كلمة منفعة
كثيرون يبحثون عن المنفعة من الكلمة.. فإن لم يقرأوها ويسمعوها، يشعرون أنهم لم ينتفعوا!!
— كلمة منفعة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 6 الرؤيا الإصحاح رقم 6 الختوم السبعة مقدمة عن السلاسل الثلاث في هذا الأصحاح حتى الأصحاح العشرين نجد التنفيذ العملي لعمل الله مع شعبه، ومناهضة إبليس لأولاد الله، وتأديبات الله للأشرار من أجل توبتهم. لهذا يذكر الرسول ثلاث سلاسل سباعية متعاقبة تتحدث عن: 1. سبعة ختوم: الكنيسة المتألمة منذ نشأتها إلى يوم لقائها مع الحمَل. 2. سبعة أبواق: إنذارات الله منذ نشأة الكنيسة إلى يوم الدينونة. 3. سبعة جامات: غضب الله لتأديب البشر في فترة ضد المسيح إلى يوم الدينونة. 1. في السلسلة الأولى يفتتح الحمل بنفسه الختوم حتى تطمئن عروسه المتألمة أنه لن يصيبها إلاّ ما هو بسماح منه قدر ما تحتمل. ويلحق الختم السادس بالمختومين ومنظر الكنيسة في الأبديّة، ليكشف لها عن اهتمامه بها على الأرض إذ هي محصية ومحفوظة، وفي الأبديّة تتمتع بأمجاد تبتلع ذكريات الآلام التي حلت بها. 2. في السلسلة الثانية نجد إنذارات الله للبشر، وقد بدأت بالسكوت لكي يُبكم كل ضوضاء حتى يُنصتوا لإنذاراته المبوّقة على فم ملائكته. 3. يعقب هذه السلسلة الثانية ظهور المرأة العظيمة وأعدائها الثلاثة معلنًا شدة العداوة بين الكنيسة وإبليس التي بدأت منذ آدم كأول عضو في الكنيسة، وتبقى حتى ضد المسيح كآخر مرحلة يبث فيها إبليس كل سمومه في العالم خلال ضد المسيح. 4. وفي السلسلة الثالثة يسكب الله جامات غضبه في فترة ضد المسيح حتى يتوبوا ولا ينخدعوا بأضاليل إبليس. 5. وأخيرًا يلحق السلسلة الثالثة بالكشف عن عظمَة المرأة الزانية الفارغة التي تنتهي بهلاكها مع عشاقها الأشرار. بهذا ينتهي هذا القسم ليكشف لنا عن "مجد أورشليم السماوية". الأصحاح السادس : عمل الله في كنيسته المتألمة 1. الكنيسة المتألمة (تحت رعاية الفارس) الختوم الأربعة. (1 - 8) 2. الكنيسة في الفردوس (تحت المذبح) الختم الخامس. (9 - 11) 3. مجيء عريس الكنيسة كديّان للأشرار الختم السادس. (12 - 17) 1. الكنيسة المتألمة "ونظرت لما فتح الخروف واحدًا من الختوم السبعة، وسمعت واحدًا من الأربعة المخلوقات الحية قائلاً كصوت رعد: هلم وانظر. "فنظرت وإذا فرس أبيض، والجالس عليه معه قوس، وقد أعطي إكليلاً، وخرج غالبًا ولكي يغلب" [1-2]. رأى الرب، عريس الكنيسة، أن فرسانًا ثلاثة خارجون لمقاومة عروسه، لهذا ظهر ذلك الحمل الوديع والأسد الغالب فارسًا غالبًا ولكي يغلب. عندما يراه كأسدٍ يخرج إليه كأسد، وإذ يراه كفارسٍ يخرج إليه كفارس يقاتله. فتح العريس الختم الأول، وسمع الرسول المخلوق الحي الأول الذي على شبه أسد يزأر بصوت رعد قائلاً: "هلم وأنظر". وخرج الحمل نفسه فارسًا يجلس على فرس أبيض، وقد خرج "غالبًا" بطبعه، إذ ليس فيه هزيمة قط. "ولكي يغلب"، أي يغلب بنفسه في كنيسته، في أولاده، لأننا به نغلب إبليس، وهو يغلب فينا. فكل نُصرة لنا تُنسب لمسيحنا لأنها تتحقق به ولحسابه. خرج الرب جالسًا على فرس أبيض، وقد أجمع الشهيدان أغناطيوس وبوليكربوس والبابا ديونيسيوس وإيريناؤس بأن الفرس الأبيض هو جماعة الرسل والمبشرين بكلمة الإنجيل، حاملين شخص الرب، منتصرين به على قوات الظلمة. يشبهون الفرَس بشجاعتهم وعدم مهابتهم الموت (زك 10: 3)، وبسرعة حركتهم تخرج أصواتهم إلى كل الأرض (مز 18: 6)، وطاعتهم بكل كيانهم لفارسهم. يشبهون بفرس أبيض لأنه مُبهج للنظر. هكذا هم مبهجون للنظر، لأنهم مملوءون فرحًا وسرورًا. يُدعون للفرح بالمخلِّص في أشد لحظات ضعفهم، ويرافقهم بسرورٍ حتى مع دموع توبتهم، يملأهم السلام الداخلي في فترات المحن. وسرّ هذا كله وعد الرب لنا: "ثقوا أنا قد غلبت العالم". والأصل اليوناني ترجمته "افرحوا أنا قد غلبت العالم". هذا الغالب معه "قوس" الذي هو كلمة الكرازة التي يصوبها الكارز في قلب السامعين، فتحطم قوى الشر وتبتر منه كل ما هو من إبليس. "وقد أعطي إكليلاً"، إذ هو ملك الملوك لا يكف عن أن يملك في كل قلب، ويهب أكاليل للبشرية المنتصرة به. الفرسان الثلاثة "ولما فتح الختم الثاني سمعت المخلوق الحي الثاني قائلاً: هلم وأنظر. فخرج فرس آخر أحمر، والجالس عليه أُعطي أن ينزع السلام من الأرض، وأن يقتل بعضهم بعضًا، وأعطي سيفًا عظيمًا. ولما فتح الختم الثالث سمعت المخلوق الحي الثالث قائلاً: هلم وأنظر. فنظرت وإذا فرس أسود، والجالس عليه معه ميزان. وسمعت صوتًا من وسط الأربعة المخلوقات الحية، قائلاً: ثُمنية قمح بدينار وثلث، وثماني شعير بدينار، وأما الزيت والخمر فلا تضرَّهما. ولما فتح الختم الرابع سمعت صوت المخلوق الحي الرابع، قائلاً: هلم وأنظر. فنظرت، وإذا فرس أخضر، والجالس عليه اسمه الموت، والجحيم يتبعه، وأُعطيا سلطانًا على ربع الأرض أن يقتلا بالسيف والجوع والموت وبوحوش الأرض" [3-8]. هذه هي الآلام التي يسمح الله بها لكنيسته وسط العالم. إنها كالعاصفة التي تهز الكرمة حتى تبدو كأنها كادت تجف، لكن الحقيقة أنه تتساقط منها الأوراق الصفراء غير المرتبطة بها فقط، بينما يزداد الساق صلابة والجذور عمقًا. وترتيب الفرسان الثلاثة يتفق بما أنبأنا به الرب عن حدوثه في (مت 24؛ مر 13). وفيما يلي ملخص لتفسير بعض الآباء لهذه الفرسان الثلاثة. الفرس الأحمر: الحروب (مت 24: 7؛ لو 21: 9-14)، كما يشير إلى سفك الدم (اضطهاد اليهود والوثنيين للكنيسة). الفرس الأسود: المجاعات (مر 13: 8)، كما يشير إلى ظهور المبتدعين، وحدوث مجاعة في المعرفة. الفرس الأخضر: الموت (مت 24: 5) كما يشير إلى ظهور ضد المسيح، وما يسببه من موت للأرواح. أ. الفرس الأحمر: يقول الأسقف فيكتورينوس إنه يشير إلى حدوث قلاقل وحروب يسبقها إهانات وطرد الكارزين بالحق (لو 21: 9-14). وقد احتملت الكنيسة الأمرين من اليهود ومن الدولة الرومانيّة. وفي هذا كله لم تفقد سلامها الداخلي ولا خسرت بهجتها ورجاءها، بل أُعطى للشيطان أن ينزع السلام الخارجي فقط وأن يقتل كثيرين من أولادها عن طريق إخوتهم في الإنسانيّة، وكان بحق سيفًا عظيمًا! ب. الفرس الأسود: وهو المجاعات التي يسمح بها الله وتشير إلى فترة البدع والهرطقات التي تسبب مجاعة في معرفة الحق وتذوقه. ويرى الأسقف فيكتورينوس أن هذه المجاعة هي حقيقة واقعة تحدث في أيام "ضد المسيح" لأجل التأديب. ونلاحظ أن الفارس يمسك بميزان، وهذا يشير إلى شدة القحط كقول الكتاب: "هأنذا أكسر قوام الخبز في أورشليم، فيأكلون الخبز بالوزن وبالغم، ويشربون الماء بالكيل والحيرة" (حز 4: 16). وثمنية القمح وهي أقل من كيلو (وحدة يونانية) لا تكفي الإنسان خبز يومه، ثمنها دينار وهو كل أجرته طوال اليوم (مت 20: 2)، فكيف يأكل ويعول زوجته وأولاده! أما "الزيت والخمر" فلا يضرهما، وهما يشيران إلى البهجة التي تعم في أيام الأعياد (مز 23: 5). وهذا إشارة إلى حفظ السلام الداخلي للكنيسة وبهجتها بالرغم مما تعانيه من مرارة من الهراطقة أو ما تعانيه من مجاعة لأمور عادية وقحط حتى في قوت يومها. ويشير "الزيت" إلى الروح القدس، و"الخمر" إلى الحب. وكأن أولاد الله الذين يعمل فيهم روح الرب المملوءين حبًا لا يؤذيهم ضيق أو جوع مهما اشتد! ج. الفرس الأخضر: وكما يقول ابن العسال إنه ملاك دولة ضد المسيح، وهو ملاك الموت، وراكبه الموت والجحيم الذي يُوهب سلطانًا للقتل بالسيف وبالجوع وبالموت وبوحوش الأرض. فهو لا يكف عن استخدام كل وسيلة لإماتة كل نفس باستقصائها عن الله مصدر حياتها. وستهرب الكنيسة إلى الجبال والبراري، وهناك تلتقي بوحوش البرية، إذ يتعقبها أتباع ضد المسيح حتى في الجبال والبراري. وكأني بها ترتمي منبطحة على الأرض معاتبة عريسها مع إيليا القائل: "قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (1 مل 19: 10). ويقول الرب نفسه: "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب، حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا" (مت 24: 24). وسيعود سفر الرؤيا ليكرس أصحاحات كثيرة تكشف عن خطورة ضد المسيح وعمله وخداعه وحربه ضد الكنيسة الخ. 2. الكنيسة في الفردوس "ولما فتح الختم الخامس، رأيت تحت المذبح نفوس الذين قُتِلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم. وصرخوا بصوت عظيم قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟ فأُعطوا كل واحد ثيابًا بيضًا، وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا أيضًا، حتى يكمل العبيد رفقاؤهم وإخوتهم أيضا العتيدون أن يُقتَلوا مثلهم" [9-11]. بعد ما كشف الرب لكنيسته خلال الأختام الأربعة ما يسمح لها به من مرارة من اليهود والوثنيين والهراطقة وضد المسيح، كان لا بد أن يكشف لها حال المنتقلين طوال فترة غربتنا على الأرض. 1. من هم؟ "الذين قُتِلوا من أجل كلمة الله، ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم". يكفيهم أن يُحسبوا شهودًا لكلمة الله.. حملوا آلامه وقبلوا سماته في حياتهم شاهدين له. وإن كنا لا نعرفهم بأسمائهم، لكنهم هم يعرفون بعضهم بعضًا في الفردوس، وكما يقول العلامة ترتليان إذ كان يوحنا في الروح رأى بوضوح أرواح الشهداء، مؤكدا أنها تتعرف على بعضها البعض في الفردوس. 2. أين هم؟ "تحت المذبح"! هم في الفردوس لم يذهبوا بعد إلى الأمجاد الأبديّة في كمالها وتمامها، لكنهم نالوا نصيبًا مباركًا إذ "أُعطوا ثيابًا بيضًا، وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا". إنهم تحت المذبح يستريحون. وكأن المذبح لا يفارق القديسين وهم لا يفارقونه. يرون الذبيحة الحقيقية خلال الفردوس، إذ يتمتعون بالمسيح المصلوب، ويقدمون له ذبائح حمد وتسبيح كقول المرتل: "أذبح لك حمدًا" (مز 50: 14)، "لك أذبح ذبيحة التسبيح" (مز 116: 17). لن تنقطع الذبائح لا بانتقالنا إلى الفردوس، ولا بدخولنا العرس الأبدي، مقدمين له تسبيحا أبديًا وكما يقول الشهيد يوستينوس: [إني أعتبر الصلوات وتقديم الحمد حينما يقدمها أشخاص معتبرون تكون هي وحدها الذبائح الكاملة والمقبولة لدى الله.] 3. ما حالهم؟ يطلبون الانتقام لدمائهم وذلك كما صرخ دم هابيل قدام الرب، ليس حقدًا وغيظًا بل تسليمًا للدينونة العادلة في يد الله، وشوقًا لمجئ الرب. إنهم كالأرملة التي طلبت من القاضي أن ينتقم منصفًا إياها (لو 18: 3). وإذ طلب منهم أن يستريحوا قليلاً إلى يوم الدينونة لذلك يقول الشهيد كبريانوس إنه يليق بالمجاهدين على الأرض أيضًا أن يصبروا على الأشرار حتى يوم الدينونة. 3. مجيء عريس الكنيسة كديان للأشرار بعدما طمأننا الرب من جهة المتألمين الراقدين أنهم لابسون ثياب بيضًا مستريحون تحت المذبح إلى يوم الدينونة للتمتع بالأكاليل الأبدية، عاد ليطمئن الذين على الأرض وخاصة في أيام ضد المسيح أنه آتٍ لا محالة ليدين الأشرار. وتظهر شدة غضبه من ثورة الطبيعة ذاتها قبيل مجيئه إذ قال الرسول: "ونظرت لما فتح الختم السادس، وإذا زلزلة عظيمة حدثت، والشمس صارت سوداء كمسحٍ من شعر، والقمر صار كالدم. ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا هزتها ريح عظيمة. والسماء انفلقت كدرج ملتف، وكل جبل وجزيرة تزحزحا من موضعهما. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حر، أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال. وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف. لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف؟" [12-17] ويمكننا بدراسة الأصحاح 24 من إنجيل متى أن نجد هذه الأحداث مطابقة للعلامات التي أوضحها الرب عن مجيئه للدينونة وانقضاء الدهر. وكما يقول ابن العسال ويشاركه في ذلك كثير من الآباء الأولين مثل القديس أغسطينوس إن هذه الأحداث تتم في فترة ما قبل ضد المسيح وأثناء تضليله (5ر3 سنة) وبعده مباشرة. وهذا كله لأجل التأديب حتى لا ينحرف المؤمنون. فهي أحداث حقيقية واقعيّة تنبأ عنها الكتاب المقدس في أكثر من موضع وهي: 1. "تكون... زلازل في أماكن" (مت 24: 7)، وكما يقول النبي: "هوذا يوم الرب قادم قاسيًا بسخط وحمو غضب... لذلك أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود وفي يوم غضبه" (إش 13: 9-13). 2. الشمس تسود والقمر يصير كالدم والنجوم تتساقط، إذ يقول الرب: "تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء، وقوات السماوات تتزعزع" (مت 24: 29). وقد أوضح الرب بجلاء في مت 24 أن هذه الأحداث تتم قبيل مجيئه للدينونة مباشرةً إذ يكمل قائلاً: "وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على السحاب بقوة ومجد كثير، فيرسل ملائكته ببوقٍ عظيمٍ فيجمعون مختاريه..." وكان الحديث كله إجابة بخصوص علامات مجيئه وانقضاء الدهر. 3. انغلاق السماء كدرج ملتف، ويفسر ذلك العلامة ترتليان قائلاً: [إنها تصير كلا شيء مع الأرض نفسها التي خلقت معها في البدء إذ قيل: "السماء والأرض تزولان" (مت 24: 35) "لأن السماء والأرض الأولى مضتا" (رؤ 21: 1)، "ولم يوجد لهما موضع (رؤ 20: 11) إذ هما ينتهيان.] تفسير للأسقف فيكتورينوس يرى هذا الأسقف ويشاركه القديس أغسطينوس وغيرهما تفسيرًا آخر، هو ليس آخر، بل مكمل للأول دون أن يحل محله. وهو أن هذه الأحداث ستتم فعلاً في فترة ما قبل مجئ الرب لكنها ستتم بصورة رمزية أيضًا في فترة الدجّّّّّّّّّال قبل مجيء الرب مثال ذلك: قول الأسقف فيكتورينوس: [تسود الشمس كمسحٍ، أي يصير بهاء التعليم غامضًا بسبب غير المؤمنين. والنجوم تتساقط أي ينفصل البعض عن الكنيسة من شدة الضيق.] وقول القديس أغسطينوس بأن القمر أي الكنيسة تصير كالدم من كثرة سفك الدماء الذي يحل بأولادها على يدي ضد المسيح وأتباعه. والنجوم تتساقط على الأرض إشارة إلى كثرة الارتداد عن الإيمان وسقوط مؤمنين كانوا ككواكب في الكنيسة. تفسير للقديس أغسطينوس يرى القديس أغسطينوس تفسيرًا ثالثًا ليس بثالث، لكنه مرافق للتفسيرين السابقين إذ أخذ هذا القديس بالثلاثة معًا. هذا التفسير ينادي بأن هذه الأحداث واقعية فعلاً لكنها أيضًا تحمل في طياتها ما سيحل بدولة ضد المسيح من خراب قبيل مجيء الرب لأجل حث الناس على التوبة، فمثلاً يقابل الزلزلة تزعزع مملكة إبليس وانهيار دولة ضد المسيح ورعب في قلوب أتباعه، وذلك كقول الرب: "إني أزلزل السماوات والأرض، وأقلب كرسي الممالك، وأبيد قوة ممالك الأمم" (حجي 2: 21). ويقابل تزحزح كل جبل وجزيرة من موضعها إلى سقوط الجبابرة والعظماء وفقدانهم سلطانهم وجاههم وغناهم. أنهم سيهربون، ولكن أين يهربون من وجه الحمل؟ ينوحون أمام هيبته و"يقولون للجبال غطينا، وللتلال اسقطي علينا" (هو 10: 8). لكن "من يحتمل مجيئه؟ ومن يثبت عند ظهوره؟" (ملا 3: 2). "من يقف أمام سخطه؟ ومن يقوم في حمو غضبه؟ غيظه ينسكب كالنار والصخور تتهدم منه" (نا 1: 6). من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح السادس رأينا فيما سبق أن يوحنا رأى سفرا مختوما فيه أخبار عن مستقبل الكنيسة. وهذه الأخبار هى عن يمين الله (رؤ1:2). أى أن الله كضابط للكل يمسك زمام كل الأمور، يوجه الأحداث بحسب حكمته وقدرته اللانهائية لما فيه خلاص نفوس أولاده، ووجود هذا السفر عن يمين الله يشير لإهتمام الله العجيب بكل ما يدور فى حياة أولاده. واليمين إشارة للقوة، والله بهذا يريدنا أن نطمئن بأننا محفوظين فى يمينه بقدرته وقوته مهما كانت الأحداث العاصفة التى ستمر بالكنيسة فى المستقبل. فسفر الرؤيا سيحدثنا بعد ذلك عن ضيقات رهيبة ستعانى منها الكنيسة، ولكن الله يحولها للخير، فعصر الإضطهادات الرومانية مثلا كان عصر نمو الكرازة وتحول الدولة الرومانية للمسيحية. وهنا الله يطمئننا بأن كل الأمور فى يده، وأن الكنيسة فى يمينه محل عنايته. ورأينا أن هذا السفر مختوم بسبعة ختوم أى كمال الغموض فلا أحد يستطيع أن يدرك المستقبل، ولا حكمة الله وتدبيره المستقبلى، ولماذا يسمح بهذه الأحداث ولا لماذا يحل الشيطان (رو33:11-36). ولكن نجد الله فى محبته يكشف لأولاده عن بعض من تدبيراته حتى لا يفاجأوا بما سيحدث. ألم يقل الله " هل أخفى عن إبراهيم ما انا فاعله (تك17:18). والله يكشف لنا عما سيحدث فى المستقبل من ضيقات وإنتصارات للكنيسة، حتى إذا ما سبق وأعلنه الله نجده يتم تحقيقه امامنا يزداد إيماننا وثقتنا (يو29:15). ولهذا أيضا أخبر المسيح تلاميذه بما ينتظرهم من آلام (يو18:5-21) + (يو1:16-4) + (يو29:14). وإبتداء من آية (1:6). بدأ الله يسمح بان الختوم تفتح حتى تعرف كنيسته ما هو مزمع أن يكون وحين يتحقق وحدث ما أخبر به: 1. لا تضطرب فالسيد سبق وأخبرها وهو كضابط الكل عالم بكل شىء قبل أن يحدث بألاف السنين فمن يعرف هو قادر أن يتحكم فى الأحداث ويحفظ كنيسته. 2. إذ ترى الكنيسة أن ربها عالم بما يحدث وأنه أخبرها يزداد إيمانها وثقتها به. ولماذا لا نخاف من الأخبار المزعجة:- 1. السفر عن يمينه محل إهتمامه وهو يرعانا بكل قوة. 2. هو يفك الختوم وقتما يريد ولا شىء يتم من وراء ظهره. 3. إذا كان يعرف ما سيحدث قبل الاف السنين فهو قادر أن يدبر. 4. هو خرج غالبا ولكى يغلب 5. لا أحد يقدر أن يضر الخمر ولا الزيت. الآيات (1-2):- "1وَنَظَرْتُ لَمَّا فَتَحَ الْخَرُوفُ وَاحِدًا مِنَ الْخُتُومِ السَّبْعَةِ، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَائِلاً كَصَوْتِ رَعْدٍ:«هَلُمَّ وَانْظُرْ!» 2فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً، وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ." الختم الأول الْخُتُومِ تدل على حوادث تاريخية وتعبر عن حقب زمنية. وسنسمع إبتداء من الختم الثانى من آلام وضيقات ستمر بها الكنيسة وحروب معلنة ضدها، لذلك يبدأ الله بهذا الختم لنرى الله منتصرا، والكنيسة منتصرة به وفيه ، حتى لا تخاف الكنيسة من أخبار الآلام فهى حتما ستنتصر . لَمَّا فَتَحَ الْخَرُوفُ = إذاً هو فى يده القرارات والأحكام. كَصَوْتِ رَعْدٍ = إعلان عن القوة والقدرة التى بهما يسند المسيح كنيسته فى آلامها. ولاحظ أن المتكلم فى حالة الختم الأول هو الحيوان الأول الذى على شبه أسد (7:4) ويتكلم بصوت رعد إشارة للمسيح الأسد الخارج من سبط يهوذا (5:5) والذى يحارب عن كنيسته بقوة أسد. أيها الأحباء من الخطأ أن نحسب أنفسنا ضعفاء أمام إبليس وأمام الخطية بينما المسيح الأسد يقود حياتنا. المسيح هو الأسد الغالب، وهو خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ= سمعنا فى السبع كنائس قوله من يغلب.... وهنا نرى أننا نغلب به، بل هو الذى يغلب فينا. فَرَسٌ أَبْيَضُ = هذه هى الكنيسة، الفرس الأبيض هو أنا وأنت أيها الحبيب، وهو ابيض لأننا تبررنا بدم المسيح (رؤ14:7) + (2كو21:5) + (رو1:5). وهو فرس لأن الفرس يستخدم فى الحروب (نش1: 9)، ونحن فى حرب مستمرة ضد إبليس (أف12:6). والفرس لا يهاب المعارك (أى19:39-25). وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ = هو المسيح الذى يستريح فينا وهو يقودنا خلال رحلة جهادنا وحروبنا مع إبليس. ومَعَهُ قَوْسٌ = القوس أداة حرب والمسيح حارب إبليس بصليبه. خَرَجَ غَالِبًا = المسيح غلب إبليس أولا فى معركة الصليب. وَلِكَيْ يَغْلِبَ = يغلب فينا وبنا، يغلب فى كنيسته وفى أولاده، وكل نصرة لنا تنسب له. وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً = فالمسيح ملك على قلوب المؤمنين بصليبه (أش6:9)، وهو سيعطى إكليلا لكل من يغلب (2تى8،7:4) تاريخيا فالفَرَسٌ الأَبْيَضُ يشير لفترة كنيسة الرسل الأولى، والقوس يشير لكلمة الكرازة التى صوبها الرسل الكارزون لقلوب الناس فحطمت قوى الشر. هذا هو التفسير التاريخى. لكن التفسير الآخر فهو يشير للكنيسة فى كل زمان ومكان التى يقودها المسيح ويبررها ويبيضها بدمه، يقودها ليحارب بها إبليس ويغلبه فينا. الآيات (3-4):- "3وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الثَّانِيَ، سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّانِيَ قَائِلاً:«هَلُمَّ وَانْظُرْ!» 4فَخَرَجَ فَرَسٌ آخَرُ أَحْمَرُ، وَلِلْجَالِسِ عَلَيْهِ أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا." الْخَتْمَ الثَّانِيَ سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّانِيَ = الذى شبه عجل، والعجول تقدم ذبيحة إشارة لدم الشهداء الذى يقدم على مذبح الحب (رو 36،35:8) ولذلك نجد الفرس هنا لونه أَحْمَر، وهو لون دماء الشهداء. وتاريخيا هذه تشير الى فترة الإستشهاد التى بدأت بنيرون وإنتهت بموت دقلديانوس وهى الفترة التى تلت فترة الرسل، كما جاء الفرس الأحمر بعد الفرس الأبيض. ولكن عموما فالآلام والإستشهاد هو سمة للكنيسة فى كل العصور. "فجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى فى المسيح يسوع يضطهدون" (2تى12:3). بل إن الرسل أنفسهم تعرضوا للإستشهاد كلهم بإستثناء يوحنا الحبيب. وكان أولهم يعقوب (أع2،1:12). فالكنيسة عانت من اليهود والرومان ألاما رهيبة. إذا تاريخيا يشير الفرس الأحمر لفترة الإضطهاد الرومانى للكنيسة. ولكن فى نفس الوقت هو يشير لنا جميعا أننا يجب أن نكون مستعدين دوما أن نقدم دماءنا شهادة للمسيح. أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ = المقصود السلام الخارجى، فالسلام الداخلى لا ينزعه أحد (يو22:16). فكان الشهداء يذهبون لساحات الإستشهاد مسبحين فرحين متهللين وبهذا المعنى قال السيد المسيح "لا تظنوا إنى جئت لألقى سلاما على الأرض... بل سيفا" (مت34:10). وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا = كان الشهداء فى أيام الرومان بمئات الآلاف وإستمر الإستشهاد لمئات السنين. ولكننا نلاحظ أن الكنيسة إنتصرت، فعصر الإستشهاد مر وإنتهى والإيمان ثابت لم يتزعزع، بل كانت فترة الإستشهاد فترة نمو كرازى إنتشرت فيها المسيحية فى كل العالم، ألم يخرج المسيح غالبا ولكى يغلب وها هو يغلب فكنيسته تستمر بل تمتد وتتقوى حتى أثناء فترة الإستشهاد. إذاً الغلبة ليست فى النجاة من الموت بل فى الثبات على الإيمان حتى الموت ، الفَرَسٌ الأَحْمَرُ هو الرومان أو أى مضطهد للكنيسة والجالس عليه أى الذى يقوده ويحركه هو الشيطان بالتأكيد. الآيات (5-6):- "5وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الثَّالِثَ، سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّالِثَ قَائِلاً:«هَلُمَّ وَانْظُرْ!» فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَسْوَدُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ مِيزَانٌ فِي يَدِهِ. 6وَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي وَسَطِ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَائِلاً:«ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلاَثُ ثَمَانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَارٍ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلاَ تَضُرَّهُمَا»." الْخَتْمَ الثَّالِثَ سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّالِثَ = وهو الذى على شبه إنسان (رؤ7:4) حين فشل إبليس فى حربه ضد الكنيسة بإثارة الإضطهاد والإستشهاد، غير طريقته إلى نشر البدع والهرطقات، وهذا مايشير له الفَرَسٌ الأَسْوَدُ. وتاريخيا فقد حدث أن إنتشرت البدع والهرطقات فى الكنيسة بعد أن إنتهى عصر الإستشهاد لذلك يأتى الفرس الأسود بعد الفرس الأحمر. ولأن الهرطقات تكون بفلسفة الحكمة الإنسانية والكبرياء الإنسانى والمناقشات الغبية (1تى3:6-5) إرتبط هذا الفرس الأسود بالحيوان الذى على شبه إنسان. والكنيسة تصلى بفم الأسقف أو الكاهن فى التحليل الأول " نعم يا رب الذى أعطانا السطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو. إسحق رؤوسه تحت أقدامنا سريعا وبدد عنا كل معقولاته الشريرة والمقاومة لنا". فإبليس يستخدم كلمات تبدو للعقل أنها مقبولة ولكن فيها شىء من الكذب فإذا إنجذب الإنسان لها مخالفا تعليم كنيسته ينجرف فى تيار مضاد للإيمان المسلم مرة للقديسين (يه3) ويسير فى طريق الموت لذلك فالفرس لونه اسود. الفرس لونه اسود = هم الهراطقة الذين شوهوا الإيمان السليم. وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ أى الذى يقوده هو إبليس. مَعَهُ مِيزَانٌ = ميزان مغشوش يغش به كلمة الله ويحرف معانيها كما فعل مع المسيح فى التجربة على الجبل. وبدلا من أن تكون كلمة الله للشبع صارت تؤدى لمجاعات روحية، هى مجاعات لكلمة الحق. وهذا النوع من المجاعات نراها الآن فى كل العالم، لذلك نرى كثيرين فى كل مكان يسيرون وراء أنبياء مزيفين (فى أمريكا وغيرها) بل هناك من ينتحرون بالعشرات والمئات لأن هؤلاء الأنبياء المزيفين يعطونهم وعودا كاذبة بالذهاب للجنة حيث يرون هؤلاء الأنبياء فى مجدهم. حقا قال الكتاب هلك شعبى من عدم المعرفة. والفَرَسٌ الأَسْوَدُ إشارة للبدع والهرطقات التى سادت المسيحية بعد نهاية عصر الإستشهاد الرومانى. وكان من الهراطقة أساقفة وقسوس بل بطاركة . وهرطقاتهم طالت كل شىء، لاهوت المسيح وطبيعة المسيح ولاهوت الروح القدس. لقد شوشوا عقول الناس وجعلوهم كمن فى مجاعة روحية لا يعرفون أين الحق وأين الباطل. هذه البدع والهرطقات أظلمت عقول المؤمنين لذلك أشير لها بفرس اسود. ولذلك سمى أثناسيوس بالرسولى لأنه فى مقاومته لهرطقة أريوس ثبت الإيمان الذى كاد ان يختفى. ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ = الثمنية = 2 رطل أى أقل من كيلو. وقد يشير هذا لمجاعة عظيمة. فالأكل بميزان يشير لمجاعة (حز16:4). وقد حدث هذا تاريخيا عدة مرات والله يسمح بمجاعات ويكون هذا للتأديب (كما حدث مع الإبن الضال فعاد لأبيه) والقَمْحٍ أكل الأغنياء والشَعِير أكل الفقراء والدينار أجرة العامل فى اليوم أى فى هذه المجاعة يعمل العامل ليأكل خبزا فقط. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلاَ تَضُرَّهُمَا = هما دواء السامرى الصالح (المسيح) للجريح (الكنيسة) والزَّيْتُ إشارة للروح القدس وَالْخَمْر إشارة للثبات فى الكرمة وإشارة للفرح الروحى، فمن هو ثابت فى الكرمة أى المسيح سيعيش فى فرح وتعزيات الروح القدس. من يثبت فى الإيمان فى كنيسة المسيح يظل ممتلئا بالروح القدس وشبعانا بالمسيح وفى فرح مستمر. لن يمس أحد الزيت والخمر فالروح القدس وسر التناول هما اللذان يحفظان الكنيسة عبر العصور. ألم يعدنا المسيح فى الختم الأول أنه خرج غالبا ولكى يغلب. فهو سيغلب فيمن يظل ثابتا أى فى كنيسته التى هى جسده أى ثابتا فى إيمان كنيسته. وحتى لو فهمنا الفرس الأسود أنه إشارة لمجاعة مادية، فالله قادر أن يثبتنا فى فرحه، ويملأنا من تعزيات روحه القدوس (خمر وزيت السامرى الصالح) بل أن يعولنا وسط المجاعات، ألم يشبع الله الأنبا بولا بواسطة غراب يأتى له بالخبز. ومن يثبت فى الكنيسة يمتلىء من الروح القدس المنسكب على الكنيسة جسد المسيح من خلال أسرار الكنيسة. فشكرا لله الذى غلب ومازال يغلب فى كنيسته عبر العصور. ومازالت كنيسته ثابتة، ومازال المسيح هو السامرى الصالح الذى يداوى المؤمنين وسط ضيقاتهم (جراحاتهم) بخمره وزيته من داخل كنيسته وبواسطة أسرارها. الآيات (7-8):- "7وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الرَّابِعَ، سَمِعْتُ صَوْتَ الْحَيَوَانِ الرَّابعِ قَائِلاً:«هَلُمَّ وَانْظُرْ!» 8فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَخْضَرُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْمَوْتُ، وَالْهَاوِيَةُ تَتْبَعُهُ، وَأُعْطِيَا سُلْطَانًا عَلَى رُبْعِ الأَرْضِ أَنْ يَقْتُلاَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ." الْخَتْمَ الرَّابِعَ فَرَسٌ أَخْضَرُ = فى كل الترجمات الأخرى ترجم لون هذا الفرس بأنه الفرس الباهت pale وفى الترجمة القبطية مترجم أصفر. وبهذا نفهم أن لون هذا الفرس هو لون أخضر مائل للصفرة أو أخضر باهت. فاللون الأخضر هو لون الحياة، فلا حياة بدون خضرة. ونحن نصلى فى أوشية الراقدين ونقول "علهم فى موضع خضرة على ماء الراحة". وفى صلاة الثالث على المنتقلين نضع ماء مع خضرة وخبز لنقول لأهل المنتقل أنه مازال حيا. وبهذا نفهم أن الخضرة الباهتة المائلة للصفرة هى إشارة لبدعة أو هرطقة لها سمة الإيمان ولكن بطريقة مغشوشة، وهى تزييف للحقائق. وغالبا هى إشارة للأريوسية التى تؤمن بالله وبالمسيح (وهذه خضرة) ولكن هى لا تؤمن بألوهيته أو أنه إبن الله. ولهذا هى باهتة ويصبح اللون الأخضر مائلا للصفرة. واللون الأصفر هو لون الموت. لذلك فالْجَالِسُ عَلَيْ هذا الفرس أسمه الْمَوْتُ. فالكنيسة مبنية على الإيمان بأن المسيح هو إبن الله (مت13:16-18). فالمسيح يعلن صراحة أن الكنيسة ستبنى على هذا الإيمان الذى أعلنه بطرس وهو أن المسيح هو إبن الله ولما جاء أريوس وأفسد هذا الإيمان وإمتدت بدعته لكل العالم، ثم قاومه أثناسيوس، سمى أثناسيوس بالرسولى إذ أعاد الإيمان الصحيح للكنيسة، بعد أن قال أريوس أن المسيح ليس إبن الله وأنكر الوهيته. الْحَيَوَانِ الرَّابعِ = الذى على شبه نسر هو الذى أعلن عن هذا الفرس، والنسر يشير إلى لاهوت المسيح، ولذلك يؤخذ النسر إشارة لإنجيل يوحنا الذى كتبه يوحنا لنؤمن أن المسيح هو إبن الله ومن يؤمن تكون له حياة أبدية (يو31:20) لذلك فهذا النسر يدعو لأن لا نسير وراء الهرطقة الأريوسية، ونؤمن بألوهية المسيح. وستكون دعوة ضد المسيح فى نهاية الأزمنة هى دعوة لإنكار لاهوت المسيح وسيضطهد المسيحيين وله سلطان بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ. لذلك قال الكتاب عن هذه الأيام "ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أمة" (دا1:12) ولقد عانت الكنيسة على يد أتباع أريوس وعلى يد الهراطقة الذين قاوموا الكنيسة دائما إضطهادا شديدا. الفرس الأسود يشير لهراطقة ينشرون بدع وهرطقات ويقاومون الكنيسة عقليا. أما الفرس الأخضر الباهت فيشير لهراطقة ينشرون بدع وهرطقات خاصة بلاهوت المسيح ويزيفون الحقائق، فاللون الأخضر مصبوغ بلون أصفر جعل الأخضر باهتا. وهؤلاء الهراطقة نشروا هرطقتهم بالسيف بوحشية ولنذكر أن أثناسيوس الرسولى عانى منهم أشد المعاناه وتم نفيه عن كرسيه خمس مرات. ملخص للختوم الأربعة السابقة :- الفرس إشارة للحرب فهو أداة حرب، هو أداة الحروب فى تلك الأيام. وكون يوحنا يرى فى الختوم الأربعة الأولى خيول فهذا إشارة لحروب. فالفرس الأبيض إشارة لحروب أولاد الله بقيادة المسيح ضد إبليس. والفرس الأحمر هو إشارة لحروب دموية وإستشهاد ضد الكنيسة. والفرس الأسود هو حرب هرطقات ضد الكنيسة، وقد تكون مجاعات. والفرس الأخضر الباهت (أخضر مائل للصفرة) يشير لحرب ضد الكنيسة بالسيف خاصة بلاهوت إبن الله. وهناك من قال أن الفرس الباهت يشير لأوبئة لأن الراكب على الفرس إسمه الموت. واللون الأصفر هو لون الموت. لكن شكرا لله الذى خرج غالبا ولكى يغلب فى كل هذه الحروب. وبعد أن رأينا كل هذه الحروب فى الختوم الأربعة وكل هذه النفوس التى تموت فى إستشهاد لأجل المسيح نرى فى الختم الخامس أين تذهب هذه النفوس حتى نطمئن عليهم ولا نخاف على أنفسنا. وفى الختم السادس نرى الرعب الذى فيه الأشرار الذين على الأرض. فإذا كنا نسمع أخبار صعبة، فالغرض من هذه الرؤيا أن نفهم أنه يجب أن نطمئن فالخروف (المسيح الذى مات فى حب عنا) هو الذى يفتحها، وما دام حبيبنا هو الذى يتحكم ويسيطر على الأمور، ما دام هو قوى كأسد فلماذا الخوف وهو يفتح فى ملء الزمان، أى يعرف متى يفتح بالضبط، ما هو الوقت الأمثل والمناسب الذى يستطيع فيه أن يسيطر على الأحداث. الأخبار المزعجة هى من الخارج، أما داخل قلب المؤمنين سلام يفوق كل عقل بل المسيح الذى يكشف عن الأخبار المؤلمة، نجده يكشف عن التعزيات التى سيعطيها لأولاده. فهو خرج غالبا ولكى يغلب، وهو يعلم أنه سيكون لنا ضيق فى العالم ولكنه أعطانا وعده بأنه قد غلب العالم (يو33:16) ومازال يغلب فينا. وما يطمئننا أننا مجرد فرس أبيض يقوده المسيح لينتصر بنا وفينا وقارن مع سفر النشيد " لقد شبهتك يا حبيبتى بفرس فى مركبات فرعون" (نش9:1). والفرس لونه أبيض لأن الله بررنا "صرنا بر الله فيه (فى المسيح)" (2كو21:5) + (رؤ14:7). فإن كانت المعركة معركة إستشهاد أو معركة مع هراطقة أو ضربات ستصيب العالم، زلازل وأوبئة ومجاعات... فلماذا الخوف مادام المسيح هو الذى سيقودنا. وما يطمئن أيضا وعد المسيح، أما الزيت والخمر فلا تضرهما. والزيت إشارة للروح القدس والخمر إشارة للفرح بالثبات فى الكرمة (المسيح) وإشارة لدم المسيح. وطالما أن أحد لن يمسهما = لا تضرهما، يكون المقصود هو ثبات الروح القدس فى المؤمنين (الزيت) (حتى يعزيهم وسط الضيقات). وثبوت المسيح فيهم (الخمر) فحتى إن نزع السلام من العالم فلن نخسر سلامنا الداخلى. فمن ثمار الروح القدس سلام (غل22:5) + (فى7:4). ولاحظ أن هذه الرؤيا الخاصة بهذه الأخبار المؤلمة بدأت برؤية العرش (رؤ4) وأن الأوامر تخرج من العرش (الأصوات) (رؤ4:5). كل هذا يعطينا إطمئنان فالمسيطر على الأمور قوى جدا ويحبنا جدا وسيعزينا وسط الضيقات ويثبتنا وسيغلب. الآيات (9-11):- "9وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الْخَامِسَ، رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ، 10وَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ:«حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ، لاَ تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ؟» 11فَأُعْطُوا كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَابًا بِيضًا، وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا، الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ." الْخَتْمَ الْخَامِسَ رأى يوحنا تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ = هذه تشير لفترة إستشهاد. وهنا نرى أين تذهب هذه النفوس ؟ فهى محفوظة عند الله تشتهى اليوم الذى تلبس فيه الأجساد الممجدة. ونلاحظ:- 1. الله يسمح بإستشهاد البعض هؤلاء أتموا عملهم وسيذهبوا للسماء 2. الكنيسة على الأرض محفوظة، فأبواب الجحيم لن تقوى عليها. 3. فك الختوم هو إزالة الغموض عن بعض الأسرار وهنا نرى مكان نفوس الشهداء. هنا لقطة نرى فيها صورة السمائيين. رَأَيْتُ نُفُوسَ = كيف يرى النفوس ؟ الإجابة أنه كان فى الروح أى حالة روحية سامية بها إستطاع أن يرى الأرواح. وهذا ليس بعجيب، ألم يرى الملايين العذراء وهى فوق كنيستها بالزيتون. أما بعد القيامة فسنلبس أجسادا نورانية (تعكس نور الله) وممجدة (تعكس مجد الله) بها نرى بعضنا البعض. تَحْتَ الْمَذْبَحِ = والسؤال هنا. هل هناك ذبيحة جسد ودم إفخارستية فى السماء؟ الإجابة قطعا لا. فالتناول يعطى لمغفرة الخطايا، وهناك فى السماء سنكون بلا خطية. ولكن وجود مذبح إشارة لأنهم قدموا ذواتهم ذبائح فى إستشهادهم. لكن هل لن يدخل السماء إلا كل من مات شهيدا؟ لا بل لن يدخل السماء إلا كل من مات شهيدا أو قدم جسده ذبيحة حية أى ما أسماه بولس صلب الأهواء والشهوات (رو1:12) + (غل20:2) + (غل24:5). لذلك نفهم أن المذبح هنا هو الصليب الذى يحمله كل من أراد أن يصير تلميذا للسيد المسيح ويسير وراءه. فالصليب كان هو المذبح الذى قدم عليه المسيح رئيس إيماننا نفسه ذبيحة. بل أن ظل الصليب كان مخيما حتى على المذود حيث ولد ربنا 1. المجوس قدموا له مرا. 2. هو ولد وسط حيوانات ستذبح. بل ولد فى مذود كأفقر انسان بلا مأوى . 3. الرعاة الذين أتوا لرؤيته (رعاة متبدين) أى رعاة الخراف التى تقدم ذبائح فى الهيكل. أتوا ليروا المسيح، حمل الله الحقيقى الذى كانت خرافهم رمزا له. وظل الصليب مخيم على الكنيسة منذ نشأتها، وصار سمة لها، على الأرض، لذلك نراه هنا كعلامة إنتصار لمن قبل أن يقدم نفسه:- 1. ذبيحة حقيقية كالشهداء. 2. يقدم جسده ذبيحة حية. وكل من يقبل صليبه بشكر نجده فى السماء تحت راية الصليب أى المذبح. الشهادة التى كانت عندهم = 1. من إستشهد، شاهدا بإيمانه بالمسيح. 2. من تمسك بإيمانه للنفس الأخير، الإيمان غير المحرف والمسلم مرة للقديسين (يه3). وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا = هل توجد لدى السمائيين شهوة إنتقام؟ قطعا لا. والمعنى :- 1. متى يارب تعلن قداستك ورفضك للخطية. 2. متى يارب تعلن سلطانك وتخضع المتمردين عليك. 3. متى يا رب تقضى بالحق على ظلم الكنيسة وتظهر عدلك. 4. متى يارب تعلن مجدك ويراه الظالمون فيخجلوا، ونراه نحن فنفرح بك وينعكس مجدك علينا. هذه هى شهوة قلب الأبرار والسمائيين، أما الأرضيين الجسدانيين الذين لا يفهمون سوى شهوات الجسد فهؤلاء يريدون أن يبقى الوضع على ما هو عليه . عموما فالله فى إنتقامه يختلف عن البشر. فالله حين أراد أن ينتقم من ظلم شاول الطرسوسى للكنيسة، ومن ظلم الدولة الرومانية، كان ذلك بان قادهم للإيمان، وهكذا مع أريانوس والى أنصنا أشهر وأفظع من عذب المسيحيين. والله يبدأ بأن يحاول أن يقنع هؤلاء المتوحشين بأن يؤمنوا، فإن لم يؤمنوا يكون إنتقام الله ضدهم صعبا. وهذا ما حدث مع العشرة الأباطرة الرومان الذين عذبوا المسيحيين، فقد كانت نهايتهم كلهم بشعة. وغالبا فإن هؤلاء الذين تحت المذبح قد شعروا بقرب نهاية الأزمنة من العلامات الواضحة التى أشعرتهم بقرب النهاية، مثل الضيقة العظيمة التى ستحدث فى نهاية الأيام. فصرخوا يتعجلون نهاية الأيام، وأن يظهر المسيح مجده، ويحصلون هم أيضا على أجسادهم الممجدة، ويعاينوا مجد الله، ويظهر المسيح كديان يدين هؤلاء المتوحشين وليظهر الحق. يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ = مازالت الكنيسة تنمو ومازال هناك أجيال ستولد يكمل بهم جسد المسيح، ويدخل غير المؤمنين المختارين إلى الإيمان وبهم يكتمل جسد المسيح . زَمَانًا يَسِيرًا = مر 2000 سنة منذ قيل هذا، فألف سنة عند الله كيوم واحد. أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ = إذا الفرس الأحمر مازال عمله وحربه ضد الكنيسة ممتدان. لا بل إن الضيقة الأخيرة سيكون فيها الإستشهاد بصورة واسعة. الآيات (12-17):- "12وَنَظَرْتُ لَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ السَّادِسَ، وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، وَالشَّمْسُ صَارَتْ سَوْدَاءَ كَمِسْحٍ مِنْ شَعْرٍ، وَالْقَمَرُ صَارَ كَالدَّمِ، 13وَنُجُومُ السَّمَاءِ سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ سُقَاطَهَا إِذَا هَزَّتْهَا رِيحٌ عَظِيمَةٌ. 14وَالسَّمَاءُ انْفَلَقَتْ كَدَرْجٍ مُلْتَفّ، وَكُلُّ جَبَل وَجَزِيرَةٍ تَزَحْزَحَا مِنْ مَوْضِعِهِمَا. 15وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرّ، أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَغَايِرِ وَفِي صُخُورِ الْجِبَالِ، 16وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ:«اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ، 17لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ؟»." الْخَتْمَ السَّادِسَ رأينا فى الختم الخامس نفوس من هم فى السماء غالبين، الذين إختاروا أن يحيوا تحت راية الصليب. وفى الْخَتْمَ السَّادِسَ نرى صورة لمن إختار أن يحب العالم. نرى فيها عدم ثبات العالم، فالعالم غير ثابت وغير مستقر. فنحن نسمع هنا عن زلازل والجبال لا تبقى فى مكانها وهكذا الجزر. فى الختم الخامس نرى صورة للمسيح الذى يحتضن أولاده وأحباءه ويجمعهم عنده فى السماء، ورأينا من قبل صورة المسيح كخروف يفتح الختوم ليكشف لأحبائه عن أسراره، فهو الذى قال "هل أخفى عن إبراهيم ما أنا فاعله". وفى الختم السادس نرى الوجه الآخر للخروف، الوجه الغاضب بسبب خطايا البشر، وبسبب إضطهاد العالم للكنيسة عروسه. ولنتعلم من هذا أن الطريق الوحيد لنا حتى لا نتعرض لغضب الخروف هو أن نترك خطايانا. ومن يقدم توبة يرى الوجه الحلو المملوء حنانا للخروف. علينا أن لا ننظر لله على أنه الإله الحنون العطوف فقط، لكن علينا أن ننظر عليه على أنه الإله الحق القدوس العادل الذى لا يحتمل الخطية وهذه النظرة تجعلنا أن نكف عن روح الإستهتار واللامبالاة. هنا فى الختم السادس نرى لقطة لمن هم على الأرض يعانون من الآلام، لكنها بالنسبة للمؤمنين فهى للتنقية، أما لمن يضطهد الكنيسة فهى ضربات أليمة لعلهم يتوبون، ولاحظ أنها أليمة فهم بلا تعزية الروح القدس. هنا نرى أن الأيام الأخيرة ستكون أياما صعبة فيها أحداث مخيفة كالزلازل مثلاً ونجوم تتساقط، والشمس تظلم والقمر يفقد ضوءه أى يحمر وقيل عن هذا أنه صار كالدم. وهذه الأحداث متفقة مع علامات النهاية التى ذكرها السيد المسيح (مت29،7:24). ومع ما قاله يوئيل النبى (31،30:3) وهذه الأحداث تفسر بطريقتين:- الأولى:- تفسر الأحداث بأنها ستحدث حقيقة كإنذارات وتأديبات نهائية قبل مجىء الرب لعل الناس تتوب . هى محاولة إلهية ليخاف الناس فيقدموا توبة. ونحن نلاحظ أن الزلازل فى إزدياد وثورات الطبيعة فى إزدياد والبقع الشمسية فى إزدياد.. وإذا كان هذا الآن، فما الذى سيحدث فى أيام النهاية. وإذا كانت الشمس قد إحتجبت يوم صلب رب المجد، فليس بغريب أن تسود الشمس من كثرة خطايا البشر التى تهين الله. وكون أن السماء تنفلق كدرج فهذا قد أشار إليه السيد المسيح بقوله أن السماء والأرض تزولان (مت35:24) + (رؤ1:21) + (رؤ11:20). وَكُلُّ جَبَل تَزَحْزَحَ فهل هذا غريب؟ فمن له إيمان قدر حبة الخردل يقول للجبل إنتقل فينتقل فماذا عن غضب الله؟ ألا يزحزح هذا الجبال. وقد يكون هذا بفعل الزلازل الرهيبة. وفى زكريا (14) نسمع أن جبل الزيتون ينشق بفعل زلازل ويتحرك نصف الجبل إلى ناحية والنصف الآخر لناحية آخرى. والآن فجبال الثلج فى القطب المتجمد تتكسر وتنفصل عن القطب المتجمد بفعل الحرارة. وهذه الجبال الثلجية حين تسيل ستغرق الجزر وتختفى هذه الجزر. أماعن النجوم التى تتساقط فقد تكون شهب ونيازك ومنها ما يدمر مساحات واسعة من الأرض. ومن كثرة سقوطها شبهها بسقوط أوراق الشجر مع الريح. الثانية:- تفسر الأحداث بطريقة رمزية. والأقرب إلى الواقع أن كلا التفسيرين مقبول وسيحدث كلاهما. فالشمس تشير للتعليم وهذا سيكون مغشوشا فى الأيام الأخيرة بسبب زيادة الهرطقات والتعاليم المخالفة للإيمان الصحيح، والتشويش الصادر من بعض الذين بسبب كبريائهم إنشقوا على الكنيسة مبتدعين تعاليم خاصة بهم. هذه التعاليم المزيفة صارت كمسح من شعر غطى نور الشمس (التعاليم النقية عن المسيح شمس البر) فأصبح الناس لا يرون نور الشمس الحقيقى أى لا يعرفون المسيح حقيقة. والْقَمَر = يشير للكنيسة، فالمسيح شمس البر يعكس نوره على الكنيسة فتشع نورا هو إنعكاس نور المسيح عليها، لذا تشبه الكنيسة بالقمر. الْقَمَرُ يصَيرَ كَالدَّمِ = 1. قد تشير لزيادة عدد الشهداء فكما قال المسيح " لو لم تقصر تلك الأيام لم يخلص جسد" (مت 22:24). 2. قد تشير أنه بسبب التعاليم الخاطئة والهرطقات يهلك المؤمنين، وهلاكهم هو كأنه سفك دم. كما قال الكتاب هلك شعبى من عدم المعرفة (هو 6:4). 3. عموماً فحينما تظلم الشمس لا يعود القمر يعطى ضوؤه . الَنُجُومُ = هم كبار المؤمنين وغالبا من هم فى درجات عالية فى الكنيسة، وهؤلاء ينشقون عن الكنيسة ربما بسبب الإضطهاد أو بسبب كبريائهم وإختراعاتهم الإيمانية أو بسبب ما سمى بالزَلْزَلَةٌ العَظِيمَةٌ = التى ربما هى ظهور ضد المسيح أو هرطقة إيمانية صعبة تبعها هؤلاء الذين كانوا نجوما يوما ما. او ضيقة سببت إنكارهم للمسيح... كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ سُقَاطَهَا = الريح لا تسقط الورق الأخضر من على الشجر لكنها تسقط الورق الأصفر الذابل. وهؤلاء من كانوا مثل كواكب فى الكنيسة كانت كبرياؤهم قد أصابتهم فى الداخل فصاروا أموات داخليا، أو هم كانوا يحيون فى مظهرية بلا عمق، فهم ما كانوا يرتوون من مياه الروح القدس فصاروا أوراقا صفراء ميتة. فلما أتت رياح التجارب سواء إضطهاد خارجى أو تجارب هرطقة إيمانية فصدقوها أو خطايا إنتشرت فإنجذبوا لها، سقطوا على الأرض وبداية السقوط الكبرياء. أما المؤمن الذى يحيا كشجرة على مجارى المياه (مز3:1). يحيا فى عمق محبته للمسيح يرتوى من الروح القدس ويحيا فى تواضع. هذا لا تسقطه الرياح، رياح التجارب، ابدا. بل العكس فهى تزيد إخضراره، أى ان حيويته تزداد. السَّمَاءُ انْفَلَقَتْ كَدَرْجٍ مُلْتَفّ = الدرج كان هو شكل الكتاب فى الأيام القديمة، وكان عبارة عن قطع ملتصقة من ورق البردى أو رقوق جلد الغزال ويتم لفها على هيئة رول. والآن تصور أن هناك من فتح درج ملتف ليقرأه ثم تركه فيتم إلتفافه سريعا وينغلق. لذلك جاءت كلمة إنفلقت فى الترجمات الآخرى بمعنى إختفت أو إنسحبت. وروحيا فهذا يعنى ان طريق السماء أصبح ليس بالسهولة الماضية بسبب كثرة الهرطقات والبدع. وهذا ما قاله السيد المسيح " لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (مت12:24) + "متى جاء إبن الإنسان العله يجد الإيمان على الأرض" (لو8:18) فلنتمسك بإيماننا وكنيستنا ونترك الهرطقات الكثيرة والبدع المضللة، ومن ينفصلون عن الكنيسة لكبريائهم فلنتركهم ولا نسير وراءهم. كُلُّ جَبَل = الجبل يشير لممالك ضخمة وأمم جبارة وقوله تَزَحْزَحَت إشارة لضعف هذه الأمم (قديما رأينا هذا مع بابل والفرس واليونان والرومان...). وحديثا رأينا هذا مع بريطانيا والإتحاد السوفيتى أخيرا. (رؤ9:17). وقد تكون الجبال إشارة لمؤمنين (إش2:2) قد تأثروا بهذه الهرطقات وتزحزحوا عن إيمانهم. وَجَزِيرَةٍ = الجزيرة قطعة أرض موجودة وسط البحر والبحر يشير للعالم المضطرب، وبهذا تشير الجزيرة لأى جماعة تركت نفسها للعالم، ولم تلجأ للأحضان الإلهية. الماديات جعلتها تنسى الله . ونسمع الان عن ان مياه البحار سترتفع بفعل ذوبان جبال الثلج فى كلا القطبين الشمالى والجنوبى وانها ستغرق جزرا بأكملها . ونرى هنا صورة مرعبة لهروب الأقوياء من أمام وجه الله وذلك بسبب خطاياهم ولنقارن مع قول داود "لا تحجب وجهك عنى" فالصديق لا يخاف لأن المحبة تطرح الخوف خارجا (1يو18:5) بل هو يشتهى رؤية الله (خر18:33). وفيه نسمع قول موسى لله "أرنى مجدك". أما الأشرار فلن يطيقوا رؤية وجه الله الغاضب. خصوصا من كان فى كبريائه يشعر أنه جبار = وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ... بل حتى الضعفاء الأشرار = كُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرّ ولاحظ ان الأشرار يطلبون من الجبال أن تغطيهم بدلا من أن يصلوا لله أن يغفر لهم. ولو طلبوه لوجدوه يستر عليهم مَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ= بهذا السؤال ينتهى الإصحاح السادس ونسمع الإجابة فى الإصحاح السابع. فنجد أن المختومين هم الذين يستطيعون الوقوف.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس فتح الأختام الستة الأولى مقدمة عامة للختوم : الختوم ترمز لشئ مخفي عن البشر ، أما فكها فمعناه أنَّ الله أراد أن يعلن لنا ما كان مخفياً علينا ، والختوم كلها تشير لأحداث سوف تحدث في العالم الأرضي منذ صعود المسيح إلى السماء حتى مجيئه واختصت بها الأربعة الختوم الأولى .. أما الثلاثة الأخرى فهي مشاهد لأمور سمائية يعلمنا بها الله أيضاً . (1) الختم الأول ( ع 1 ، 2 ) : ع 1 : فتح الخروف : أي أنَّ المسيح وحده صاحب الحق في إعلان ما يريد إعلانه لخليقته ، وكلمة فتح ختماً تشير أيضاً أنه يكشف لنا حيلة أو مشكلة قد تعيق الإنسان عن الوصول إلى الله . سمعت واحداً : نادى أول الخلائق الملائكية ( من الأربعة الحيوانات ) على يوحنا بصوت عالٍ كصوت الرعد وهو صوت يتمشى مع هيئته ( كشبه أسد ) وهذا الصوت الشديد تنبيهاً لأهمية ما سوف يراه يوحنا . ع2 : فرس أبيض : الفرس الأبيض يشير إلى النصرة إذ إعتاد القادة الرومان على ركوب خيول بيضاء مزينة عند عودتهم ظافرين ، وهنا الفرس يمثل الكنيسة برسلها الأطهار وقديسيها ، فإذ تحمل مسيحها ( الجالس عليه ) صارت لها النصرة مضمونة فيه وبه . الجالس عليه : هو المسيح نفسه سر قوة الكنيسة ونصرتها " أعطى قوس " أي يحارب حروبها وينتصر لها ( خر 14 : 14 ) ، و" أعطى إكليلاً " لأنه ملكها الوحيد وضابط كل أمورها . غالباً ولكي يغلب : أي أنَّ النصرة هي صفة ذاتية فيه وليس شيئاً مضافاً عليه ، وتعني أيضاً أنه ليس مثل أي أحد آخر قد يغلب حيناً ويُغلب حيناً آخر . إذ كانت الأختام التالية لهذا الختم تحمل أنواعاً من الألم والجهاد ضد الشر ، وويلات مزمعة أن تأتي ، أراد الله طمأنة أولاده المحبين والمتمسكين بإيمانهم فأتى فك الختم الأول مشجعاً متحدثاً عن النصرة وتمامها وغلبة الكنيسة المؤكدة بمسيحها قائدها ... وهذا الكلام لنا جميعاً . + يجب علينا إذا إشتدت الحروب أو آلام الكنيسة ألاّ نخور أو نهتز أو تضعف ثقتنا في المسيح ، علينا فقط أن نتذكر هذه الكلمات " غالباً ولكي يغلب " فيعود الرجاء وتعود الثقة إلينا . ملاحظة : قد يتساءل البعض كيف يكون الخروف فاتح السفر هو المسيح وكذلك الجالس على العرش هو المسيح ... وهنا نرجع إلى القول بأنَّ كل هذه المشاهد هي روحية سمائية رمزية والدليل على ذلك أنَّ السيد المسيح يعلن عن نفسه في سفر الرؤية بأكثر من شكل وبأكثر من صفة ومنظر . (2) الختم الثاني ( ع 3 ، 4 ) : ع 3 : نادى الملاك الثاني ( شبه عجل ، ص 4 : 7 ) بمثل ما نادى به الأول داعياً القديس يوحنا للنظر والتأمل . ع 4 : بعد أن جاء منظر الفرس الأول مطمئناً .. جاء منظر الفرس الثاني مزعجاً ، فلونه أحمر أي دموي والجالس عليه هو سلطان الشر وله قوة كبيرة ( سيفاً عظيماً ) . وسوف يثير إضطهادات على الكنيسة ، وكذلك حروب عدة في كل الأجيال حتى يشتاق الناس إلى السلام فلا يجده أحد إلاّ من وضع رجاءه وثقته في المسيح .. وهذا الفرس راكبه يتفق مع كل ما قاله السيد المسيح وأنبأ به بحديثه الوارد في ( مت 24 ) فهو يمثل عصور الإضطهاد المختلفة التي يستشهد فيها عدد كثير من المسيحيين . " أعطى " تشير إلى أنه بالرغم من أنَّ الحروب هي من فعل الناس وفكر الشيطان إلاّ أنها بسماح من الله ولعله أراد بها تأديباً وتوبة ورجوعاً . + الشهداء لهم مكانة عظيمة في الكنيسة لأنهم قدموا حياتهم كلها لأجل المسيح . فحاول أن تحتمل الضيقات التي تمر بها وتتنازل عن بعض رغباتك لأجل المحبة والسلام فتكسب النفوس للمسيح . (3) الختم الثالث ( ع 5 ، 6 ) : ع 5 : يتكرر مشهد المناداة على القديس يوحنا والمنادي هنا هو الكائن الثالث الذي وجهه مثل وجه إنسان ( ص 4 : 7 ) . فرس أسود : يشير إلى الموت بسبب المجاعات الآتية إلى العالم . ميزان في يده : الميزان يرمز للجوع .. ، فبدلاً من أن يستخدم المكيال الذي يرمز لوفرة الحبوب ، يستخدم الميزان الذي يرمز للشح وتقسيم الطعام بالوزن ، وهذا يتفق مع ما تنبأ به حزقيال أيضاً " هأنذا أكسر قوام الخبز في أورشليم فيأكلون الخبز بالوزن " ( حز 4 : 16 ) . ع 6 : توضيح بالأكثر ووصف لصورة الجوع والمجاعات الآتية : " ثمنية قمح " : أي ثُمن مقدار من القمح ( وحدة يونانية ) وهو أقل قدر ممكن يقتات به إنسان من خبز في اليوم ، والدينار هو أجرة يوم كامل ( مت 20 : 9 ) والمعنى أنَّ أجرة يوم الإنسان لن تكفيه خبز يوم واحد . " ثلاث ثماني شعير " : الشعير هو أكل الفقراء ويصنع منه خبزاً أردأ من خبز القمح .. والمعنى أنه حتى خبز الشعير لن يكون متاحاً بل سوف يحصل عليه الإنسان بصعوبة . الزيت والخمر فلا تضرهما : بالرغم من القحط والمجاعات المزمعة أن تأتي على العالم وسلطان هذا الفارس إلا أنه لن يستطيع أن ينزع من الكنيسة فرحها ( خمرها ) أو عمل الروح القدس ( زيتها ) . والمعنى الروحي في ذلك كله أنه بجانب المجاعات الحقيقية التي تأتي على العالم من حين لآخر فهناك أيضاً موتاً وهلاكاً ( فرس أسود ) نتيجة جوع الإنسان إلى كلمة الله وفقره منها ، ولكن الله يحفظ مراحمه دائماً لمن يحتمي فيه بعمل روحه القدوس بداخله وشبعه الدائم بدمه الأقدس والمرموز له ( بالخمر ) . + قبل أن تأتي أوقات صعبة تكون فيها كلمة الله شحيحة ، مثل انشغالك بأمور كثيرة أو إصابتك بأمراض أو قيام اضطهادات ، إنتهز الفرصة الآن واهتم بقراءة الكتاب المقدس وحضور الإجتماعات الروحية وتمتع بالتناول من الأسرار المقدسة . (4) الختم الرابع ( ع 7 ، 8 ) : ع 7 ، 8 : عند فتح الختم الرابع نادى الحيوان الرابع ( شبه النسر ) ( ص 4 : 7 ) بمثل ما نادى به سابقيه " هلم وانظر " ، أما ما رآه القديس يوحنا فكان : فرس أخضر : في الترجمة الإنجليزية وغيرها يسمى الفرس الباهت ( pale hourse ) وهو إشارة إلى بدعة وهرطقة تخرج بها شخصية دجال ولخطورته أطلق عليه " الموت " ، والموت ليس فقط إسماً له بل هو أيضاً نهاية من يتبعه ويتبع إيمانه . الهاوية تتبعه : الهاوية تعني الجحيم ، وترمز أيضاً لمكان قوى الشر ؛ والمعنى هو أنَّ مصير من يقبل هذا التعليم الغريب عن الإيمان هو الموت والهلاك ؛ وسوف يستخدم صاحب هذه البدعة ( الإيمان الغريب ) كل الوسائل المتاحة لمحاربة إيمان أولاد الله مثل القتل بالسيف لنشر دعواه أو التجويع والإضطهاد . بوحوش الأرض : أي أتباعه واستخدمت كلمة وحوش للدلالة على قسوة طباعهم وشدة فتكهم بالشعوب التي يدخلونها ويمتصون خيراتها . سلطاناً على ربع الأرض : أي مراحم الله لم تسمح لبدعة هذا المُضِلّ أن تنتشر في أكثر من ربع الأرض ، فالله هو الحافظ لإيمان أولاده ومهما كان الخطر شرساً ومدمراً فهو محدود أمام قدرته . + أخي الحبيب ... مخيف هو هذا الفرس الأخضر ... ألاّ ترى معي أنه إبتلع كثيرين ( ربع الأرض ) فاحترس واحرس بيتك وأولادك من أي إيمان غريب لا تعلِّم به كنيسة المسيح في إيمانها القويم ، ولا تنسَ أنَّ إسمه الموت والهاوية تتبعه . (5) الختم الخامس والرؤيا الجديدة ( ع 9 - 11 ) : بدءاً من الختم الخامس لا يصف القديس يوحنا أحداثاً تتعلق بالأرض وأزمانها .. بل رؤى سمائية بدلالات روحية جديدة ؛ فبعد أن حملت الأختام ( الثاني والثالث والرابع ) مشهداً للآلام والمرارة التي تعاني منها الكنيسة في رحلة جهادها ، ينقلنا الله الرحوم إلى مشهد يهدئ من روعنا يوضح لنا فيه أنه هو العادل والغير ناسي لآلام كنيسته حتى وإن انتظر حيناً . ع 9 : نفوس الذين قتلوا : كل من قبل الآلام والإستشهاد من أجل الإيمان وكلمة الحق . تحت المذبح : لما كان المذبح هو أقدس مكان في حياة الكنيسة ، حيث يلتقي فيه المؤمن بالمسيح الذبيحة والفادي والمخلِّص ، هكذا أخص الله الشهداء بأقدس مكان مماثل في السماء حيث تواجد المسيح الدائم والمستمر ، أي هم أقرب الناس مكانة له تعويضاً ، عن آلامهم ، فكل من يبذل حياته من أجل الله ، صار أكثر الناس قرباً منه وتمتعاً به . ع 10 : صرخوا بصوت عظيم : نفهم من هذه الكلمات الآتي ... 1- أنَّ القديسين الذين في السماء لهم مشاعر ، فالصراخ يأتي تعبيراً عن شعور . 2- أنهم يعرفون ما يحدث على الأرض وأنَّ السماء إمتداد لحياتهم فهم لم ينسوا ما حدث لهم . 3- الله يسمح للقديسين في السماء بالتحدث معه ويجيبهم أيضاً ( ع 11 ) . ولهذا كانت عقيدتنا في شفاعة القديسين تعبير عن إيمان كتابي ، إذ هم لم ينفصلوا عنا بل تغير شكل حياتهم فصاروا غير مشغولين بشئ سوى الله يتحدثون معه ويذكروننا أمامه . لا تقضي وتنتقم لدمائنا : ليس من اللائق أن نقول أنَّ أنفس القديسين تحمل معها في السماء الرغبة في الإنتقام .. بل هي مناجاة مع العدل الإلهي تقترب من الصلاة ... كما قال داود النبي " إلى متى يارب تنساني " ( مز 13 ) ، وهذه المناجاة والصلاة في معناها هي إعلان من الله لنا أنه لا ينسى دم أبنائه كما قال لقايين " دم أخيك يصرخ إلىَّ " ( تك 4 : 10 ) . ويمكننا أيضاً القول بأنَّ هؤلاء الشهداء القديسين لا يطلبون الإنتقام من أناس بأعينهم بل الإنتقام من كل مملكة الشر ، وهذا بالطبع جائز روحياً . ع 11 : لم يجب الله في البداية على طلبهم بل كافأهم مكافأة سمائية عظيمة ، فألبسهم أولاً ثياباً بيضاً رمزاً للبهجة والطهارة والقداسة ، ثم أعطاهم من فيض حبه راحة . زماناً يسيراً : أي سوف ينتظرون في حالة المجد والراحة هذه زماناً قليلاً مقارنة بأمجاد الأبدية . حتى يكمل العبيد رفقائهم : هنا جاءت إجابة الله على سؤالهم " حتى متى ؟ " ... فالله يعلمهم أنَّ زمن الكنيسة المجاهدة لم يكمل بعد .. ولازالت هناك بعض الإضطهادات التي تصل لحد الإستشهاد .. ولكن حينما يأتي الزمن المحدد وتستكمل الكنيسة شهادتها تأتي القيامة العامة وتستعلن دينونة الأشرار ومكافأة الأبرار . + ليتنا لا نهتز مما يمر بالكنيسة من ألم ... فهذا نصيبها طالما ظلت شاهدة للمسيح ضد العالم ، بل نضع كل ثقتنا ورجاءنا في المسيح ووعوده ، ونعلم أنه في تدبير حكمته أنَّ لكل شئ تحت السماوات وقت ... فلنتشدد بالصبر والثقة في مجازاة الله العادلة ، وليعطنا الله نعمة أن نكمل أيام غربتنا في سلام . (6) الختم السادس ونهاية الزمن ( ع 12 - 17 ) : ع 12 : هذا المشهد يحمل رؤية مقترنة بأحوال نهاية العالم قبل مجئ الرب الثاني وهي تكمل ما أنبأ المسيح به في ( مت 24 ) . زلزلة عظيمة : أي إهتزاز عظيم مخيف يناسب ويتناسب مع الحدث المزمع أن يتم ويرمز لاهتزاز إيمان الكثيرين . الشمس صارت سوداء : أي إختفاء السماء وكل نور وصار الظلام الدامس هو السائد وهذا يزيد المنظر حزناً ورعباً . وترمز الشمس للمسيح ، أي أنَّ المسيح أخفى معرفته عن الكثيرين لأجل إصرارهم على الخطية . القمر صار كالدم : أي من يلتمس ضوءاً قليلاً بعد اختفاء الشمس لن يجده . ويرمز القمر أيضاً إلى الكنيسة كما يصفها نشيد الأنشاد " جميلة كالقمر " ( نش 6 : 10 ) وبالتالي تحوله إلى دم يعني امتلاء الكنيسة بالشهداء . ع 13 : كما تتساقط ثمرات التين أو أي ثمر آخر أمام الرياح العاتية هكذا تتساقط نجوم السماء وتنحل الطبيعة كلها ... ( راجع ما قاله الرب في مت 24 : 29 ) وترمز النجوم إلى قيادات في الكنيسة تسقط وتبعد عن الإيمان مثل الهراطقة . ع 14 : يستمر القديس يوحنا في وصف المنظر العتيد أن يحدث ، فبعد أن زالت عناصر الحياة المادية والطبيعة المتعارف عليها تنفتح السماء ككتاب كان مغلقاً وملفوفاً ، وهذا التشبيه معناه أنه ما كان مخفياً مثل الكتابة الداخلية على ورق الدرج سوف يعلنه الله للجميع . كل جبل وجزيرة تزحزحا : المعنى المباشر يمكن ضمه لعلامات نهاية العالم ، فبعد زوال الشمس والقمر والنجوم هكذا تزول الجبال وتتزحزح الجزائر نتيجة إنتهاء الجاذبية بزوال الشمس . ولكن المعنى الروحي هو الأقرب هنا فالجبال والجزائر تشير إلى ممالك العالم ، سواء كانت شامخة كالجبال أو متعددة ومتفرقة كالجزائر ، فإنها لا ثبات ولا قيمة لها أمام مجئ الرب المخيف ، وهذا المعنى يتمشى بالأكثر مع الوصف الروحي في الآية القادمة . ع 15 : ملوك الأرض والعظماء والأمراء والأقوياء : هم كل من توقع الناس منهم الثبات أمام الشدائد والنجاة منها لقوتهم وكثرة أموالهم وسلطانهم الأرضي . كل عبد وكل حر : أي كل الفئات الباقية في المجتمع سوف ينطبق عليها ما انطبق على سابقهم . أخفوا أنفسهم في المغاير : تعبير مجازي الغرض منه بيان شدة الخوف والرعب والرغبة في الهرب والإختباء مع عدم توافر ذلك ، فكيف يختبئ الإنسان أو يجد طريقاً بعد سقوط النجوم واختفاء الشمس والقمر ... أو كيف يختبئ الإنسان من وجه الله ؟! والمعنى أنه كل ما يفتخر به الإنسان سواء كان رئاسة أو رتبة أو أموالاً كثيرة أو قدرة عقلية لن ينفع الإنسان في شئ . + تذكر معي أيها الحبيب أنَّ المتواضعين فقط هم الذين يجدون نعمة أمام الله ( لو 1 : 30 ) ، فليتنا نتعلم ألاّ نفتخر بشئ سوى الله ذاته ونسبنا له ( 2كو 10 : 17 ) . ع 16 ، 17 : من هول المنظر وشدته على غير المستعدين لمقابلة العريس السماوي يتمنون الموت أو الإختفاء النهائي ولا يجدون شيئاً من هذا فيصرخون مخاطبين الجبال والصخور أن تسقط عليهم حتى لا يواجهوا الله الآب ( الجالس على العرش ) ، أو الله الإبن ( الخروف ) ، وقد علموا بالروح أنَّ هذا هو يوم غضبه أي يوم مجيئه الثاني واستعلان دينونته العادلة عليهم ، ومن ذا الذي يستطيع الوقوف أو الدفاع في هذا اليوم ، وهو الذي أمامه " يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص " ( رو 3 : 19 ) . + يحمل طقس الكنيسة الكثير من المعاني الروحية في حركاته .. فعند نهاية القداس يحمل الكاهن جسد المسيح في الصينية واضعاً إياه مرتين في دورتين تمثلان مجيئين للسيد المسيح ، الأول الذي من أجل الفداء والرحمة .. والثاني من أجل الدينونة العادلة ، ويهتف الشعب في الدورتين " مبارك الآتي باسم الرب " خاشعاً وساجداً ومعبراً عن مخافة هذا اليوم العجيب ، يوم مجئ المسيح الثاني ... إرحمنا يارب ... ثم ارحمنا .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح