فحدث فيما كان أبلوس في كورنثوس، أن بولس بعد ما اجتاز في النواحي العالية جاء إلى أفسس. فإذ وجد تلاميذ
قال لهم:«هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم؟» قالوا له:«ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس».
فقال لهم:«فبماذا اعتمدتم؟» فقالوا:«بمعمودية يوحنا».
فقال بولس:«إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة، قائلا للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع».
فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع.
ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأون.
وكان جميع الرجال نحو اثني عشر.
ثم دخل المجمع، وكان يجاهر مدة ثلاثة أشهر محاجا ومقنعا في ما يختص بملكوت الله.
ولما كان قوم يتقسون ولا يقنعون، شاتمين الطريق أمام الجمهور، اعتزل عنهم وأفرز التلاميذ، محاجا كل يوم في مدرسة إنسان اسمه تيرانس.
وكان ذلك مدة سنتين، حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في أسيا، من يهود ويونانيين.
وكان الله يصنع على يدي بولس قوات غير المعتادة،
حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة منهم.
ابناء سكاوا
فشرع قوم من اليهود الطوافين المعزمين أن يسموا على الذين بهم الأرواح الشريرة باسم الرب يسوع، قائلين:«نقسم عليك بيسوع الذي يكرز به بولس»
وكان سبعة بنين لسكاوا، رجل يهودي رئيس كهنة، الذين فعلوا هذا.
فأجاب الروح الشرير وقال:«أما يسوع فأنا أعرفه، وبولس أنا أعلمه، وأما أنتم فمن أنتم؟»
فوثب عليهم الإنسان الذي كان فيه الروح الشرير، وغلبهم وقوي عليهم، حتى هربوا من ذلك البيت عراة ومجرحين.
وصار هذا معلوما عند جميع اليهود واليونانيين الساكنين في أفسس. فوقع خوف على جميعهم، وكان اسم الرب يسوع يتعظم.
وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم،
وكان كثيرون من الذين يستعملون السحر يجمعون الكتب ويحرقونها أمام الجميع. وحسبوا أثمانها فوجدوها خمسين ألفا من الفضة.
هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة.
اضطراب خطير فى افسس
ولما كملت هذه الأمور، وضع بولس في نفسه أنه بعدما يجتاز في مكدونية وأخائية يذهب إلى أورشليم، قائلا:«إني بعد ما أصير هناك ينبغي أن أرى رومية أيضا».
فأرسل إلى مكدونية اثنين من الذين كانوا يخدمونه: تيموثاوس وأرسطوس، ولبث هو زمانا في أسيا.
وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق،
لأن إنسانا اسمه ديمتريوس، صائغ صانع هياكل فضة لأرطاميس، كان يكسب الصناع مكسبا ليس بقليل.
فجمعهم والفعلة في مثل ذلك العمل وقال:«أيها الرجال أنتم تعلمون أن سعتنا إنما هي من هذه الصناعة.
وأنتم تنظرون وتسمعون أنه ليس من أفسس فقط، بل من جميع أسيا تقريبا، استمال وأزاغ بولس هذا جمعا كثيرا قائلا: إن التي تصنع بالأيادي ليست آلهة.
فليس نصيبنا هذا وحده في خطر من أن يحصل في إهانة، بل أيضا هيكل أرطاميس، الإلهة العظيمة، أن يحسب لا شيء، وأن سوف تهدم عظمتها، هي التي يعبدها جميع أسيا والمسكونة».
فلما سمعوا امتلأوا غضبا، وطفقوا يصرخون قائلين:«عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين».
فامتلأت المدينة كلها اضطرابا، واندفعوا بنفس واحدة إلى المشهد خاطفين معهم غايوس وأرسترخس المكدونيين، رفيقي بولس في السفر.
ولما كان بولس يريد أن يدخل بين الشعب، لم يدعه التلاميذ.
وأناس من وجوه أسيا، كانوا أصدقاءه، أرسلوا يطلبون إليه أن لا يسلم نفسه إلى المشهد.
وكان البعض يصرخون بشيء والبعض بشيء آخر، لأن المحفل كان مضطربا، وأكثرهم لا يدرون لأي شيء كانوا قد اجتمعوا
فاجتذبوا إسكندر من الجمع، وكان اليهود يدفعونه. فأشار إسكندر بيده يريد أن يحتج للشعب.
فلما عرفوا أنه يهودي، صار صوت واحد من الجميع صارخين نحو مدة ساعتين:«عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين».
ثم سكن الكاتب الجمع وقال:«أيها الرجال الأفسسيون، من هو الإنسان الذي لا يعلم أن مدينة الأفسسيين متعبدة لأرطاميس الإلهة العظيمة والتمثال الذي هبط من زفس؟
فإذ كانت هذه الأشياء لا تقاوم، ينبغي أن تكونوا هادئين ولا تفعلوا شيئا اقتحاما.
لأنكم أتيتم بهذين الرجلين، وهما ليسا سارقي هياكل، ولا مجدفين على إلهتكم.
فإن كان ديمتريوس والصناع الذين معه لهم دعوى على أحد، فإنه تقام أيام للقضاء، ويوجد ولاة، فليرافعوا بعضهم بعضا.
وإن كنتم تطلبون شيئا من جهة أمور أخر، فإنه يقضى في محفل شرعي.
لأننا في خطر أن نحاكم من أجل فتنة هذا اليوم. وليس علة يمكننا من أجلها أن نقدم حسابا عن هذا التجمع».
آية (1):- "فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ، أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلاَمِيذَ،"
أقام بولس في أفسس من خريف سنه 54 م. إلى ربيع سنه 57 م. ولاحظ أن نيرون اعتلى عرش الإمبراطورية في روما سنه 54م. النواحي العالية= من أسيا الصغرى وهما منطقتى غلاطية وفريجيه هذا في مقابل أفسس التي في مستوى أقل من البحر. فإذ وجد تلاميذ= هم تلاميذ للمسيح ولكن معارفهم قليلة. وبولس كتب من أفسس رسالة كورنثوس الأولى.
آيات (2-7):- "قَالَ لَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». فَقَالَ لَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ. وَكَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ."
كان الرسول بولس في نهاية الرحلة الماضية قد مرَّ على أفسس وطلب منه الإخوة أن يطيل إقامته معهم (أع 20:18، 21) فوعدهم أن يعود إليهم. وهاهو الآن في مدينة أفسس عند أكيلا وبريسكلا. وأول ما قابله هناك جماعة من الإخوة الذين كانوا يعرفون معمودية يوحنا فقط. فلما بشرهم الرسول بالرب يسوع الذي تنبأ وبشر به يوحنا آمنوا واعتمدوا (وربما كان التلاميذ الذين ذكروا في آية 1 هم من تلاميذ أبلوس). ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم وطفقوا يتكلمون بلغات. وكان الرجال منهم نحو إثنى عشر. كانت معمودية يوحنا رمزية كسائر ممارسات العهد القديم. وأن يوحنا نفسه سبق وقال أن معموديته رمزية علامة التوبة وأما السيد المسيح فله معمودية أخرى بالروح القدس (يو 25:1-34).
ومعمودية الروح هي التي تكلم عنها الرب يسوع مع نيقوديموس (يو 5:3) ومثل باقي الأسرار علمها الرب للتلاميذ. وهذا السر من الأسرار مارسوها قدامه (يو 1:4-2) وأتت فعلها في المؤمنين عند حلول الروح القدس. تشبيه= معمودية يوحنا تشبه لعبة التليفون (لعبة على شكل تليفون) لها ما يشبه السماعة وغير ذلك من الأجزاء. ولكنها مجرد لعبة يتلهى بها الأطفال. وأما معمودية الرب قبل حلول الروح القدس هذه التي تكلم عنها الإصحاح الرابع من يوحنا، فهي تليفون حقيقي غير أن الطاقة لم تصل بعد إليه. هذه الطاقة التي وصلت يوم حلول الروح القدس. (هذا التشبيه للأنبا اثناسيوس أسقف بنى سويف المتنيح).
فمعمودية يوحنا لا تحل إطلاقًا محل معمودية الرب. فتلك صورة فقط. ولذلك عمدهم الرسول بولس باسم الرب يسوع. ثم وضع يديه عليهم في السر الثاني من الأسرار الكنسية وهو سر التثبيت فحل عليهم الروح القدس (سر الميرون الآن).
آية (8):- "ثُمَّ دَخَلَ الْمَجْمَعَ، وَكَانَ يُجَاهِرُ مُدَّةَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ مُحَاجًّا وَمُقْنِعًا فِي مَا يَخْتَصُّ بِمَلَكُوتِ اللهِ."
كالعادة يبدأ الرسول بالمجمع اليهودي.
آية (9):- "وَلَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسَّوْنَ وَلاَ يَقْنَعُونَ، شَاتِمِينَ الطَّرِيقَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ، اعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ التَّلاَمِيذَ، مُحَاجًّا كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ إِنْسَانٍ اسْمُهُ تِيرَانُّسُ."
شاتمين الطريق= الطريق هو المسيحية.
وهنا نرى أن بولس فصل التلاميذ عن المجمع اليهودي.
آية (10):- "وَكَانَ ذلِكَ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، حَتَّى سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي أَسِيَّا، مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ."
لقد منع الروح القدس بولس من قبل أن يبشر في آسيا (أع 6:16). ولكن آن الأوان ليفعل. مدة سنتين= هي غالبًا سنتين وبضعة أشهر قضاها يؤسس كنيسة أفسس. ويضاف لها 3 أشهر في المجمع اليهودي آية8. وربما كان لبولس زيارات تبشيريه لكنائس مجاورة ليؤسسها مثل كولوسي وغيرها أو الكنائس التي وردت أسماءها في الكنائس السبع في سفر الرؤيا. المهم أن مجموع المدة التي قضاها بولس هي 3 سنين (أع 31:20).
آية (11):- "وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ،"
كانت المقاومة غير معتادة فأعطاه الله أن يصنع آيات غير معتادة.
آية (12):- "حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ."
كان المرض الذي يعانى منه بولس غالبًا هو قروح تحتاج إلى عصائب دائمة (غل 14:4) (هذا بالإضافة لضعف النظر غل 11:6). وإذا كانت العصائب التي توضع على جسد بولس لها مفعول الشفاء هذا، فهذا إثبات كافٍ لما نعمله من إكرام رفات الشهداء والقديسين. ولطالما سمعنا ورأينا معجزات من رفات الشهداء والقديسين.
آية (13):- "فَشَرَعَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ الطَّوَّافِينَ الْمُعَزِّمِينَ أَنْ يُسَمُّوا عَلَى الَّذِينَ بِهِمِ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، قَائِلِينَ: «نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِيَسُوعَ الَّذِي يَكْرِزُ بِهِ بُولُسُ!»"
اليهود الطوافين= هؤلاء يَدَّعون إخراج الأرواح الشريرة بالسحر أو الشعوذة. واستخدامهم هنا لاسم يسوع هو إعلان عن فشلهم بطرقهم السابقة. ولكن لاحظ أنهم لا يستخدمون اسم يسوع كمؤمنين بقوته ولاهوته بل يستخدمون اسم يسوع واسم بولس كقوة سحرية بحسب مفهومهم.
آية (14):- "وَكَانَ سَبْعَةُ بَنِينَ لِسَكَاوَا، رَجُل يَهُودِيٍّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ، الَّذِينَ فَعَلُوا هذَا."
رئيس كهنة= ربما رئيس فرقة من الفرق الـ24. أو هو من بيت هرون وأقامه أتباعه رئيسًا لهم في أفسس لهذه الأعمال السحرية.
آية (15):- "فَأَجَابَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ وَقَالَ: «أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟»"
الروح الشرير يعترف بقوة يسوع ويعترف برسوله بولس.
يسوع.. أعرفه، وبولس.. أعلمه = أعرفه درجة أعلى في المعرفة العميقة من أعلمه. فالشيطان كان ملاكا قبل السقوط. وكملاك إختبر محبة الله العجيبة. وبعد سقوطه إختبر عدله وحزمه وقداسته ورفضه المطلق للخطية. أما معرفته للبشر فهي محدودة، فالله لا يكشف له أفكارنا. هو يلقى بفكره الشرير وينتظر ليرى رد الفعل. هو يعرف كل شيء عن ماضى بولس وإيمانه وجهاده في كرازته ولكنه لا يعرف أعماقه ولا خططه ونواياه ولا حتى أفكاره، هو لا يعرف عن البشر سوى ما يراه من الخارج من تصرفات وردود أفعال لما يلقيه من أفكار. وفي (مر1: 21 - 28) حينما دخل رجل به روح نجس وكان المسيح يتكلم صرخ الروح النجس وقال "أما أنا فأعرفك من أنت قدوس الله" . هو لم يتأكد من أن المسيح هو الله، لكنه وجد أنه أمام قوة جبارة لم يراها في إنسان من قبل، فبدأ يشك أنه ابن الله. ولكن معرفة الشيطان بالله ليست كمعرفة الملائكة والقديسين الذين يجدون في معرفته فرحًا وحياة وشركة أبدية (يو3:17). أمّا الشياطين فتعرفه ديانًا لها يأتي ليهلكها، وترتعب منه. من يفرح بالمسيح هو من امتلأ قلبه محبة، أمّا هؤلاء الشياطين فمملوئين كراهية وحقد. هم يعرفون الله لكنها معرفة بلا حب ولا رجاء، يؤمنون ويقشعرون.
آية (16):- "فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ، وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى هَرَبُوا مِنْ ذلِكَ الْبَيْتِ عُرَاةً وَمُجَرَّحِينَ."
هؤلاء بلا قوة حقيقة ضد الشيطان، وهاهو ينتقم منهم لسخريتهم منه. الشيطان لم يكن يهدف بهذا أن يمجد اسم الله لكنه إذ يجد فرصته لإيذاء إنسان يستغلها.
آية (17):- "وَصَارَ هذَا مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَكَانَ اسْمُ الرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ."
اسم الرب يسوع يتعظم في مقابل اندحار اسم أرطاميس حتى سقطت.
آية (18):- "وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ،"
نرى هنا تطبيق عملي لسر الاعتراف. ولعل هؤلاء أتوا للاعتراف خوفًا مما حدث لأولاد سكاوا.
آية (19-20):- "وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ. هكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ."
هنا نرى انتشار السحر في أفسس لذلك أعطى الله لبولس قوى غير عادية. ومعجزات (11، 12) ليواجه هذه القوى الشيطانية. بل أن هؤلاء السحرة أنفسهم آمنوا وتركوا السحر. ولنلاحظ أن العالم الذي لا يخضع للرب يسوع يخضع للشيطان.
آية (21):- "وَلَمَّا كَمِلَتْ هذِهِ الأُمُورُ، وَضَعَ بُولُسُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ بَعْدَمَا يَجْتَازُ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ يَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، قَائِلًا: «إِنِّي بَعْدَ مَا أَصِيرُ هُنَاكَ يَنْبَغِي أَنْ أَرَى رُومِيَةَ أَيْضًا»."
بولس كان يريد الاطمئنان على أولاده فيهم خصوصًا بعد أن سمع بأن عندهم مشكلات. وكان يريد أن يذهب لأورشليم حاملًا معه العطايا للفقراء.
آية (22):- "فَأَرْسَلَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ اثْنَيْنِ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يَخْدِمُونَهُ: تِيمُوثَاوُسَ وَأَرَسْطُوسَ، وَلَبِثَ هُوَ زَمَانًا فِي أَسِيَّا."
ارسطوس= أو أراستوس هو خازن المدينة في كورنثوس (رو 23:16). وقد آمن وصار مسيحيًا (وعُثِر على اسمه مسجلًا في الآثار) أرسل إلى مكدونية= لجمع الهبات والعطايا التي سيذهب بها لأورشليم.
آية (23):- "وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ شَغَبٌ لَيْسَ بِقَلِيل بِسَبَبِ هذَا الطَّرِيقِ،"
الطريق= المسيحية.
آيات (24-28):- "لأَنَّ إِنْسَانًا اسْمُهُ دِيمِتْرِيُوسُ، صَائِغٌ صَانِعُ هَيَاكِلِ فِضَّةٍ لأَرْطَامِيسَ، كَانَ يُكَسِّبُ الصُّنَّاعَ مَكْسَبًا لَيْسَ بِقَلِيل. فَجَمَعَهُمْ وَالْفَعَلَةَ فِي مِثْلِ ذلِكَ الْعَمَلِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هذِهِ الصِّنَاعَةِ. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ، بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيبًا، اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هذَا جَمْعًا كَثِيرًا قَائِلًا: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً. فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هذَا وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ، بَلْ أَيْضًا هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ، الإِلهَةِ الْعَظِيمَةِ، أَنْ يُحْسَبَ لاَ شَيْءَ، وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا، هِيَ الَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَالْمَسْكُونَةِ». فَلَمَّا سَمِعُوا امْتَلأُوا غَضَبًا، وَطَفِقُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!»"
ديمتريوس هيج الجمع بالآتي:-
1- الحرمان من المكسب المادي.
2- فقدان كرامتهم إذا أصبحت إلهتهم أرطاميس إلهة باطلة.
3- تشويه صورة أرطاميس.
آية (29):- "فَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا اضْطِرَابًا، وَانْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ، رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ."
الشعب في ثورته عثروا على شخصين اسمهما غايوس وإرسترخس وهما مقدونيى الأصل من رفقاء بولس ودفعوهما أمامهما. وأنضم إليهم اليهود. ودفع اليهود إلى الجمع شخصًا يهودي الأصل اسمه إسكندر يغلب الظن أنه كان قد آمن بالمسيح ثم ارتد، ولعله كان قد اختلف مع الرسول بولس في بعض المواقف، ولم يذعن له الرسول فترك المسيحية ونراه هنا يقاوم بولس ويسبب له متاعب كثيرة (2تى 14:4-15) وكان إسكندر هذا نحاسًا أي من الصياغ. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). المشهد= هو مسرح المدينة ومن خرائبه المتبقية للآن يتضح أنه يسع 30,000 وكانوا يتسلون بإلقاء الناس للوحوش. وربما هذا ما كانوا يقصدونه إذا تمكنوا من القبض على بولس. وكانت النية إلقاء غايوس وأرسترخس في المشهد للوحوش وكان هذا المسرح مكان لاجتماع الشعب والمحفل للفصل في الشئون المدنية.
آية (30):- "وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّعْبِ، لَمْ يَدَعْهُ التَّلاَمِيذُ."
بولس أراد أن يواجه الثائرين في شجاعة لإنقاذ رفقائه وإثبات براءتهم فرفض التلاميذ ذلك ومنعوه.
آية (31):- "وَأُنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَسِيَّا، كَانُوا أَصْدِقَاءَهُ، أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَى الْمَشْهَدِ."
نرى الله وقد أعدَّ لبولس بعض من وجوه آسيا= أي الرؤساء والأثرياء كأصدقاء، وهؤلاء أشاروا بأن لا يسلم بولس نفسه للمشهد فبالتأكيد كانوا سيفتكون به فهو المقصود.
آية (32):- "وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ، لأَنَّ الْمَحْفِلَ كَانَ مُضْطَرِبًا، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَدْرُونَ لأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا!"
الجمهور لا عقل له، تحركه أية إثارات.
آية (33):- "فَاجْتَذَبُوا إِسْكَنْدَرَ مِنَ الْجَمْعِ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَدْفَعُونَهُ. فَأَشَارَ إِسْكَنْدَرُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ لِلشَّعْبِ."
اليهود دفعوا إسكندر هذا ووكلوه ليشرح للجمع أن اليهود ليسوا مسيحيين، فالأفسسيين كانوا لا يميزون بين اليهود والمسيحيين، وإسكندر هذا أراد إثبات براءة اليهود من انتماء بولس إليهم حتى لا يشمل الاتهام اليهود أيضًا. وقطعًا كان إسكندر هذا كعادته سيشتم بولس ويوجه له سيل من الاتهامات (2تى 4: 14، 15). ولكن الأفسسين اكتشفوا أن إسكندر هذا كان يهوديًا ربما من ملابسه أو شكله أو لغته، والأفسسيون لا يحبون اليهود لأنهم يعلمون أن اليهود لا يحترمون آلهتهم، وأيضًا ففي نظرهم فلا فرق بين المسيحية واليهودية. لذلك منع الجمهور إسكندر من الكلام وظلوا في صياح لإلهتهم.
آية (34):- "فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، صَارَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمِيعِ صَارِخِينَ نَحْوَ مُدَّةِ سَاعَتَيْنِ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!»."
هذه الأديان الوثنية نجد فيها عباد الإلهة يدافعون عن آلهتهم ولكننا نحن الذين نعبد الله الحي، هو الذي يدافع عنا ويحملنا.
آية (35):- "ثُمَّ سَكَّنَ الْكَاتِبُ الْجَمْعَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَفَسُسِيُّونَ، مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ أَنَّ مَدِينَةَ الأَفَسُسِيِّينَ مُتَعَبِّدَةٌ لأَرْطَامِيسَ الإِلهَةِ الْعَظِيمَةِ وَالتِّمْثَالِ الَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ؟"
الْكَاتِبُ = كاتب المدينة هو موظف كبير بها كرئيس لديوانها. وهو خاف أن الرومان يعاقبون المدينة بسبب هذا الشغب. وكان الكاتب هو أداة الاتصال بين إدارة بلدية أفسس وبين الحكام الرومان. وغالبًا فإن أكيلا وبريسكلا خبئا بولس الرسول عندهما وسط هذا الهياج معرضين انفسهما لمخاطر كبيرة (رو 3:16-5).
التِّمْثَالِ الَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ = أي من آلهة السماء. إذًا لن يستطيع أحد من هؤلاء اليهود أن يضره بشيء فلماذا هذا الهياج.
آية (36):- "فَإِذْ كَانَتْ هذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ تُقَاوَمُ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ وَلاَ تَفْعَلُوا شَيْئًا اقْتِحَامًا."
لاَ تُقَاوَمُ = يقصدالإلهة (زفس وأرطاميس) الآلهة اللذين تحبونهما، هي آلهة قوية لا يستطيع أحد أن يقاومها. إذًا لا خطر على عبادتكم لأرطاميس أنها تضمحل بسبب اليهود.
آية (37):- "لأَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِهذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، وَهُمَا لَيْسَا سَارِقَيْ هَيَاكِلَ، وَلاَ مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلهَتِكُمْ."
سارقى هياكل= كانت خزائن الهياكل مملوءة كنوزًا وأموال.
وَلاَ مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلهَتِكُمْ.= هم يبشرون ويدعون لإلههم ولم يشتموا إلهتكم وكانت طريقة بولس الرسول إيجابية، فهو يعلم ويبشر بالمسيح ونور المسيح وقوته كفيلين بأن يهرب أمامه ظلام الأوثان.
آيات (38-39): "فَإِنْ كَانَ دِيمِتْرِيُوسُ وَالصُّنَّاعُ الَّذِينَ مَعَهُ لَهُمْ دَعْوَى عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ تُقَامُ أَيَّامٌ لِلْقَضَاءِ، وَيُوجَدُ وُلاَةٌ، فَلْيُرَافِعُوا بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفِل شَرْعِيٍّ."
آية (40):- "لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هذَا الْيَوْمِ. وَلَيْسَ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَابًا عَنْ هذَا التَّجَمُّعِ»."
كان الرومان لا يسمحون بهذه الفوضى أبدًا.
آية (41):- "وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَفَ الْمَحْفِلَ."