كلمة منفعة
إن الله قد أعطاك نفسك لكي تكون مسئولاً عنها أمامه، كوكيل استؤمن على وكالة. فهل أنت منشغل بها أم أنت منشغل بالآخرين.
— أنت أم الآخرون؟
سفر رؤيا يوحنا 7
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 7
الرؤيا
الإصحاح رقم 7
الأصحاح السابع :
اهتمام الحمل بالكنيسة المتألمة
إذ تعلن الختوم الستة الأولى عن أتعاب الكنيسة وآلامها إلى يوم مجيء الرب للدينونة لهذا رأى الرب أن يشجعها بالكشف عن جانبين:
1. اهتمامه بالكنيسة في جهادها 1 - 8.
2. اهتمامه بالكنيسة في راحتها 9 - 17.
1. اهتمامه بالكنيسة في جهادها
في الجزء الأول من الأصحاح لا يتعرض لفترة زمنية معينة، بل يكشف عن حفظه لكنيسته واهتمامه بها ككنيسة أو كأعضاء فيها كل واحدٍ باسمه خلال جهادهم على الأرض. إنه لا يكف عن أن يحفظ مؤمنيه غير متزعزعين (عب 12: 27)، إذ هم "بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير" (1 بط 1: 5). ومن أجلهم طلب الابن قائلاً: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير" (يو 17: 15).
هذه هي لغة سفر الرؤيا بل لهجة كلمة الله كلها "لأنك حفظت كلمة صبري أنا أيضًا سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض" (رؤ 3: 10).
أما المنظر الذي رآه الرسول فهو:
"بعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض، ممسكين أربع رياح الأرض، لكي لا يهب ريح على الأرض ولا على البحر ولا على شجرةٍ ما" [1].
رأى أربعة ملائكة يحفظون الأرض من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب، هكذا يهتم الله بالبشرية فيحفظهم من كل جانب حتى لا تهب رياح تطفئ سراجهم المنير. ولعل الله قد أرسل ملائكته لتهدئ الطبيعة الثائرة على الإنسان لأنه كما يقول ذهبي الفم أنه قد صار أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة (مز 49: 20)، وأقل تعقلاً من الطيور (إر 8: 7)، وأكثر جمودًا من الحجارة، متشبهًا بالأفاعي (مز 58: 5) حتى صار يدعى ابنًا لإبليس (يو 8: 44).
"ورأيت ملاكًا آخر طالعًا من مشرق الشمس، معه ختم الله الحي، فنادى بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة الذين أُعطوا أن يضروا الأرض والبحر. قائلاً: لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الأشجار، حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم" [2-3].
في العهد القديم كان الله يهتم بأولاده ويرسل من يختمهم في لحظة التجربة لكي يبقوا محفوظين له (حز 9: 4). وفي كنيسة العهد الجديد يقدم لنا ختم روحي سماوي أبدي، إذ نُختم على جباهنا بسرّ الميرون، فيسكن روح الرب فينا، حافظًا ومقدسًا إيانا لنقول: "قد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 21-22).
إن الملاك الذي طلع من مشرق الشمس هو السيد المسيح الذي أشرق علينا ويهبنا في سرّ الميرون هذه العلامة الفعّالة التي تحفظنا كوارثين للرب، لهذا يوصينا الرسول "لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30).
وقد سبق لنا الحديث عن هذا الختم وأننا به صرنا في ملكية الروح القدس، أعداء إبليس.
يقول القديس أغسطينوس: [إن اسم المسيح من المسحة. فكل مسيحي يقبَل المسحة ليس فقط صار شريكًا في الملكوت بل ومحاربًا للشيطان أيضًا.]
ويقول القديس أمبروسيوس: [تذكروا أنكم قبلتم ختم الروح: "روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2).]
الله الآب ختمكم. المسيح الرب قواكم، وأعطى عربون الروح في قلوبكم (2كو 5: 5) كما تلقنتم من تعليم الرسول.
هذا الختم ليس مجرد علامة للتمييز، لكنه يحمل فيه حبًا وتكريسًا، حتى نقول للرب: "اجعلني كخاتمٍ على قلبك، كخاتم على ساعدك" (نش 8: 6).
وهو يحفظ الأرض والبحر والأشجار، أي لا يصيب أي ضرر الذين استقرت نفوسهم (الأرض) والذين لا زالوا مضطربين (البحر) والمثمرين (الأشجار).
أما عن المختومين فقال:
"وسمعت عدد المختومين مئة أربعة وأربعين ألفًا مختومين من كل سبط من بنى إسرائيل. من سبط يهوذا اثنا عشر ألف مختوم. من سبط رأوبين الخ." [4].
والأسئلة التي تدور في ذهن القارئ هي:
أولاً: ماذا يعنى بقوله "بنى إسرائيل"؟
نجيب بما أوضحه كل الآباء الأولين أن "إسرائيل الحقيقي" ليس هو الشعب اليهودي كما يدعون إلى يومنا هذا، إنما هي صفة تنسب للكنيسة وحدها. فيوم كان اليهود مؤمنين وعاملين في الكرم كان الرب يدعوهم "إسرائيل". أمّا وقد نزعوا أنفسهم بأنفسهم عن الكرم قائلين: "دمه علينا وعلى أولادنا"، لهذا نقول إن اليهود بعدما ترك السيد بيتهم خرابًا وحملوا اللعنة ليس لهم أن يدعوا أنفسهم إسرائيل حتى وإن كانوا حسب الجسد أولادًا للشعب القديم، لأن كنيسة العهد الجديد هي امتداد كنيسة العهد القديم ولها كل المواعيد والبركات.
حقًا إن القديس إيريناؤس يرى في هذا إشارة إلى أن بعض اليهود في آخر الأيام سيقبلون الإيمان بالمسيح، ولكن كما أوضح قداسة البابا شنودة أن بقبولهم الإيمان يلزمهم عدم البقاء في تعصبهم وتكتلهم، وأن يتخلوا عن فكرهم القديم، ولا يتكتلوا معًا كشعبٍ مختارٍ متميز (كما يدعون اليوم)... وهنا لا يعود لهم كيان مستقل متمايز وتنتفي عصبيتهم المُرّة، ويزول الفكر الصهيوني المادي المملوء سمومًا القائم على الكبرياء، بل ينسحقوا باكين من أجل رفضهم الإيمان، دون أن يفكروا في أن تكون لهم دولة مستقلة بها أغراض دنيوية. بهذا يرفض الفكر المسيحي الروحي السليم فكرة وجود "إسرائيل" كدولة تدعى أنها شعب مختار.
نعود فنؤكد أن ما جاء في هذا الأصحاح تحت كلمة "إسرائيل" يشير لا إلى دولة إسرائيل بل إلى إسرائيل الروحي، أي إلى الكنيسة بغض النظر عن الجنسية أو اللغة. وهذا ما نادت به الكنائس الرسولية وغيرها أيضًا.
ثانيًا: وماذا يقصد بالأسباط؟
بلا شك أنه لا يقصد بالأسباط أسباط بنى إسرائيل فعلاً، بل يوجد مدلول روحي، خاصة ونحن نعلم أن الشعب اليهودي قد رُفض كشعب، وأنه حتى اليهود الذين يقبلون المسيحيّة بإيمان غالبًا ما يتزاوجون من أجناس أخرى، بل واليهود أنفسهم اختلطت بينهم وامتزجت الأنساب والأسباط ولم يعودوا بعد محافظين على ترابط كل سبط على حدة، بل كانوا هكذا قبلاً إلى أن جاء الرب يسوع متجسدًا من سبط يهوذا وتأكد بذلك أنه المسيا المنتظر، وعندئذ لم يعد لوجود الأسباط أي لزوم.
أما المدلول الروحي فهو:
1. أن عدد المختومين 144 ألفًا، أي رجال العهد الجديد (12 تلميذًا) رجال العهد القديم (12 سبطًا) مضروبًا في ألف أي صار الكل بالمسيح سماويًا، لأن رقم 1000 يشير إلى السماء.
2. أن رقم 12000 رمزي يشير إلى أن أولاد الله محصيون ومعروفون بأسمائهم (يو 10)، خاصة وأن رقم 12 في الكتاب المقدس يشير إلى ملكية الله للشيء أو للشخص، لهذا اختار في القديم 12 سبطًا وفي العهد الجديد 12 تلميذًا.
3. بدأ بسبط يهوذا مع أنه ليس أكبرهم، لكن لأنه خرج منه ربنا يسوع، هكذا يتقدم في الملكوت من ارتبط بشخص الرب والتصق به.
4. لم يذكر سبط دان، لأنه باع نفسه لعبادة الأوثان (قض 18: 1-31) وقد حذر الرب أي إنسان أو عشيرة أو سبط من عبادتها وإلا يمحو الرب اسمه من تحت السماء (تث 29: 18-25). هكذا يُحرم من سفر الحياة المقيمون في قلوبهم تماثيل بأي صنف يتعبدون لها.
5. ذُكر سبط يوسف عوض أفرايم، لأن سبط أفرايم كان مشهورًا بمقاومته ليهوذا الأمين (مز 80: 2، إش 7: 17، إر 7: 15)، وكان في مقدمة عابدي الأوثان (1 مل 12: 25-30).
6. جاءت الأسباط بترتيب خاص، ليس حسب أعمارهم ولا حسب ما ورد في نبوات حزقيال (48: 1-27، 31-34) لكن جاءت تحمل مدلول روحي تكشف عن السمات التي يلزم أن يختم بها المتسمون بالروح القدس.
أ. يهوذا أي الاعتراف، فلا نفع من الحياة بغير الإيمان والاعتراف بالرب.
ب. رأوبين أي ابن الرؤيا، ويلزم أن يُرى إيمانه واعترافه بالعمل والجهاد.
ج. جاد أي متشدد، ومن يعمل يلزمه أن يتشدد مثابرًا حتى النهاية.
د. أشير أي سعيد، وفي مثابرتنا لا نيأس بل نفرح متهللين بالرب.
ه. نفتالي أي متسع، والقلب الفرح السعيد يتسع ليحب بلا حدود.
و. منسي أي ينسى، ومن يحب ينسى ذاته وكل ما هو زمني.
ز. شمعون أي مستمع، ومن ينسى ذاته يسمع ويفهم الصوت السماوي.
ح. لاوي أي مستعار، ومن يسمع للسماء يدرك أنه مُستعار هنا أي غريب.
ط. يساكر أي الجزاء، والغريب لا يطلب جزاء أرضيًا بل سماويًا.
ى. زبولون أي مسكن، ومن يطلب السماويات يسكن فيها متحررًا قلبه من كل شئ.
ك. يوسف أي يزيد، ومن يتحرر قلبه ساكنًا في السماويات ينمو في كل عمل صالح.
ل. بنيامين أي ابن اليمين، ومن ينمو يبلغ نصيبه عن يمين الله.
2. اهتمامه بالكنيسة في راحتها
هذا عن حفظه للكنيسة في الأرض، أما في السماء فماذا يفعل الله بعروسه؟ ستجتمع حوله كنيسة الآباء من آدم إلى آخر الدهور. يجتمع الكل فوق كل حدود الزمن وكل حدود الجنسية. سيكون الكل واحدًا في الرب.
إنهم نفس الـ 144 ألفًا السابق ذكرهم في منظر سماوي مجيد، لكنهم هنا غير محصيّين. لأنه على الأرض يلزم أن نطمئن أن الله يهتم بكل فردٍ، أما المنظر السماوي هذا فكما يقول القديس أغسطينوس لم يذكر عدده لتمتلئ النفوس رجاء أن السماء ستكون عامرة فلا نرتجف ولا نيأس من كثرة الأشرار على الأرض.
"بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة، واقفون أمام العرش وأمام الخروف، متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل. وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف" [9-10].
والثياب البيض هي ثوب القداسة الذي يناله رجال العهد القديم بسبب رجائهم في دم حمل الله الذي يطهر من كل خطية (1 يو 1: 7). أما بالنسبة للعهد الجديد فيقول الأسقف فيكتورينوس إنهم: [تطهروا بالمعمودية في دم الحمل، فصارت ثيابهم بيضاء، حافظين النعمة التي تقبلوها.]
وبياضها هو انعكاس إشراقات المجد الإلهي عليها، إذ في تجليه "صارت ثيابه بيضاء كالنور" (مت 17: 2)، فنكون كالملائكة السمائيين، إذ رأت مريم "ملاكين بثياب بيض جالسين" (يو 20: 12).
وهذا اللون كما يقول القديس إكليمنضس السكندري هو لون الحق الطبيعي، [فإن كان يلزم أن يطلبوا لونًا آخر فإن اللون الطبيعي للحق يكفيهم] إذ يلبسون الحق ويكون مجدهم!
وتحمل الثياب البيض علامة الطهارة والنقاوة كما تحمل سمة الغلبة (رؤ 3: 5). لهذا تزين الكنيسة أولادها بالثياب البيض بعد عمادهم مباشرةً.
أمّا سعف النخل فيحمل علامة الغلبة والنصرة، إذ لا يدخل السماء غير المنتصرين، ولا يقدر أن يجد المتراخون لهم فيها موضعًا. كما يشير إلى حياة الابتهاج، إذ كانوا يحملونه في عيد المظال الذي كانوا يحفظونه تذكارًا للدخول إلى الأرض المقدسة. كما استخدم سعف النخل عندما اهتزت قلوب الشعب بالفرحة عند دخول الرب أورشليم.
وتظهر فرحتهم من التسبيح المستمر قائلين بصوت عظيم، أي في غيرة مقدسة متقدة: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف".
إن الخلاص الذي لنا هو لإلهنا، لأن لا فضل لنا فيه بل يرجع الفضل لمحبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس.
ولا يقف الملائكة جامدي العواطف تجاه خلاصنا بل يشاركوننا بهجتنا إذ يقول:
"وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والقسوس والمخلوقات الحية الأربعة، وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله. قائلين أمين. البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين" [11-12].
في وسط هذا الحب السماوي يختلط علينا الأمر، هل يشاركنا السمائيون سرورنا بالخلاص فيترنمون معنا بهذه التسبحة، مقدمين معنا ذبيحة الشكر، أم نحن الذين نشاركهم عملهم، فنشترك معهم في تسابيحهم السماوية؟ على أي حال فالكل في شركة حب وشركة عمل واحد هو "التسبيح لله".
إن الوجود مع الله يحرر اللسان لكي ينطلق بالتسبيح، ويفتح القلب لتخرج التشكرات، ويحول كل مخلوق إلى قيثارة تتغنى وتترنم بتسابيحٍ وحمدٍ وشكرٍ لا نهائي.
يقول القديس أغسطينوس: [كما أن عظمته غير متناهية هكذا تسبحته غير متناهية. فإن شئت تسبيح الله دائمًا فَغِر من سيرة الملائكة وتسبيحهم.]
وإننا نجسر فنقول إن كل عبادة مهما كبرت أو صغرت إن خلت من عنصر التسبيح تفقد حياتها وكيانها ووجودها، وما عمل الكنيسة إلا التسبيح الدائم.
ففي كنيسة العهد القديم يقول المرتل "سبع مرات في النهار سبحتك" (مز 119: 164). وكان دانيال يجثو ثلاث مرات في النهار مصليًا وحامدًا الله (دا 6: 10).
وفي كنيسة العهد الجديد لم نرَ شيئًا سوى تسابيح يومية في كل صنوف العبادة وفي كل المناسبات، وذلك لإيمانها أن الإنجيل هو "بشارة مفرحة"، وأن عملها هو عمل ملائكي سماوي، لهذا تدرب أولادها على التسبيح.
فكما يقول القديس باسيليوس: [إن التسبيح لله هو عمل خاص بالملائكة.] ولهذا يرى غريغوريوس النيسي أننا بالتسابيح نصير متساوين مع الملائكة من جهة الكرامة. ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الروح المستقرة تنسى آلامها، وبترتيل الكلمات المقدسة تتطلّع بفرح إلى المسيح وحده.]
نعود مرة أخرى إلى ما رآه الرسول وسمعه:
"فأجاب واحد من القسوس قائلاً لي: هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم؟ ومن أين أتوا؟ فقلت له: يا سيد أنت تعلم" [13].
هذا السؤال الذي أثاره أحد القسوس لا بقصد طلب إجابة، وإنما لإثارة البحث والسؤال عنهم وتفهم أحوالهم.
وإذ يعلم الرسول يوحنا مكانة هؤلاء الكهنة غير المتجسدين أجابه "يا سيد" طالبًا منه أن يخبره عنهم بطريقة مملوءة لطفًا "يا سيد أنت تعلم!"
"فقال لي: هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهارًا وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ. لأن الخروف الذي في وسطهم يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" [14-17].
إنهم أتوا من الضيقة العظيمة واغتسلوا بدم المسيح. إنهم الكنيسة المنتصرة، الذين صبروا للنهاية فخلصوا (مت 10: 22). وسبب قبولهم كقول ابن العسال هو هرق دم الحمل عنهم وعن غيرهم. بهذا صار لهم شرف عظيم، وصاروا كذبائح زكية طاهرة مقبولة لدى الآب، إذ ابيضت ثيابهم، وتلألأت بدم الحمل. فقد قيل عن كل واحد منهم وهم الذين ارتبطوا بالأسد الخارج من سبط يهوذا: "غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه" (تك 49: 11).
هذا ما يناله المجاهدون، يكفيهم أنهم يصيروا أمام العرش الإلهي يخدمونه ليلاً ونهارًا في هيكله. وما هيكل الله إلاّ الله نفسه، إذ يقول الرسول عن السماوات: "لم أر فيها هيكلاً، لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها" (رؤ 21: 22).
وما هي خدمتهم وعملهم إلاّ التسبيح الدائم، قائلين مع المرتل: "أمام الملائكة أرتل لك" (مز 138).
يا للمجد! يحل الجالس على العرش فوقهم، أو كما جاء في اليونانيّة "يظللهم". إنه يسترهم ويحفظهم ويخفيهم فيه!
وإذ هم فيه "لا يجوعون، ولا يعطشون، ولا يضربهم حر، ولا شمس، لأن الذي يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع مياه يوردهم" (إش 49: 10).
يرون "الخروف الذي في وسط العرش"، فلا يحتاجون إلى شيء بعد، إذ هو العريس المبهج المفرح، يقدم ذاته خبزًا وشرابًا وراحة وسلامًا. فنقول بحق: "الرب راعى فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خضرٍ يربضني، وعلى مياه الراحة يوردني" (مز 23: 1).
عجيب هو الحمل الوديع الذي قام برعايتنا منذ خلقنا وقبل الناموس، وامتدت رعايته خلال الناموس وفي عهد النعمة، ويبقى راعيًا يدللنا في الفردوس وفي الأبدية أيضًا. يا لها من قوة حب وروعة في الرعاية واهتمام يفوق كل زمان ليبقى أبديًا!
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح السابع
كنيسة واحدة
كنيسة مجاهدة وكنيسة سماوية
فى الختم الخامس رأينا صورة لمن هم فى السماء وفى الختم السادس رأينا صورة لمن هم على الأرض. وهنا نرى إستفاضة فى شرح الموقف، فعلى الأرض نرى كنيسة تجاهد والله يعدها للسماء وفى السماء فرحة الذين غلبوا بدم الخروف (رؤ11:12). ونرى تسبيحهم.
فالإصحاح السابع من سفر الرؤيا ينقسم إلى قسمين. الأول يشمل الآيات من (1-8) والثانى يشمل الآيات من (9-17). القسم الأول يتكلم عن الكنيسة المجاهدة على الأرض. والقسم الثانى يكلمنا عن الكنيسة السماوية، أى من كانوا على الأرض مجاهدين ثم إنتقلوا إلى السماء ليصبحوا الكنيسة المنتصرة. وأحسن تصوير من العهد القديم لهذا الإصحاح هو ما قيل فى (1مل7:6) والبيت (هيكل سليمان) فى بنائه بنى بحجارة صحيحة مقتلعة، ولم يسمع فى البيت عند بنائه منحت ولا معول ولا أداة من حديد " كان هذا عند بناء هيكل سليمان الذى هو رمز للكنيسة. والحجارة رمز للمؤمنين (1بط5:2). لذلك كانوا يقطعون الحجارة وينحتونها فى الجبل ويأتون بها إلى مكان الهيكل لتوضع فى مكانها، ولكن بدون إستخدام اية آلة للنحت فى مكان الهيكل (1مل15:5). والآنية كانوا يسبكونها بعيدا فى غور الأردن (2أى17:4) والآنية أيضا تشير للمؤمنين (2تى21،20:2) ومعنى هذا أننا على الأرض هنا معرضون للتجارب والآلام والضيقات " فى العالم سيكون لكم ضيق" (يو33:16).
ولكن هذه الألام هى المنحت وأدوات الحديد التى يتم بها إعدادنا لنكون حجارة حية فى الهيكل السمائى، وهذه الآلام هى البوتقة التى يتم فيها إعداد الآنية بلا شوائب (1بط7،6:1) ولكن هذه الضيقات هى هنا على الأرض فقط ، بعيدا عن السماء كما قيل أن نحت الأحجار كان فى الجبل وسبك الأوانى كان فى غور الأردن. هذه هى الكنيسة المجاهدة هنا على الأرض، تجاهد وسط الضيقات وهى واثقة أن كل الضيقات التى يسمح بها الله ليست للضرر بل للإعداد للسماء حيث لا الام (رو28:8) +(1كو22:3).
الآيات (1-3):- "1وَبَعْدَ هذَا رَأَيْتُ أَرْبَعَةَ مَلاَئِكَةٍ وَاقِفِينَ عَلَى أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ، مُمْسِكِينَ أَرْبَعَ رِيَاحِ الأَرْضِ لِكَيْ لاَ تَهُبَّ رِيحٌ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ عَلَى الْبَحْرِ، وَلاَ عَلَى شَجَرَةٍ مَا. 2وَرَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَالِعًا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ مَعَهُ خَتْمُ اللهِ الْحَيِّ، فَنَادَى بِصَوْتٍ عَظِيمٍ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ الأَرْبَعَةِ، الَّذِينَ أُعْطُوا أَنْ يَضُرُّوا الأَرْضَ وَالْبَحْرَ، 3قَائِلاً:«لاَ تَضُرُّوا الأَرْضَ وَلاَ الْبَحْرَ وَلاَ الأَشْجَارَ، حَتَّى نَخْتِمَ عَبِيدَ إِلهِنَا عَلَى جِبَاهِهِمْ»."
الصورة السابقة نراها هنا فالآلام لابد أن تأتى، وهى هنا الرياح التى تهب على الأرض وعلى البحر وعلى الشجر، أى أن الآلام هى على العالم كله، فالأمراض تصيب المؤمنين وغير المؤمنين وكذلك الزلازل، وهذه تصيب الناضجين روحيا وغير الناضجين. ولكن ما يصيب المؤمنين المختومين يكون لتنقيتهم "فكل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده" (رو28:8). وهذه الآلام التى يسمح بها الله للمختومين هى للتنقية وليست للضرر = لاَ تَضُرُّوا الأَرْضَ وَلاَ الْبَحْرَ وَلاَ الأَشْجَارَ حَتَّى نَخْتِمَ عَبِيدَ إِلهِنَا عَلَى جِبَاهِهِمْ. والأرض والبحر والأشجار هى إشارة للمؤمنين فى حالاتهم المختلفة وقاماتهم الروحية المختلفة. فالأَرْضَ إشارة للإنسان عموما، فهو أرض قد تكون صالحة للزراعة أو غير صالحة (مثل الزارع) والْبَحْرَ هو الإنسان الذى لا يعيش بحسب الروح لكنه يحيا بحسب الجسد وبحسب العالم، وهذا يكون كالبحر، متقلب لا يرتوى ولا يعرف طعم السلام، والشْجَرَة تشير للمؤمن المثمر أى المملوء بالروح القدس، وهذا تكون له ثماره (غل23،22:5). والمؤمن شبه بشجرة على مجارى المياه (مز3:1). ومجارى المياه إشارة للروح القدس. وكل مؤمن حصل على الروح القدس فى سر الميرون (الختم) أى تم ختمه كعلامة لملكية السيد المسيح له. فالختم عادة الذى يختم به العبيد يكتب عليه إسم المالك. وكل من يتبع المسيح وتم ختمه يكون له الروح القدس ولكن هناك من يضرم الروح بجهاده، وهناك من يطفىء الروح بإندفاعه وراء الخطية وتكاسله فى جهاده. ومن أضرم الروح، يعطيه الروح تعزيات وسط الضيقات، فتكون الضيقات = الرِيَاحِ = لإعداده للسماء، وليست لضرره. أما من أطفأ الروح، فسيكون بلا تعزيات وستضره الرياح تماما كالشجرة. فالشجرة المغروسة على مجارى المياه، يكون لها عصارة تسرى فى فروعها وأوراقها الخضراء، وتكون الرياح سببا فى زيادة خضرة أوراقها، أما المحرومة من المياه، فتكون أوراقها صفراء ذابلة إذا هبت عليها الرياح تسقطها (رؤ13:6) ولنذكر أن إضرام الروح أو إطفاؤه هو مسئولية كل مؤمن، أى بحسب جهاده. لذلك نسمع أن الملائكة أُعْطُوا أَنْ يَضُرُّوا الأَرْضَ وَالْبَحْرَ = فالرياح ستهب على الأرض والبحر والأشجار ولكنها لن تضر الأشجار بل ستضر الأَرْضَ (غير الصالحة للزراعة أو التى تنبت شوكا(عب8،7:6: 9) وَالْبَحْر (العالم المتقلب). لكن الله حين أعطى، فهو أعطى الروح القدس لكل المؤمنين، بل لم تبدأ الرياح عملها الضار إلا بعد أن ختم الكل = لاَ تَضُرُّوا الأَرْضَ وَلاَ الْبَحْرَ وَلاَ الأَشْجَارَ حَتَّى نَخْتِمَ عَبِيدَ إِلهِنَا عَلَى جِبَاهِهِمْ.
وما يعطينا الإطمئنان أن هذه الآلام إذا اصابت المختومين المملوئين من الروح القدس فلن تضرهم، فالتعزيات التى يعطيها الروح للمتألم تعطيه أن يغلب التجربة ويستمر فرحه وسلامه، بل تكون التجربة سبب تنقية له.
أما فى السماء فلا توجد ضيقات ولا ألام، بل هناك لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شىء من الحر (آية 16). إذا نفهم أن الجوع والعطش والحر هم المنحت والإزميل (التجارب) فى يد الله حتى يهيىء عبيده كأحجار حية فى هيكل السماء. ولاحظ قول إشعياء "لأنه هكذا قال لى الرب إنى أهدأ وأنظر فى مسكنى كالحر الصافى على البقل كغيم الندى فى حر الحصاد" (اش4:18)، فالله للمؤمنين يكون حرا (تجارب) أو غيم الندى (تعزيات) حسب الحاجة، حتى يتم إعداد كل مؤمن للسماء، أما السماء فلا حر فيها ولا جوع.. فهناك الفرحة الحقيقية الكاملة الدائمة والمجد الأبدى. ونلاحظ أن الضيقات= الرِيَاحِ = هى فى يد الملائكة والذى يعطيهم الأوامر هو مَلاَكًا آخَرَ طَالِعًا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ = هو المسيح شمس البر (ملا2:4). مَعَهُ خَتْمُ اللهِ الْحَيِّ = فهو الذى يرسل الروح القدس للكنيسة (يو26:14) + (يو7:6). والخَتْمُ هو المسح بالميرون الذى ختمنا أيضا وأعطى عربون الروح فى قلوبنا (1كو22:1) + (اف30:4)، وهذا يعطينا راحة أن أقدارنا، أى ما يصيبنا من آلام وضيقات أو افراح، الكل فى يد الله فهو ضابط الكل، وهو الذى أحبنا حتى بذل الدم. ولا تصيبنا تجربة إلا بسماح منه وتكون لفائدتنا، وبقدر ما نحتمل (1كو13:10). فالله سمح للشيطان أن يجرب أيوب ولكن فى حدود سمح بها الله. والله لا يتركنا وحدنا فى التجربة بل روحه (الختم) يعزينا. أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ = رقم 4 يشير للعالم كله. فالله ضابط الكل، والعالم كله فى يده. والتجارب تشمل العالم كله. لذلك نجد الملائكة فى آية (1) وهم ممسكين بالرياح فالمسيح لم يعط الإذن لهم بعد. والرِيَاحِ = يثيرها ابليس رئيس سلطان الهواء (اف2: 2) وبها يحرك امواج بَحْرهذا العالم = اتباعه فى الارض ، ليهيجوا ضد الكنيسة .
آية (4):- "4وَسَمِعْتُ عَدَدَ الْمَخْتُومِينَ مِئَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، مَخْتُومِينَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ:"
144000 = هو عدد المختومين ولا يؤخذ حرفيا، فنحن سنجد فى أية (9) أن الواقفين أمام العرش، عدد لم يستطع أحد أن يعده. لذلك نفهم أن 144000 هو رقم رمزى = (12) كنيسة العهد القديم أى الأسباط × (12) كنيسة العهد الجديد أى التلاميذ × 1000 رقم السمائيين.
12= 3 (المؤمنين بالله المثلث الأقانيم وقاموا من موت الخطية ) × 4 (كل العالم).
12×12 = هم المؤمنين فى العهد القديم والمؤمنين فى العهد الجديد. فالكل فى المسيح صار واحدا. المسيح جعل الإثنين واحدا (أف 14:2).
1000 = الملائكة السمائيين فهم ألوف ألوف وربوات ربوات (رؤ 11:5).
والربوة = 10000 فيصير رقم 1000 ومضاعفاته يشير للسماء، والكنيسة التى فداها المسيح سماوية (أف 6:2).
12×12×1000 = 144000 = إشارة للكنيسة الواحدة الوحيدة التى جعلها المسيح واحدة بأن وحد الكل فيه، وجعلها سماوية. وذكر عدد معين 144000 يشير لأن العدد معروف بالواحد أما رقم 144000 فهو مجرد رمز له.
مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ = قطعا الكتاب لا يقصد إسرائيل بأسباطها كما عرفناهم فى العهد القديم، ولا إسرائيل الحالية:-
1. الأسباط لم يعد لها وجود، ولا أحد يعرف من أى سبط هو.
2. إسرائيل لم تعد شعب الله المختار، فهم كانوا مختارين ليأتى المسيح منهم. وبعد ان أتى المسيح فلم يعودوا كذلك، بل المختارين هم من آمنوا بالمسيح.
3. هم ليسوا بمختارين بعد أن رفضوا الإيمان بالمسيح وصلبوه.
4. الله الآن لا يفرق بين مؤمنين من أصل يهودى وآخرين من اصل أممى.
5. لو يقصد الأسباط بمفهومها اليهودى لذكر رأوبين أولا. ولكنه ذكر يهوذا أولا إشارة للمؤمنين بالمسيح الأسد الخارج من سبط يهوذا.
6. سفر الرؤيا سفر رمزى. والأسماء يستحسن أن تفهم بهذا المعنى فلنأخذ الأسماء بمعانيها.
إذاً إِسْرَائِيلَ الآن هى الكنيسة التى أسماها بولس الرسول إسرائيل الله (غل 16:6). وقوله مِنْ كُلِّ سِبْطٍ فلأنه سيذكر أسماء بعض الأسباط فى الآيات التالية. وأما اسماء الأسباط المذكورة فيستحسن أن نفهمها بمعانيها، فكل إسم يشير لصفة فى شعب الله أى كنيسة المسيح. ونلاحظ:-
1. إختفاء إسم أفرايم فهو سبب إنشقاق إسرائيل إلى مملكتين، فإفرايم إنشق على كرسى داود. وداود رمز للمسيح، ولا إنشقاق فى السماء، بل ستكون الكنيسة فى السماء كنيسة واحدة وحيدة.
2. إختفاء إسم دان: لسببين:
أ. معنى إسمه الله يدين، ولا دينونة الآن على الذين هم فى المسيح يسوع.
ب. قال بعض الآباء أن الوحش سيأتى من هذا السبط، وهو الذى سيضل الشعوب.
3. عوضا عن دان وضع إسم يوسف.
الآيات (5-8):- "5مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ رَأُوبِينَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ جَادَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. 6مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ مَنَسَّى اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. 7مِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ لاَوِي اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ يَسَّاكَرَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. 8مِنْ سِبْطِ زَبُولُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ."
12000 = 12 (شعب الله) × 1000 (الذين فى السماء) وصفاتهم
يَهُوذَا = يحمد. أى تحيا الكنيسة شاكرة مسبحة الله على عطاياه. ونلاحظ أن إسم يهوذا يتصدر القائمة، فمن هذا السبط جاء المسيح رأس الكنيسة. ولن يدخل السماء إلا كل من أمن به.
رَأُوبِينَ = أى إبن الرؤيا. فشعب الله فى السماء سيكون له نقاوة قلب تمكنه من رؤية الله. فنحن فى السماء سنرى الله وجها لوجه (1كو12:13) + (1يو2:3).
جَادَ = أى متشدد، فأولاد الله عاشوا فى جهاد متشددين بنعمته. وهم الآن فى السماء متشددين بالأكثر به وقد زال عنهم كل إستهتار.
أَشِيرَ = أى سعيد وهذه سمة السماء، أفراح أبدية.
نَفْتَالِي = أى متسع، فقلوب أولاد الله ، وبالأكثر السمائيين متسعة بالمحبة لكل واحد.
مَنَسَّى = أى ينسى، ففى السماء سننسى كل الآلام التى رأيناها على الأرض.
شَمْعُونَ = أى يسمع، ففى السماء سنسمع صوت الله واضحا بسبب نقاوة قلوبنا.
لاَوِي = أى إقتران. لقد صارت الكنيسة إمرأة الخروف فى السماء (رؤ 7:19).
يَسَّاكَر = أى الجزاء. لقد صارت السماء جزاء لمن غلب.
زَبُولُونَ = أى مسكن. لقد صارت السماء مسكنا لأولاد الله يسكن الله معهم (رؤ 3:21).
يُوسُفَ = أى يزيد وينمو. فنحن فى السماء سننمو فى معرفة الله.
بِنْيَامِين = أى إبن اليمين. وهذا مكان عروس المسيح، عن يمينه، فالملكة جلست عن يمين الملك. وهذا نصيب الخراف أن تكون عن اليمين (مت 33:25).
ونلاحظ أن كنيسة المسيح هى من مشرق الشمس إلى مغربها آية (9) لذلك نفهم أنه إذا كانت الكنيسة المخلصة من كل الأمم والقبائل والشعوب، فأسماء الأسباط المذكورة سابقا لا تعنى إسرائيل بمفهوم العهد القديم، فالعالم كله دخل الإيمان وصار وارثا للمواعيد. بل كما فى آية (9) من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة.
أية (9):- "9بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ"
إبتداء من هنا نرى صورة للكنيسة السماوية وأنها مفتوحة لكل العالم. وهم بِثِيَابٍ بِيضٍ = رمز النقاوة والبر فقد غفرت خطاياهم بكفارة دم المسيح. وهذا ما تم شرحه فى آية (14). ونحن نحصل على هذه الثياب البيض بالمعمودية ونحافظ عليها بيضاء بالتوبة والإعتراف. وقبل كل ذلك بالإيمان بالمسيح كمدخل للمسيحية. سَعَفُ النَّخْلِ = هو علامة معروفة عند اليهود تعنى الفرحة والإنتصار والتهليل. وكانوا يستخدمونه فى عيد المظال أبهج أعيادهم علامة على فرحتهم بوصولهم إلى وطنهم (أرض الميعاد) الذى أعطاه الله لهم (لا40:23) وإستعملوه يوم دخول المسيح لأورشليم. فيصبح معنى وجود سعف النخل فى السماء:
1. فرحة المخلصين بدخولهم أرض الميعاد السمائية. (المعنى من عيد المظال).
2. فرحتهم بملك المسيح عليهم (المعنى من يوم دخول المسيح إلى أورشليم).
الآيات (10-13):- "10وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ:«الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ». 11وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا ِللهِ 12قَائِلِينَ:«آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ!» 13وَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ قَائِلاً لِي:«هؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَوْا؟»"
فرحة السمائيين تظهر فى تسابيحهم. وستكون هذه هى حياتنا فى السماء، أفراح وتسابيح لأجل الخلاص الذى تم ويشاركنا فى هذا الفرح الملائكة، ونحن نشارك الملائكة فى تسابيحهم. هم يفرحون لخلاصنا (رؤ10،9:5) ونحن نفرح ونسبح معهم.
آية (14):- "14فَقُلْتُ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَعْلَمُ». فَقَالَ لِي:«هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ"
أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَة= أى العالم الذى كانت تهب عليه رياح التجارب والآلام والضيقات. "ومن يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت13:24) . وينتقل من صفوف الكنيسة المجاهدة إلى صفوف الكنيسة المنتصرة، بعد أن إستخدم الله هذه الضيقات فى إعداده كحجارة حية فى الهيكل السمائى. ولكن هل الضيقات تنقى وتلبسنا ثيابا بيض؟ حاشا. وإلا لماذا كان دم المسيح. وهذا ما نراه فى بقية الآية.. فدم يسوع هو الذى يطهرنا من كل خطيئة (1يو7:1). = غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ.
والآن إذا كان دم المسيح هو الذى يلبسنا الثياب البيض، فما لزوم الضيقة؟
لقد ولدنا وفى داخلنا محبة للعالم تجعلنا ننجذب للعالم تاركين الله. ولذلك قال معلمنا يعقوب إن محبة العالم عداوة لله (يع4:4). والله من محبته يسمح بهذه الضيقات لنزهد فى محبة العالم، كما قال القديس بطرس "إن من تألم فى الجسد كف عن الخطية" (1بط1:4) . وبولس اسلم الزانى للشيطان ليهلك الجسد فتخلص الروح فى يوم الرب (1كو 5: 5 ) وكان هذا اسلوب الله مع ايوب لينقيه ومع بولس ليحميه من الانتفاخ. ليس هذا فقط، فالمتألم يرتمى فى أحضان المسيح، فيطهره دم المسيح. ولاحظ أن من لفت إنتباه يوحنا لهؤلاء اللابسين ثيابا بيض كان أحد القسوس، إذ سأله عنهم ليثير إنتباهه فيسأله بدوره من هم ومن أين أتوا (13).
آية (15):- "15مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ."
نَهَارًا وَلَيْلاً = السماء ليس فيها ليل، لكن المعنى هو الخدمة بلا توقف وسر فرح السمائيين وجود الله وسطهم = يَحِلُّ فَوْقَهُمْ ويرعاهم = أى يظلل عليهم فى حنان "كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها" (مت37:23). هو كان الراعى الصالح على الأرض وسيستمر فى رعايته لنا فى السماء. والكل صار خاضعا له فى حب بلا عصيان. ولكن قوله يحل فوقهم يذكرنا بالكاروبيم الذى يجلس الله عليه. هنا رأينا أن البشر فى السماء تحولوا لمركبة كاروبيمية فالله يستقر الآن على البشر كما على الكاروبيم.
الآيات (16-17):- "16لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، 17لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ»."
يَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ حَيَّةٍ = أى الإمتلاء من الروح القدس فما نحصل عليه الآن هو العربون (2كو22:1)، أما ما نحصل عليه فى السماء فهو الإمتلاء الكامل وبالتالى الإمتلاء من كل ثمار الروح بتمامها فنحيا للأبد فى فرح عجيب ومحبة كاملة لم نتذوقها على الأرض، وكذلك سلام عجيب.
قال أحد القديسيين "لى إشتهاء أن أذهب إلى السماء، فإن كنت هنا يمكننى الفرح إلى هذه الدرجة فكم وكم يكون الفرح هناك" وما يعطلنا هنا عن تذوق هذا الفرح هو الخطية ونسيان الجهاد، فلنجاهد بصبر وتغصب ونترك الخطية فنبدأ فى تذوق الأفراح السماوية.
يَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ= المعنى المباشر أنه لا دموع فى السماء بل أفراح أبدية. ولكن هل هناك دموع هناك ليمسحها الله؟ قطعا لا ولكن هذه تعنى أن من يذهب إلى هناك سيجعله الله ينسى تماما كل ألامه التى كان يعانى منها فى العالم، لا يعود يذكرها ولا تعود تسبب له ألم (يو21:16). فنحن هنا على الأرض قد لا ننسى جرحا لمشاعرنا لسنين طويلة وربما العمر كله. ولكن الله سيجعلنا ننسى كل الجروح وكل أثار الآلام التى عانينا منها على الأرض.
ولنلاحظ أن من فى السماء لن يجوع ولن يعطش لأن الروح القدس يرويه من حياة الله وروح الله أى الينابيع الحية. راجع (رؤ1:22) هناك لا شعور بالإحتياج بل شبع كامل وراحة كاملة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع
ختم المؤمنين
مقدمة الأصحاح السابع : جاء هذا الأصحاح إعتراضياً بين الأصحاح السادس الذي فتحت فيه الأختام الستة والأصحاح الثامن الذي يتكلم عن فتح الختم السابع والأخير ، ولما كان آخر ما جاء بالختم السادس مخيفاً وما سوف يعلن أيضاً في الأصحاح الثامن مهيباً جاء الأصحاح السابع بينهما ليطمئن أولاد الله ويحدثهم عن علامة يختصوا بها وكذلك صورة من صور ميراثهم السمائي .
(1) ختم أولاد الله ( ع 1 - 8 ) :
ع 1 : سمح الله للقديس يوحنا أن يرى منظراً آخر قبل فتح الختم السابع .. فنظر وشاهد أربعة ملائكة على زوايا الأرض الأربعة وكأنَّ الأرض قد صارت أمامه مسطحاً مربعاً . ممسكين أربع رياح الأرض : لا نعلم كيف يمسك الملاك رياحاً ... ولكن يوحنا شاهد وعرف بالروح وكتب ما شاهده ؛ والمعنى هنا أنَّ كل شئ خاضع لسلطان وأمر الله الذي أوكل ملائكته لتنفيذ مشيئته في الحفاظ على الأرض من الرياح العاتية والتي قد تأتي من أي إتجاه وهي إن أطلقها تقتلع كل الأشجار وتفيض بسببها البحار وتشتد الأعاصير العاتية التي تنهي الحياة على الأرض . ريح : ترمز لعدل الله في معاقبة الأشرار .
ع 2 ، 3 : ملاكاً آخر طالعاً من مشرق الشمس : أقر معظم الآباء أنَّ هذا الملاك هو منظر جديد للمسيح في رؤيا يوحنا وذلك للآتي :
(1) خروجه من مشرق الشمس فهو " نور من نور " وهو " نور العالم " .
(2) معه ختم الله ، فوجود ختم الملك في يده معناه أنه له نفس سلطان الملك .
(3) هو من نادى وأمر الملائكة بألاّ يضروا الأرض وهذا من سلطانه وبمشيئته .
وهناك رأي آخر يقول أنه أحد الملائكة ولكن من الرتب الرئاسية والعليا لها .
خرج المسيح في منظر بهيّ من مشرق الشمس حاملاً سلطان الله أبيه وختم الحي ( الروح القدس ) ، وأعطى أمراً إلى الملائكة الأربعة الماسكين أربع رياح الأرض بأن يظلوا كما هم ممسكين بالرياح فلا يحدث ضرراً على الأرض أو أذى لأحد حتى يتم ختم كل عبيد الله بالختم الحي وهو مسحة الروح القدس الممنوحة لنا في زيت الميرون المقدس بالرشم على جباهنا وأجسادنا . أعطوا أن يضروا : ليس معنى هذا أنَّ لهم سلطاناً أن يفعلوا هذا بمشيئتهم ، فالمشيئة هنا لله وحده وأمره المطلق ، أما كلمة " أعطوا " فمعناها أنَّ الله خلقهم بقدرة خاصة على الإتيان بذلك عند أمره لهم . ونستخلص من هذين العددين أنَّ الضربات الأخيرة لن تأتي قبل أن يميز الله أولاده عن الأشرار حتى لا يضرهم شئ ( راجع مثل الزوان والحنطة في مت 13 : 30 ) .
+ أخي الحبيب .. ما أعظم المسحة التي مسحنا بها في سر الميرون المقدس وسكن بها الروح القدس في داخلنا فصرنا مختومين لله نحمل إسمه كأبنائه ونتحرك كهياكل حية مقدسة ، وبعضنا لا يدرك عظم هذه الهبة والمسئولية ، فليتنا نسارع جميعاً بالإستماع إلى القديس بولس حينما يحذرنا ألاّ نطفئ الروح ( 1تس 5 : 19 ) أو نحزنه ( اف 4 : 30 ) ، فاسرع دائماً بالتوبة يا صديقي حتى تتمتع بعمل الروح الإلهي بداخلك .
ع 4 : سمعت : أي أنَّ القديس يوحنا لم يرى المؤمنين أثناء ختمهم ولكنه علم بالسمع من أحد الملائكة . مئة وأربعة وأربعين ألفاً : المعنى والأرقام هنا ذات معاني روحية رمزية ، فهذا الرقم هو حاصل ضرب 12 سبطاً من كنيسة العهد القديم 12 تلميذاً آباء كنيسة العهد الجديد ألف ، ورقم الألف هنا يشير إلى الكمال السمائي ... والرقم في مجمله يعني أنَّ كل من انتظر بالرجاء فداء الإبن من شعب الله قديماً وكل من قبل فدائه ببشارة الإنجيل والرسل في كنيسة العهد الجديد صار من المختومين أمام عرش الله والمستمتعين به . كل سبط .. بني إسرائيل : بالطبع كلمة إسرائيل هنا تأتي بمعناها الروحي ، فليس معقولاً أنَّ اليهود الذين رفضوا ولم يقبلوا الإيمان به هم " المختومين " وهم نفسهم الذين أذاقوا الكنيسة الوليدة أهوالاً من العذاب والإضطهاد ... ومما يؤكد أنَّ الكلام هنا روحي أنه ذكر كلمة أسباط ونحن نعلم أنه لا توجد حالياً أية أسباط بإسرائيل ، فلم يعودوا يحفظون أنسابهم أو أسباطهم .
ع 5 - 8 : يبدأ القديس يوحنا في هذه الأعداد الأربعة تفسير وتفصيل ما أجمله في العدد السابق . فيوضح أنَّ عدد المئة وأربعة وأربعين ألفاً هم إثنا عشر ألف مختوم من عدد أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر .. ويهمنا هنا أن نشير إلى الآتي ...
(1) لم يراعى في ترتيب الأسباط هنا الترتيب الزمني كما فعل يعقوب عندما ذكر أسماء أبنائه بالترتيب الزمني لولادتهم ( تك 49 ) فبدأ ببكره رأوبين .
(2) لم يُذكر سبط " دان " لأنه عَبد الأوثان في الأرض التي امتلكها ( قض 18 : 29 - 31 ) ، وهكذا يكون كل من بعد عن عبادة الله بعبادة غريبة ، يمحى إسمه من سفر الحياة ( تث 29 : 18 - 25 ) ، وكذلك أيضاً جاء في تقليد يهودي قديم أنَّ ضد المسيح سوف يأتي من سبط دان . ( إيريانوس ضد الهرطقات 5 : 30 ) .
(3) ذكر يوسف كسبط بدلاً من سبط أفرايم إبنه ، لأنَّ سبط أفرايم سقط في عبادة الأوثان وتحالف مع الأعداء ضد يهوذا ( اش 7 : 17 ) ورفضهم الرب من أمامه ( ار 7 : 15 ) .
(4) يوسف لم يكن له سبط إذ عِوض أمانته قديماً أخذ ضعفاً عن إخوته في نصيبين كاملين لأولاده فصار إبنه " منسى " سبطاً ، وإبنه " أفرايم " سبطاً ... وها هو الآن يأخذ أمام الله نصيباً كاملاً ، وفي هذا معنى وتعليم روحي يذكرنا بما قاله السيد " من له سيعطَى ويُزاد " ( مت 13 : 12 ) ، " كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير " ( لو 19 : 17 ) .
(5) يلاحظ أيضاً أنَّ سبط لاوي الذي لم يذكر بعد الشريعة كسبط مستقل ولم يرث نصيباً في الأرض لأنه سبط الخدمة ... ، يمثل الآن أمام الله نظير خدمته وهي خدمة الكهنوت الجليلة أمام الله .
+ ليتنا إذاً نتعلم أن نجتهد بقدر طاقتنا فنحصل على ما حصل عليه يوسف أي ضعفين ولا نتهاون فنصير مثل " دان " أو " إفرايم " اللذين خسرا كل شئ .
(2) كنيسة السماء ( ع 9 - 12 ) :
ع 9 : بعد هذا : ننتقل إلى رؤية جديدة فالمنظر الأول كان يتطلع فيه القديس يوحنا على الأرض .. أما هنا فإنه يستكمل رؤياه في السماء وإن كان الموضوع واحداً فالأول كان الكنيسة المختومة وهنا الكنيسة المنتصرة . جمع كثير : منظر مبهج هذا الذي رآه القديس يوحنا فالعدد هنا غير محصور .. وهو أمر يدفع في قلب الكنيسة المجاهدة على الأرض كل الرجاء ... فبالرغم من كثرة الحروب الروحية وعنف الشيطان وكثرة الإغراءات ... هناك عمل نعمة الله المخلصة ، ورغم أنف الأعداء الذين يضطهدون الكنيسة بغرض إفناء إيمانها نجد أنَّ الذين يدخلون السماء لا حصر لهم ، فالله هو الحافظ لها والمظلل عليها . كل الأمم ... الألسنة : تدبير خلاص الله ليس مقصوراً على شعب دون آخر ، فالله أتى وتجسد من أجل فداء كل البشر فكل من يقبل فداءه ويتمسك بالإيمان المستقيم سوف يرث ويقف أمام الجالس على العرش والخروف المذبوح ، فلا تمييز في السماء بين لون أو جنس أو لغة ، أليس هو من " يريد أنَّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون " ( 1تي 2 : 4 ) ؟ .. ثياب بيض : ترمز للطهارة والقداسة ، فالسماء لا يدخلها غير الطاهرين أما القداسة فيكتسبها الإنسان بقربه من الله . سعف النخل : لا توجد أمور مادية في السماء ، ولهذا فسعف النخل هنا هو منظر روحاني ينم على النصرة والغلبة ، إذ اعتاد الناس إستقبال مواكب المنتصرين من القادة بعد الحروب بسعف النخل ، راجع أيضاً ( يو 12 : 13 ) . رأى القديس يوحنا جمع كبير لم يستطع حصره من شعوب الأرض المختلفة في طهارة وفرح ونصرة .
+ تشجع أيها الحبيب ... لأنَّ لك مكاناً في السماء حيث المجد ، فإحرص كل الحرص ألاّ يسرق أحد منك إكليلك .
ع 10 : وهم يصرخون : الصراخ بصوت عظيم هنا هو صراخ الفرح والتهليل والتسبيح ، فهم في حالة من الفرح الغير قابل للتخيل ، وكيف لا يكون هذا وهم غالبون مستمتعون برؤية فاديهم ومخلصهم !؟! .. الخلاص لإلهنا : وهو نشيد التسبيح والنصرة فهم يعلنون في نشوة فرحهم الدائم سر هذه السعادة .. وهذه التسبحة لها معنيان :
الأول : بمعنى النصرة لإلهنا ، الكليّ القدرة ، الغالب والذي خرج ليغلب ( رؤ 6 : 2 ) فقد غلب الشيطان وقيده وسلبه سلطانه ( لو 10 : 18 ) ، وغلب الموت وداسه ( 1كو 15 : 55 ) وأفرج عن كل من قبض عليهم في الجحيم وأخرجهم إلى الفردوس ( اف 4 : 9 ) .
والمعنى الثاني : أنَّ إلهنا هو سر خلاصنا فما كنا نخلص بدونه ، بمعنى أنَّ الله أعطاهم الخلاص وهم يردون الفضل لصاحبه ، فيشكرونه إذ أتمَّ نصرتهم .
الجالس على العرش والخروف : أي أنَّ التسبحة تقدم للآب والإبن بنفس المقدار وهذا دليل على المساواة بين الأقنومين .
ع 11 ، 12 : إشتركت كل الخليقة السمائية بكل طغماتها ( درجاتها ) في التسبيح والسجود المنسحق المبهج أمام الله وقدمت له في تسبيحه صفات العظمة والإكرام السبعة والدالة على كمال صفاته ... وقد ذكر شرح كل ذلك بالتفصيل في ( ص 4 : 10 - 11 ) ، ( ص 5 : 12 - 14 ) .
(2) تفسير الشيخ ( أحد القسوس ) ( ع 13 - 17 ) :
ع 13 : أراد الله للقديس يوحنا ولنا أيضاً ألاّ يكتفي بمشاهدة المنظر الرائع بل أن يعرف أيضاً بعض أسراره ، ولهذا تقدم إليه أحد الأربعة والعشرين قسيساً بسؤال الغرض منه حث القديس يوحنا للمعرفة فكان سؤاله بمعنى هل تعلم من هم هؤلاء المتسربلين بثياب بيض وما سرهم ولماذا هم وقوف ههنا ؟! ، ولأنَّ القديس يوحنا لا يعرف كل الأسرار أجابه بأدب واحترام " يا سيد أنت تعلم " ( ع 14 ) . وهو اتضاع يعلمنا أن نرجع بالسؤال لقسوس الكنيسة وأبائها فيما يعسر علينا فهمه أو تطبيقه .
ع 14 : أجاب هذا القسيس السمائي على القديس يوحنا بالآتي :
أتوا من الضيقة العظيمة : الضيقة هنا قد تكون الضيقة التي يتعرض لها كل إنسان مسيحي على مستوى حياته الخاصة في اضطهاد أو تجربة يحتملها بشكر ، أو اضطهاد يمر على الكنيسة كلها ويصل إلى حد الإستشهاد من أجل الإيمان ، وقد تكون الضيقة العظمى هنا إشارة إلى فترة وجود ضد المسيح على الأرض والحروب والضيقات التي ستصاحب وجوده . والمعنى الروحي هو ما سبق وأعلنه السيد المسيح مراراً ، من وجوب وجود الضيق في العالم ( مت 24 : 9 ) ، ( يو 16 : 3 ) ، وما أكده القديس بولس أيضاً أنَّ الألم والضيق هما ثمن المجد المستعلن فينا أمام الله ( رو 8 : 17 ) .
غسلوا ثيابهم ، بيضوا ثيابهم : غسلوا وبيضوا فعلان متلازمان ، فالغسل يقود للبياض والمعنى هو أنَّ هؤلاء المنتصرين على الضيقة العظمى كان سر طهارتهم وقداستهم ونصرتهم هو دم الخروف ، فلا قوة لإنسان مسيحي بعيداً عن دم المسيح فالخلاص والثبات والطهارة أساسه " دمه الكريم " . والغسل والتبييض يذكرنا بسرين متلازمين من أسرار الكنيسة ، فالأول هو الإغتسال من الخطية في سر الإعتراف ، إذ يقرأ الكاهن الحِل ، فيطرح وسخ الخطية من على المعترف التائب ، ويتم التبييض بالفعل في دم الإبن الوحيد فيخرج الإنسان بعد التناول طاهراً نقياً ، إذ صار متحداً بجسد المسيح ودمه الأقدسين .
+ علينا جميعاً ألاّ تخور عزائمنا أمام الضيق والألم ... فمهما اشتدت علينا الآلام فلننظر للسماء ونثق أنَّ لنا إكليلاً فما رآه إسطفانوس وقت استشهاده من جمال للسماء جعله يستهين بالألم الوقتي المحدد أمام المجد الغير محدود ( اع 7 ) .
ع 15 : من أجل هذا : أي من أجل أنهم إجتازوا الضيقة العظيمة ولم يخوروا ، وكذلك تطهروا بدم الخروف الذي يطهر من كل خطية ( 1يو 1 : 7 ) . هم أمام عرش الله : وهي أغلى وأعظم مكافأة أن يقف الإنسان في حضرة الله يقدم التسبحة مع السمائيين بلا انقطاع ، فلقد صار جزءاً من السماء والخليقة السمائية نفسها ، وكلمة " في هيكله " هي للدلالة على الإقتراب المطلق من الذات الإلهية الغير محدودة بالرغم من كثرة الأعداد الغير محصورة ( ع 9 ) ، فكل واحد سيكون قريباً من الله مستمتعاً به داخل هيكله .
ملاحظة : كلمة " هيكل " هنا لا تشير إلى مكان محدود ، فالله لا يحده مكان وكذلك تعبير الجالس على العرش .. فالمعنى هنا روحي والمنظر يُقدّم لنا بقدر ما يستطيع العقل البشري استيعابه .
يحل فوقهم : في اللغة اليونانية " يظللهم " وهو تعبير أقوى من معنى الوجود الدائم أمام الله ، إذ يعني الإحتواء الإلهي والإحاطة والحفظ لكل نفس أكملت جهادها وصار لها مكاناً أمام العرش وداخل الهيكل .
+ أخي الحبيب إنَّ وقوفنا في الكنيسة ورؤيتنا لهيكلها ومذبحها يذكرنا بهذا المشهد السمائي الرائع ، بل أنَّ الكنيسة أثناء القداس هي السماء بعينها وأنت مدعو للتمتع بالسماء هنا في الكنيسة لتقف أمام الحضرة الإلهية التي سوف نستكملها بنعمة المسيح في ملكوته الأبدي . فلا تدع الكسل أو أي معوق آخر يبعدك عمَّا أنت مدعو إليه .
ع 16 : لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا : يستمر القديس يوحنا في وصف حال السعادة التي يشعر بها الغالبون ، وكلمة لن يجوعوا أو يعطشوا معناها الأول شبعهم بالمسيح والذات الإلهية وهم في حالة من الإرتواء الروحي الدائم ، فلا تعود أحاسيس الجسد تشغلنا أو تضايقنا فلا يوجد شئ يقلل من بهاء التمتع بالله . وكلمة " بعد " تقودنا لمعنى آخر وهو أنَّ هؤلاء قد تعرضوا للتعذيب بالجوع والعطش من أجل الإيمان وحب الله ، أو كانوا جياع وعطاش للبر في المسيح ( مت 5 : 6 ) والآن جاء زمن تعويضهم عن كل معاناة ، فالله في عدله لا ينسى تعب أحد ، بل يرد له مئة ضعف ، ومما لا شك فيه أنَّ تعويض السماء لا يقارن بأي تعويض على الأرض . لا تقع عليهم شمس ولا شئ من الحر : أي لن يكون عليهم أي ثقل جديد من التجارب ، فسليمان يصف التجارب بالشمس الحارقة ( نش 1 : 6 ) ، وكذلك لا تكون هناك مضايقات جديدة " حر " ؛ وكيف يكون هذا والله بنفسه يظللهم ويسترهم ويرعاهم ( ع 15 ) .
ع 17 : إنتهى الأصحاح السابق بحديثه عن " يوم غضب الخروف " وانتقامه من الأشرار ( ص 6 : 17 ) ، وهنا تختلف الصورة تماماً مع أبنائه القديسين ، فهو يرعاهم بنفسه ويقدم ذاته لهم وفي صورة جميلة وبلاغية وبأسلوب يسهل على البشر تخيله ، ويقدم لنا بعضاً من هذه الصور .
يقتادهم إلى ينابيع ماء حية : ترتبط هذه الآية بما جاء في ( ع 16 ) " لن يعطشوا " ... فالسر في عدم عطشهم هو ارتوائهم بينابيع روحية لا تنضب ولا تجف إذ صار المسيح وحده مصدرها ، وهذا يكشف لنا سراً جديداً من أسرار الأبدية ... فهناك ننهل ونأخذ وننمو .. فالأبدية ليست مشهداً ساكناً ، بل هي انفعال روحي دائم ينقلنا من كمال إلى كمال .
ويمسح الله كل دمعة من عيونهم : وهذا يعود بنا إلى عدل الله وتعويضه عن كل تعب وكل ألم إحتمله أبناؤه في أثناء حياتهم على الأرض ، ... فتشجع أيها الحبيب واحتمل بشكر كل ما تمر به ، فما أجمل هذه الصورة الروحية الرائعة إذ يمد المسيح يده الحانية ليربت علينا ويمسح دموع أعيننا ... ومن المعروف بالطبع أنه لا توجد دموع حقيقية في الأبدية ، فالأجساد روحية نورانية ولكن المعنى هو معنى جميل يعبِّر عن حنان الله وعطفه وتعويضه لأولاده عن كل الآلام .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح