كلمة منفعة
قال داود النبي للرب: "اذكر لي كلامك الذي جعلتني عليه اتكل، هذا الذي عزاني في مذلتي"، وأنت أيضًا في فترات مذلتك، اذكر الآيات الآتية فتتعزَّى:
— كلمات تعزية في الشدائد
سفر المزامير + مز 151 40
المصدر
كنيسة مار مرقس كليوباترا
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
المزمور الأربعون
جئت لأتمم مشيئتك
فى المزامير 37 - 38 يتحدث المرتل عن انتظار الرب ، فقد عانى داود النبى الكثير من شاول وأبشالوم وخيانة أخيتوفل الخ ..... والآن إذ تمتع بالخلاص بعد معاناة قاسية ، خاصة على يدى إبنه المتمرد أبشالوم ، تحولت مراثيه إلى تسابيح شكر يقدمها بوحى الروح القدس .
تعتبر تسبحة الشكر هذه مزمورا مسيانيا حيث تركز على شخص السيد المسيح وعمله . وتشهد الرسالة إلى العبرانيين ( 10 : 5- 10 ) أن السيد المسيح هو المتحدث هنا حيث يقدم خبراته ، يقدم نفسه بكونه ذاك الذى جاء ليتمم إرادة الآب ، والذى نزل إلى الجحيم ، إلى عمق طين الحمأة ، يحمل خطايا شعبه . كما يقدم الشكر بقيامته ، مقدما التسبحة الجديدة التى يترنم بها شعبه الذى خلصه ونجاه .
يعتبر هذا المزمور من أروع المزامير ، يجب ربطه بمزمور الآلام المجيدة ( مز 22 ) الذى يرتبط بتسبحة القيامة .
" انتظارا انتظرت الرب ،
فاصغى إلى ، وسمع تضرعى " [ 1 ، 2 ] .
تكرار الكلمة " انتظارا انتظرت " يكشف عن الجدية والمثابرة ، وقد استخدم الرب ذات الأسلوب حينما أعلن " شهوة أشتهيت أن آكل الفصح " لو 22 : 15 .
لعل المرتل أراد أن يقول إنه إذ سقط تحت عبء آلام وضيقات لا قدرة لإنسان أن يخلصه منها ، ولا رغبة له فى تدخل ذراع بشرى لخلاصه ، لبث ينتظر مترقبا بإيمان يد الله التى تجرح وتعصب ( أى 5 : 18 ) ، تسحق وتشفى .
يقدم لنا السيد المسيح نفسه مثلا فى انتظاره للأب ، مسلما إرادته بين يدى الآب ، سواء فى بستان جثسيمانى أو اثناء المحاكمة وهو الإله المعبود يصلى كما نصلى نحن ، ويصرخ كما نصرخ ، ويطلب أن تتم إرادة الآب فيه ، مع أنها واحدة مع إرادته ... ينتظر كمن يحتاج إلى عون ، وهو حامل الكل بقدرته ، وذلك كنائب عنا يعمل لحسابنا وبإسمنا وكمثال لنا ، إذ يقول الرسول : " الذى فى أيام جسده ، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسمع له من أجل تقواه " عب 5 : 7 . إنه يعلمنا كيف نغلب وسط آلامنا وفى صراعنا الروحى لننال الأنتصارات المجيدة .
" واصعدنى من جب الشقاء ،
ومن طين الحمأة " [ 2 ] .
فى وسط الآلام شعر المرتل أنه كما فى جب الشقاء ملطخ بالوحل ، كلما حاول رفع قدميه يغوص بالأكثر ، وليس من منقذ أو معين . إنه يذكرنا بإرميا النبى ( إر 38 ) الذى طرح فى الجب بسبب شهادته للحق .
" وأقام على الصخرة رجلى ،
وسهل خطواتى " [ 2 ] .
الصخرة هى ربنا يسوع ( 1 كو 10 : 4 ) الذى نزل إلى الجحيم ، لا عن خطية ارتكبها وإنما لأنه " وضع عليه إثم جميعنا " ، وحملنا فيه من الجحيم بكونه الصخرة والطريق ، نتكىء عليه ونختفى فيه فلا نغوص فى طين الحمأة ، بل تتشدد أرجلنا ، ولا تزل خطواتنا . فى نور الإيمان الحى نسلك ونجاهد فى خطوات ثابتة .
" وجعل فى فمى تسبيحا وسبحا لإلهنا ،
فيرى كثيرون ويخافون ويتوكلون على الرب " [ 3 ] .
إذ يتمتع المؤمن بالسيد المسيح الصخرة كأساس إيمانه وحياته الجديدة يختبر الحياة المقامة الغلبة للخطية والموت ، ينفتح لسانه ليترنم بالتسبحة الجديدة ، تسبحة النصرة ، اللائقة بإنساننا الجديد ، يختبر مراحم الله جديدة فى كل يوم .
" طوبى للرجل الذى اسم الرب رجاؤه ،
ولم ينظر إلى الأباطيل ولا إلى الوساوس الكاذبة " [ 4 ] .
إذ نقبل السيد المسيح طريقا لنا نسلك طريق الصليب الضيق ، نتمتع بالحياة المطوبة لأننا لا نضع رجاءنا فى الأباطيل الزمنية وخداعات العالم الكاذبةبل فىاسم الرب المصلوب .
ليكن الله رجاءنا ، فإن ذاك الذى خلق كل شىء هو أفضل من الكل !
" وأنت أيها الرب إلهى جعلت عجائبك كثيرة ،
وفى أفكارك ليس من يشبهك " [ 5 ] .
حتى إن قدم لنا بنو البشر عونا عن صدق وإخلاص إنما يقدمون ما لديهم من أمور زمنية باطلة ، أما الرب فيقدم عجائب كثيرة خلال حكمته الفائقة المعلنة فى الصليب : يقدم خلاصا من الخطية ، وتحررا من إبليس ، وتبريرا ، وتقديسا ، وبنوة لله ، ومجدا أبديا ! يقدم سلسلة طويلة من عجائب محبته الفائقة التى تكشف لنا عن أفكاره الإلهسة من نحونا .
" ذبيحة وقربانا لم تشأ ،
بل جسدا هيأت لى .
والمحرقات التى من أجل الخطيئة لم تسر بها .
فحينئذ قلت : ها أنا قادم .
فى أرض الكتاب مكتوب :
من أجلى هويت أن أعمل مشيئتك يا الله .
وناموسك فى وسط بطنى " [ 6 - 8 ] .
ماذا رأى المرتل فى ذبيحة السيد المسيح المصلوب ؟
1 الله لا يحتاج إلى ذبائح وقربان ومحرقات ، فقيمتها تكمن فى أمر واحد ، وهو التهيئة للصليب ، بكونها رمزا له ، خارج هذا الرمز لا يسر الله بها ، لذلك يقول " جسدا هيأت لى " ، فبالتجسد دخل طريق الصليب .
2 يبرز السيد المسيح كمال طاعته بقوله : " ها أنا قادم " [ 7 ] ، معلنا خضوعه الأختيارى ، فقد جاء قادما إلى العالم ليحقق ما سبق أن رمز إليه بالذبائح الحيوانية ، قادم ليتمم خلاص الإنسان .
3 ما تممه إنما بمسرة ، إذ يقول : " هويت أن أعمل مشيئتك يا الله " [ 8 ] . وكما قال لتلاميذه : " طعامى أن اعمل مشيئة الذى أرسلنى " يو 4 : 34 ، وفى البستان أعلن " لتكن إرادتك لا إرادتى " ، ويقول الرسول بولس : " من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزى " .
سر سروره أنه كلمة الله الذى يعلن إرادة الآب ، فإرادته وإرادة الآب واحدة . ولعل قوله : " ناموسك فى وسط بطنى " يعنى أنه كلمة الله المتجسد ، حيث لا ينفصل الكلمة عن الناسوت قط ! .
نحن أيضا إذ نقبل الكلمة المتجسد فى حياتنا تصير الوصية ( ناموس الله ) فينا ، نعيشها ونسر بها ، متممين إرادة الله باختيارنا بمسرة حقيقية .
4 " بشرت بعدلك ( ببرك ) " [ 9 ]
بالصليب كرز السيد المسيح ، مبشرا كل بنى البشر بحب الله الفائق ، لا بألفاظ بشرية مجردة ، وإنما بدمه المبذول . لقد سبق فبشر الأنبياء بمجىء المسيا المخلص ، والآن جاء ليحدثنا بكلمة البشارة بنفسه . وكما يقول الرسول :
" بعدما كلم الله الآباء بالأنبياء قديما كلمنا بأنواع وطرق كثيرة فى هذه الأيام بإبنه " عب 1 : 1 ، 2 .
بالصليب صار السيد المسيح الذبيح المبشر الوحيد ، يتكلم خلال كنيسته وخدامه ليجتذب بروحه القدوس كل نفس إلى بشارة الإنجيل المفرحة .
5 بكرازته العملية اجتذب أعضاء كنيسته من الأمم كجماعة عظيمة تتمتع بكلمات حبه التى لا يمنعها عن أحد ، إذ يقول :
" فى جماعة عظيمة هوذا لا أمنع شفتى " [ 9 ] .
ما هما شفتا السيد المسيح اللتان لا يمنعهما عن النطق إلا عدله ورحمته ، فبكلمة الصليب التى نطق بها عمليا التقى العدل الإلهى مع الرحمة فى تناغم عجيب !
لم يمنع شفتيه ، إذ تكلم علانية بصلبه جهارا خارج المحلة ، وشهد ذلك القادمون من كل بقاع العالم يحتفلون بعيد الفصح ، كما شاهده الجند الرومان ... لا يستطيع أحد أن يعتذر بجهله للصليب !
" لم أكتم برك ( عدلك ) فى قلبى ، ..... ورحمتك وحقك لم أخفهما عن محفل عظيم ، .... لأن الشرور التى لا عدد لها قد أحاطت بى .
ادركتنى آثام ، ولم أستطع أن أبصر ،
كثرت أكثر من شعر رأسى .
وقلبى تركنى " [ 10 - 12 ] .
أدرك المرتل أن الشرور تكتنف حياته ، أينما اتجه تحيط به ، وبسببها فقد قلبه ، أى بصيرته الداخلية ، فلم يعد قادرا على التمتع برؤية الله وشركة السمائيين وخبرة الحياة السماوية .
ما الذى يحرمنى الرؤية ، أليس الإثم ؟
" يارب أرض بخلاصى .
يارب التفت إلى معونتى " [ 13 ]
" ليتهلل ويسر بك جميع الذين يلتمسونك يارب .
وليقل فى كل حين الذين يحبون خلاصك .
فليعظم الرب فى كل حين .
اما أنا فمسكين وضعيف والرب يهتم بى .
معينى وناصرى أنت هو .
ياإلهى لا تبطىء " [ 16 ، 17 ] .
يعتبر المرتل أنه قد بلغ حالة يرثى لها . إنه فى ضيقة أدرك أنه مسكين وضعيف ، لكنه وجد فى الله معين المساكين والضعفاء . وقد اختبر المرتل فى ضيقته هنا بركات التمتع بالتهليل الداخلى أو السرور الحقيقى ، وقدمت الضيقة له فرصة ذهبية ليتعلم المرتل وأصدقاؤه الأتقياء الألتجاء إلى الله وحده ، يلتمسونه بروح الأنسحاق .
+ + +
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح