً. وهو يشفى أمراض أجسادنا وأنفسنا وأرواحنا. ولاحظ حال المرأة قبل شفاء المسيح لها 1) مريضة جسدياً 2) نجسة طقسياً بسبب النزف 3) بلا مال (أنفقت كل أموالها). قوة قد خرجت منى= هذه اللمسة بإيمان تخرج قوة شافية من السيد فكثيرون يملأون الكنائس وقليون من يتلامسوا بإيمان مع يسوع فينالوا قوة. والقوة التى خرجت منه لا تعنى أن قوته نقصت بسببها، فهذا كإشعال شمعة من نار شمعة أخرى دون أن تنقص شعلة الثانية.والتحام قصتى نازفة الدم وإبنة يايرس يعنى أن المسيح هو قوة شفاء وحياة. 2) إقامة إبنة يايرس : لاحظ أيضاً أن يايرس كان فى درجة إيمانية أقل من قائد المئة. فيايرس قال للسيد تعال وضع يدك، أما قائد المئة فقال قل كلمة فقط، لكن يايرس طلب بلجاجة = كثيراً. قام المسيح بعمل ثلاثة معجزات إقامة من الأموات تمثل عمله الإلهى فى إقامتنا من موت الخطية. ونلاحظ أن السيد قادر أن يقيمنا من أى درجة من درجات الموت. 1- بنت يايرس= كانت مازالت فى بيت أبيها = تشير للخطية خلال الفكر الخفى فى الداخل. وهذه تحتاج إلى لمسة 2- إبن أرملة نايين = هذا حُمِلَِ فى نعش إلى الطريق= وهذا يشير لأن الخطية خرجت من مجال الفكر إلى حيز التنفيذ. وهذه إحتاجت أن يوقف السيد الجنازة ويأمر الشاب أن يقوم، رمز لتدخل الله ليوقف حركة الخاطىء نحو قبر الخطايا، فلا يكمل الشرير طريق شره وتتحول الخطية إلى عادة ودفع الشاب لأمه يشير لأن المسيح يعيد الخاطىء لحضن الكنيسة. 3- لعازر= هنا حدث عفونة للجسد = الخطية تحولت إلى عادة إرتبطت بالشخص وإرتبط الشخص بها. وها نسمع أن السيد إنزعج وأمر برفع الحجر ونادى لعازر ليخرج، وطلب حل رباطاته. ونلاحظ أن اليهود كانوا يستأجرون فى حالات الموت ندابات ومزمرون وهذا لا يرضى المسيح فأخرجهم. ونجدهنا أن المسيح يعتبر أن الموت هو حالة نوم كما قال فى حالة لعازر، وهذا يعطينا أن لا ننزعج من الموت فهو حالة مؤقتة يعقبها قيامة بالتأكيد. ونلاحظ أن قليلين هم الذين رأوا معجزة قيامة البنت، إشارة لأن قليلون هم من يتمتعوا بقوة القيامة. وقليلين (حوالى 500 أو اكثر قليلاً ) هم من رأوا المسيح بعد قيامته.وقال أن تعطى لتأكل = ليثبت أن قيامتها ليست خيالاً أو وهماً. تأمل:- الكنيسة آمنت بقول السيد أن الموت ما هو إلاّ نوم فعبرت عن هذا فى ليتورجيتها قائلة " ليس موت لعبيدك بل هو إنتقال" (مت 27:9-34):- وفيما يسوع مجتاز من هناك تبعه أعميان يصرخان ويقولان ارحمنا يا ابن داود. ولما جاء إلى البيت تقدم إليه الأعميان فقال لهما يسوع أتؤمنان أنى اقدر أن افعل هذا قالا له نعم يا سيد. حينئذ لمس أعينهما قائلا بحسب إيمانكما ليكن لكما. فانفتحت أعينهما فانتهرهما يسوع قائلا انظرا لا يعلم أحد. ولكنهما خرجا وأشاعاه في تلك الأرض كلها. وفيما هما خارجان إذا إنسان اخرس مجنون قدموه إليه. فلما اخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أما الفريسيون فقالوا برئيس الشياطين يخرج الشياطين. نسمع هنا عن معجزة شفاء أعميان. والاخطر من العمى الجسدى هو العمى الروحى (2كو 4:4). ولنفهم أنه أولاً علينا أن ندرك أننا حصلنا على الإستنارة بالمعمودية حين خلقنا الإنسان العتيق بظلمته ولبسنا الإنسان الجديد الذى على صورة خالقنا، فنحمل فينا مسيحنا سر استنارتنا. ولكن بالخطية نفقد هذه الإستنارة، والمسيح قادر أن يفتح بصيرتنا الروحية على شرط 1) أن ندرك أننا عميان 2) أن نصرخ مثل هذين الأعميين قائلين يا إبن داود إفتح أعيننا وإرحمنا. وهو يستجيب ويفتح أعيننا فنعرفه ويعلن لنا ذاته، حينئذ سنسجد له كما سجد المولود أعمى (يو9). أتؤمنان=هذا السؤال لازم 1) فبدون إيمان لن تحدث المعجزة 3) المسيح يريد أن يظهر إيمانهما للجموع والأعميان يشيران لليهود (عماهم بسبب كبريائهم ) وللوثنيين (عماهم بسبب وثنيتهم). والمسيح فى إتضاعه طلب منهما أن لا يتكلما لكنهما لم يستطيعا إلاّ أن يردا الحب بالحب فمضيا يشهدا له، كما فعلت السامرية. والمسيح تأخر فى إستجابته ليصرخا فترة أطول (صلاة طويلة) وحين تأتى الإستجابة يزداد الإيمان. ثم نسمع عن معجزة أخرى فيها يخرج السيد شيطاناً من إنسان أخرس مجنون. وفيها نلاحظ أن الشيطان له قوة رهيبة ليس لها نظير فى الكون، وهو يستطيع ان يدخل فى الإنسان ويسيطر على أعضائه ويوقع به الضرر. وهذا ما يفعله الشيطان بكل خاطىء فهو يسكت لسانه عن تسبيح الله ( مز 1:137-4). فكل مسبى فى أرض الخطية ( بابل رمز لأرض الخطية ). وكلما يتعمق الإنسان فى خطيته يكون كالمجنون. وما هو تصرف المجنون إلاّ الإندفاع وراء ما يؤذيه، والخاطىء يندفع وراء الخطية المهلكة على الأرض وأبدياً. آيات (35-37):- وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. ولما رأى الجموع تحنن عليهم إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها. حينئذ قال لتلاميذه الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون. لقد وصل اليهود إلى حالة تثير الأسى لأن رعاتهم كانوا يصدونهم عن رؤية الحق. وهنا نجد المسيح الراعى الصالح يفتقد شعبه بنفسه إذ فسد رعاة الشعب. فاطلبوا من رب الحصاد أن يُرسل فعلة الى حصاده = لذلك إعتادت الكنائس أن تصلى عند إختيار رعاتها (اساقفة وكهنة). ونلاحظ أن بعد هذه الآية مباشرة نسمع عن إختيار التلاميذ وإعطائهم سلطاناً. فالتلاميذ هم الرعاة الجدد لشعب المسيح عوضاً عن كهنوت اليهود المرفوض. منزعجين= هذا حال كل مستعبد للخطية، فهو بلا سلام ومضطرب. منطرحين= معرضين لهجمات إبليس والسقوط في خطاياه. إطلبوا= فنحن نطلب والله هو الذي يرسل خدامه.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع شفاء المرضى * إخراج الشياطين * إقامة إبنة يايروس (1) شفاء المفلوج ( ع 1 - 8 ) : ع 1 : بعدما رفض الجرجسيون المسيح ، ركب السفينة وعاد إلى مدينته أى كفرناحوم التى اتخذها مكاناً له يصنع فيه معجزاته ، ويلقى فيه تعاليمه0وبعودته إلى مدينته يُظهر لنا أهمية الإهتمام بوطننا ، مع اتساع قلبنا بالحب للجميع0ويظهر هنا أن المسيح عبر من غرب بحيرة طبرية إلى شرقها حتى يشفى المجنونين ، ثم عاد بعد ذلك مباشرة إلى كفرناحوم0وهذا يبيّن أهمية النفس الواحدة عند المسيح ، كيف يسافر ساعات حتى يلتقى بها ويخلّصها0 ع 2 : أُصيب هذا الإنسان بالشلل وفشلت محاولات علاجه ، وعندما سمع أصدقاءه الأربعة بمجئ المسيح إلى كفرناحوم ، أسرعوا يحملونه إليه ليشفيه0ويذكر لنا البشيران مرقس ( 2 : 3 - 12 ) ولوقا ( 5 : 18 - 26 ) أنهم وجدوا زحاماً حول البيت ، فصعدوا إلى السقف وثقبوه ، ودلَّوا المفلوج بسريره أمام المسيح الجالس بين الجموع0ولما نظر المسيح إيمان هؤلاء الأصدقاء ، ورأى سبب مرض هذا الإنسان وهو الخطية منحه الغفران بسلطان لاهوته ، وهى النعمة الأكبر ، أى شفاء الروح قبل شفاء الجسد0 ع 3 : كان جالساً حول المسيح مجموعة من الكتبة وهم العارفون بالشريعة والقادة الدينيون لليهود ، فبدلاً من أن يقوموا بعملهم كخدام لهذا الشعب ، وأن يقدموهم للمسيح ليشفيهم ويغفر خطاياهم ، تفكروا بالشر فى قلوبهم ، قائلين : كيف يتكلم هذا الإنسان بتجاديف ، لأنه ، وهو إنسان ، يتكلم كإله له سلطان الغفران0 " يجدف " : يدّعى سلطاناً له مع أنه من حق الله وحده0 ع 4 : عرف يسوع أفكارهم دون أن يسمعها ، وهذا يؤكد لاهوته ، لأنه لا يعرف الفكر الداخلى إلا الله ، ووبخهم على أفكارهم الشريرة ، وهذا يوضح أن الفكر الشرير خطية ، وليس فقط الفعل والكلام0 ع 5 - 7 : سأل المسيح الكتبة عما هو الأسهل ، غفران الخطية أم شفاء الجسد ؟ ولم يجيبوا لخوفهم منه ، إذ عرف أفكارهم دون أن يقولوها ، والإجابة بالطبع أن الأسهل هو شفاء الجسد0فالله ، صاحب السلطان ، أعطى ما هو أهم ، وهو الغفران0ثم ، كدليل على لاهوته ، أعطى الشفاء الجسدى ، فقال للمفلوج : " قم ، احمل فراشك ( سريرك ) واذهب إلى بيتك "0حمل السرير : يعلن قوة صحة المفلوج ، والسرير يذكّر الإنسان بآلام المرض ، فعندما يحمله يشعر بقوة المعجزة ، ويذكر ضعفه السابق ، ويشكر الله0البيت : هو حياته الأولى ، ويرمز لعودته إلى الكنيسة ، وعلاقته مع الله بعد الشفاء من المرض الروحى0 " ابن الإنسان " : المقصود به المسيح المتأنس0 " سلطاناً على الأرض " : أى سلطان الله الذى فى السموات فى غفران الخطايا وشفاء المرضى ، والقدرة على أى شئ0 ع 8 : لما رأت الجموع عظمة المعجزة ، تعجبوا جداً ومجدوا الله ، لأنه أعطى هذا السلطان العظيم لواحد من البشر ، وهو يسوع ، إذ لم يستطيعوا بعد أن يؤمنوا بتجسد المسيح ولاهوته0 + إمتدح كل عمل حسن تراه ولا تشك فى كل شئ وتظن السوء ، وعلى قدر ما تكون متضعاً ، تستطيع أن ترى فضائل الآخرين ، ولا تدين أحداً ، وتمجد الله دائماً0 (2) دعوة متى ( ع 9 - 13 ) : ع 9 : كان متى كاتب هذا الإنجيل يعمل جامعاً للضرائب ، وكانت هذه المهنة ترتبط بالقسوة والظلم ومحبة المال ، لأن جامع الضرائب كان يدفع أولاً للسلطة الرومانية الضريبة المطلوبة عن القرية أو المكان الموكل عليه ، ثم يجمعها بمساعدة العساكر الرومانيين ، فكان يجمع أكثر مما دفعه مهما كان فقر الناس0ولكن ، عندما رأى يسوع وسمع كلامه ، تحركت مشاعره ، فأطاع دعوته ، وترك كل أعماله وأمواله وخطاياه ، متكلاً عليه ، ولم يستشر أقاربه وأحباءه حتى لا يتعطل0وتظهر هنا محبة المسيح واتضاعه ، أن يدعو تلاميذه من الصيادين ، أو الأشرار مثل متى العشار المعروف بالقسوة والعنف ، لكى يطهّرهم ويملأهم بروحه القدّوس ، فيكون المجد له وليس للقوة البشرية0 " مكان الجباية " : غالباً خيمة ضخمة ، تقام على الطريق لجمع الأموال فيها تحت حراسة الجند الرومانيين0 " اتبعنى " : قد يكون سمع عن المسيح قبلاً ورآه ، فكان له استعداد أن يطيعه فوراً عندما يدعوه0 ع 10 : العشارون والخطاة : نظراً لطمع وقسوة العشارين ، إرتبط إسمهم بالخطاة ، وكانوا مرفوضين من المجتمع اليهودى0بعدما تبع متى المسيح ، فرح قلبه جداً ، فاشتاق أن يتمتع زملاؤه من العشارين والخطاة بمعرفة المسيح0فبحكمة روحية ، صنع وليمة للمسيح ، دعا إليها كل أصدقائه ليسمعوا ويتوبوا عن خطاياهم0وقد قبل المسيح الدعوة ، لأنه أتى لخلاص الخطاة وليس الأبرار0 ع 11 : لكن الفرّيسّيين المتمسكين بمظاهر الحياة الروحية وليس جوهرها ، وبكبرياء ينتقدون الآخرين ، وبخوا تلاميذ المسيح ، لأن معلمهم يجلس ويأكل مع الخطاة0فاهتموا بالمظهر دون أن يبحثوا عن سبب وجوده فى الوليمة ، أى اهتمامه بخلاص هذه النفوس0 ع 12 : " سمع يسوع " : كان كلام الفرّيسّيين مع تلاميذه ، لأنهم خافوا أن يكلموه ، أما هو ، فبقوة ، أعلن لهم خطأهم فى الإبتعاد عن دعوة الخطاة للتوبة بحجة عدم التنجس بمخالطتهم ، وأظهر لهم المسيح سبب تجسده ، وهو دعوة الخطاة للتوبة ، وهذا منطقى ، إن الطبيب يذهب للمرضى وليس للأصحاء ؛ فمن الطبيعى أن يهتم المسيح بالبعيدين ليتوبوا عن خطاياهم0 ع 13 : عاتبهم يسوع بلطف ، مطالباً قلوبهم بالرحمة على الخطاة ، أهم من تقديم الذبائح بدون فهم ، لأن الذبيحة رمز لتضحية المسيح بحياته على الصليب حتى يرحم الخطاة ، وهذه الكلمات أعلنها قبلاً هوشع فى ( 6 : 6 )0 " أبراراً " : فى أعين أنفسهم ، لأنه لا يوجد إنسان بار ، بل الكل خطاة محتاجين لفداء المسيح0 " خطاة " : أى المشهورين بخطاياهم مثل العشارين0 + إهتم بالبعيدين لتدعوهم للمسيح ، وصلَّ لأجلهم ، وابحث عن طرق لجذبهم إلى الله ، إن لم يكن بالكلام المباشر ، فبالكلام غير المباشر مثل التحدث مع آخرين أمامهم ، أو تقديم كلمات مشجعة أو أعمال محبة تلين قلوبهم ، حتى يرجعوا عن رفضهم لله0 (3) مفهوم الصوم ( ع 14 - 17 ) : ع 14 : " تلاميذ يوحنا " : بعضهم تبع المسيح وصار من تلاميذه ، وبعضهم لم ينضم ، متمسكين فقط بتعاليم يوحنا بالتوبة والنسك ؛ فهؤلاء المتكلمون هم غير تلاميذ المسيح0 " كثيراً " : فرض الفرّيسيّون أصواماً أخرى غير التى تنص عليها الشريعة ، ولم يلتزم بها تلاميذ المسيح مثل معظم اليهود0تذمر تلاميذ يوحنا والفرّيسيّون على المسيح ، لأن تلاميذه لا يصومون0وهذا معناه إحساسهم بثقل الصوم كفريضة صعبة عليهم ، يريدون التحرر منها ، أو أن يتحمل الآخرون معاناتها معهم ؛ أى لهم شكل الصوم ، ولكن لا يشعرون ببركاته الروحية0 ع 15 : " بنو العرس " : أقرباء وأصدقاء العريس المقرَّبون0 " ينوحوا " : لأن الصوم مرتبط بالتذلل والدموع والتوبة0أجاب المسيح بأن تلاميذه ، وهم بنو العرس وهو عريسهم ، لا يصح أن يصوموا إلا بعد انصراف العريس ، لذلك سيصومون عندما يصعد المسيح إلى السماء0أما فى حياته على الأرض ، فهم فرحون به ، ويُؤجَّلُ الصوم لأنه دليل التذلل والجهاد الروحى ؛ وقد صام الرسل فعلاً بعد صعود المسيح0 ع 16 : عالج المسيح المشكلة الحقيقية ، وهى مفهوم الصوم ، فهو ليس فريضة إجبارية ، بل حب يقدم لله0فإن لم تتغير الحياة كلها بالتوبة ، فلا نستفيد من أية ممارسة روحية ، لأنها ستكون سطحية ، بل ستضر الإنسان إذ يتكبّر بها0وقد شبّه المسيح هذا الضرر كوضع رقعة قماش جديدة فى ثوب قديم ، فتكون أنسجتها أقوى من الأنسجة القديمة فتمزقها لضعفها ، وهكذا لا تفيد الرقعة الجديدة الثوب القديم ، بل تضره وتمزقه0 " ثوب عتيق " : أى ثوب قديم ، رمز لحياة الفرّيسيّين الرافضين للإيمان بالمسيح ، ومحبين للكبرياء والشرور المختلفة0الرقعة الجديدة : ترمز للصوم الذى ، إن لم يوضع فى حياة متجددة بالإيمان المسيحى ، سيضر ، أى يضيف كبرياء للفرّيسيّين0وهذا سبب ثانٍ لعدم صوم التلاميذ ، إذ الأهم أولاً لهم ، ولكل الناس ، أن يؤمنوا بالمسيح ويتوبوا عن خطاياهم ، حينئذٍ تُقبلُ عبادتهم وأصوامهم0 ع 17 : " زقاقٍ " : أوعية جلدية ، أى ( قِرب ) ، يوضع فيها الخمر أو الماء أو أى سائل0أيضاً الخمر الجديدة قوية لا تحتملها الزقاق القديمة ، لأن نواتج التخمر تكون أقوى من جلد الزقاق القديمة الرقيق ، فتنشق وينسكب الخمر0لذا ، تحتاج الخمر الجديدة لزقاق جديدة ، فيكون جلدها سميكاً0 " زقاقٍ عتيقة " : أى أوعية قديمة ، ترمز لحياة الفرّيسيّين وتلاميذ يوحنا الذين لم يؤمنوا بعد بالمسيح0 " خمراً جديدة " : ترمز للصوم ، وهو عبادة روحية مفرحة لقلب الله0 " زقاق جديدة " : هى الحياة المتجددة فى المسيح بالإيمان ، فتحتمل وتتزين بكل الممارسات الروحية مثل الصوم0 + ليت صومك يقترن بالتوبة والتناول من الأسرار المقدسة ، وقراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه ، فيصير صوماً روحانياً يحرك مشاعرك بالحب والرحمة نحو المحتاجين ، فتفرح وتشتاق للصوم لأنه واسطة قوية تقرّبك لله ، وتخلّص نفسك من شهوات كثيرة0 (4) شفاء نازفة الدم وإقامة إبنة يايرُس ( ع 18 - 26 ) : ع 18 - 19 : جاء إلى المسيح رئيس مجمع من مجامع اليهود ، وهى أماكن منتشرة فى كل اليهودية ، تقام فيها الصلوات وقراءة الكتب المقدسة ، أما الذبائح فتقدم داخل الهيكل فى أورشليم فقط0وقد جاء هذا الرئيس واسمه يايرُس ( مر 5 : 22 ؛ لو 8 : 41 ) بإيمان واتضاع ، ساجداً للمسيح ، طالباً منه أن يقيم إبنته التى ماتت بأن يأتى ويلمسها ، وهو يؤمن أنها ستقوم0هذا إيمان عظيم ، ولكن إيمان قائد المائة الأممى أعظم منه ، إذ قال للمسيح : " قل كلمة فقط فيبرأ غلامى " ( ص 8 : 10 ) ؛ فهو لا يحتاج للمسيح أن يأتى إليه ، بل يكفى أن يأمر فينسحب المرض0كان عمر الصبية إبنة يايرُس إثنتى عشرة سنة ( لو 8 : 42 ) ، وهى تشير روحياً إلى أمة اليهود التى لها إثنى عشر سبطاً ، وقد ماتت فى سريرها ، فترمز لخطية الفكر الداخلى ، والمسيح قادر على الإقامة من هذه الخطية0فاستجاب المسيح بمحبة كبيرة كعادته ، وذهب إلى بيت يايرُس ، وتبعه تلاميذه ليروا معجزاته ويسمعوا تعاليمه0 ع 20 - 22 : نازفة الدم كان لها إثنتى عشرة سنة تحاول العلاج ولم ينفع ، فهى تشير للنفس المريضة روحياً ، وقد حاولت بالطرق البشرية علاج الخطية ولم تفلح0 " من ورائه " : لم تظهر أمامه ، إما لخجلها من مرضها ، أو لأن اليهود يعتبرون نزف دم المرأة نجاسة ( لا 15 : 25 - 26 ) ، وبالتالى لن يسمحوا لها بلمس المسيح0لجأت هذه المرأة للمسيح لتقابله فى الطريق ، مثل النفس التى تلتقى بالمسيح فى طريق الحياة من خلال أحداث العالم ، فتؤمن به وتُشفى من أتعابها0وكانت تؤمن بأن مجرد لمس طرف ثوبه سيشفيها ، وفعلت هذا فشُفيت0وأراد المسيح تمجيد إيمان هذه المرأة ، فأعلن ما فعلته أمام الجموع ، وأكد لها أنها قد شُفيت تماماً0 ع 23 - 24 : وصل المسيح إلى بيت يايرُس ، فوجد الأقرباء والأحباء يبكون ، بل من استأجروهم من ضاربى المزمار بالألحان الحزينة يعطون أصواتاً قوية تثير المشاعر0فطمأن الجميع بأن الصبية نائمة ولم تمت ، مع أنها ماتت فعلاً0ولكن ، بقوة لاهوته ، يقدر أن يقيمها ؛ ففى نظره رقاد الموت يشبه رقاد النوم0ولكنهم لم يصدقوا واستهزأوا بكلامه ، إذ لا يستطيعون الإيمان بقدرته على الإقامة من الأموات0 ع 25 - 26 : أخرج المسيح الجموع غير المؤمنة ، وأخذ معه والدى البنت وقليل من تلاميذه ( مر 5 : 40 ) ، أى الذين يؤمنون بقوته0ثم أمسك بالصبية وأقامها ، ففرح أهلها وكل الجموع ، ومجدوا الله الذى يقيم الموتى0وهذا واحد من الإثباتات الكثيرة الواضحة للاهوت المسيح الذى أمر الموت فابتعد ، وقامت البنت ، وانتشر الخبر فى البلاد المحيطة بكفرناحوم0 + إن كان لك إيمان ، ستعاين أعمال الله العظيمة0فلا تضطرب إذا تعقدت الأمور وظهر أنه لا حل لها ، فإلهك يظهر المعجزات فى كل جيل وبطرق لا تخطر على بالك ؛ فقط إتكل عليه واثقاً من محبته ورعايته0 (5) شفاء الأعميين ( ع 27 - 31 ) : ع 27 - 28 : فيما كان المسيح سائراً فى الطريق ، تبعه أعميان يطلبان الشفاء منه0وهما يمثلان اليهود والأمم الذين سقطوا فى ظلمة الخطية ، واحتاجوا للمسيح المخلّص لينير حياتهم0تركهما المسيح يصرخان طوال الطريق ، ليمتحن إيمانهما0وعندما وصل إلى البيت الذى كان قاصداً إليه ، سألهما : " هل تؤمنان بقدرتى على شفاء أعينكما ؟ فأعلنا إيمانهما به أنه المسيا المنتظر ، إبن داود ، القادر على فتح أعينهما0 ع 29 - 30 : " بحسب إيمانكما " : الله غنى ومستعد أن يعطى كثيراً على قدر ما تؤمن به0حينئذٍ لمس المسيح أعينهما ، وأمر ، فاستعادا بصرهما0 " انتهرهما " : أى منعهما من التحدث بالمعجزة كاتضاع منه ، لأنه لا يحتاج لمديح الناس ، بالإضافة إلى اهتمامه بعدم إثارة غيرة الكتبة والفرّيسيّين ، وحتى لا يفكرون فيه كملك أرضى يعطيهم إحتياجاتهم المادية بالتحرر من عبودية الرومان0وقال لهما باتضاع ألا يخبرا أحداً بهذه المعجزة0 + تعلم ألا تتحدث عن أعمالك لتنال مديح الناس ، بل افعل كما فعل المسيح ، والله الذى يراك فى الخفاء يجازيك علانية0 ع 31 : إذ رأيا محبة المسيح واتضاعه ، قابلا محبته بمحبة أيضاً ، فخرجا يعلنان للكل هذه المعجزة ، حيث أرادا أن يتمتع الكل بالإيمان به ، وإن كان من الأفضل أن يطيعا المسيح فى عدم التحدث بالمعجزة ، لأن الطاعة أفضل من كل شئ0 (6) شفاء الأخرس والمجنون ( ع 32 - 34 ) : ع 32 - 33 : دخل الشيطان فى إنسان ، فأفقده عقله ، ومنعه من الكلام0فهو يمثل الإنسان الخاضع للخطية ، فيُفقده الشيطان عقله ، ويجعله منشغلاً بالشهوات الردية ، ويمنعه من التحدث بكلام الله0 " قدموه إليه " : إحتاج هذا الإنسان أن يقوده الناس لأنه لا يتكلم بالإضافة إلى فقده عقله0قدَّموا هذا الإنسان للمسيح ، فأمر الشيطان بسلطان لاهوته أن يخرج منه0وفى الحال ، خرج ، وعاد للإنسان عقله وتكلم0ففرحت الجموع ومجدوا الله الذى أرسل لهم نبياً يشفى أمراضهم ، ويخلّصهم من سلطان الشيطان0 " لم يظهر قط مثل هذا " : أى لم يظهر نبى فى تاريخ شعب إسرائيل ، له هذا السلطان على الشياطين ، وعمل كل هذه المعجزات0 ع 34 : أما الفرّيسيّون قادة المجتمع اليهودى فلم يؤمنوا بلاهوت المسيح أو سلطانه على الشياطين ، بل بكبريائهم رأوه منافساً لهم فى قيادة الجموع ، فاتهموه بأن له علاقة " برئيس الشياطين " ، ولهذا يخرجها0 + الكبرياء يفقدك فهمك للأمور ، فلا ترى أعمال الله معك وفيك0فاتضع واقبل توجيهات الناس لك ، واطلب إرشاد الله فى كل يوم ، واخضع لكلام أب إعترافك0 (7) الكرازة فى المدن والقرى ( ع 35 - 38 ) : ع 35 : إهتم المسيح بافتقاد المدن وأيضاً القرى أى الأغنياء والفقراء ولم يتمركز فى كفرناحوم أو أورشليم أو مدينة كبيرة فقط ، ليُظهر أهمية الإفتقاد0وكانت كرازته باقتراب ملكوت السماوات والإستعداد له بالتوبة0وكان يؤكد كلامه بالمعجزات ، ليؤمن الناس بكرازته0 ع 36 : يظهر قلب المسيح الحنون على أولاده الذين انشغل قادتهم الفرّيسيّون عن جذبهم للتوبة فاهتم بنفسه أن يرعاهم0 " منزعجين " : وهو الإضطراب الذى يصاحب السقوط فى الخطية والبعد عن الله0 " منطرحين " : أى معرضين لهجمات إبليس والسقوط فى خطاياه0 ع 37 - 38 : وجه السيد المسيح نظر تلاميذه إلى حاجة النفوس لمن يرعاها ، وشبهها بنباتات قمح تنتظر من يحصد سنابلها ، ولكن الحاصدين ، أى قادة المجتمع اليهودى ، انشغلوا عن الخدمة باهتمامهم بكرامتهم0ولم يقل للتلاميذ أن يحصدوا ، بل أن يطلبوا من الله ليرسل خداماً لرعاية شعبه ، ليفهموا أن الله هو الذى يدعو الخدام للخدمة ، وليس مجرد إنفعالهم أو إقتناعهم بها ، أى يُصلُّوا ، فيحرك الله مشاعرهم للإهتمام بالنفوس ، وحينئذٍ يرسلهم الله لخدمته0 + ليتك تهتم بخلاص نفوس من حولك ، فتشفق على الكل بدلاً من أن تتضايق لأخطائهم الكثيرة ، وتصلى ليحرك الله قلوبهم ، فالكل أولاده ومخلوقون على صورته ، وهو يريد خلاصهم000والله ، إما أن يرسلك إليهم ، أو يبعث لهم من يرجعهم إليه0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح