كلمة منفعة
الرجل النبيل، لا يبني راحته على تعب الآخرين.بل النبيل هو الذي يضحي براحته، لكي يريح غيره.
— راحتك وراحة غيرك
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 3 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 3 الاصحاح الثالث : حفل التتويج عِمَاد الملك قبل أن يبدأ السيّد المسيح عمله بين شعبه كملك روحي كان يلزم إقامة حفل تدشين أو تتويج للملك الحقيقي عند نهر الأردن بعد أن هيّأ له سابق الملك ـ القدّيس يوحنا المعمدان ـ الذي تقدّم كملاك الرب يهيّئ له الطريق: 1. سابق الملك 1-6. 2. تهيئة الطريق 7-12. 3. عماد المسيح 13-17. 1. سابق الملك كان من عادات الشرق أن يسبق الملك رسول يهيئ له الطريق، والسيّد المسيح كملكٍ روحيٍ أعد لنفسه رسولاً سبق فأنبأ عنه بإشعياء النبي: "صوت صارخ في البرّيّة، اعدّوا طريق الرب، قوِّموا في القفر سبيلاً لإلهنا" (إش 40: 3)، وبملاخي النبي: "هأنذا أُرسل إليكم إيليّا النبي قبل مجيء يوم الرب" (مل 4: 5). يقول الإنجيلي: "في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في بريّة اليهوديّة" [1]. لا يفهم من قوله: "في تلك الأيام" أنه بعد رجوع العائلة المقدّسة من مصر مباشرة، وإنما يقصد بها "في ذلك العصر" أو "في ذلك الزمان" وقد حدّد القدّيس لوقا عماد السيّد بنحو ثلاثين من عمره حسب الجسد (لو 3: 23)، وقد سبقه القدّيس يوحنا بأشهرٍ قليلة حينما بلغ الثلاثين من عمره، السن القانوني للخدمة الكهنوتيّة عند اليهود. كان القدّيس يوحنا يكرز "في برّيّة اليهوديّة"، ولم تكن برّيّة قاحلة، إنّما كانت تضم ست مدن مع ضياعها (يش 15: 61-62)، لكنها منطقة غير مزدحمة ولا مُحاطة بالحقول والكروم كبقيّة البلاد. لم يخدم القدّيس يوحنا ككاهنٍ في هيكل سليمان، لكنّه خرج إلى البرّيّة ليفضح ما وصلت إليه الطبيعة البشريّة، التي تخلّت عن عملها المقدّس كهيكل لله فصارت مملوءة جفافًا؛ صارت برّيّة قاحلة وقفرًا محتاجة إلى المسيّا الملك أن ينزل إليها ليرويها بمياه روحه القدّوس، فيجعلها فردوسًا تحمل ثمار الروح. يقول إشعياء النبي على لسان الطبيعة البشريّة المتعطّشة لعمل المسيّا الملك: "يسكب علينا روح من العلاء، فتصير البرّيّة بستانًا" (إش32: 15)، "تفرح البرّيّة والأرض اليابسة ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس، يزهر إزهارًا، ويبتهج ابتهاجًا ويُرَنِّم" (إش 35: 1-2). هكذا يقدّم القدّيس يوحنا البشريّة كقفرٍ للملك، فيحوّلها فردوسًا أبديًا، بل ويجعلها هيكله المقدّس. لقد حُرم يوحنا المعمدان من خدمة الهيكل الكهنوتية ليهيّئ الطريق لرئيس الكهنة الأعظم ربّنا يسوع، الذي يجعل من برّيتنا هيكلاً جديدًا سماويًا. لعلّ داود النبي قد رأى بروح النبوّة هذا المنظر، فتهلّلت نفسه فيه، إذ قدّم لنا في ذات البرّيّة مزموره الثالث والستين، فيه يقول: "عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء... التصقت نفسي بك. يمينك تعضدني" (مز 63: 1، 8). لقد رأى داود النبي جموع التائبين على يديّ يوحنا المعمدان في هذه البرّيّة، وقد التهبت قلوبهم بالعطش، وعطش جسده لمياه نعمته... فجاء السيّد لتلتصق هذه النفوس به، وتستند بقوّته بكونها يمين الرب. ويرى القدّيس أمبروسيوس أن البرّيّة التي كرز فيها القدّيس يوحنا المعمدان هي الكنيسة التي قال عنها النبي إشعياء "لأن بنيّ المستوحشة أكثر من بنيّ ذات البعل" (إش 54: 1) فقد جاء كلمة الله حتى تثمر من كانت قبلاً مستوحشة وبرّيّة. كيف هيّأ القدّيس يوحنا المعمدان الطريق الملوكي؟ بالمناداة بالتوبة، قائلاً: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" [2]. كان كأسد يزأر في البرّيّة، فخرجت إليه أورشليم وكل اليهوديّة وجميع الكورة المحيطة بالأردن [5]. كانت كلماته أصيلة، ينطق بكلمة الرب كما هي بلا تنميق بشري أو مداهنة أو تدليل، تنبع عن قلب أمين وصادق، يحيا بما ينطق به اللسان، فكان للكلمة فاعليّتها. حقًا إن سرّ جاذبيّة رسالة يوحنا هو اختفاؤه في كلمة الله، وإعلان رسالته خلال حياته العمليّة. "التوبة" في اليونانيّة "ميتانية" وتعني تغيير الاتّجاه، فيعطي الإنسان لله الوجه لا القفا خلال اتّحاده بالمسيّا وذلك بعدما حوّل القفا لا الوجه نحو الله (إر 2: 27). لقد التقى شاول الطرسوسي بالآب خلال المسيّا القائم من الأموات، فتغيّر قلبه وفكره وكل اشتياقاته. لقد "اقترب ملكوت السماوات"، فصار على الأبواب، إذ جاء السيّد المسيح ليسكن فينا، ولم يعد بعيدًا عنّا. وكما يقول الرسول بولس: "الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك" (رو 10: 8). أمّا طريق التمتّع بهذا الملكوت فهو إدراكنا بالحاجة إلى عمل المسيّا فينا؛ فإذ يَدين الإنسان نفسه ينفتح القلب لاستقبال عمل المسيّا فيه. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [جاء يوحنا ليقودهم إلى التوبة لا لكي يُعاقَبوا، وإنما خلال التوبة يدينون أنفسهم مسرعين إلى نوال المغفرة... فإنهم ما لم يدينوا أنفسهم لا يقدرون أن يطلبوا نعمته، وبعدم طلبهم هذا لا يمكنهم نوال المغفرة.] يقول القدّيس أمبروسيوس: [كثيرين يتطلّعون إلى يوحنا كرمز للناموس، بكونه يقدر أن ينتهر الخطيّة، لكنّه لا يقدر أن يغفرها.] لقد وصف إشعياء النبي القدّيس يوحنا المعمدان، قائلاً: "صوت صارخ في البرّيّة، أعدّوا طريق الرب. اصنعوا سبله مستقيمة" [3]. إنه الصوت الذي يسبق "الكلمة الإلهي"، وكما يقول الآب غريغوريوس الكبير: [من حديثنا تعرفون أن "الصوت" يكون أولاً عندئذ تُسمع "الكلمة"، لهذا يُعلن يوحنا عن نفسه أنه "صوت"، إذ هو يسبق "الكلمة". فبمجيئه أمام الرب دُعى "صوتًا"، وبخدمته سمع الناس "كلمة الرب" إنه يصرخ معلنًا: "اصنعوا سُبله مستقيمة"... إن طريق الرب للقلب يكون مستقيمًا متى استقبل بتواضعٍ كلماته للحق، يكون مستقيمًا إن مارسنا حياتنا في توافق مع وصاياه. لذلك قيل: "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي ويحبّه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23). أمّا من يرفع قلبه بالكبرياء، ومن يلتهب بحُمّى الطمع، ومن يلوث نفسه بدنّس الشهوة يغلق باب قلبه ضدّ مدخل الحق، ولئلا يقتني الرب المدخل فإنه يحكم الإغلاق بالعادات الشرّيرة.] يكمّل معلّمنا لوقا البشير هذه النبوّة بقوله: "كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض، وتصير المعوجّات مستقيمة، والشعاب طرقًا سهلة، ويبصر كل بشرٍ خلاص الله" (لو 3: 5-6). ما هذه الوديّان التي تمتلئ خلال التوبة إلا وديان الأمم المنسحقة والمعترفة بحاجتها للمخلّص، هذه التي تمتلئ بمياه الروح القدس الواهبة للحياة. وما هذه الجبال والأكَمَة التي تنخفض إلا كبرياء إسرائيل ويهوذا، فقد تشامخ اليهود وظنّوا أنهم أبرار. فقد جاء يوحنا ليحطّم هذا الكبرياء والتشامخ حتى يستقبل المتّواضعون خلاص الله، فيصلح حال النفوس المعوجّة، وتتغيّر طبيعتها التي كانت كالشعاب القاسية لتصير سهلة. بهذا فإن خلاص الله مقدّم لكل البشر، اليهود والأمم! + ليُعدّ طريق الرب في قلوبنا، فإن قلب الإنسان هو عظيم ومتّسع، كما لو كان هو العالم. انظر إلى عظمته لا في كمّ جسداني، بل في قوّة الذهن التي تعطيه إمكانيّة أن يحتضن معرفة عظيمة جدًا للحق. إذن فليُعد طريق الرب في قلوبكم خلال حياة لائقة وبأعمال صالحة وكاملة، فيحفظ هذا الطريق حياتكم باستقامة، وتدخل كلمات الرب إليكم بلا عائق. العلاّمة أوريجينوس كانت صرخات يوحنا لا تخرج من فمه فحسب، وإنما تنطلق من كل حياته، تعلنها حياته الداخليّة ومظهره الخارجي، حتى ملبسه كان أشبه بعظة صامتة وفعّالة، وأيضًا طعامه. يقول الإنجيلي: "كان لباسه من وبَر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد، وكان طعامه جرادًا وعسلاً برّيًا" [4]. يندهش القدّيس يوحنا الذهبي الفم كيف يتحدّث الإنجيلي عن رسالة القدّيس يوحنا المعمدان التي تنبأ عنها إشعياء النبي ليعود فيتحدّث عن ملابسه وطعامه! لقد قدّم هذا المظهر ليتذكّر اليهود إيليّا النبي الغيور، فقد جاء كإيليّا يسبق الرب. بهذا المظهر أيضًا قدّم لنا درسًا في الحياة النسكيّة والبعد عن الحياة المدلّلة، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ليتنا ننسى هذا النوع من الحياة المدلّلة والمخنّثة، فإنه لا يمكن أن تقوم الندامة مع الحياة المترفة في وقت واحد. ليعلِّمك يوحنا هذا الأمر بثوبه وطعامه مسكنه.] لم يلبس يوحنا الملابس الطويلة كالفرّيسيّين، ولا الملابس الناعمة كحاشية الملك، وإنما ارتدى الملابس اللائقة بالدعوة للتوبة. "واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم" [6]. إذ كان يوحنا يكرز بالتوبة كانت الجموع تأتي إليه تطلب العماد على يديه، معترفين بخطاياهم. لقد عرف اليهود أنواعًا من المعموديّات منها معموديّة المتهوّدين الدخلاء. أمّا معموديّة يوحنا فجاءت رمزًا للمعموديّة المسيحيّة، جاء بها القدّيس يوحنا المعمدان ليهيّئ بها الطريق أمام معموديّة العهد الجديد. لم يكن لمعموديّة يوحنا أن تهب البنوّة لله، الأمر الذي انفردت به المعموديّة المسيحيّة لدخول السيّد المسيح "الابن الوحيد" إليها؛ ولم تكن تحمل في ذاتها القدرة على غفران الخطايا والتقدّيس، إنّما ما حملته من قوّة فقد استمدّته كرمز من قوّة المرموز إليه، كما حملت الحيّة النحاسيّة قوّة الشفاء خلال الصليب الذي ترمز إليه. + كان يوحنا يعمدّ بالماء لا بالروح القدس، فبكونها عاجزة عن غفران الخطايا، تغسل أجساد من يعتمدون بالماء، أمّا نفوسهم فلا تقدر أن تغسلها. إذن لماذا كان يوحنا يعمّد؟... إنه في ميلاده كان سابقًا لمن يولد، وبالتعميد كان سابقًا للرب الذي يعمّد، وبكرازته صار سابقًا للمسيح! الأب غريغوريوس (الكبير) + لنعالج باختصار الأنواع المختلفة للمعموديّة: موسى كان يعمدّ لكن في الماء، في السحابة والبحر، لكنّه فعل هذا بطريقة رمزيّة. يوحنا أيضًا عمّد، حقًا ليس بطقس اليهود، وليس فقط في الماء وإنما لمغفرة الخطايا، لكنها لم تكن بطريقة روحيّة كاملة، إذ لم يضف أنها "في الروح". يسوع عمّد ولكن في الروح، وهذا هو الكمال! توجد أيضًا معموديّة رابعة، تتم بالاستشهاد والدم، الذي اعتمد بها المسيح نفسه والتي هي مكرّمة جدًا عن الباقين... ومع ذلك توجد معموديّة خامسة وهي عاملة بالأكثر، معموديّة الدموع، حيث كان داود يُعوّم كل ليلة سريره ويغسل فراشه بدموعه (مز 6: 6). القدّيس غريغوريوس النزينزي 2. تهيئة الطريق كان يوحنا يهيّئ الطريق للرب في القلوب، ليس بجمع الناس حوله ولحسابه، وإنما بالدخول بجماهير الشعب إلى حياة التوبة، معترفين بخطاياهم. وقد جاء الفرّيسيّون والصدّوقيّون إلى معموديّته بأجسادهم دون قلوبهم، لذا صار يوبّخهم هكذا: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" [7]. لم يكن يوحنا بالقصبة التي تحرّكها الريح فيهتز أمام هؤلاء القادة متملقًا إيّاهم، وإنما بقوّة كان يشتهي خلاصهم، فاضحًا الشرّ الذي فيهم، بدعوتهم "أولاد الأفاعي". اتفق القادة المتضادّون معًا ضدّ يوحنا كما اتفقوا معًا ضدّ المسيح نفسه، فقد كان الفرّيسيّون يمثّلون السلطة الكنيسة اليهوديّة والتقليد بطريقة حرفيّة قاتلة. وكان الصدّوقيّون يمثّلون الجانب المضاد للسلطة، ضدّ التقليد، ينكرون القيامة ولا يقبلون فكرة وجود الأرواح. كان الفرّيسيّون يتطلّعون إلى يوحنا أنه أكثر خطرًا من الصدّوقيّين في الثورة على السلطة، فقد خرجت الجماهير من كل المدن لترى مثالاً حيًا للحياة التائبة العمليّة، الأمر الذي يفضح الفرّيسيّين وكل رجال السلطة الدينيّة. أمّا الصدّوقيّون فإنهم مع مقاومتهم كانوا يرون في يوحنا من هو أخطر من رجال السلطة الدينيّة، فقد كسب الجماهير لصفّه، مقدّمًا لهم مفاهيم روحيّة تهدم أفكار الصدّوقيّين. على أي الأحوال، وقف القدّيس يوحنا أمام الفرّيسيّين والصدّوقيّين بكل قوّة يوبّخهم، ملقّبًا إيّاهم: "يا أولاد الأفاعي". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا دعاهم أولاد الأفاعي، إذ يُقال أن ذلك الحيوان عند ولادته تأكل الصغار بطن أمها وتهلكها فيخرجون إلى النور، هكذا يفعل هذا النوع من الناس، إذ هم قتلة آباء وقتلة أمهات (1 تي 1: 9) يبيدون معلّميهم بأيديهم.] يكمّل القدّيس يوحنا المعمدان حديثه مع الفرّيسيّين والصدّوقيّين، قائلاً: "فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يُقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" [8-9]. إن كان اليهود عامة، وقادتهم الروحيّين بصفة خاصة، يتّكلون على نسبهم جسديًا لإبراهيم أب الآباء، فقد أوضح القديس يوحنا لهم بطلان هذه الحجّة. فإن كانوا يدعون أنهم "أبناء إبراهيم" ففي الحقيقة هم "أولاد الأفاعي"، لأنهم لا يحملون إيمان إبراهيم الحيّ ولا يسلكون على منواله، وإنما حملوا شرّ الأفاعي فيهم. فالإنسان حسب فكره وتصرفاته يظهر ابن من هو؟ فالسالكون بغير حكمة يدعون "أبناء الحماقة" (أي 30: 8)، والذين يسلكون في المعصية يحسبون "أبناء المعصية" (كو 3: 6)، ومن لا يبالي بهلاك نفسه يسمى "ابن الهلاك" (يو 17: 12)، وعلى العكس الذين يختبرون الحياة الجديدة المُقامة مع المسيح وفيه يعتبرون "أبناء القيامة" (لو 20: 36)، والذين يحبّون النور الإلهي، ويسعون نحوه فيدعون: "أبناء النور" (يو12: 36) و"أبناء النهار" (1 تس 5: 5) الخ. إن كان هؤلاء القادة قد اعتمدوا على نسبهم لإبراهيم، فيلزمهم تأكيد هذه البنوّة بذات الروح الذي عمل به أبونا إبراهيم، وإلا فإن الله يُقيم له أولادًا من الحجارة، وقد أقام فعلاً. لقد أخرج الله من الأمم التي تحجّرت قلوبهم أبناء لإبراهيم خلال الإيمان بالسيّد المسيح، الذي رأى إبراهيم يومه فتهلّل (يو 8: 56). يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن هذا التشبيه جاء عن ولادة هذا الشعب خلال اسحق الموهوب لإبراهيم خلال رحم سارّة العقيم كما لو كان متحجّرًا. كان كالحجر في حالة موت غير قادر على الإنجاب، فأقام الله منه أولادًا لإبراهيم خلال قوّة وعده الإلهي وإيمان إبراهيم بالله القادر على الإقامة من الأموات. هذا ما قصده النبي عندما قال: "انظروا إلى الصخر الذي منه قُطعتم، وإلى نقرة الجب التي منها حُفِرتُم. انظروا إلى إبراهيم أبيكم، وإلى سارّة التي ولدتكم" (إش 51: 1-2). ها هو يذكرهم الآن بهذه البنوّة، فقد جعله الله أبًا لهم بطريقة معجزيّة كمن يُقيم من الحجارة أولادًا. الآن أيضًا يمكنه أن يفعل ذلك. ويرى القدّيس أغسطينوس أن الحجارة التي صارت أولادًا لإبراهيم إنّما تُشير إلى الأمم الذين عبدوا الأوثان فصاروا حجارة، وإذ قبلوا الإيمان الذي كان لإبراهيم صاروا من نسله روحيًا. إنه يقول: [يُقصد بالحجارة كل الأمم ليس من أجل قدرتهم على الاحتمال كالحجر الذي رفضه البنّاءون، وإنما من أجل غباوتهم وبلادتهم الباطلة، فصاروا كالأشياء التي اعتادوا أن يعبدوها، إذ عبدوا الصور الجامدة صاروا هم أنفسهم بلا حس؛ "مثلها يكون صانعوها بل كل من يتّكل عليها" (مز 115: 8). لكنهم إذ بدأوا يعبدون الله، ماذا سمعوا بخصوصهم؟ "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين" (مت 5: 45) إذ يصير الإنسان مشابهًا لمن يعبده. إذن ماذا يقصد بالقول: "الله قادر أن يُقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 9)؟... أي نصير أولادًا لإبراهيم بامتثالنا بإيمانه وليس بميلادنا من جسده.] كما يقول: [كنّا في آبائنا حجارة إذ عبدنا الحجارة كآلهة، من هذه الحجارة يخلقنا الله عائلة لإبراهيم.] ويقول القدّيس جيروم: [يستطيع الله أن يجعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم؛ يُشير هنا إلى الأمم، إذ هم حجارة بسبب قسوة قلوبهم. لنقرأ: "وأنزع قلب الحجر من لحمكمk وأعطيكم قلب لحم" (حز 36: 26). فالحجر صورة القسوة، واللحم رمز اللطف. لقد أراد أن يظهر قوّة الله القادر أن يخلق من الحجارة الجامدة شعبًا مؤمنًا.] "والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر. فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تُقطع، وتُلقى في النار" [10]. ماذا يقصد بالفأس التي يضرب بها الشجر غير المثمر، أو الشجر الذي يحمل ثمارًا غير جيّدة إلا صليب ربّنا يسوع المسيح الذي يضرب أصل طبيعتنا الفاسدة ليهلك الإنسان القديم، مقيمًا الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه الذي يقدّم ثمر الروح القدس المفرح. إنه يدفن الإنسان العتيق في مياه المعموديّة كما في القبر مع السيد، أو يُلقي به كما في النار ليقدّم لنا خبرة الحياة. لهذا فلا عجب إن كمَّل النبي حديثه بخصوص المعموديّة المسيحيّة، بكونها طريق هدم الإنسان القديم وقيامة الإنسان الجديد، إذ يقول: "أنا أعمّدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمّدكم بالروح القدس ونار" [11]. يقول القدّيس مار يعقوب السروجي: [المعموديّة هي الكور العظيم الممتلئ نارًا، فيها يُسبك الناس ليصيروا غير أموات.] يقول القدّيس كبريانوس: [إنها المعموديّة التي فيها يموت الإنسان القديم، ويولد الإنسان الجديد كما يُعلن الرسول مؤكّدًا أنه خلصنا بغسل التجديد.] يرى القدّيس يوحنا المعمدان أنه غير مستحق أن يحمل حذاء السيّد المسيح، وفي موضع آخر يُعلن أنه غير مستحق أن يحلّ سيور حذائه (يو 1: 27)، ماذا يعني بهذا؟ إن كان كلمة الله غير المُدرَك قد صار كمن يلبس حذاء بتجسّده، إذ صار كواحدٍ منّا يسير بيننا، فإن القدّيس يوحنا يُعلن أنه غير مستحق أن يحمل هذا السرّ الفائق الذي للتجسّد، ولا أن يحلّ أختامه (سيوره) إذ لا يمكن التعبير عنه. يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [من لا يعرف أن الحذاء يُصنع من جلد الحيوانات الميّتة؟! إذ صار الرب متجسّدًا، يظهر بين الناس كمن هو محتذي، إذ لبس لاهوته غطاءً قابلاً للموت لذلك يقول النبي: "على أدوم أطرح نعلي" (مز 60: 8). لقد أُشير للأمم بأدوم... خلال الجسد صار معروفًا لدى الأمم، كما لو أن اللاهوت قد جاء إلينا بقدم محتذي. لكن لا يمكن للعين البشريّة أن تخترق سرّ التجسّد. فإنه ليس من طريق به يتحقّق إدراك كيف صار الكلمة متجسّدًا، وكيف انتعش الروح العلوي واهب الحياة داخل أحشاء أم، وكيف حُبل بذاك الذي بلا بداية وصار إلى الوجود. إذن فسيور الحذاء إنّما هي أختام السرّ. لم يكن يوحنا مستحقًا أن يحلّ حذاءه إذ كان عاجزًا عن البحث في سرّ تجسّده... إني أعرف أنه وُلد بعدي، لكنّني أعجز عن فهم سرّ هذا المولود. انظر! فإن يوحنا الممتلئ بالروح - روح النبوّة - والمستنير بالمعرفة يُعلن أنه لا يعرف شيئًا بخصوص هذا السر.] سر نجاح القدّيس يوحنا المعمدان هو تواضعه؛ فبقوله إنه غير مستحق أن يحلّ سيور حذاءه يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم كأنما يقول: [إنه عالٍٍ عليِّ جدًا، ولا استحق أن أُحسب أقل عبد عنده، فإنّ حلّ سيور الحذاء هي أكثر الأعمال وضاعة.] بعد أن طالبهم بالتوبة العمليّة الحاملة للثمر الروحي، مقدّمًا لهم المعموديّة كسِّر صلب إنسانهم العتيق والتمتّع بالحياة الجديدة، متّحدثًا في تواضع أنه غير مستحق إدراك أسرار الحمل الفائق، أوضح مجيء هذا الحمل كديّان: "الذي رَفْشه في يده، وسينقّي بيْدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تُطفأ" [12]. هكذا يقدّم لهم القدّيس يوحنا المعمدان السيّد المسيح كديّان، فإن كان بلطفه يترك الحنطة مع التبن إنّما إلى حين، وسيأتي الوقت حتمًا ليذَرّي الحصاد، ويفصل القمح إلى المخزن، والتبن إلى النار. الآن يعيش الأبرار مع الأشرار، والمؤمنون مع غير المؤمنين، حتى يأتي يوم الرب العظيم الذي يقوم بنفسه بالتذرية. يمسك رفشه في يده ولا يسلّمه لآخر، فإنه وحده العارف القلوب والقادر أن يفصل الحنطة من التبن بحكمة دون أن يخطئ. يطمئننا القدّيس أغسطينوس أنه وإن وُجدت الحنطة مختلطة بالتبن هنا، لكن هذا لن يؤذي الحنطة ولا يفقدها إكليلها، فسيأتي الوقت لعزلها عن التبن حيث يحرق التبن في النار: [هذا التبن لا يُهلك من هم حنطة الرب، والذين هم قليلون إن قورنوا بالآخرين، لكنهم هم جمع عظيم. لا يهلك مختارو الله الذين يُجمعون من أقاصي العالم، من أربعة رياح، من أقصى السماء إلى أقصاها (مت 24: 31). ويصرخ المختارون قائلين: "خلِّص يا رب، لأنه قد انقرض التقي، لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر" (مز 12: 1). فيقول لهم الرب: "من يصبر إلى المنتهى (حيث يُقيد الشرّ) فهذا يخلُص" (مت24: 13).] 3. عماد المسيح "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه. ولكن يوحنا منعه قائلاً: أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ. فأجاب يسوع وقال له: اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل برّ. حينئذ سمح له. فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذ السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيًا عليه. وصوت من السماوات، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" [13-17]. تحتفل الكنيسة بعيد عماد المسيح بكونه عيد الظهور الإلهي، حيث أعلن الثالوث القدّوس ذاته فيه. فإن كان عند نهر الأردن جاء كثيرون معترفين بخطاياهم، فإنه بدخول السيّد إلى المياه انكشفت حقيقته أنه أحد الثالوث القدّوس. دخل بين الخطاة لينكشف، فندرك أسراره، لا لمجرّد المعرفة العقليّة، وإنما لنختبر عمله الفائق فينا. يتحدّث القدّيس أغسطينوس عن ظهور الثالوث القدّوس في العماد، قائلاً: [بجوار نهر الأردن ننظر ونتأمّل كما في منظر إلهي موضوع أمامنا. لقد أعلن لنا إلهنا نفسه بكونه الثالوث. جاء يسوع اعتمد بواسطة يوحنا، الرب بواسطة العبد، مثالاً للتواضع. أظهر لنا في تواضع أن المحبّة قد كملت. وعندما قال له يوحنا: "أنا محتاج أن اعتمد منك، وأنت تأتي إليّ. أجاب: اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل برّ" [14-15]. عندما انفتحت السماوات ونزل الروح القدس في شكل حمامة، تبعه صوت من السماء، قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" [17]. إذن هنا أمامنا الثالوث متمايزًا، الواحد عن الآخر: الآب في الصوت، الابن في الإنسان، والروح القدس في شكل حمامة. إنهم الله الواحد، ومع ذلك فإن الابن غير الآب، والآب غير الابن، والروح القدس ليس بالآب ولا بالابن. نحن نعلم أن هذا الثالوث الذي لا يُنطق به، يسكن في ذاته، يجدّد الكل، يخلق، يدعو، يدين ويخلّص، هذا الثالوث هو كما نعلم لا يُنطق به وغير منفصل. نستطيع أن ندرك مدى اهتمام الكنيسة بالمعموديّة من كلمات القدّيس جيروم: [لم يكرز المخلّص نفسه بملكوت السماوات إلاّ بعد تقديسه الأردن بتغطيسه في العماد.] من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثالث معمودية المسيح ويوحنا المعمدان (مت1:3-17) (مر1:1-11) (لو1:3-22) (يو19:1-37) يوم العماد (الغطاس) يسمى عيد الظهور الإلهي، ففيه ظهر الثالوث القدوس، صوت الآب من السماء، والابن في الماء، والروح القدس على شكل حمامة يحل على المسيح. وهناك سؤال.. لماذا ظهر الثالوث يوم عماد المسيح بالذات، ولم يظهر مثلاً يوم التجلي؟ قال الله لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا، إذاً .. الخلق هو عمل الثالوث إذ يقول نخلق.. صورتنا.. كشبهنا.. أي بصيغة الجمع. فالآب يريد والابن يخلق، فبه كان كل شئ، والروح يعطي حياة لهذا المخلوق (حز10:37). ويوم العماد هو يوم تأسيس سر المعمودية الذي به نخلق خليقة جديدة بعد أن فسدت خليقتنا الأولى بالخطية. وكما كانت الخلقة الأولى هي عمل الثالوث القدوس، هكذا الخليقة الثانية هي عمل الثالوث القدوس، لذلك ظهر الثالوث القدوس يوم المعمودية. فالآب يريد أن الجميع يخلصون (1تي4:2). والابن يغطس في الماء إعلاناً قبوله الموت عن البشر، وهذا هو الفداء المزمع أن يقدمه على الصليب. ثم يخرج من الماء إعلاناً عن أنه لن يظل ميتاً في القبر، بل سيقوم ويقيمنا معه متحدين به (رو3:6-5). والروح القدس يحل على جسد المسيح. وجسد المسيح هو كنيسته. والروح القدس سيقوم بعد ذلك مع كل معمد بجعله يموت مع المسيح ويقوم مع المسيح من موت الخطية. نقوم مع المسيح ثابتين في المسيح كخليقة جديدة (2كو17:5) وهذه الخليقة الجديدة يفرح بها الآب. وفرحة الآب هذه ظهرت في قوله "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" . قال هذا يوم العماد ولم يكمل "له اسمعوا" كما قال يوم التجلي فاليوم هو يوم فرحة الآب برجوع ابنه الضال (أي الكنيسة) إلى أحضانه. حقاً الآب فرح بطاعة المسيح الذي أطاع حتى الموت موت الصليب، لكنه فرح أيضاً برجوعنا إليه. لذلك قال المسيح ينبغي لنا أن نكمل كل بر. وهذا يعني أن آدم يوم خلق كان هناك شيئاً ينقصه.. وما هو؟ لو أخطأ آدم يموت وينتهي بالانفصال عن الله، فلا شركة للنور مع الظلمة. لكن اليوم رسم السيد المسيح طريقة غفران الخطية وتبرير آدم ليعود للأحضان الإلهية، وبهذا فرح الآب، فلقد أصبح طريق تبرير الإنسان كاملاً، لذلك قال المسيح على الصليب "قد أكمل" فنحن كنا عاجزين عن البر، فجاء المسيح ليعطينا فيه أن نتبرر. ما حدث يمكن تشبيهه بأنه بدون اختراع الأستيكة كان إذا حدث أي خطأ في ورقة نقوم بتمزيقها وإلقائها أما بعد اختراع الأستيكة صرنا نمحو الخطأ ،ويمكن استخدام الورقة ثانية. إذاً المعمودية هي: 1) موت مع المسيح: ومن مات معه تغفر جميع خطاياه السابقة. 2) قيامة مع المسيح: نقوم متحدين به، وهذا يعطينا أن نحيا بحياته.وهذا ما قاله بولس الرسول "لي الحياة هي المسيح" (في21:1)" + "المسيح يحيا فيّ" (غل20:2) ولأن المسيح يحيا فينا كمل كل بر. آية (1): "وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية." في تلك الأيام= لا يقصد به بعد عودة العائلة المقدسة من مصر ولكن في ذلك العصر أو في ذلك الزمان. ولوقا حدد عمر المسيح في هذا الوقت (لو23:3) أنه حوالي 30 عاماً. يوحنا المعمدان= لقب المعمدان غالباً أطلقه عليه الشعب. وكان ملاخي قد سبق وتنبأ عنه في (ملا1:3) وتنبأ عن مجيء إيليا قبل مجيء المسيح الثاني في (ملا5:4)، ولما كان اليهود لا يفهمون أن هناك مجيء أول ومجيء ثاني، ظنوا أن إيليا يجب أن يظهر قبل المسيا. ولكن المعمدان جاء في صورة إيليا الساكن في البراري والجبال وبنفس قوته. برية اليهودية= هي القطاع الشرقي من إقليم اليهودية، يقع شرق قمة الجبل الرئيسية وغرب البحر الميت، لم تكن صحراء رملية ولكنها أرض غير مخصبة. والمعمدان بدأ خدمته قبل أن يبدأ المسيح بشهور. وكان من حق يوحنا أن يصير كاهناً، ولكنه ترك الهيكل والكهنوت ذاهباً إلى البرية، ليعلن أن الجميع فسدوا وصاروا برية قاحلة تنتظر المسيح الذي سيأتي ليرويها بمياه الروح القدس لتصير فردوساً يحمل ثمار الروح (مز1:63). لقد حُرِم يوحنا المعمدان من خدمة الهيكل ليهيئ الطريق لرئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع الذي جعل من بريتنا هيكلاً جديداً سماوياً. كان يوحنا هو الرسول الذي يعد طريق الملك كما يسبق الملوك حرس شرف. آية (2): "قائلا توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات." توبوا= يوحنا يهيئ الطريق الملوكي بالتوبة، ومعنى طلب التوبة كشئ سابق لملكوت المسيح، أن ملك المسيح سيكون روحياً وليس أرضياً. والتوبة في اليونانية مطانية وتعني تغيير الاتجاه أي تغيير القلب والعقل من جهة الخطية ليهتدي ويتجه نحو الله. ويعطي الإنسان لله الوجه لا القفا إذاً توبوا= غيروا قلوبكم وعقولكم. اقترب ملكوت السموات= أي أن مجيء المسيح ليسكن فينا صار على الأبواب. وطريق التمتع بهذا الملكوت هو إدراكنا بالحاجة إلى عمل المسيّا فينا، فإذ يدين الإنسان نفسه ينفتح القلب لاستقبال عمل المسيّا فيه. واصطلاح ملكوت السموات هو اصطلاح خاص بمتى أما باقي الإنجيليين فكانوا يستعملون اصطلاح ملكوت الله. لأن متى كان يكتب لليهود الذي يخشون أن يستعملوا اسم الله. وملكوت الله معناه سيادة وحكم الله على القلب، لكن اليهود فهموه على أنه ملك مادي أرضي. ومن المؤكد أن المسيح استخدم التعبيرين ملكوت السموات وملكوت الله. وببساطة حيثما يملك الله يصير هذا المكان سماء. آية (3): "فان هذا هو الذي قيل عنه بإشعياء النبي القائل صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة." الاقتباس من (إش3:40) ومن الترجمة السبعينية بالذات. صوت صارخ= هو صوت المعمدان. فهو كان صوتاً يوجه النظر ليسوع، يدعو الناس للتوبة فيكونوا مستعدين لقبول الرب يسوع. إصنعوا سبله مستقيمة= مرادفة لتوبوا. أي من ارتفع قلبه بالكبرياء أو من التهب قلبه بالطمع أو الشهوة فليغير طريقه. آية (4): "ويوحنا هذا كان لباسه من وبر الإبل وعلى حقويه منطقة من جلد وكان طعامه جراداً وعسلاً برياً." كانت صرخات يوحنا لا تخرج من فمه فحسب بل تنطلق من كل حياته، تعلنها حياته الداخلية ومظهره الخارجي. حتى ملبسه كان أشبه بعظة صامتة وفعّالة وأيضاً طعامه لباسه من وبر الإبل= خشن ورخيص وكان هذا لباس الأنبياء (زك4:13). طعامه جراداً هذا أكل الفقراء جداً. عسلاً برياً= وهذا يجدونه في الصخور وجذوع الأشجار. وكان زهد المعمدان سر قوته، أيضاً خلوته في البرية. وكان له شكل إيليا في ملبسه وطعامه. آية (5): "حينئذ خرج إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن." هكذا لنرجع إلى الله علينا أن نخرج من العالم. آية (6): "واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم." الأردن= ينبع من جبال لبنان ويصب في البحر الميت ماراً ببحر الجليل (أو بحيرة جنيسارات أو بحيرة طبرية). واليهود عرفوا أنواعاً من المعموديات منها معمودية المتهودين الدخلاء ومعمودية يوحنا كانت رمزاً للمعمودية المسيحية. وبولس الرسول اعتبر أن موسى والشعب اعتمدوا في البحر الأحمر والسحابة رمزاً أيضاً للمعمودية المسيحية. ولكن معمودية يوحنا لم تهب النبوة لمن اعتمد مثل المعمودية المسيحية. وغفران الخطايا الذي كان هدف معمودية يوحنا استمد قوته من صليب المسيح (مثل شيك يكتب على ظهره يصرف في يوم كذا فهو حق لك ولكن مفعوله يبدأ في اليوم المحدد). قوة معمودية يوحنا استمدت قوتها من قوة المرموز إليه كما حملت الحية النحاسية قوة الشفاء خلال الصليب التي ترمز إليه. فمعمودية يوحنا لم تكن بالروح مثل المعمودية المسيحية. وهناك معمودية الدم للشهداء وهناك معمودية الدموع والتوبة كما كان داود يعوم كل ليلة سريره (مز6:6). آية (7): "فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته قال لهم يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي." الفريسيين= أهم طوائف اليهود الدينية التي ظهرت أيام المكابيين سنة 150ق.م. هدفهم أن يشددوا على وجهة النظر الدينية عند اليهود، ويحفظون الشريعة بدقة. وكان هذا كرد فعل للثقافة اليونانية المتحررة التي انتشرت. ومعنى فريسيون= مفروزون. ويسمون أنفسهم الأتقياء. واعتبروا تقليد الأباء على نفس مستوى الناموس. ساد عليهم الرياء والتظاهر والتمسك الظاهري لا الفعلي بالناموس فعشروا الشبث والنعنع وأطالوا صلواتهم. الصدوقيين= هم الطائفة اليهودية الكبيرة بعد الفريسيين، ويرجح أنهم نشأوا كمضادين للفريسيين. اسمهم مشتق من اسم صادوق رئيس الكهنة أو من معنى اسم صادوق وهو يعني البار. وعلموا أن الفضيلة تمارس لأجل نفسها وليس من أجل أجر معين ومن هنا تمادوا وأنكروا القيامة لأنها أجر للأعمال الصالحة. وكانوا لا يؤمنون سوى بأسفار موسى الخمسة فقط، ولا يقبلون تقليد الشيوخ وأنكروا القيامة والأرواح والملائكة (أع8:23). كانوا يسمونهم جماعة العقلانيين عند اليهود. وكان هدفهم في الحياة جمع المال وإرضاء ملذاتهم. يا أولاد الأفاعي (وهناك أولاد إبليس يو44:8+ 1يو10:3 وأبناء المعصية كو6:3 وأبناء النور يو36:12)= يوحنا هنا يريدهم أن يتساءلوا بينهم وبين أنفسهم لماذا أتوا هل هي توبة حقيقية أو سعياً وراء المظاهر. لأنه شعر أنهم لم يأتوا إليه بقلوبهم طالبين التوبة. وكان يوحنا قوياً لم يخف من الفريسيين والصدوقيين ولم يتملقهم، بل هو عرف مشاعرهم فهم لم يحتملوا إذ قد فضح ريائهم بقداسته الحقيقية. والتفت حوله الجماهير وأحبوه فخافوا على مراكزهم. الغضب الآتي= الدينونة. الآيات (8،9): "فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم." التوبة التي بلا ثمر هي مظاهر ورياء. وكان اليهود يظنون أنهم يخلصون لمجرد انتسابهم لإبراهيم. ولكن يوحنا هنا يشرح لهم أن الخلاص ليس ميراثاً من الأباء. يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم. ما هي هذه الحجارة؟ 1- يقال أن يوحنا المعمدان كان يتكلم وأمامه الحجارة التي وضعها يشوع في الأردن. 2- تشير إلى (إش1:51،2) فهذا الصخر في إشعياء يشير لمستودع سارة المائت ولأن إبراهيم صار شيخاً غير قادر على الإنجاب ومع هذا كان لهما نسل ومنه اليهود. ويكون المعنى أنه كما أقام الله اليهود من مستودع ميت كالصخر، قادر هو أن يقيم له أولاداً آخرين. 3- تشير للأمم الذين صاروا حجارة بعبادتهم للأوثان الحجرية فشابهوها (مز8:115) 4- تشير لكل قلب تقسى وتحجر، والله يحركه بالتوبة فيصير ابناً لإبراهيم. وأولاد إبراهيم هم من يشابهونه في تقواه وإيمانه، ولكن هؤلاء الفريسيين والصدوقيين لا يشبهون إبراهيم بل هم أولاد أفاعي بمعنى أولاد إبليس (يو44:8) وكل من تحجر قلبه فالله قادر أن يحوله مرة أخرى إلى قلب لحمي (حز26:36) آية (10): "والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيدا تقطع وتلقى في النار." التشبيه مأخوذ من الحطاب الذي وضع فأسه بجانب الشجرة وذهب يخلع سترته استعداداً لقطع الشجرة. فهذا المثل يشير للغضب القادم. فالمسيح أتي ليبشر بيوم مقبول وسنة مقبولة. فإما أن يستجيب الإنسان أو تأتي عليه الدينونة وسيف القصاص، ويلعنه الله كما لعن شجرة التين إذا وجده بغير ثمار التوبة. والمسيح هو ذلك الحطاب الذي أتى بصليبه ليموت عني. وأعطاني المعمودية، فيها أموت معه لهدم الإنسان العتيق فمن يرفض بعد كل هذا لن يكون أمامه سوى الدينونة. والمسيح هو الحطاب الذي هو مزمع الآن أن يأتي للدينونة. آية (11): "أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن احمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار." نرى هنا سر عظمة المعمدان وهو اتضاعه= لست أهلاً أن أحمل حذاءه= (هو قول يشير لألوهية السيد المسيح فأي ملك أرضي يمكن أن يحل سيور حذاءه أي أحد. أو يحمل حذاءه أي أحد) هو يرى في نفسه أنه غير مستحق أن يعمل أحقر الأعمال التي يقوم بها العبيد. سيعمدكم بالروح القدس ونار= وقارن هذه بقول المسيح "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح (يو5:3). فالروح القدس هو روح الإحراق (إش4:4) وهو يجعل الماء نار إحراق فماذا يعني قوله الروح القدس ونار= إلا أن ماء المعمودية هو النار الذي يلقي فيها المعمد لتحرق خطاياه وتميت الإنسان العتيق. ويقول القديس مار يعقوب السروجي "المعمودية هي الكور العظيم الممتلئ ناراً، فيها يسبك الناس ليصيروا غير أموات" هذا يعني أن المعمودية هي ليست غسيل إنسان في ماء عادي، بل هي بعمل الروح القدس (روح الإحراق (إش4:4) تحرق الخطايا القديمة، وتلقي نار حب داخل القلب. وانظر لعمل الروح القدس في أرمياء "فكان في قلبي كنارٍ محرقة" (أر9:20) لذلك رأينا حلول الروح القدس على التلاميذ على هيئة ألسنة نارية فالمعمودية هي تحرق خطايانا بالنار وتغسلها بالماء. آية (12): "الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ." هنا نرى المسيح الديان. الرفش= يستخدم للتذرية [الرفش هو المذراة وهي ساق لها أصابع خشبية ترفع بها الحبوب المختلطة بالتبن والقش فتسقط الحبوب سريعة لثقلها أما القش والتبن فيطيران بعيداً. وبهذا تجمع الحبوب وحدها والتبن وحده وهذا يتم في مكان متسع بجانب الحقل يسمى البيدر أو الجرن. وتوضع الحبوب في المخزن أما التبن والقش فيحرقان. والرفش إشارة لكلمة الله التي ستدين غير المؤمنين وغير التائبين (يو48:12)] ويشير الرفش لسلطان المسيح. بيدره= أي كنيسته ويشير لنهاية العالم. قمحه= المؤمنين الأبرار. المخزن= الكنيسة أو المجد في السماء. التبن= الأشرار. نار لا تطفأ أي الدينونة الأبدية في جهنم. فالمسيح يترك الآن القمح مع التبن والزوان ولكن هناك يوم يفصل فيه بين هذا وذاك. ولكن من الآن فالتذرية موجودة وهناك فاصل بين الذي يؤمن والذي لا يؤمن وبين الذي يتوب والذي لا يتوب. آية (13): "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه." ليعتمد منه= المسيح هنا يأخذ مكان الخاطئ، وهذا كان مقدمة للصليب، لذلك فالمعمودية هي موت مع المسيح. والكنيسة تهتم بالمعمودية لأنه حتى المسيح لم يبدأ خدمته إلا بعد أن اعتمد. آية (14): "ولكن يوحنا منعه قائلاً أنا محتاج أن اعتمد منك وأنت تأتى إلى." من عرفه وهو في بطن أمه، من المؤكد أنه عرفه الآن. آية (15): "فأجاب يسوع وقال له اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر حينئذ سمح له." المسيح يكمل كل بر عني. هنا نرى منتهى الاتضاع أن يعتمد الله من أحد عبيده. الآيات (16،17): "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وأتياً عليه. وصوت من السماوات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت." صعد= إذاً هو كان نازلاً في الماء. لذلك فالمعمودية بالتغطيس وفي يوم عيد الغطاس، يوم عماد المسيح تحتفل الكنيسة أيضاً بعيد الظهور الإلهي، إذ ظهر هنا بوضوح الثلاثة الأقانيم. صوت الآب في السماء والابن الإنسان في الماء والروح القدس في شكل حمامة. هنا نرى التمايز في الثالوث، الواحد عن الآخر، ولكنهم هم الله الواحد. والمسيح حل عليه الروح القدس في شكل حمامة كاملة (حمامة رمز السلام والطهارة والوداعة والبراءة والبساطة وهذه ثمار يعطيها الروح لمن يحل عليها). وهي كاملة رمز لحلول الروح القدس بالكامل على المسيح. أما التلاميذ فحل عليهم على قدر ما يحتملون، ألسنة نار منقسمة. والروح حل على التلاميذ علىشكل نار ليطهرهم، أما المسيح الذي بلا خطية لم يحتاج لشكل النار بل شكل الحمامة. وحلول الروح القدس على المسيح كان لتكريسه وإعداد جسده ليكون ذبيحة. وصوت الآب من السماء تكرر يوم التجلي (مت5:17) وأيضاً في (يو28:12). انفتحت له= المسيح رأي الحمامة وغالباً رآها يوحنا المعمدان أيضاً (يو31:1-34) والسماء تنفتح الآن بعد أن كانت قد أغلقت أمام البشرية ومن أيام نوح فالحمامة رمز للسلام وزوال السخط وانتهاء زمن سلطان الخطية. المسيح يكمل كل بر 1- سلك بمعموديته من يوحنا طريق الاتضاع وهو كمال كل بر. 2- هو يسلك بحسب كل شريعة وناموس للعهد القديم حتى لا يتقول الناس عليه أنه رافض أو هادم للناموس، فيوحنا عندهم كنبي. 3- هو يعلن أهمية المعمودية ويعلن قبوله لمهمته أي موته فالمعمودية هي موت مع المسيح، فالمسيح بمعموديته يعلن أنه يقبل هذا الموت، وأنه يطيع حتى الموت موت الصليب. المعمودية هي مثال لسر موته وقيامته 4- المسيح يؤسس سر المعمودية الذي به يكمل كل بر لآدم ونسله. فبموتنا مع المسيح وقيامتنا مع المسيح نتبرر. المسيح بالمعمودية أكمل كل بر للإنسان أي صار هناك وسيلة يتبرر بها الإنسان الذي كان قد حُكِمَ عليه بالموت بسبب الخطية. 5- لماذا المعمودية؟ 1- المسيح غير محتاج للمعمودية فهو بلا خطية. 2- بهذا يتيح الفرصة ليوحنا ليشهد عنه، وليظهر لإسرائيل. 3- جعل المعمودية مثالاً لسر موته وقيامته. هو بهذا أسس سر المعمودية. وبها يكمل كل بر. 4- بعد المعمودية حل عليه الروح القدس لحسابنا أي لتقديسنا. 5- ظهر أثناء المعمودية سر الثالوث الأقدس. · المسيح لم يكن محتاجاً للمعمودية، لكن المعمودية هي التي كانت محتاجة للمسيح ليعطي الماء القوة بالروح القدس ليعيد خلقتنا. · أما المعمودية بالنسبة للشعب اليهودي كانت للتوبة، ومن يتوب ويتنقى سيعرف المسيح حين يظهر "فطوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله"
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث بشارة المعمدان وتعميده للمسيح (1) شخصية يوحنا المعمدان ( ع 1 - 6 ) : ع 1 : " فى تلك الأيام " : أى عندما اقترب المسيح من سن الثلاثين ، وبالتحديد قبله بستة أشهر ظهر يوحنا المعمدان الذى كان يكبره بستة أشهر0 " يوحنا المعمدان " : هو يوحنا ابن زكريا الكاهن الذى اشتهر بتعميد اليهود ، فسُمّى بالمعمدان ، والذى عاش حوالى ثلاثين عاماً فى البرية فى حياة النسك ، كمثال للرهبنة فى العهد القديم ومحبة الصلاة والوحدة0وكانت هذه فترة روحية يُعد بها لأعظم خدمة ، وهى تهيئة الطريق لبشارة المسيح وفدائه0 " يكرز " : بدأ تبشيره بعد سكون ثلاثين عاماً ، ونادى الشعب بالتوبة والرجوع لله0 " برية اليهودية " " تقع شرق أورشليم قرب بحر لوط0 ع 2 : كانت كرازته بالتوبة ، أى تنقية القلب من الخطية ، وتغيير الإتجاه من الشر إلى الحياة مع الله0 " اقترب " : لأنه بعد ستة أشهر ستبدأ كرازة المسيح الذى يملك على القلوب ملكاً سماوياً0وكان تحذيره واضحاً وهو اقتراب ملكوت السماوات ، أى مُلك المسيح على القلوب ، وهو مُلك سماوى روحى ، وليس أرضياً كما يتوهم اليهود ، لينقذهم من قسوة الرومان0كان يكرز بملكوت الله على القلب ، حتى يتأهل الإنسان لسكنى السماء ، ويملك مع الله إلى الأبد ، ولا يمكن أن يملك الله على القلب المتمسك بالخطية ، الرافض التوبة0 ع 3 : فى هذا العدد يستشهد متى الإنجيلى ، الذى يخاطب اليهود ، بنبوة إشعياء المشهور والمعروف عند اليهود ، ليؤكد إعداد طريق المسيا المرتقب ( 40 : 3 )0وقد ذكر عن يوحنا أنه " صوت " تمييزاً له عن المسيح الذى هو الكلمة نفسها0وكان فى تبشيره قوياً كمن يصرخ وينادى بإعداد طريق الله فى القلب ، أى بالتوبة ، وما ينتج عنها من سلوك حسن0 " أعدوا طريق الرب " : لإزالة الحواجز ، كما كان ينادى المنادى تهيئة لمرور ملك أو عظيم ، ويقصد هنا إزالة الخطايا والكبرياء من القلب0 " اصنعوا سبله مستقيمة " : بالبعد عن الرياء والشر ، أى إصلاح المعوجات ، فيكون القلب مستقيماً ليمر الله فيه ويملأه بسهولة0 ع 4 : يصف الحياة الزاهدة التى عاشها يوحنا المعمدان ، فكان لباسه من وبر الجمال الخشن ، وليس الثياب الناعمة0أما المنطقة التى كان يلبسها على حقويهِ ، أى وسطه وبطنه ، فكانت من الجلد ، وليست الغالية المزينة0أما طعامه ، فكان من الجراد ، وهو الحشرة المعروفة ، وهناك رأى آخر أنه نبات برّى ، بالإضافة إلى العسل الذى يصنعه النحل فى شقوق الصخور0ومعنى هذا أنه كان يكتفى باللباس والقوت الضرورى ، لأن انشغال قلبه كان بالسمائيات وخدمة الله0وهو صورة للحياة الرهبانية فى العهد القديم ، مثل إيليا النبى0 ع 5 : نظراً لعمق وروحانية كرازة يوحنا ، وتأثيرها الشديد على القلوب ، خرج إليه معظم سكان أورشليم ، بل وكل منطقة اليهودية وكل البلاد المحيطة بنهر الأردن ؛ وقد قال " كل " إشارة إلى الأغلبية0 ع 6 : وإذ تأثروا بعظاته ، تقدموا ليعتمدوا ، كل واحد منهم ، فى نهر الأردن ، معترفاً بخطاياه0فكانت هذه معمودية توبة ، وإشارة واضحة لسر الإعتراف على يد الكاهن فى العهد الجديد0وقد كانت المعمودية معروفة عند اليهود ، إذ كانوا يعمدون اليهود الدخلاء عندما ينضمون إليهم0لذا كان العماد مألوفاً لديهم ، ولكن الإضافة هنا هى التوبة والإعتراف0أما معمودية العهد الجديد ، فتختلف عن معمودية يوحنا ، أنها بالروح القدس ، لتغيير الطبيعة البشرية ، فتصير نقية من كل خطية0وواضح أن معمودية التوبة هى تمهيد لمعمودية العهد الجديد0وهذا ما يتم الآن ، حينما يعترف الإنسان بخطاياه ، إذا كان كبير السن ، قبل أن ينال سر المعمودية0 + إن التوبة هى طريقك لإعداد قلبك حتى يسكن فيه المسيح0فلا تهمل أصوات الله الصارخة إليك بالتوبة من خلال الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ، بل أيضاً من المحيطين بك وعتابهم لك ، فتسرع للتوبة أمام الله كل يوم ، ثم على يد الكاهن لتنال غفران خطاياك0 (2) تهيئة الطريق ( ع 7 - 12 ) : ع 7 : الفرّيسيون : هم جماعة ظهرت فى القرن الثانى قبل الميلاد فى المجتمع اليهودى ، متمسكة بالناموس حرفياً ، وكانوا يُعتبرون قادة الفكر اليهودى ، ومعنى اسمهم المفرزون ، أى المختارون من الله0وكانوا يثقون ببرهم ، فيقولون : إن دخل السماء إثنان ، فعلى الأقل أحدهما فرّيسى0الصدّوقيون : جماعة تعترض على سلطة الفرّيسيين ، وينكرون الحياة الأبدية والأرواح0وهم يشاركون الفريسيين فى القيادة الروحية لليهود ، ويُعتبروا الطبقة الأرستقراطية الغنية ، وهم نسل صادوق الكاهن0وقد أتوا إلى يوحنا ليس للتوبة ، بل للتعرف على يوحنا الذى اجتذب الجموع من ورائهم0ولعلهم كانوا يطلبون مكاناً قيادياً وراء هذا الزعيم الجديد الذى خرج إليه كل اليهود0وكان يوحنا المعمدان قوياً ، وواجههم بالتواء قلوبهم ، إذ مظهرهم يطلبون التوبة ، وداخلهم بعيد عنها ، فوبّخهم واصفاً إياهم بـ " أولاد الأفاعى " ، وهو نوع من الثعابين يتصف بشدة الحيلة والمكر ، كما أن أجنتها تأكل بطن أمها وتميتها لتخرج إلى الحياة ؛ أى وصفهم بالأنانية وقسوة القلب0 " الغضب الآتى " : أى دينونة الله فى اليوم الأخير الذى لابد أن يقفوا فيه أمامه ، وتعجب من إهمالهم التوبة والإستعداد للأبدية ، مع أنهم معلمو اليهود ، بقوله : " من أراكم "0 ع 8 : يدعوهم يوحنا لإثبات توبتهم ، بأن يعملوا أعمال التوبة ، أى ترك الخطية وعمل الصلاح ، فبدون الثمر مهما تكلموا عن التوبة لا يفيدهم شئ ، وكذلك معموديتهم تكون بلا نفع لهم0 ع 9 : يوبخهم أيضاً على كبريائهم ، إذ ظنوا أنهم بانتسابهم الجدى إلى إبراهيم صاحب الوعود سينالون المواعيد0ولكن الله يطلب من يسلك فى بر إبراهيم ، ليكون إبناً حقيقياً له0 " هذه الحجارة " : ويشير إلى حجارة كانت موجودة أمامه0فكما خلق الله آدم من تراب ، فهو قادر أيضاً أن يخلق أولاداً لإبراهيم من الحجارة0ويقصد أيضاً أن الله قادر أن يقيم أبناء لإبراهيم من الحجارة ، أى قلوب الأمم الحجرية القاسية ، التى تعبد الأصنام الحجرية الذين إذا آمنوا وسلكوا فى البر ، يصيرون أبناء حقيقيين لإبراهيم0 + لا تتكل على كونك مسيحى ، بل تب واعمل الخير ، لتتمتع برعاية الله وملكوت السماوات0فالإسم يدينك إن لم تحيا به ، وكذا كرامة عائلتك وقرابتك لأناس روحيين لا تفيدك ، بل تدعوك للتمثل بهم ، فتعيش حياة التوبة ، وتصنع خيراً مثل مسيحك0 ع 10 : هذه " الفأس " هى الصليب الخشبى ، أو كلمة الله التى تدين كل من لا يؤمن ، وتقطعه من أصله وتهلكه ، لأنه لم يؤمن بالمسيح المخلّص0ووضع الفأس معناه قرب الدينونة ، فلابد من التوبة وتقديم دليلها ، وهو ثمار البر ، وإن لم يقدم الإنسان الثمر ، فلا ينتظر إلا النار الأبدية0 ع 11 : يفرق يوحنا بين المعمودية التى للتوبة ومعمودية المسيح ، الله الكلمة ، التى بالروح القدس ، لتجديد الطبيعة الإنسانية ، وإن كان هو قائد معمودية التوبة ، لكنه ، بالنسبة للمسيح ، لا يستحق أن يكون أصغر عبد عنده ، الذى يوكل إليه حمل الحذاء0ويظهر من هذا إتضاع المعمدان ، فرغم أنه كان أقوى الأنبياء ، لكنه أنكر نفسه معطياً المجد للمسيح0 " الروح القدس ونار " : يقصد معمودية الروح القدس التى تجدد الطبيعة ، والنار تحرق الشر والطبيعة المائلة للخطية لتجديد الإنسان للحياة مع الله0 ع 12 : يعلن يوحنا المعمدان فى النهاية المسيح الديّان ، ويشبّهه بالفلاح الذى يفصل الحبوب عن القش بعد عملية الدراس ، مستخدماً فى ذلك الرفش ، أى المذراة وهى ساق لها أصابع خشبية تُرفع بها الحبوب المختلطة بالتبن ، فتسقط الحبوب سريعاً ، أما القش أو التبن ، فيطير ويسقط بعيداً0وبهذا تُجمع الحبوب وحدها ، والتبن وحده ، ويتم ذلك فى مكان متسع بجوار الحقل يسمى البيدر أو الجرن0ثم تُجمع الحبوب فى جوالات وتوضع فى المخزن ، أما التبن فيُحرق بالنار لعدم الحاجة إليه0الرفش : هى كلمة الله ، أو الصليب الذى يدين به الله غير المؤمنين وغير التائبين0البيدر : هو نهاية العالم ، ويوم الدينونة0المخزن : هو ملكوت السماوات أو الكنيسة0النار : هى العذاب الأبدى0التبن : هم الأشرار0القمح : هم المؤمنون الذين سيتمجَّدون مع المسيح فى السماوات ، ويقول عنهم " قمحه " ، أى المرتبطين به ويظلوا معه فى الملكوت ، بعكس التبن ، أى الأشرار ، فلا يقول " تبنه " لأنهم انفصلوا عنه0 (3) عماد المسيح ( ع 13 - 17 ) : ع 13 : عاش المسيح طفولته وشبابه حتى سن الثلاثين فى الناصرة ومنطقة الجليل ، ثم اتجه جنوباً إلى اليهودية عند نهر الأردن ، حيث إجتمعت الجموع حول يوحنا المعمدان0وتقدّم نائباً عن البشرية ليعتمد معمودية التوبة ، رغم أنه بلا خطية ، ولكن حاملاً خطايانا ، مقدماً التوبة عنا0 " حينئذ " : يقصد الفترة التى كان يكرز فيها يوحنا المعمدان ، وهى ستة أشهر0 " جاء " : أى ظهر علناً بين الجموع ليشاركنا ، ويتمم عنا كل بر ، مع أنه ليس محتاجاً للتوبة0 " الأردن " : يقصد نهر الأردن الذى يمتد حوالى مائتى ميلاً من شمال إسرائيل إلى جنوبه0 ع 14 - 15 : عرف يوحنا بالروح أن هذا هو المسيا المنتظر ، وتعجب لاتضاع المسيح ، فقال له باتضاع أنه هو المحتاج للعماد منه ، فكيف يعمده ؟ ويرد المسيح بلطف واتضاع أكبر ، طالباً من يوحنا أن يسمح ويعمده ، ليتمم كل بر عن البشر الخطاة ، الذين عجزوا عن أن يتمموه بابتعادهم عن التوبة والحياة الصالحة0 + تأمل هذا الحب العجيب ، لتتضع أنت أيضاً ، ليس فقط أمام من هم أعظم منك ، بل أمام من هم أقل منك مركزاً أو سناً ، واسأل نفسك : هل تتكلم بلطف واتضاع مع كل إنسان ؟ ع 16 - 17 : نزل يسوع إلى نهر الأردن وغطس فى الماء ، ثم صعد وخرج من الماء0ولذلك تتمسك الكنيسة بطقس التغطيس فى ماء المعمودية ، لأنها تعنى دفن مع المسيح ، ثم قيامة أيضاً معه ، كما يقول الكتاب : " مدفونين معه فى المعمودية التى فيها أُقمتم أيضاً معه " ( كو 2 : 12 )0ولأول مرة يُظهر الله أقانيمه الثلاثة بوضوح كامل : فالمسيح الإبن فى الماء ، والروح القدس ظهر بشكل حمامة على رأسه ، والآب سمعوا صوته من السماء0كان هذا واضحاً أمام يوحنا ، الذى يعمد المسيح ، وكل الحاضرين0ولهذا تعيّد الكنيسة بعماد المسيح ، وتسميه " عيد الغطاس " ، لأنه غطس فى مياه الأردن0وتسميه أيضاً " عيد الظهور الإلهى " ، لأنه أظهر أقانيمه الثلاثة فى ذلك اليوم ، أى صفاته الشخصية الأساسية التى تقوم بها الذات الإلهية ، وهذه الأقانيم هى إله واحد0وبهذا الظهور الإلهى ، وظهور الروح بشكل حمامة على رأسه ، تبدأ خدمة المسيح على الأرض ، كما كان الملوك والأنبياء والكهنة قديماً يُمسحون بالدهن الذى هو إشارة لمسحة الروح القدس ، فيبدأون خدمتهم ؛ وهذا ما يتم الآن فى سر الكهنوت فى العهد الجديد0 " ابنى الحبيب " : هو إبن الله فى الجوهر والطبع منذ الأزل ، وهو غير بنوتنا لله بالتبنى0 " به سررت " : لأنه يتمم مشيئة الله فى التجسد ، وبعد ذلك الفداء لخلاص البشرية0 + المسيح يتمم عنا كل بر حتى يعلمنا الحب بعضنا لبعض ، لنكمل نقائص بعضنا ونستر على الخطايا ، فنتعلم الإتضاع والخدمة فى الخفاء0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح