كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع هابيل وقايين إن كانت الخطية قد انطلقت من حواء إلى آدم خلال غواية الحية فقد جاء النسل كله يحمل ميكروبها في طبيعتهم، وكما يقول الرسول: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو 5: 12). وقد ظهر ذلك بقوة في قايين الذي لم يحتمل قبول الله ذبيحة أخيه فارتكب أول حالة قتل في تاريخ البشرية. وقد اهتم كثير من الآباء بقصة هابيل وقايين بكونها قصة البشرية الساقطة التي حملت البغضة لبعضها البعض. 1. قبول تقدمة هابيل 1-7. 2. قتل هابيل 8-16. 3. أولاد قايين 17-24. 4. ميلاد شيث 25-26. 1. قبول تقدمة هابيل: "وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين، وقال: اقتنيت رجلاً من عند الرب" . يري فيلون اليهودي الإسكندري بأن قايين وهابيل توأمان، لكن هذا الرأي لم يجد قبولاً لدي آباء الكنيسة الأولي. اعتمد بعض الأوريجانيين علي هذا النص الذي بين أيدينا ليعلنوا أن آدم عرف حواء كزوجة له بعد السقوط، وكأن العلاقة الزوجية الجسدية في نظرهم هي ثمرة السقوط؛ بل وبالغ البعض بالقول أن السقوط نفسه لم يكن إلاَّ ممارسة هذه العلاقة. هذا الرأي المتطرف رفضته الكنيسة بشدة منذ ظهوره، بل وهاجمته، فقد أكد آباء الكنيسة أن الله هو مؤسس الحياة الزوجية في صورتها الكاملة، وأنه بالسقوط أو بدونه كانت تتم العلاقة الجسدية بين أبوينا ويتحقق إنجاب الأطفال، لكن لا يتم ذلك خلال شهوة شريرة بل كثمرة حب زوجي طاهر. كما رفض الآباء فكرة أن سقوط أبوينا هو اتحادهم الجسدي، إذ يدنس هذا الرأي النظرة نحو الحياة الزوجية. علي أي الأحوال أدركت حواء أن طفلها هو عطية إلهية لذا دعته "قايين"، أي (مُقتنى) وقالت: "اقتنيت رجلاً من عند الرب". ولعل سر فرحها به أنها ظنت مجيء المخلص الموعود به من نسلها قد اقترب جدًا، وربما انتظرت أن يتحقق ذلك في أيامها. شعرت حواء أن ابنها مُقتنى من عند الرب، وكما يقول القديس أمبروسيوس في كتابه "قايين وهابيل": [يليق بنا أن ندرك أن الله هو الموجد والخالق، لذا نسبت حواء العمل لله، وعندما قالت: "اقتنين رجلاً (a man child) من عند الرب"، إنما قالت هذا لكي نتمثل نحن بها في المواقف المتشابهة، فلا نحسب أن النجاح هو من عندياتنا بل ننسبه بكامله لله]. "ثم عادت فولدت هابيل". وقد رأي القديس أمبروسيوس أن قايين يمثل الفكر العقلاني البحت أو المدرسة العقلية، وربما قصد الغنوسيين الذين وضعوا المعرفة العقلية وحدها كطريق للخلاص عوض الإيمان، حاسبين أن الإنسان قادر بعقله دون عون إلهي أن يبلغ معرفة الله ويدرك أسراره، مبدعًا في الفكر والإحساس والعواطف والمشاعر والانفعالات. أما هابيل فيرمز لمدرسة الإيمان التي تستند علي نعمة الله لكي تتمتع بأسرار الله خلال الإيمان المعطي للإنسان دون تجاهل لعقله. فالإيمان لا يناقض العقل إنما يرفعه خلال إعلانات الله له، ويسمو به؛ وإن المدرستين بالرغم من تناقضهما إلاَّ انهما متصلتان معًا، وكأنهما أخوان صدرا عن رحم واحد، وإن كانا لا يستطيعان السكني معًا لزمان طويل. هذا وتقدم لنا قصة هابيل وقايين صورة حية لقصة بكورية الروح وبكورية الجسد، فإذ كان قايين بكرًا لآدم وحواء حسب الجسد لكنه فقد بكوريته خلال شره وظهرت بكورية هابيل الروحية بقبول ذبيحته بل وحياته كلها موضع سرور الله دون أخيه. هكذا يري القديس أغسطينوس في قايين رمزًا لآدم الأول، بكر البشرية جسديًا، وقد فقد باكوريته ليظهر هابيل الحقيقي، السيد المسيح، آدم الثاني بكرًا حقًا للبشرية، فيه يتقبلنا الآب رائحة سرور ورضي. فمن كلمات القديس أغسطينوس: [من هذه الأبوين الأولين للجنس البشري، كان قايين بكرًا منتسبًا لمدينة الناس، ووُلده بعده، هابيل منتسبًا لمدينة الله فصار هو بالحقيقة البكر أيضًا. وكما في حالة الفرد (هكذا يكون علي مستوي الجنس البشري) قيل بعبارة رسولية مميزة للحق: "لكن ليس الروحاني أولاً بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني" (1 كو 15: 46)، هكذا يحدث أن كل إنسان يُنزع عن اصله المُدان يولد أولاً من آدم الجسداني الشرير وبعد ذلك يصير صالحًا وروحانيًا عندما يُطعم في المسيح بالتجديد (بالمعمودية)، هكذا بالنسبة للجنس البشري ككل... إذ نجد سكان هذا العالم يولدون أولاً وبعد ذلك الغرباء عنه أي سكان مدينة الله الذين بالنعمة تعينوا، وبالنعمة اُختيروا، وبالنعمة عاشوا غرباء هنا أسفل، وبالنعمة عاشوا كمواطنين في الأعالي... الله كفخاري صنع من الطينة عينها إناءً للكرامة وآخر للهوان (رو 9: 21)، لكنه صنع إناء الهوان أولاً وبعد ذلك إناء الكرامة]. لأننا كما أخذنا صورة الترابي أولاً بعدها حملنا أيضًا صورة السماوي إي المسيح فصرنا فيه خليقة جديدة مستحقين أن نكون إناء للكرامة. [والعجيب أن قصة باكورية الجسد وباكورية الروح امتدت عبر الدهور، فنجد الله يختار إبراهيم أبًا لجميع الأمم ولم يكن بكرًا بين أخوته حسب الجسد، واختار إسحق الذي يصغر جسديًا عن إسماعيل، ويعقوب الذي يصغر عن أخيه عيسو. وجاء السيد المسيح من نسل فارص الذي ولدته ثامار وقد اقتحم فارص أخاه زارح وهو بعد في أحشاء أمه لينزع عنه البكورية (تك 38: 27-30)، وجاءت سلسلة نسب السيد المسيح تقدم مجموعة كبيرة من الآباء لم يكونوا أبكارًا حسب الجسد... هذا وقد سبق لنا الحديث عن مفهوم البكورية وارتباطها بشخص السيد المسيح البكر خلال دراستنا لسفر العدد]. يري القديس أمبروسيوس في قايين رمزًا لجماعة اليهود الذين حملوا بكورية معرفة الله لكنهم جحدوا الإيمان بالمخلص وتلطخ مجمعهم بسفك دم برئ، ليأتي هابيل ممثلاً لكنيسة العهد الجديد تضم أعضاء من الأمم، فتحتل البكورية الروحية وتحسب كنيسة أبكار (عب 12: 23) خلال التصاقها أو اتحادها بالرب البكر. يقول القديس أمبروسيوس: [نري في قايين الشعب اليهودي الملطخ بدم ربهم وخالقهم وأخيهم أيضًا، وفي هابيل نفهم الإنسان المسيحي الملتصق بالله كقول داود: "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي" (مز 72: 28)، أي ترتبط نفسه بالسمائيات وتتجنب الأرضيات. وفي موضع آخر يقول: "تاقت نفسي إلى خلاصك" (مز 119: 81)، مما يدل علي أن شريعة حياته كانت متجهة للتأمل في الكلمة (المسيح) وليس في ملذات العالم]. عندما تحدث الكتاب عن الولادة الجسدية بدأ بقايين البكر جسديًا ثم هابيل، أما وقد تسلم كل منهما عمله المحبوب لديه احتل هابيل مركز الصدارة وكأنه يغتصب من قايين بكوريته، إذ قيل: "وكان هابيل راعيًا للغنم، وكان قايين عاملاً في الأرض". وكما يقول القديس أمبروسيوس إن الكتاب المقدس لم يذكر هابيل أولاً بلا هدف بالرغم من مولده بعد قايين وإنما: [ذكر الأصغر أولاً عندما أشار إلى العمل والكفاءة والموهبة لكي ندرك الفارق بين مهنتيهما. فبحسب خبرتنا تأتي فلاحة الأرض وحرثها أولاً لكنها أقل في المركز من رعاية الغنم].. لعل العمل في الأرض يشير إلى الإنسان الجسداني الذي يركز عينيه وكل طاقاته نحو الأرض والزمنيات، أما رعي الغنم فيشير إلى الإنسان المهتم بالرعاية والتدبير وقيادة الجسد بكل طاقاته (الغنم). لهذا يليق بنا ألا نكون عاملين في الأرض لحساب الجسد وشهواته بل رعاة ندبر الجسد ونرعاه روحيًا لحساب ملكوت الله. يميز القديس ديديموس الضرير بين عمل هابيل وقايين، فيرى في هابيل كراع للغنم إنه مدبر لحواس جسده وضابط لها، أما قايين فكان عاملاً في الأرض وليس كنوح فلاحًا (تك 9: 20)؛ مميزًا بين العامل في الأرض والفلاح. فالفلاح هو الذي يدبر العمل الزراعي يعرف متي يحرث ومتي يبذر ومتي يحصد بحكمة وتدبير حسن، أما العامل في الأرض فيعمل بلا حكمة ولا تدبير (يقوم بعمل جسدي لا تدبيري). يقول القديس ديديموس: [لم يقل الكتاب عن قايين أنه فلاح بل عامل في الأرض. إذ لم يكن له دور قيادي كما كان لنوح الذي دُعي فلاحًا وليس عاملاً في الأرض (تك 9: 20)... كان هابيل راعيًا للغنم أي مدبرًا للحواس التي يقودها. هذا هو الراعي الممتاز الذي يُخضع لعصاه علمه ويضبط غضبه والشهوة، ويحمل فهمًا كقائد ومدبر. أما قايين فكان يدور في الأرض والأرضيات لا كفلاح بل كعامل في الأرض، كصديق للجسد يسلك بلا تعقل ولا تدبير... يمكن أن ينطبق عليه القول: "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 22: 13؛ 1 كو 15: 32)، أما الذي يعمل هذه الأمور بتدبير إلهي فيطبق المبدأ القائل: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31)]. "وحدث بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانًا للرب، وقدم هابيل أيضًا من أبكار غنمه من سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جدًا وسقط وجهه" [3– 5]. + لماذا لم ينظر الله إلى قايين وقربانه؟ أولاً: يري القديسان ديديموس الضرير وأمبروسيوس أن تعبير: "وحدث بعد أيام" يشير إلى تراخي قايين في تقدمته أو ممارستها بدافع غير الحب. إذ يقول الأول: [قدم قايين تقدمته بإهمال، أما هابيل فقدمها بإخلاص]، ويقول الثاني: [جاءت تقدمة قايين بعد أيام... وليست بسرعة واشتياق، لذا جاءت الوصية: "إذا نذرت نذرًا للرب إلهك فلا تؤخر وفاءه" (تث 23: 21)، "إذ نذرت نذرًا لله فلا تتأخر عن الوفاء به... أن لا تنذر خير من أن ينذر ولا تفي" (جا 5: 4، 5)]. ثانيًا: لعل الله رفض تقدمة قايين لأنها كانت من ثمار الأرض، ولم يقل من "بكور الثمار"، فلم يقدم أفضل ما لديه، أما هابيل فقدم: "من أبكار غنمه من سمانها"... أعطي الله الأولوية‍! ثالثًا: كانت تقدمة قايين من ثمار الأرض غير القادرة علي المصالحة بين الله والإنسان، أما تقدمة هابيل فكانت ذبيحة دموية تحمل رمزًا لذبيحة السيد المسيح القادر وحده علي مصالحتنا مع الآب خلال بذل دمه عنا. رابعًا: يري القديس چيروم في حديث الرب مع قايين (الترجمة السبعينية): "إذ لم تقسم بالصواب" أن قايين قدم لله ثمار الأرض ولم يقدم قلبه، أي قدم تقدمة خارجية دون الداخل، فكان التقسيم غير مصيب. أما كيف عرف قايين أن الله قبل تقدمة هابيل دون تقدمته، فكما يقول القديس ديديموس الضرير: [ربما نزلت نار أكلت التقدمة، كما حدث مع هرون وبنيه، إذ "خرجت نار من عند الرب وأحرقت علي المذبح المحرقة والشحم، فرأي جميع الشعب وهتفوا وسقطوا علي وجوههم" (لا 10: 24)، وكما حدث مع إيليا النبي (1 مل 18: 38-40)]. أما أول ثمار رفض التقدمة فهو: "اغتاظ قايين جدًا وسقط وجهه" [٥]، إذ تفسد الخطية سلام الإنسان وتحطمه ليعيش في غيظ وضيق، كما تنحدر بوجهه ليسقط إلى التراب عوض أن يرتفع نحو السماء، وكما يقول الحكيم: "حكمة الإنسان تنير وجهه" (جا 8: 1)، "القلب الفرحان يجعل الوجه طلقًا وبحزن القلب ينسحق الروح" (أم 15: 13). بالخطية يسقط وجه الإنسان مغمومًا، وبالمسيح يسوع يرتفع متهللاً ليقول: "نحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف" (2 كو 3: 18). الآن إذ سقط وجه قايين لم يتركه الله هكذا منهارًا بل تقدم إليه يسأله: "لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ إن أحسنت أفلا رفع؟‍‍! وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها". حقًا لم يقبل تقدمته لأنها من قلب غير نقي، لكنه لا يتركه في سقوطه بل يتقدم إليه بالحب يحدثه في صراحة ووضوح: "إن أحسنت أفلا رفع؟‍" ، وكأنه يعاتبه، قائلاً: "إن أحسنت ما بداخلك أفلا أرفع وجهك من جديد؟‍ لماذا تستسلم للغيط، ولماذا تترك وجهك ساقطًا؟!‍" وفي تحذير يقول له: "إن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها، وأنت تسود عليها"، وكأنه يقول له" "إني أري خطية القتل رابضة عند الباب تود أن تتسلل إلى أعماقك مع أنك أنت تسود عليها، أي صاحب السيادة والإرادة، لك أن تقبلها ولك أن ترفضها. أنت لا تزال سيدًا عليها، لكنك إن قبلتها تسود عليك وتحدرك إلى عبوديتها. مادامت عند الباب رابضة فهي ضعيفة، لكن إن تسللت تضعف أنت أمامها وتنحني لها بروح العبودية. ٢. قتل هابيل: "وكلم قايين هابيل أخاه، وحدث إذ كان في الحقل أن قايين قام علي هابيل أخيه وقتله، فقال الرب لقايين: أين هابيل أخيك؟ فقال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟‍ فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض" [ 8-10]. ظن قايين أنه قتل واستراح، ولكن الله جاء ليسأله كي يثير فيه التوبة، فهو لا يريد أن يستر علي خطايانا بغلاف خارجي بينما يبقي الفساد يدب في الأعماق، إنما كطبيب روحي يريد أن يكشف الجراحات ويفضحها لأجل العلاج. هذا ومن جانب آخر أراد الله أن يؤكد لقايين أنه إله هابيل لا ينساه حتى وإن مدّ أخاه يديه عليه ليتخلص منه، وكما يقول القديس ديديموس الضرير علي لسان الرب: [لا تظن أن جريمتك هربت من عيني، ومن رعايتي التي لا تغفل]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تخلص منه إذ رآه محبوبًا، متوقعًا أن ينزعه عن الحب، لكن ما فعله جعله بالأكثر مثبتًا في الحب، إذ بحث الله عنه، قائلاً: أين هابيل أخوك؟]. أخفي قايين جسد أخيه، لكنه لم يقدر أن يكتم صوت النفس الصارخة إلى الله، والتي عبّر عنها الرب بقوله: "صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض"، إذ يشير الدم إلى النفس بكونه علامة لحياة. فإن سُفك الدم تبقي النفس صارخة خلال الدم المسفوك ظلمًا علي الأرض. هذا الصوت الصارخ هو صوت كل إنسان يُظلم من أجل الحق فيُحسب شاهدًا للحق أو شهيدًا، تبقي صرخاته تدوي فوق حدود الأرض (المكان) والموت (الزمان). عن هذا الصوت يقول القديس أمبروسيوس: [للدم صوت عال يصل من الأرض إلى السماء]. فالظلم أو الضيق لا يكتم النفس ولا يلجم لسانها بل بالعكس يجعلها بالأكثر متحدة مع كلمة الله الحيّ المصلوب، فيصير لها الصوت الذي لا يغلبه الموت ولا يحبسه القبر. وكأن سر قوة صوت الدم المسفوك ظلمًا هو اتحاد الإنسان بالمصلوب الحيّ. وقد رأي القديس أكليمنضس الإسكندري في دم هابيل رمزًا لدم المسيح الذي لا يتوقف صوته الكفاري وعمله، إذ يقول: [لم يكن ممكنًا للدم أن ينطق بصوت ما لم تراه خاص بالكلمة المتجسد، فالرجل البار القديم (هابيل) كان رمزًا للبار الجديد (السيد المسيح كلمة الله)؛ وما يشفع به الدم القديم إنما يتحقق خلال مركز الدم الجديد. الدم الذي هو الكلمة يصرخ إلى الله معلنًا أن الكلمة يتألم]. إن كان قايين قد حطم جسد هابيل بجسده فصمت لسانه تمامًا، لكنه لم يكن ممكنًا أن يلجم لسانه قلبه وصرخاته الداخلية التي يستجيب لها الله سامع التنهدات الخفية. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان موسى متألمًا وصلي هكذا (بقلبه) وسُمع له، إذ يقول له الله: "لماذا تصرخ إليَّ؟" (خر 14: 15) ومع أنه لم يصرخ بفمه؛ وحنة أيضًا لم يكن صوتها مسموعًا، وحققت كل ما تريده، إذ كان قلبها يصرخ (1 صم 1: 13). وهابيل لم يصلِ فقط وهو صامت وإنما حتى عندما مات أرسل دمه صرخة كانت أكثر وضوحًا من صوت بوق]. استهان قايين بحياة أخيه هابيل، وإذ به يستهين بالله نفسه في حديثه معه، فإن كل خطية تصوب نحو أخوتنا تدفعنا للخطأ في حق الله نفسه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يحتقر أحدنا الآخر، فإن هذا عمل شرير يعلمنا الاستهانة بالله نفسه. فبالحقيقة إن أزدري أحد بالأخر إنما يزدري بالله الذي أمرنا أن نظهر كل اهتمام بالغير... لقد احتقر قايين أخاه، وفي الحال استهان بالله]. إن كان عصيان آدم وحواء قد حمل تأديبًا ملموسًا يذّكر البشرية مرارة عدم الطاعة، فإن جريمة القتل الأولى قدمت لقايين تأديبًا ماديًا ملموسًا يكشف له عما حلّ به في أعماقه، إذ قيل له: "متى عملت الأرض لا تعطيك قوتها". بسبب جريمته حلّ بالأرض نوع من القفر لتكشف عن أرض الإنسان أي جسده الذي صار بالخطية قفرًا، لا يقدم ثمرًا روحيًا لائقًا. ويعلق القديس ديديموس الضرير على هذا التأديب الإلهي بقوله: [يحدث أحيانًا أنه بسبب خطايا الإنسان تصير الأرض قفرًا ولا تعطي ثمرًا، كالقول: "تنوح الأرض بسبب الساكنين فيها" (هو ٤: ٣). لقد وهبت الأرض لكي تثمر للذين يحتفظون بفهمهم بغير فساد... لكن الثمر يتناقص بأمر الرب (بسبب فساد الإنسان) حتى يتغير الناس عن حالهم]. إن كانت الأرض تشير إلى الجسد الذي يفقد عمله الأصيل فيصير بلا ثمر روحي، فإن النفس أيضًا تفقد سلامها الداخلي، إذ قيل له: "تائهًا وهاربًا تكون في الأرض". وكأن النفس التي خضعت للجسد الترابي الأرضي تجده قفرًا، فتعيش فيه بلا راحة ولا سلام، إنما في حالة تيه وفزع. هذا ما أكده الكتاب المقدس بقوله: "خرج قايين من لدن الرب، وسكن في أرض نود شرقي الأردن". أي تخرج النفس من حضن ربها مصدر سلامها لتسكن في "نود" التي تعني "التيه" أو "الاضطراب". وكما يقول القديس ديديموس الضرير: ["نود" تعني "اضطراب". هناك كان يجب أن يسكن من ترك الفضيلة الهادئة ودخل إلى الاضطراب]. ويقول القديس چيروم: [ترجمة "نود" هو "تيه"، فإذ اُستبعد قايين من حضرة الله سكن بالطبيعة في نود وصار تائهًا. هكذا اليهود إذ صلبوا الله ربهم تاهوا هنا وهناك وصاروا يلتمسون خبزهم. لقد تفرقوا في العالم ولم يبقوا في أرضهم. انهم يشحذون الغنى الروحي إذ ليس لهم أنبياء، وصاروا بلا ناموس ولا كهنة ولا ذبيحة، صاروا شحاذين بمعنى الكلمة]. أما سر التيه فهو الخروج من لدن الرب؛ ليس خروجًا مكانيًا إنما هو خروج عن الشركة معه والتمتع به. وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [لا نفهم أن قايين خرج بعيدًا عن الرب مكانيًا، إنما نقول أن كل خاطئ هو خارج الرب بنفس المعنى الذي يحمله التعبير "أدخل نحو الرب" عندما يقول المزمور: "ادخلوا إلى حضرته بترنم" (مز ١٠٠: 2). فعندما ندخل إلى حضرته نترك عنا كل ما هو خارجي أي الخطايا وكل الملموسات، حتى ننعم بأمور أخرى ليست من هذا العالم، لنشترك في معرفة الله... الله ليس بخاضع لمكان بالرغم من إقامة هيكل له... لقد خرج قايين لأنه حسب نفسه غير مستحق لمعاينة وجه الرب، بمعنى أنه لم يعد له فكر الرب]. ويرى القديس باسيليوس الكبير أن أقسى عقوبة يسقط تحتها الإنسان حرمانه من حضرة الرب: [أقسى أنواع العقوبة التي تفرض على ذوي القلوب الصالحة هي التغرب عن الله]. أدرك قايين خطورة ما بلغ إليه حاله، فاعترف للرب: "ذنبي أعظم من أن يحتمل. إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض من وجهك اختفي وأكون تائهًا وهاربًا في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني. فقال له الرب: لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف يُنتقم منه، وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده" [١٣– ١٥]. واضح من اعتراف قايين أنه شعر بالندم ليس كراهية في الخطية وإنما خوفًا من العقاب الأرضي، ومع هذا فقد فتح الرب باب الرجاء إذ لم يعده بألا يُقتل وإنما من يقتله يعاقب بمرارة شديدة كمن يُنتقم منه سبعة أضعاف، مقدمًا له علامة حتى لا يقتله كل من وجده، هكذا يبدأ الرب مع قايين بالحب لعل قايين يرتمي من جديد في حضن الله بالتوبة الصادقة والرجوع إليه. يرى القديس باسيليوس الكبير، أن قايين أخطأ، واستحق أيضًا سبعة تأديبات، أم خطاياه السبع فهي: [ حسده لأخيه هابيل، كذبه على الله، خداعه لهابيل إذ استدرجه إلى الحقل، ما هو أبشع من قتل أخاه، قدم قدوة سيئة للبشرية في بدء تاريخها، أخطأ في حق والديه بقتل إبنهما]. أما التأديبات السبعة فهي: [بسببه لُعنت الأرض، صارت الأرض عدوة له يعيش عليها كمن مع عدوه، لا تعطيه الأرض قوتها، يعيش في تنهد، يصير في رعب، يُطرد تائهًا، يتغرب عن وجه الرب]. أما العلامة التي قدمها الله لقايين حتى لا يقتله كل من وجده فربما تشير إلى علامة الصليب التي فيها يختفي الخاطئ لجد أمانًا وسلامًا خلال مصالحته مع الله. هذه هي العلامة التي يوسم بها أولاد الله الذين لا يطيقون الرجاسات فتحفظهم من الهلاك المهلك كما رأى حزقيال النبي (حز ٩: ٦). ويرى القديس أغسطينوس أنها علامة العهد الذي وُهب لرجال العهد القديم كظل للصليب، معلنًا في ناموسهم وطقوسهم، إذ يقول: [هذه العلامة لليهود إذ أمسكوا بناموسهم واختتنوا وحفظوا السبوت وذبحوا الفصح وأكلوا خبزًا غير مختمر]. ٣. أولاد قايين: إن كان الله قد فتح باب الرجاء أمام قايين بالرغم من بشاعة ما ارتكبه من شر ضد الله والناس، عوض الرجوع إليه بالتوبة ليسترد سلامه أقام مدينة دعاها باسم ابنه "حنوك" حتى لا يعيش أولاده مثله تائهين. وكأنه يكرر ما فعله والداه من قبله إذ خاطا لنفسيهما مآزر من أوراق التين (تك ٣: ٧). تستر عريهما مع بقاء الفساد الداخلي بلا علاج. هذه هي أول مدينة بناها الإنسان لنفسه ليحتمي فيها من قرارات الله وتأديباته، بل بالحري يحتمي من التيه الذي جلبه لنفسه بنفسه لهذا يقول القديس چيروم: [المدينة العظيمة التي بناها قايين أولاً ودعاها باسم أبنه تؤخذ رمزًا لهذا العالم الذي بناه الشيطان بالرذيلة ودعمه بالجريمة وملأه بالشر]. ويقول القديس أغسطينوس: [لقد سُجل أن قايين بنى مدينة، أما هابيل فكعابر لم يبن شيئا، لأن مدينة القديسين فوق، وإن كانت تنجب لها مواطنين هنا أسفل لكي يرحلوا في الوقت المناسب ويملكوا، عندما يجتمعون في يوم القيامة ويُعطى لهم الملكوت الموعود به، الذي فيه يملكون مع رئيسهم وملك كل الدهور، آمين]. إن كان قايين قد أنجب "حنوك" مقدمًا له مدينة ترابية تحميه من التيه، عوض البركة الروحية، فإن الكتاب يسجل لنا سلسلة مواليد قايين حتى يصل إلى لامك ليقدمه لنا كزوج لامرأتين هما عادة وصلة. أنجب من الأولى يابال ويوبال، ومن الثانية توبال وأخته نعمة. ويرى القديس چيروم أن لامك لم تكن له حواء واحدة بل أول من تزوج بامرأتين إشارة إلى عمل الهراطقة الذين يقسمون الكنيسة إلى كنائس منحرفة عن الإيمان على أي الأحوال إن كان قايين قد قدم أبشع مثل للجريمة في بدء تاريخ البشرية بقتله أخيه ظلمًا، فإن ثمرة الشر هي الهرطقة التي تفسد كنيسة الله وتحرف الإيمان، بل وتدفع إلى الإحاد، وكما يقول القديس أغسطينوس: [وراء كل إلحاد شهوة]. يرى البعض في حياة لامك مع هاتين المرأتين أنها تمثل الحياة الوثنية أو البعد عن الله، فإن كانت "عادة" في العبرية تعني "جمال" أو "زينة"، و"صلة" تعني "ظل"، فإن الأولى تشير إلى شهوة العين، والثانية تشير إلى "شهوة الجسد". الأولى بجمالها أو زينتها تغوي العين عن التطلع إلى السمويات، والثانية كظل تسحب النفس للعبودية لشهوات الجسد الذي لا يمثل إلاّ ظلاً يختفي، أي تسحبها للأمور الجسدانية الزمنية المؤقتة. في اللغة الأشورية "عادة" مأخوذة من "عدهاتو" وتعني "ظلام"، وأما "صلة" فمشتقة من "ظلاتو" وتعني "ظلال الليل"، وكأن لامك اختار في شره أن يتحد مع الظلام وظلال الليل خلال حياته الشريرة. + قبل أن نتحدث عن المثل الذي نطق به لامك لامرأتيه نذكر معاني الأسماء الواردة في هذا الأصحاح: أ. عيراد بن حنوك؛ كلمة "عيراد" مشتقة من الكلمة العبرية "عير" وتعني "مدينة"، ربما لأن قايين كان يبني المدينة الأولى في العالم التي دعاها باسم أبنه حنوك. ويرى البعض أن كلمة "عير" في العبرية تعني "جحش" أو "حذر". ب. محويائيل بن عيراد، أسمه يعني "مضروب من الله". ج. متوشائيل بن محويائيل، إسمه عينه "بطل الله" أو "رجل الله". د. لامك، يعني "قوي". قدم لامك لامرأتيه أول قطعة شعرية في الأدب العبري، تسمى "أغنية السيف للامك"، جاء فيها "أسمعا لقولي يا امرأتي لامك، وأصغيا لكلامي، فإني قتلت رجلاً لجرحي وفتى لشدخي. إنه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأمّا للامك فسبعة وسبعين" [٢٣، ٢٤]. خلال هذه الأغنية نشتم روح الافتخار والاعتداد بالذات بالدفاع عن النفس والثقة في قوة الإنسان وعنفه، إذ يرى البعض أن لامك يعلن لامرأتيه أنه يستخدم السيف الذي اخترعه ابنه توبال والذي قيل عنه "الضارب كل آلة من نحاس وحديد" [٢٢]، يستخدمه في دفاعه عن نفسه؛ لهذا فيحسب نفسه بريئا إن قتل إنسانًا مادام ليس بقصد القتل وإنما دفاعًا عن نفسه. إن كان قايين كقاتل أخيه ينتقم له سبعة إضعاف فإن لامك كمدافع عن نفسه ينتقم له سبعة وسبعين. توجد تفاسير كثيرة لهذه الأغنية فالبعض يرى أن لامك شاخ جدًا وصار ضعيف البصر وإذ كان حفيده يقوده وكان محبًا للصيد أشار له حفيده عن صيد فضرب بالسهم فإذا به يقتل جده قايين عن غير قصد، وإذ صرخ الحفيد معلنًا قتل قايين ضرب لامك الفتى فقتله، لذلك قال "قتلت رجلاً (قايين) لجرحي، وفتى لشدخي". وأدرك إنه كقاتل لابد أن يُقتل، لكنه إذ قتل بغير عمد ينتقم له الرب سبعة وسبعين. يرى البعض أن رقم ٧٧ يذكرنا بنسب السيد المسيح كما ورد في إنجيل لوقا (٣: ٢٣– ٣٨) فإنه ينتقم للخطية أو يُقتص العدل بمجيء المخلص الذي يدفع الثمن كاملاً على الصليب. 4. ميلاد شيث: عندما اقتنت حواء "قايين" ظنت فيه بركة للأجيال كلها، لكن سرعان ما فسدت حياته وقتل أخاه البار... فلم يترك الله حواء منكسرة الخاطر، بل وهبها بداية جديدة بإنجاب "شيث" عوض "هابيل". معنى "شيث" في العبرية "عوض" أو "معيّن" وكأن الله جبله عوض هابيل وعينه رأسًا لجيل مقدس. وبالفعل انجب شيث "أنوش" الذي يعني "إنسانًا"، "وحينئذ أبتدئ أن يُدعى باسم الرب" .
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الرابع بعد أن سقط آدم وحواء حمل نسلهما ميكروب الخطية. وظهر هذا بقوة في الجريمة الأولي التي شهدت قتل قايين لأخيه هابيل. ورأينا نتائج الخطية حسد وبغضة وقتل …ألخ. أية (1):- " 1وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ». " هذا هو التعبير المهذب الإنجيلي للمعاشرة الزوجية. وكان آدم من المفروض ان يعاشر زوجته قبل السقوط لإنجاب بنين لكن دون شهوة. اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ: يمكن ترجمتها (إقتنيت رجلاً هو الرب) أو (بمعونة الرب) وهذا معناه أن حواء تصورت أن ابنها هو المخلص أو هي تنسب لله الخلق فهو الموجد الخالق. وهكذا علينا ان ننسب كل نجاح لله. أية (2):- " 2ثُمَّ عَادَتْ فَوَلَدَتْ أَخَاهُ هَابِيلَ. وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِيًا لِلْغَنَمِ، وَكَانَ قَايِينُ عَامِلاً فِي الأَرْضِ. " هَابِيلَ: معني إسمه غير ثابت أو زائل كالبخار وهذا الإسم قد تكون حواء أطلقته علي إبنها بعد أن قتله قايين أخوه فقالت أنه زال كما يزال البخار. أو تكون أسمته هذا الأسم لأنها تيقنت أن كل إنسان مصيره الزوال حسب قضاء الرب. ونلاحظ أن الأسماء غالباً كانت تطلق علي الإنسان ليس وهو صغيراً فالعدد كان قليل لا يحتاج لأسماء للتمييز (وهذا سوف نلاحظه في أسماء أولاد قايين). أو لأن حواء تصورت أن قايين هو المخلص الذي أرسله الله وكل ما سواه هو هباء "في 8:3" وكان هابيل راعياً للغنم وهكذا كان داود، وكان المسيح هو الراعي الصالح. ونلاحظ هنا ورود اسم هابيل قبل قايين. وَكَانَ هَابِيلُ... وَكَانَ قَايِينُ...: هنا يظهر مفهوم البكورية الروحية والجسدية فقايين هو البكر جسدياً لكنه لشره فقد البكورية فتقدم عليه هابيل (مثل رأوبين وعيسو وغيرهما). وهكذا كان المسيح هو بكر بين إخوة كثيرين. بكر البشرية جسدياً. وكان قايين رمزاً لآدم الأول، بكر البشرية جسدياً، وقد فقد بكوريته ليظهر هابيل الحقيقي السيد المسيح، آدم الثاني والبكر الحقيقي للبشرية. وقايين يرمز لجماعة اليهود الذين حملوا بكورية معرفة الله لكنهم جحدوا الإيمان بالمخلص وتلطخ مجمعهم بسفك دم البرئ، ليأتي هابيل ممثلاً لكنيسة العهد الجديد تضم أعضاء من الأمم، فتحتل البكورية الروحية وتحسب كنيسة أبكار عب 23:12 خلال إلتصاقها أو اتحادها بالرب البكر. ونلاحظ أن عمل هابيل الرعاية وهذه تشير لمن يدير ويقود طاقات جسده (الغنم) أما عمل قايين الزراعة في الأرض ربما تشير لمن وجه عنايته للزمنيات. لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت أش 13:22 + 1كو 32:15. الأيات (3-5):- " 3 وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، 4وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، 5وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ. " لماذا قبل الله قربان هابيل دون قايين؟ 1. ربما أشارت عبارة وحدث بعد أيام: إلي تراخي قايين في تقدمته أو ممارستها بلا حب. وبالرجوع لسفر اللاويين نفهم أن قرباناً للرب: عطية دقيق. 2. ربما أن قايين حين قدم لم يقدم أفخر ما عنده بل من أثمار الأرض وليس مثل هابيل الذي قدم من أبكار غنمه ومن سمانها. فهو قدم أفضل ما لديه. 3. كانت تقدمة قايين من ثمار الأرض وهذه غير قادرة علي المصالحة بين الله والأنسان أما تقدمة هابيل فكانت ذبيحة دموية تحمل رمزاً للسيد المسيح الذبيحة الحقيقية الذي صالحنا مع الآب. وهنا نسأل كيف عرف هابيل التقدمة التي ترضي الآب؟ بالتقليد والتسليم فآدم عرف فكرة الذبيحة التي سترته وعلم أولاده. 4. قايين قدم من ثمار الأرض والأرض ملعونة. وعموماً فالأرض تشير للجسد (راجع مثل الزارع) وثمار الجسد أو أعمال الجسد.. زني عهارة.. غل 19:5-21. وهنا ثمار جسد قايين أي نتيجة عرقه وتعبه في أرض ملعونة. وتشير لأعمال البر الذاتي مثل ورق التين. بينما هابيل قدم ذبيحة ليعلن أنه خاطئ ولا سبيل للصلح مع الله سوي بوساطة ذبيحة (شخص ثالث). وهذا هو إيمان هابيل. بالإيمان قدم هابيل ذبيحة لله أفضل من قايين عب 4:11. الإيمان بالمسيح الذبيحة الحقيقية. وكل أعمال الجسد بدون المسيح لا قيمة لها وتصبح غير مقبولة. 5. أعمال قايين كانت شريرة وأعمال هابيل بارة. عب 4:11 أيو 12:3 فالمسيح قال هابيل الصديق. 6. وكيف عرف قايين ان تقدمة هابيل قد قبلت؟ غالباً بنزول نار من السماء كما حدث في لا 24:10 + 1مل 38:18-40. وَسَقَطَ وَجْهُهُ: أي نكس وجهه وعبسه من الخجل والغيظ. فالخطية تفقد الإنسان سلامه وتحطمه ليعيش في غيظ. وضيق. ويسقط وجهه للتراب عوضا عن أن يرتفع للسماء. أية (6):- " 6فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ " الله لم يترك قايين مغتاظا منهاراً بل تقدم إليه بالحب يحدثه ويحاوره قائلاً. لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ = أي لا سبب لغيظك سوي شر فعلك. ثم يبدأ يضع له أول قانون للتوبة "إرجعوا إلي إرجع إليكم" في الآية القادمة. أية (7):- " 7إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا». " إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ: إن أحسنت أفلا أرفع وجهك من جديد فلماذا تستسلم للغيط. وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا = إذا لم ترجع عن طريقك الخاطئة (أي الحسد والغيظ. والحقد) فهناك خطية أعظم وهي القتل وهي رابضة عند الباب (ورابضة تستخدم مع الوحوش فكانت الخطية هي وحش وهذه تشبه خصكم إبليس … كأسد) ونتيجة ضعف الإنسان صار هناك شهوة وإشتياق للخطية لكن هناك سيادة عليها. فالإنسان هو صاحب السيادة والإرادة فإن قبلها تسود هي عليه. إن تسللت الخطية للإنسان تستعبده وينحني أمامها بروح العبودية وينحدر من سئ إلي أسوأ. كأنه ينحدر علي تل ودائما الخطية الأسوأ تنتظر عند الباب. وهنا كان الحسد عند الباب وحينما دخل لداخل قلب قايين ظهر الغضب والحقد عند الباب، وحينما دخل الغضب والحقد ظهر القتل عند الباب. ولذلك فالله يحذر حتي لا يستسلم فيظهر الأسوأ. ونلاحظ أن كلمة خطية وكلمة ذبيحة خطية هي كلمة واحدة. ونلاحظ أيضأ ان الضمير "ها" في هذه الأية يمكن ترجمته "ـه" وبذلك تصبح الآية " عند الباب ذبيحة خطية رابضة وإليك إشتياقه وأنت تسود عليه" هذه رحمة الله والمنقذ لكل خاطىء فلا داعي لليأس حتي لو سقط في الخطية فهناك ذبيحة خطية يمكن الأستفادة منها. وقوله عند الباب يذكرنا بقول السيد المسيح "أنا واقف علي الباب أقرع…" ويذكرنا بأن الخاطئ كان يأتي بذبيحة لخطيته عند باب خيمة الإجتماع (لا 4:4). فالمسيح واقف عند باب قلبي يقرع ويدعو للتوبة وما عليَ سوي أن أقبل هذه الدعوة وأذهب للكنيسة (خيمة الإجتماع) معترفاً بالخطية فتنقل خطيتي إلي المسيح الذبيحة الحقيقية. وإذا كان قايين قد قبل أن يقدم توبة كانت قد عادت له بكوريته الروحية ورجعت له السيادة علي أخيه الأصغر ولإشتاق إليه هابيل كأخ أكبر قادر علي أن يمنحه البركة. والله صاغ العبارات بهذا الأسلوب ليمنع حسد قايين ضد هابيل. والله يعلن هنا أن قبوله لذبيحة هابيل لا يعني أن يحرم قايين من بكوريته. (وهذا المبدأ طبقه الإنجيل حين دعا المسيحيين للخضوع لرؤسائهم). أية (8):- " 8وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ. " وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ: بعض النسخ تزيد "لنخرج إلي الحقل" إذاً هو كلمه بمحبة زائفة ليخرج معه للحقل كما إعتادوا كل يوم، كما صنع يهوذا مع المسيح، ولكن هذه المرة كان قد أضمر شراً ليقتله. وهذه الزيادة قد تكون إضافة للشرح من أحد النساخ ونلاحظ أن خطية آدم مهما كانت بسيطة فهي قد فتحت الباب لخطايا بشعة (كراهية وقتل) هنا نجد تطبيق عملي للصراع بين الحية والإنسان، بين الروح والجسد. ونجد أن هابيل صار أول شهداء هذا الصراع وقايين أول مضطهد لشعب الله بقيادة الحية. الأيات (9-10):-" 9فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟» فَقَالَ: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟» 10فَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. " ظن قايين أنه قتل وإستراح ولكن كان سؤال الله له يكشف الجراحات ويفضحها لأجل العلاج. وكان سؤال الله لقايين مثل سؤاله لآدم: أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ ونجد الله هنا يدفعه للإعتراف والتوبة. وللأسف كان رد قايين لا أعلم، أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي رد كله تبجح علي الله وكذب فالخطايا تتصاعد من حسد إلي غضب إلي قتل إلي كذب علي الله إلي بجاحة وإستهتار في الرد علي الله. ونجد الله هنا يؤكد لقايين أنه إله هابيل الذي لا ينساه صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ: لقد أخفي قايين جسد أخيه، لكنه لم يقدر ان يكتم صوت النفس الصارخة إلي الله، إذ يشير الدم إلي النفس، بكونه علامة الحياة ومن المعزي أن أول من مات ذهب للسماء لأنه كان قديس وبار والله يحتفظ لنفسه بالأبكار وكان موت هابيل هو إفتتاح للعالم الأخر لمن يموت. ونري هنا أن كل شهيد للحق تبقي صرخاته تدوي فوق حدود المكان والزمان (رؤ 10:6) وهذه الصرخات تطلب الإنتقام. ولكن هابيل كان رمزاً للمسيح فدم المسيح الذي سفكه إخوته اليهود (رمزهم قايين) صار أيضا يصرخ ولكن طالباً الشفاعة والغفران والكفارة لذلك هو أفضل (عب 24:12). الأيات (11-12):-" 11فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ. 12مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ». مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ … تفسيرها فيما بعدها متي عملت الأرض لا تعطيك قوتها فالإنسان في حالته المتدنية كخاطئ لا يفهم سوي الماديات. وهنا الله يشرح له غضبه بهذا الأسلوب أي أنه سيخسر مادياً. ورمزياً فالأرض تشير للجسد المأخوذ منها الذي صار بالخطية قفر لا يقدم ثمراً روحيا. بل تبعته النفس ففقدت سلامها الداخلي: تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فالنفس التي خضعت للجسد الترابي الأرضي الذي صار قفراً تعيش فيه بلا راحة ولا سلام إنما في حالة تيه وفزع. وقوله تائهاً ربما تشير أنه في سعيه أن يجد أرضاً مثمرة لن يجد ويظل يبحث ولا يجد. وهارباً قد تكون من ضميرك وخوفك. وقايين أول إنسان يلعن ولعنته كانت من الأرض. فالإنسان كان له سلطاناً علي الأرض والأن بعد لعنته لم يعد له هذا السلطان ولأنه لوث الأرض صارت تضن عليه بثمرها. واللعنة جاءت من الأرض التي سال عليها دم هابيل. وإذا كان دم هابيل يرمز لدم المسيح. إذا من يستفيد من دم المسيح يكون له سبب بركة وخلاص وحياة "رائحة حياة لحياة" ومن يصر علي خطيته يكون له دم المسيح سبب لعنة وموت "رائحة موت لموت" لذلك قال بولس الرسول "فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس إبن الله…. عب 29:10 ولأن قايين صار ملعوناً صار أولاده يسمون أولاد الناس (تك 2:6) بينما أولاد شيث لهم اسم "أولاد الله" الأيات (13-15):-" 13فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: «ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. 14إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي». 15فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «لِذلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ». وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ. " هناك عدة إحتمالات لرد قايين علي الله 1. ربما نجد هنا بداية توبة وشعور بالخطأ وإقرار بالذنب ولذلك حماه الله من الموت ليعطيه فرصة توبة ثانية، وهذا من طول أناة الله. 2. هي حالة يأس بلا داع من رحمة الله. فالله يتحاور معه ليجذبه للتوبة. 3. هي حالة شعور بالندم ليس كراهية في الخطية وإنما خوفاً من العقاب الأرضي. 4. وسواء هذا أو ذاك فالله الرحوم نجده يبدأ مع قايين بالحب لعله يتوب. ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ = أعظم من أن يغفر (حالة يأس بلا داع). مِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي: يختفي من خجله أو لجهله ظن أنه يمكنه الإختفاء من الله كما فعل آدم أبيه. كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي : ربما ولد آدم أولاد أخرين لم يذكرهم الكتاب وظن قايين أن أيا منهم يقتله إنتقاماً لهابيل. أو هو خاف من أي حيوان أن يقتله فهو خسر سلطانه علي الخليقة أو هو خائف من لا شئ مجرد وهم (هذه الحالة مرض نفسي قد يكون الشيزوفرينيا) وهذا ما يطلق عليه كتابياً "لا سلام قال الرب للأشرار" فهو لأنه خرج من حماية الله عاش فى رعب، فمن ينشق علي الله تقف الخليقة كلها ضده. كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ = ربما أن قايين قتل دون أن يسمع من الله أن القتل ممنوع لكن الآن فالله يسن تشريعاً بمنع القتل ومن يقتل حتي للإنتقام سينتقم منه الله انتقاماً كاملاً: سَبْعَةَ أَضْعَافٍ. فالنفس ملك لله وله الإنتقام. ولاحظ أن القانون المدني لم يكن قد تم وضعه. فليس من حق أحد ان يقتل دون أن يسمح الله بذلك. جَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً = لكي لا يقتله كل من يجده. هذه علامة حب من الله ليقتاده للتوبة. وهذه العلامة قد تكون علامة في قايين حتي لا يقتله أحد، هي علامة يراها كل أحد فلا يقتله ليحيا تحت اللعنة وغضب الله، ويصير هو نفسه علامة علي غضب الله علي الخطية. وقد تكون علامة (مثل قوس قزح) حين يراها قايين يثق في حماية الله له من أي شر ونحن نحتمي في علامة الصليب كخطاة لنجد فيه سلاماً وأماناً ومصالحة مع الله وحياة. أية (16):-" 16فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ، وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ شَرْقِيَّ عَدْنٍ. " فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ: لم يستفيد من كل إعلانات حب الله بل إنفصل عنه ولم يعد يتحادث معه وإنفصل عن آدم ومذبحه ولم يعد يصلي معهم ولم تعد له مخافة الرب ولا حفظ وصاياه وشرائعه وطقوس عبادته. هنا قايين القاتل إتحد بنسل الحية رمز إبليس الذي كان قتالاً للناس منذ البدء يو 44:8. وخروج قايين من لدن الرب هو خروج النفس من حضن ربها مصدر سلامها. وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ : نود تعني التيه أو الإضطراب. وهذا نتيجة الإنفصال عن الله وهذا ما حدث مع اليهود (رمزهم قايين) إذ صلبوا المسيح ربهم تاهوا أو تشتتوا هنا وهناك. أية (17):-" 17وَعَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ. وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ كَاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ. " امراة قايين هي أخته والله سمح بهذا أولاً ليقيم نسلاً. وحنوك هو الثالث من آدم من ناحية قايين وله نفس إسم أخنوخ تقريباً السابع من آدم من جهة شيث. وزاد أولاده وأحفاده جداً فبني مدينة بإسم ابنه وهذا طبيعي أن يبني مدينة لكن روحياً. 1. سجل أن قايين بني مدينة، أما هابيل فكعابر لم يبن شيئاً "فليس لنا هنا مدينة باقية" 2. هو بني هذه المدينة ليحتمي من التيه الذي جلبه لنفسه ويحتمي من قرارات الله وتأديباته فهو مازال خائفاً ان يقتله أحد. الأيات (18-24):- " 18وَوُلِدَ لِحَنُوكَ عِيرَادُ. وَعِيرَادُ وَلَدَ مَحُويَائِيلَ. وَمَحُويَائِيلُ وَلَدَ مَتُوشَائِيلَ. وَمَتُوشَائِيلُ وَلَدَ لاَمَكَ. 19وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ الْوَاحِدَةِ عَادَةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى صِلَّةُ. 20فَوَلَدَتْ عَادَةُ يَابَالَ الَّذِي كَانَ أَبًا لِسَاكِنِي الْخِيَامِ وَرُعَاةِ الْمَوَاشِي. 21وَاسْمُ أَخِيهِ يُوبَالُ الَّذِي كَانَ أَبًا لِكُلِّ ضَارِبٍ بِالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ. 22وَصِلَّةُ أَيْضًا وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ الضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ. 23وَقَالَ لاَمَكُ لامْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: «اسْمَعَا قَوْلِي يَا امْرَأَتَيْ لاَمَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلاَمِي. فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي. 24إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ»." عِيرَادُ: قد تعني مدينة أو جحش حَنُوكَ: تعني تعليم مَحُويَائِيلَ: مضروب من الله مَتُوشَائِيلَ: بطل الله لاَمَكَ: قوي عَادَةُ: جمال أو زينة في العبرية تشير لشهوة العين. وتعني ظلام في الأشورية. صِلَّةُ: ظل في العبرية وظلال الليل في الأشورية. نَعْمَةُ: جمال يَابَالَ: جوال يجول البادية يُوبَالُ: موقع علي آلات الطرب تُوبَالَ: نحاس توبال قايين: صانع نحاس (قايين هنا بمعني صانع وليس بمعني قنية). توجد بعض ملاحظات علي هذه الإيات : 1. نجد هنا في هذه الأسماء والحرف "الجمال والقوة وصناعة الحديد والنحاس وكل هذا لا يوجد فيه خطية لكن لم نسمع أن أحداً من هذه العائلة كانت له علاقة بالله ولذلك فالجمال بدون أن تكون هناك علاقة مع الله يصبح شهوة ولذة وعبادة للعالم. والقوة بدون الله يصبح فيها إفتخار وإعتداد بالذات وكبرياء. العالم بدون الله يصبح فساد ونهايته العدم واللاشئ. 2. بعض الأسماء نلاحظ فيها إسم الله ولكنه التدين الظاهري (مثل اليهود) فلم نسمع مثلاً أن هذه العائلة كانت لها مذابح أو عبادة أو خرج منها قديسين. 3. الأسماء مرتبطة بصناعات الأشخاص لذلك يغلب الظن أن الأسماء أطلقت بعد أن يكبر الشخص ويحترف صناعة ما. 4. لامك يعني قوي (هو شاعر بقوته والناس يعرفون عنه أنه قوي) كان له زوجتين عادة بمعني جمال أو زينة وهذه تشير لشهوة العين. فهو يظن أنه في قوته قادر ان يكون له كل ما تشتهيه عينيه. والثانية صلة بمعني ظل فهو حين إنشغل بالجمال في العالم وبقوته إنشغل عن الحقيقة (السماويات) بظلها (أي الأرضيات). ولذلك نجد في معني الأسماء بالأشورية تكميلاً للمعني أنه عاش في الظلام وظلال الليل. 5. عيراد تعني (مدينة أو جحش)فمن يظن أنه يبني مدينة يحتمي بها من غضب الله يكون له فكر حيواني مظلم والنتيجة أنه يلد محويائيل أي مضروب من الله. 6. لامك بإتخاذه إمراتين شابه الهراطقة الذين قسموا الكنيسة (لم تكن له حواء واحدة). 7. توبال قايين صانع النحاس صنع سيوفاً وأعطاها لوالده لامك فإفتخر لامك بقوته وبأنه بهذه الأسلحة صار منيعاً لا يستطيع أحد أن يقتله. بل هو ينتقم لمن يلحق به أي إهانة، هو ينتقم للضرر البسيط الذي يلحقه بما هو عظيم. أغنية أو نشيد لامك : 23وَقَالَ لاَمَكُ لامْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: «اسْمَعَا قَوْلِي يَا امْرَأَتَيْ لاَمَكَ، وَأَصْغِيَا لِكَلاَمِي. فَإِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي. 24إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ». هذه أول قطعة شعرية في الأدب العبري تسمي "أغنية السيف للامك" ونشتم فيها رائحة الإفتخار والإعتداد بالذات والثقة في قوة الإنسان وعنفه. ومعناها أنه أي لامك قتل رجلاً حين جرحه: قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي : أي قتل فتي لمجرد أنه لطمه أو جرح كرامته فكلمة شَدْخِي تعني كسر الشئ أي أذي لحق بكرامته هي غالباً تشير لإفتخار لامك بقوته وتعاظمه أمامهم. وأنه يفعل هذا في دفاعه عن نفسه لهذا يحسب بريئاً إن قتل إنسان. وإن كان الله ينتقم لقايين سبعة أضعاف ينتقم للامك سبعة وسبعين ورقم 77 هو رقم كامل يشير للإنتقام الشديد. أو أنه إذا كان من يؤذيه ينتقم منه إنتقام شديد. هذه الأغنية تمثل ما وصل إليه الإنسان من صلف وغرور وإعتداد بالذات. هذا الغرور هو إستغلال لطول أناة الله. وهناك تفسير آخر لهذه الأغنية. أن لامك شاخ جداً وضعف بصره وكان حفيده يقوده. وبينما هو يصطاد ضرب سهمه خطأ بعد أن أشار له حفيده علي صيد فإذا بهذا الصيد لا يكون سوي قايين الذي قتله لامك دون قصد. وإذ صرخ الحفيد معلناً قتل قايين ضرب لامك الفتي فقتله (قتل رجلاً (قايين) وفتي (الحفيد). وحين ذاك أدرك أنه لابد وسينتقم منه. لكن إعلاناً انه برئ من دم قايين فقد قتله دون قصد يقول أن الله سينتقم لقاتله (أي من يقتل لامك) 77 مرة لكن الأكثر واقعية هو أنه نشيد الكبرياء والغطرسة. هذه الأيات نري فيها مجموعة خطايا عائلة قايين: 1. زواج متعدد 2. تفاخر بالقوة 3. أسلحة وقوة عالمية وجبروت. 4. إنقياد للجمال والشهوة ولذات هذا العالم. 5. البعد الكامل عن الله والإنفصال عنه الأيات (25-26):- "25وَعَرَفَ آدَمُ امْرَأَتَهُ أَيْضًا، فَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ شِيثًا، قَائِلَةً: «لأَنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ عِوَضًا عَنْ هَابِيلَ». لأَنَّ قَايِينَ كَانَ قَدْ قَتَلَهُ. 26وَلِشِيثَ أَيْضًا وُلِدَ ابْنٌ فَدَعَا اسْمَهُ أَنُوشَ. حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ. " لله لم يترك حواء منكسرة الخاطر لخسارتها قايين وهابيل. بل وهبها شِيثً = عوض فهو عوض هابيل ويعني أيضا معين فالله عينه راساً لجيل مقدس. وإقامة شيث عوض هابيل تحمل معني إمتداد حياة هابيل أي قيامة المسيح الذي قيل عنه يري نسلاً تطول أيامه (أش 10:53) وهذا رايناه في زيادة أيام حزقيا الملك. وأنجب شيث أبنه أنوش ويعني إنساناً ضعيفاً هشاً ولكن الله يستخدم الأنية الضعيفة لمدحه وتسبيحه: حينئذ إبتدىء أن يدعي بإسم الرب. لذلك دعي أولاد شيث أولاد الله. في مقابل أولاد الناس (أولاد قايين)
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع هابيل وقايين (1) تقدمة هابيل وقايين ( ع 1 - 7 ) : ع 1 : عرف : المقصود العلاقة الجسدية وهذا معناه أنها ليست مجرد علاقة مادية بل هي تعارف ومودة ومحبة تؤدي إلى علاقة جسدية . بعد صدور حكم الموت على الإنسان بدأت العلاقة الجسدية كتعبير محبة ولإنجاب النسل والمحافظة على النوع . وهذه العلاقة غير مرتبطة بالخطية بل هي علاقة مقدسة وضعها الله في خطته عندما خلق الإنسان فقد قال لآدم وحواء بعد خلقتهما " أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض " ( ص 1 : 28 ) . وعندما حبلت حواء ولدت إبناً ودعته قايين لأنها فرحت بنعمة الله المعطاة لها إذ قالت " إقتنيت رجلاً من عند الرب " ، لأنَّ الله وعد أنَّ نسلها يسحق رأس الحية ففرحت حواء ببداية النسل الذي سيسحق الشيطان فتنال الخلاص . ع 2 : حبلت حواء وولدت إبناً ثانياً هو هابيل ، ومفهوم ضمنياً أنها ولدت بنات لم يذكرن وهن اللاتي تزوج بهن أبناءها . عمل هابيل برعي الغنم فأعطاه ذلك طباعاً هادئة وميلاً للتأمل والصلاة ، أما قايين فعمل في زراعة الأرض فكان أكثر خشونة وانشغالاً بالماديات . فهابيل يرمز لمحبي التأمل والصلاة أما قايين فيرمز للمشغولين بأعمال العالم واللذات الأرضية . ع 3 ، 4 : قدم قايين بعض النباتات مما كان يزرعه في الأرض كتقدمة لله فلم يقبلها ، أما هابيل أخوه الأصغر فقدم من أفضل غنمه ذبيحة لله فسرّ بها الله وقبلها .. وهناك فروق بين التقدمتين : 1- أطاع هابيل كلام الله الذي علَّمه لأبيه آدم في التقرب إليه بتقديم ذبائح حيوانية وحرقها ، أما قايين فلم يهتم وقدّم بعض المزروعات . 2- قدم هابيل من أفضل غنمه ( أبكار ) ، أما قايين فقدم بعض النباتات وليس أفضلها أو باكورات ثمارها . 3- آمن هابيل أنَّ هذه الذبيحة الحيوانية رمزاً لذبيحة المسيح الفادي في ملء الزمان كما تعلَّم من أبيه آدم وكما ذكر في رسالة العبرانيين " بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين " ( عب 11 : 3 ) . ع 5 : عندما رفض الله تقدمة قايين ، لم يراجع نفسه ليتوب ويصحح أخطاءه فيما يقدمه لله بل إغتاظ بكبرياء لأنَّ تقدمته رفضها الله في حين قَبِل قربان أخيه . ويعبر عن سقوطه في الخطية " سقط وجهه " أي لم يفكر تفكيراً روحياً سماوياً بل تضايق من أخيه بدلاً من أن يستفيد منه . ع 6 ، 7 : عندما رأى الله قايين ساقطاً في الخطية بفكره ، حذَّره ليتوب ودعاه للسلوك الحسن برفع قلبه لله ، لأنه إن لم يحسن التفكير فستسيطر عليه الخطية وتتحول من فكر إلى فِعل ، فهي مازالت عند باب قلبه وبإرادته يستطيع أن يرفضها ، أما إن تهاون فالخطية تسود عليه أي يسقط في القتل الفعلي لأنَّ خطية الغضب إن إزدادت تصل إلى القتل ؛ لذلك حذَّر المسيح من الغضب عندما ذكر وصيته " لا تقتل " وأوصانا ألاَّ نغضب ( مت 5 : 21 ، 22 ) . + الله ينبهك بطرق متنوعة لترجع عن خطاياك ، فلا تهمل تحذيراته واستجب لدعوته لتقترب بالصلاة إليه وتثبت في كنيسته وأسراره فلا يقوى عليك الشيطان . (2) قتل هابيل ( ع 8 - 16 ) : ع 8 : أضمر قايين الشر لأخيه هابيل فتظاهر بالكلام العادي معه واستدرجه إلى الحقل ، لئلاّ إذا حاول قتله في البيت يقف أمامه والداه أو أخواته البنات . وعندما وجد فرصة مناسبة في الحقل بعيداً عن الأعين مدَّ يده وقتله كما كان يرى الحيوانات تُذبح وتموت ، كل هذا يظهر قساوة قلب قايين وخشونته . ع 9 : ذهب الله بمحبته إلى قايين يدعوه للتوبة فسأله عن أخيه هابيل لعله يعترف بخطيته ؟ أما هو ، فببجاحه ، أجاب الله بعدم معرفته لمكان أخيه . وهو بهذا كاذب بل تطاول على الله ولامه على سؤاله بأنه لم يُكلَّف بحراسة أخيه . ع 10 : إذ رفض قايين التوبة ، واجهه الله بخطيئته أنه قتل أخاه وأنه لا يسكت على الظلم بل إنَّ المظلوم حتى لو مات فالله يطالب بحقه ، ولابد أن يتحمل الظالم عقوبته على ظلمه . ع 11 : أصدر الله عقوبته لقايين باللعن أي فقدان البركة ، والأرض التي كان يزرعها تشهد على ظلمه لأخيه عندما سقط دمه المسفوك عليها ولذا فلن تعطيه بركة في غلاتها . ع 12 : أضاف في العقوبة إلى جانب فقدان البركة القلق والتيه في الأرض بل من قلقه يهرب من مكان إلى مكان ولا يشعر براحة أبداً . ع 13 ، 14 : شعر قايين بشناعة خطيته عندما صدرت عليه العقوبة بل أعلن عجزه عن إحتمال هذه العقوبة سواء فقدان البركة أو القلق المؤدي إلى التيه ، وأضاف أيضاً أنه أصبح معرضاً للموت بيد من يقابله ويقصد بهم : 1- والديه وإخوته . 2- أي أشخاص في العالم لم يرهم من قبل إذ أصبح يخاف من المجهول . 3- الخوف من الحيوانات أن تهجم عليه وتقتله . ع 15 : من رحمة الله لقايين وعده بأنَّ من يقتله سيعاقبه عقوبات مضاعفة سبع مرات ، ولم يعده أنه لن يُقْتَل لعل قلقه يقوده للتوبة ولكنه للأسف لم يتب . ومن ناحية أخرى أعطاه علامة إلهية تحميه من الموت وتخيف من يحاول قتله ، ويقول البعض أنها علامة الصليب أو أي علامة أخرى لا نعرفها . ع 16 : إبتعد قايين عن الله وانفصل عنه بسبب خطاياه وسكن في أرض " نود " ومعناها التيه وهكذا عاش في عقوبة الخطية كل أيام حياته . + إن كنت تتألم من نتائج خطاياك فلا تتذمر بل إرجع بالتوبة إلى الله وثق أنه سيسامحك ثم قم لتعوِّض ما فاتك بعلاقة حب أعمق مع الله ومحبة لمن حولك . (3) نسل قايين ( ع 17 - 24 ) : ع 17 : يؤكد هنا أنَّ العلاقة الجسدية كما ذكرنا هي عبارة عن تعارف وتفاهم ومحبة . وزوجة قايين هي أخته ، فقد كان مسموحاً بهذا إذ لا توجد نساء إلاَّ أخواته ، ولم يذكرن لكن مفهوم ضمنياً ولادتهن . وأنجب قايين إبنه الأول " حنوك " ومعناه " هُذِّب أو مهذب " ، فقايين البعيد عن الله يحاول أن يربي أولاده تربية سليمة ولكن لا يمكن ذلك مادام قد إبتعد عن الله فيبقى له الإسم فقط دوناً عن الفعل . وإذ شعر قايين بالتيه والهرب من وجه الله ( ع 14 ) بسبب خطيته كان محتاجاً للإستقرار ، فبدلاً من أن يرجع إلى الله بالتوبة ليستعيد سلامه حاول أن يحل مشكلته بطريقة مادية فبنى مدينة أسماها باسم إبنه حنوك متظاهراً بالإستقرار والتهذيب مع أنه فاقد كل هذا بسبب إصراره على البعد عن الله . ع 18 : يذكر نسل قايين فحنوك ولد " عيراد " ومعنى إسمه " مدينة " ليؤكد الإستقرار الوهمي الذي صنعه لنفسه ببناء مدينة . وأنجب عيراد إبناً أسماه " محويائيل " أي " مضروب من الله " وهذا يؤكد إحساسه بالذنب وغضب الله عليه . وأنجب محويائيل متوشائيل ومعناه " بطل من الله " ، فقد إتجه قلبه إلى القوة المادية والبطش بغيره ويدعي أنَّ هذا من الله . ثم أنجب متوشائيل لامك ومعنى إسمه " قوي " ويقصد نفس معنى متوشائيل أي القوة المادية . + إذا سقطت في أي خطية ، فأسرع إلى التوبة ولا تحاول تغطيتها بتبريرات وتتظاهر بعكسها ، فكل هذا يشبه أوراق التين التي صنعها آدم لنفسه فهي لا تفيد شيئاً بل تبعد الإنسان عن الله . ويا ليت أسماء أبنائك تكون لها معانٍ تفيدهم روحياً . ع 19 : هذا دليل آخر على الإنهماك في الماديات وهو أول ذِكر لتزوج الرجل بإمرأتين . و " عادة " معناها " جمال " و " صلَّة " معناها " ظل " ، أي أنه غرق في الإنشغال بالشهوات المادية وظلالها . وهذا نتيجة طبيعية للبعد عن الله وعدم التوبة والإعتماد على القوة البشرية والإستقرار المادي وليس الإعتماد على الله . ع 20 : إبن عادة الأول هو " يابال " الذي إشتغل برعي الغنم فكان بدوياً يسكن الخيام وسار أولاده في نفس حرفته وهي رعي الغنم . ومعنى إسمه " جوال " وهو مناسب لحرفته وهي الرعي . ع 21 : الإبن الثاني لعادة دعته " يوبال " ومعناه الضارب بالآلات الموسيقية مثل العود والمزمار وكان ذلك هو عمله الذي إشتهر به . ع 22 : أما الزوجة الثانية صلَّة فأنجبت إبناً أسمته " توبال " ومعناه " نحاس " ، وقد إكتشف النحاس الذي يوجد على سطح الأرض وصنع منه آلات موسيقية كان يعزف عليها واستخدم أيضاً في أعمال مختلفة . ثم ولدت أخت له أسمتها " نعمة " ومعناها " جمال أو محبوبة " ، لأنَّ هذا هو الشغل الشاغل لهم أي الجمال المادي . ع 23 : لشدخي : كسري ، فشدخ أي كسر . وقف لامك أمام زوجتيه يفتخر بكبرياء أنه قوي قادر أن يغلب أي رجل يقف أمامه ، فمن يحاول أن يجرحه أو يكسره سيقتله في الحال وقد كتب هذه العبارة مع الآية التالية بالشعر إذ أنه كان يتباهى ويتغنى بقوته المادية . ولعله إستخدم السيف الذي إخترعه إبنه توبال من النحاس ولذلك يسمي بعض المفسرين هاتين الآيتين أغنية السيف . ع 24 : تمادياً في كبريائه يقول إن كان الله قد وعد بالإنتقام ممن يقتل قايين بسبعة أضعاف ، فمن يحاول قتل لامك سينتقم منه الله سبعة وسبعين مرة ، مع أنَّ الله لم يعده بشئ ولكن كبرياءه جعله يظن هذا . (4) ولادة شيث ( ع 25 ، 26 ) : ع 25 : ظنت حواء عندما ولدت قايين أنه النسل الذي سيتحقق منه سحق رأس الحية كما وعد الله . ولكن للأسف إنحرف قايين عن الله وقتل أخاه هابيل وسار في طريق الشر ، فوهب الله حواء إبناً أسمته " شيث " ومعناه " عِوض أو معيَّن " ، أي أنه عِوض قايين الذي إنحرف وهابيل البار الذي مات . معيَّن أي أنَّ الله عيَّنه ليكون رأساً للنسل المبارك . ع 26 : عاش شيث مع الله ثم أنجب إبناً أسماه أنوش ومعناه إنسان ، وعاش مثل أبيه مع الله يصلي ويقدم ذبائح حيوانية أي محرقات لإرضاء الله ، وبهذا بدأ النسل المبارك يتزايد واهتم بذكر إسم الله والحياة معه . + إن كنت قد خسرت شيئاً سواء من ماديات هذا العالم أو الروحيات بسقوطك في الخطية فثق أنَّ إلهك الرحيم ، إن رجعت إليه ، مستعد أن يعوضك عن كل ما أضعته لتشكره وتعود إلى حياتك الروحية القوية وتتمتع بعِشرته .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح