كلمة منفعة
احتفلنا في الأسبوع الماضي بعيد التجلي المجيد.وكان تجلي السيد المسيح، وتجلى موسى وإيليا معه، عربونًا لتجلي الطبيعة البشرية كلها بوجه عام.
— التجلي
سفر رؤيا يوحنا 21
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 21
الرؤيا
الإصحاح رقم 21
الأصحاح الحادى والعشرون :
وصف أورشليم السماوية
يحدثنا في هذا الأصحاح عن "الوطن السماوي"، أو كما يقول القديس أغسطينوس: [الكنيسة السماوية.]
1. كنيسة واحدة 1 - 8.
2. كنيسة مقدسة 9 - 11.
3. كنيسة جامعة رسولية 12 - 14.
4. مقاييسها 15 - 17.
5. بناؤها 18 - 27.
1. كنيسة واحدة
كثيرون من الفلاسفة والأدباء والشعراء أمثال أفلاطون أخذوا يرسمون لنا مدنًا مثالية حسبما تتصورها أذهانهم، يسنّون لها قوانين ونظمًا ومبادئ حسبما تمليه عليهم فلسفتهم وفكرهم. لكن سرعان ما تندس في وسط تخيلاتهم مبادئ خاطئة أو خيالية فتخرج المدينة ناقصة مملوءة ضعفات. أما الرسول يوحنا فلم يحذو حذوهم، بل صعد بالروح فرأى كنيسة حقيقية مثالية خالدة، هي في حقيقتها "لقاء الله مع المؤمنين" أو قل هي "وحدة سماوية". ولما كان هذا الأمر يصعب رسمه أو التعبير عنه، لهذا سجل لنا ما رآه فعلاً لكن في رموز بسيطة تاركًا لنا أن نتعمق فيها لندرك ونتذوق ما عليه هذه المدينة السماوية على قدر ما تستطيع قامتنا الروحية أن تدرك بإرشاد الروح.
"ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا".
لقد أوضح لنا الرب يسوع أن الخمر الجديدة لا توضع في زقاق قديمة، بل في زقاق جديد، هكذا نحن خمر ملكوته إذ نخلع هذا الجسد الفاسد لنلبسه في عدم فساد، وهذا المائت في عدم موت. نقوم في مجد وقوة، لنا أجسام روحانية (1 كو 15: 42-44) لهذا يضعنا الرب في سماء جديدة.
يليق بنا كأبناء ملكوت جديد ألا نعود بعد إلى هذه الأرض، لأنه كما أكد لنا ربنا يسوع: "السماء والأرض تزولان". وقد طمأننا الرسول بطرس أنه بمجيء يوم الرب "تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12-13). نسكن في "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح.
ولعل قوله "سماء جديدة وأرض جديدة" يحمل معنى آخر أيضًا، هو أنه مع زوال كل ما هو قائم حاليًا سنعود إلى سماء جديدة، أي نلتقي مع "الرب إله السماء"، ومع السمائيين في شركة مبدعة جديدة في كمالها وتمامها.
ونلتقي أيضًا مع إخوتنا الذين كانوا معنا على الأرض في "أرض جديدة"، أي في لقاء حب من صنف جديد، في وحدة تامة وكاملة في شخص الرب يسوع. إنه لقاء كنيسة واحدة تذوق الوحدة الأبدية في صورة ليس لها مثيل، لهذا يقول "والبحر لا يوجد فيما بعد" [1]. ليس للبحر موضع هناك، إذ يشير البحر إلى الانقسام والانشقاق حيث يفصل البلدان أو الدول أو القارات، أما في السماء فالكنيسة ليس فيها ما يفصل أعضاءها عن بعضهم البعض. والبحر يشير إلى الاضطراب والقلق، إذ يقول الكتاب: "أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ ويقذف حمأة وطينًا" (إش 57: 20). فالكنيسة السماوية لا يختفي فيها شرير واحد، بل مع كمال وحدتها يسودها سلام داخلي وخارجي.
اسم الكنيسة
"أنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها" [2].
رأى يوحنا الرسول ما أعده الله لنا أو رآنا بروح النبوة ونحن في المجد، وإذ عاد ليخبرنا بما رأى لم تسعفه اللغة البشرية، إذ يعلم مدى اشتياقاتنا للمعرفة، وفي نفس الوقت يريد الروح القدس أن نعرف، لهذا سجل لنا ما رآه خلال رموز بسيطة فقال إنه رأى "المدينة". إنني أظنه كطفل بالكاد يعرف اللغة، لم يرَ طائرات من قبل، دخل مطارًا ضخمًا فرأى مئات الطائرات، فعاد ليقول "رأيت حمامًا كبيرًا على الأرض". هكذا يقول الرسول عن الأبديّة إنها "المدينة". هي في حقيقتها مسكن الله مع الناس، لهذا سماها "المدينة".
وإذ أدرك أحضان قدوس القديسين المفتوحة للقاء قديسيه، دعا ذلك اللقاء "المدينة المقدسة". إنها امتداد للكنيسة المقدسة، إذ أنه حال فيها قدوس القديسين.
وحينما أراد أن يعطيها اسمًا دعاها "أورشليم الجديدة"، أي مدينة الله الجديدة، وتبقى جديدة لأن ما هو أخروي جديد ويبقى جديدًا لا يصيبه القِدَم، لأنه لا يكون زمان ولا عوامل فناء ولا فيها ما يفقدها جمالها وضياءها المتقد بنور الرب.
أما سرّ قداستها وجدتها فهو إنها "نازلة من السماء من عند الله". ومع إنها هي السموات بعينها لكنها "نازلة من السماء" كالأم الحنون التي تفتح أحضانها وتركض لتحتضن طفلتها التي طالما اشتاقت إليها. هكذا تتوق الأبدية إلينا لأننا لسنا غرباء عنها بل أعضاء فيها. بنزولها من السماء من عند الله، تقدم لنا رجاء في أننا أبناء لها وأعضاء أحياء فيها، فلا يراودنا اليأس بحجة ضعفنا أننا لا نصلح لها.
في نزولها من عند الله تعلن حب الله للبشر واشتياقه إلى اللقاء معهم، فهو دائمًا المبادر بالحب. وهو الذي يهتم بهم، إذ "أن الله لا يستحي أن يُدعى إلههم، لأنه أعد لهم مدينة" (عب 11: 16). وقد لمس إبراهيم أب الآباء في الأبديّة عمل الله تجاهه، فقيل عنه أنه كان "ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).
وأخيرًا إذ رأى الرسول أن كل ما في المدينة يتلألأ جمالاً لم يعرف بماذا يصفها فقال: "مهيأة كعروسٍ مزينة لرجُلِها". إنها عروس واحدة مزينة بزينة عريسها التي أهداها لها.
هكذا عبر الرسول عن اللقاء الأبدي حين رآه، فبماذا عبر الصوت السمائي عنه؟
"وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً:هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" [3].
لم تجد السماء اسمًا لهذه المدينة الجديدة والأرض الجديدة والسماء الجديدة يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن اللّه مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يقاس ولا يقارن باشتياق الله للسكنى معنا. يا لعظم محبة اللّه الفائقة! كأن الله ينتظر الأبديّة ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجًا إلى عبوديتنا بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته.
لهذا يبدأ بالقول "وهم يكونون له شعبًا"، أي أنهم هم المحتاجون إليه، وهو يسكب حبه عليهم، إذ "الله نفسه يكون معهم إلهًا لهم". إنه إله كل البشر، وإله المؤمنين. لكن في الأبدية ينعم أبناء الملكوت بمفاهيم أعمق وعذوبة أكثر في ربوبية الله لهم.
وأخيرًا يمكننا من خلال قراءتنا للأصحاحين 21 و22 أن نفهم ماذا تعنيه الكنيسة السماوية الواحدة وهو:
1. أنها المسكن الأبدي الذي يقول عنه الرب: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا"، وقد قدمه لنا الرسول واصفًا لنا أبعاده ومواد بنائه في أسلوب رمزي بسيط.
2. إنها الوجود في حضرة العريس السماوي واللقاء الدائم معه، إذ هي "مسكن الله مع الناس" لهذا حدثنا عن شخص العريس وعمله مع شعبه.
3. إنها جماعة المؤمنين الغالبين "الذين يحسبون سماء"، ليس في الحياة الأبدية فحسب، بل وهم على الأرض. إذ يقول القديس أغسطينوس [الإنسان الروحاني في الكنيسة هو السماء... الكنيسة هي السماء... والسماء هي الكنيسة.]
حال الكنيسة الواحدة
1. "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم": وكما يقول العلامة ترتليان أن الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلاً، إذ ما كان لها أن تجف ما لم تمسحها الرأفات الإلهية. طوبى لأصحاب العيون الباكية، لأن الله بنفسه يمسحها ويطيِّبها!
2. "والموت لا يكون فيما بعد": وكما يقول النبي "يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" (إش 25: 8).
3. "ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد. لأن الأمور الأولى قد مضت" [4]. لقد مضى العالم القديم بما يحمله معه من سمة للنقصان وقابلية للفناء، وصار كل ما في الأبدية جديدًا مفرحًا ومبهجًا للكل.
4. "وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شيء جديدًا". في العالم الآخر لا نجد ما تسأمه النفس، ولا ما تملّ منه، إذ ليس فيها شيء يعتق ويشيخ بل لحظة فلحظة - إن صح هذا التعبير - نجد كل شيء جديدًا. إذ نحن ماثلون أمام الله الذي لا تشبع النفس من اشتهائه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أن رؤية الله بالضبط لا تَشبع النفس من اشتهائه. وهذا يتم إلى الأبد والنفس ذاهبة من بدء إلى بدء ببداءات لا تنتهي]. كلما تأمل الإنسان الله رآه كأنه لأول مرة يراه جديدًا في نظره، فيزداد شوقًا إلى السجود له والنظر إليه، ويستمر هكذا بلا نهاية.
ولما كان هذا الأمر مجيدًا حتى ليستعصب الكثيرون نواله، أراد الرب أن يبعث فيهم رجاء فقيل للرسول: "وقال لي: اكتب فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة، ثم قال لي: قد تم" [5]. إنها أمور حقيقية واقعية قد أتم الله تهيئتها للبشر، ولم يبقَ سوى أن ندخل ونرث. وكأنه يقول لعروسه: "الله بالحق قد أعد بيت الزوجية وبقي أن تأتي صاحبة البيت".
أما مقدم الدعوة فيقول: "أنا هو الألف والياء. البداية والنهاية". وقد سبق لنا شرح هذا القول. إنه يقول: إنني لغة السماء أعلمكم التسبحة الجديدة، وأنا رأس الكل أتيت أخيرًا لكي أحتضن الجميع وأجمعهم معي.
إنني لا أبخل على أحد، بل أقدم ذاتي ينبوع ماء حياة مجاني لكل طالب "أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا" [6]. يقدم نفسه لكل ظمآن يشعر بالحاجة إليه، القائل مع المرنم: "كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله. صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك؟" (مز 42: 1-3). لهذا ينادي الرب قائلاً: "إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب" (يو 7: 37). وحتى لا يسيء أحد إلى فهم مجانية الماء الحي عاد ليؤكد لنا أن الميراث الأبدي لا يناله إلا المجاهدون المثابرون، لهذا يقول: "من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلهًا وهو يكون لي ابنا" [7].
إنه يعطي للغالبين... فماذا يأخذون؟
"يرث كل شيء!" إنه كأب رأى الأيام التي كان فيها ابنه قاصرًا قد انتهت، وقد صار الآن ناضجًا، فيقدم له كل أمواله وممتلكاته ويسلمه كل شئونه وأسراره، وإن استطاع أن يقدم له كل قلبه. إنه يورّثه كل شيء وهو بعد حي! هذا ما يعنيه بقوله: "يرث كل شيء". لهذا يكمل قائلاً: "وأكون له إلهًا، وهو يكون لي ابنًا". حقًا بالمعمودية صرنا أبناء ولكننا ندرك كمال بنوتنا حين نتسلم الميراث الأبدي!
أما غير المجاهدين وغير المؤمنين فليس لهم نصيب معه إذ يقول:
"وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني" [8].
لقد بدأ هذه القائمة المرة بالخائفين، أي الجبناء الذين ينكرون الإيمان خوفًا على حياتهم الزمنية، وهؤلاء أشر الفئات. ويليهم "غير المؤمنين" لأنه بدون إيمان لا يمكن أرضاؤه. ويليهم صانعو الشر أي "الرجسون والقاتلون..." أي المؤمنون اسمًا لكن أعمالهم لا تتناسب مع الإيمان. وإننا نجده يركز على الكذب فيقول "وجميع الكذبة"، ولعله يقصد بالكذب أولئك الذين يستخدمون الغش والخداع في معاملاتهم وأحاديثهم.
2. كنيسة مقدسة
"ثم جاء إلى واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوءة من السبع الضربات الأخيرة، وتكلم معي قائلاً: هلم فأريك العروس امرأة الخروف" [9].
اختار الرب أن يرسل ملاكًا من الذين معهم السبعة الجامات ليرى الرسول "العروس امرأة الخروف"، وذلك ليظهر لنا حب هؤلاء الملائكة لنا وحنانهم تجاه البشر، فمع كونهم يسكبون الجامات لكنهم يتوقون إلى رؤية البشر في حالة تقديس كامل، ليس فقط هكذا بل ويريدون أن يعلنوا ذلك لكل أحد.
ستكون الكنيسة في قداستها موضوع إعجاب الملائكة، فيترنمون مع المرتل قائلين: "جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير..." ويناجيها العريس نفسه إذ يرى فيها جمالاً، فيقول "ها أنت جميلة يا حبيبتي..." (نش 1: 15). هذا الجمال السماوي الذي هو القداسة المشعة من الله تجاه أولاده.
أما سر قداستها فهو:
1. "علوّها وسموّها": "وذهب بي الروح إلى جبلٍ عظيمٍ عالٍ، وأراني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة" [10]. إنها مرتفعة جدًا، سماوية، لا يقدر أن يقترب إليها إبليس أو جنوده، لأنهم ملقون في البحيرة المتقدة.
2. "نازلة من عند الله" [10]. سرّ قداستها إنها مرتفعة كما رأينا، وإنها "نازلة من السماء من عند الله". ففي علوِّها لا يقدر أحد أن يصعد إليها، وبنزولها من السماء يعلن أن الله يُصعدنا إليه. يقول القديس أغسطينوس إنه لا يستطيع أحد أن يصعد إلى شركة أورشليم السمائية ما لم يؤمن أن صعوده لا يتم بقوته الذاتية بل بعمل الله. وبنزولها أيضًا يعلن لنا أنه يجب علينا أن نختبر الحياة السماوية ونحن هنا على الأرض قبلما يأتي يوم الرب لنرتفع معه وبه. يقول القديس إكليمنضس الإسكندري إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة... وبسلوكنا في السماويات نصير كمن هم في السماء!
3. "لها مجد الله شبه أكرم حجر كحجر يشب بلوري" [11]. مجدها ليس من ذاتها، بل مجد الله المُشرق عليها. وهي كالبلّور تستقبل الأمجاد الإلهيّة. فكما أنه هو "في المنظر شبه حجر يشب" (رؤ 4: 3)، هكذا باتحادنا به وتقبلنا إشعاعات مجده نصير كحجر يشب بلوري. هو شمس البرّ يتلألأ جمالاً، ونحن كالبلور الذي يحيط به من كل جانب حتى تختفي فينا ملامح البلّور ولا يظهر إلا الإضاءات القوية من شمس البرّ علينا. إن كل واحد منا كالبلّور يرى في أخيه مجد الله، وأخوه يرى فيه مجد الله. هكذا يصير الله الكل في الكل.
3. كنيسة جامعة رسولية
"وكان لها سور عظيم وعال"
من هو السور؟
يقول المرتل "لأنك أنتَ إله حصني" (مز 43: 2). الله هو حصن الكنيسة السماوية وملجأها، في ستره نسكن وفي ظله نبيت (مز 91). هذا السور يجمع شمل الكنيسة الجامعة في وحدة كاملة لا يدخلها عدو، أي إبليس وأعماله لكي يقسمها أو يفرق أعضاءها. وكما يقول القديس أغسطينوس: [طوبى للذي يسكن في المدينة التي لا يخرج منها صديق ولا يقتحمها عدو!]
هذه الكنيسة أو المدينة جامعة يجمع سورها شمل الكنيسة كلها. كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد وهى رسولية على أساس سورها أسماء رسل المسيح إذ يقول:
"وكان لها إثنا عشر بابًا وعلى الأبواب إثنا عشر ملاكًا، وأسماء مكتوبة هي أسماء أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر. ومن الشرق ثلاثة أبواب، ومن الغرب ثلاثة أبواب، ومن الشمال ثلاثة أبواب، ومن الجنوب ثلاثة أبواب. وسور المدينة كان له إثنا عشر أساسًا، وعليها أسماء رسل الخروف الاثنى عشر" [12-14].
لقد جمعت بين أسماء الأسباط الإثنى عشر، أي رجال العهد القديم وأسماء رسل المسيح، أي رجال العهد الجديد لأنها كنيسة واحدة، أما اليهود المنشقون عنها برفضهم الإيمان، فلم يعد لهم مكان إذ انتزع عنهم نسبهم الروحي للأسباط وصاروا غير مؤمنين. وتشير الأبواب الإثنا عشر إلى افتتاح الأبواب من كل جانب لكل أبناء الملكوت. أما توزيع الأبواب في كل الجهات فذلك لكي لا يضل أحد من الراغبين في الميراث الأبدي عن البلوغ إلى داخله.
4. مقاييسها
"والذي كان يتكلم معي كان معه قصبة من ذهب، لكي يقيس بها المدينة وأبوابها وسورها" [15].
إن أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهي قصبة من ذهب أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تقاس إلا بما هو روحي سماوي.
"والمدينة كانت موضوعة مربعة طولها بقدر العرض، فقاس المدينة بالقصبة مسافة إثنى عشر ألف غلوة للطول والعرض والارتفاع متساوية" [16].
هي مربعة لها أربعة زوايا متساوية، إشارة إلى أن حاملها الأناجيل الأربعة التي ترتفع بالمؤمنين تجاه السماويات وتهيئهم ليكونوا عروسًا سماوية بقوة الكلمة. أما قياسها 12000 غلوة فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، 1000 يشير إلى السماء، أي تتسع لكل أبناء الملكوت السمائيين.
"وقاس سورها مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان، أي الملاك" [17].
يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة (كنيسة العهد القديم 12 كنيسة العهد الجديد 12) التي هي مسورة بسور واحد لتنعم بإله واحد. أما الذي قاس فهو ملاك لا إنسان أرضي حتى لا نتخيل في السماء ماديات وأرضيات.
5. بناؤها
1. السور
"وكان بناء سورها من يشب، والمدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي" [18].
إنها مسورة بالله ذاته حافظها، وهي من ذهب نقي شبه زجاج نقي أي سمائية طاهرة.
"وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم. الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض. الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر أسمانجوني. الثاني عشر جمشت" [19-20].
أولا: تشير هذه الحجارة الكريمة إلى رسل المسيح، إذ هي كنيسة رسولية، كما يقول الكتاب: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء والمسيح نفسه حجر الزاوية" (أف 2: 20).
ثانيًا: تشير الحجارة الكريمة إلى الفضائل الإلهية التي يهبنا الله إياها لأجل تزيينا. فالأساس الذي نبني عليه في الأبديّة هو الفضائل الإلهية التي يهبنا عربونها في هذه الحياة خلال جهادنا. وهناك تتلألأ فينا في مجد سماوي. لهذا يُعزي الرب الكنيسة المجاهدة قائلاً لها: "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية. هأنذا أبني بالإثمد حجارتك. وبالياقوت الأزرق أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتًا وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة.... هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي يقول الرب" (إش 54: 11-17).
ثالثًا: إذ يشير رقم 12 إلى أبناء الملكوت، فكأن كل ابن للملكوت يتزين بزينة إلهية مختلفة عن أخيه، لكنها ثمينة وجميلة. وهكذا تكمل الكنيسة بعضها البعض في وحدة بالغة.
2. الأبواب
"والإثنا عشر بابًا إثنتا عشرة لؤلؤة، كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة".
الرب يسوع هو "اللؤلؤة" كثيرة الثمن من أجلها يبيع الإنسان كل ماله ليقتنيها (مت 13: 46). فأبناء الملكوت جميعهم الداخلون من الأبواب باعوا العالم واشتروا اللؤلؤة. ومن ناحية أخرى نجد أنه من كل جانب يظهر ثلاثة أبواب أي الثالوث القدوس. فكأن الثالوث القدوس من كل جانب يبهج نظر الشعوب لتبيع ما تملكه وتقتني الأبدية، فتدخل إلى الميراث المعد لها.ويرى البعض أن الإثني عشر بابًا أيضًا تشير إلى الإثنى عشر هؤلاء الذين جعلهم "الباب الفريد" أي الرب يسوع أبوابًا، عن طريق كرازتهم تدخل الشعوب إلى الإيمان به.
3. السوق (الساحة)
"وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف" [21].
وسوق المدينة يشير إلى صنف ما من الأبرار. على أي الأمور كل المدينة ذهب نقي، أي سماوية ليس فيها أمر أرضي، وزجاج شفاف ليس فيها دنس أو تعقيد بل بساطة ونقاوة قلب.
4. الهيكل
"ولم أر فيها هيكلاً،لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها" [22].
أ. لقد طالب الله الشعب القديم أن يقيموا خيمة اجتماع، يجتمع فيها الله مع الناس، خلال الرموز والظلال. ثم عاد فطلب بناء هيكل يحمل معنى وجود الله وسط البشر.
ب. وإذ انحرف اليهود ورفضوا الرب خرب الهيكل بعدما قدم لنا الرب جسده هيكلاً جديدًا (يو 2: 19)، وإذ صرنا نحن من لحمه وعظامه (أف 5: 30)، صرنا به هيكلاً مقدسًا (1كو 3: 16-17)، وأصبحنا بناء الله (1 كو 3: 9).
ج. وفي نفس الوقت سلّمنا الذبيحة غير الدمويّة في خميس العهد وطالبنا أن تُقدم في هيكل العهد الجديد، عربون الهيكل الأبدي.
د. أما في الأبدية فلم يرَ الرسول هيكلاً، لا لأنه غير موجود، بل لأن "الرب الله القادر على كل شيء هو الخروف هيكلها". إنه هيكل هذا اتساعه وهذه إمكانياته، هيكل لا نهائي سرمدي!
5. الإضاءة
"والمدينة لا تحتاج إلى الشمس، ولا إلى القمر، ليضيئا فيها لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها" [23].
انعدمت وسائل الإضاءة المادية لأنه قد صار لنا الرب شمسًا وسراجًا.
6. مجدها
"وتمشي شعوب المخلصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. وأبوابها لن تغلق نهارًا، لأن ليلاً لا يكون هناك. و يجيئون بمجد الأمم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شيء دنس، ولا ما يصنع رجسًا وكذبًا، إلا المكتوبين في سفر حياة الخروف" [24-27].
على ضيائها وبنورها يسير كثيرون تجاهها، إذ يقول الرب: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات" (مت 8: 11). يأتون بمجدهم وكرامتهم، أي نازعين كل مجد أرضي وكرامة زمنية من أجلها.
يأتون بإرادتهم لا قسرًا أو إلزامًا، فالأبواب مفتوحة للكل والدعوة للجميع إذ يريد الله أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. يأتون ليجدوا أبوابها لن تغلق، إذ تستقبل الكل بلا محاباة بين غني أو فقير، عبد أو حر. يأتون نهارًا، لأنه لا يدخلها في الظلمة ولا يتسلل إليها من يصنع دنسًا أو رجسًا أو كذبًا.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الحادى والعشرون
آية (1):- "1ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ."
هذا نفس ما قيل فى (إش17:65) + (إش22:66) + (مت35:24) سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا.
1. السَمَاءً الجَدِيدَةً وَالأَرْضً الجَدِيدَةً هى ما قيل عنها ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان...(1كو9:2) وعن أن الأرض تزول والسماء تزول " تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب. ولكننا بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضا جديدة " (2بط13،12:3).
2. راجع (رو19:8-22) ومنها نفهم أن الأرض والسماء (ما نراه حاليا من سماء الكواكب) هى فى حالة مؤقتة بسبب لعنة الخطية (تك17:3) ولكن سيعاد تكوين الكون ، ولكنه سيكون فى حالة مجد تتناسب مع ما حصل عليه الإنسان من حالة مجد وحرية من الشر. ستكون هناك أَرْضً جَدِيدَةً تنتهى منها صورة اللعنة وهكذا سَمَاءً جَدِيدَةً لا تغضب على الأرض، أى تختفى الظواهر الطبيعية المدمرة. ويكون الكل فى حالة جمال فائق.
3. السَمَاءً الجَدِيدَةً هى لقاء مع الرب على مستوى جديد وشركة جديدة لم نختبر مثلها ونحن فى الجسد الترابى. وَالأَرْضً الجَدِيدَةً هى علاقتنا مع البشر إخوتنا فى محبة كاملة. والسَمَاءً الجَدِيدَةً هى علاقة محبة وأخوة مع السمائيين من الملائكة (رؤ10:12) والكل متحد مع الرب يسوع فى وحدة أبدية.
وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ = البحر بمياهه المالحة يشير لشهوات العالم الخاطئة والبحر بإضطراباته وأمواجه يشير للحياة المضطربة على الأرض ويشير للموت، فمن يحيا فى البحر لابد أنه سيموت. وكل هذا قد إنتهى فى السماء ، فالسماء هى سلام عجيب دائم وإرتواء دائم وشبع دائم وبلا قلق (إش20:57). والبحر يشير أيضا للفواصل بين الناس. وهذا لا يوجد فى السماء.
آية (2):- "2وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا."
هناك تشبيه طريف للقمص تادرس يعقوب يفسر هذه الآية فقد قال عن يوحنا أنه كطفل صغير بالكاد يعرف اللغة ولم ير طائرات من قبل ودخل مطارا ورأى فى المطار طائرات كثيرة فعاد ليقول رايت حماما كبيرا على الأرض. وهنا مع مفردات اللغة البشرية المحدودة (العاجزة عن التعبير عن السماويات) التى يعرفها يوحنا أطلق على المكان الذى سنكون فيه مع الله فى السماء مسكن ومدينة فهى مدينة لأن الله يسكن فيها مع البشر، ولأن الله يسكن فيها أسماها الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ وهى أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ = هى الكنيسة وهى جديدة فى مقابل أورشليم القديمة التى سكن الله فيها مع شعبه فى القديم وهى جديدة فكل علاقة لنا مع الله فى السماء ستكون جديدة، على مستوى جديد لم نختبره من قبل على الأرض وهى جديدة لأن كل ما فى السماء سيظل جديدا بصفة دائمة لا يصيبه القدم، والإحساس بالقدم يسبب زهد وملل الإنسان فى الشىء، أما لو ظل جديدا فى نظر الإنسان فهذا يشير للتعلق بالشىء والإعجاب به، وهذا سيكون شعورنا تجاه السماويات، لن نمل أو نزهد فيها أبدا.
نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ = أى لها مجد الله وهى نازلة أى لتستقبل الغالبين ولترفعهم إليها كما نزل المسيح من السماء ليرفعنا إليه فى السماء، فهنا نسمع أن أورشليم ستنزل من السماء لترفعنا للسماويات. مِنْ عِنْدِ اللهِ = فهو الذى أعدها لنا. هو أصل وجودها ومنبعها السماوى. ولنلاحظ أن الكنيسة رأسها فى السماء وهو المسيح، وجسد المسيح يمتد عبر الزمان والمكان ليجمع الكل فيه ويصعدهم للسماء. الله فى محبته هيأ لعروسه هذه المدينة السماوية فهى عروس المسيح والمسيح أعطاها حياته، وهى لبست المسيح فزينها كعروس له = مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ.
مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا = زينها المسيح بالفضائل والكمالات التى أهداها لها.
آية (3):- "3وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً:«هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ."
مَسْكَنُ اللهِ = رمزا للإستقرار النهائى فى حضن الله، هناك نرى الله وجها لوجه . مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ = ولم يقل مسكن الناس مع الله، فالله هو المشتاق بالأكثر لأن يسكن مع الناس. فحينما دعاه إبراهيم ليدخل خيمته ويأكل طعاما دخل الله وهو لا يحتاج للأكل لأنه يريد أن يدخل بيت إبنه إبراهيم ويفرح به وهو الذى طلب أن يصنعوا له خيمة إجتماع ليجتمع بهم ويسكن فى وسطهم.
وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ = هم كانوا شعبه وهم على الأرض ولكن الآن سينعمون بمفاهيم أكثر عمقا لعلاقتهم مع الله، وسيشعرون بلذة جديدة لهذه العلاقة وهذا ما بشر به السيد المسيح مريم المجدلية "قولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم" (يو17:20). حقا الله هو إله كل البشرية سواء كانوا أبرار أو أشرار، ولكن المسيح بفدائه صنع صلحا وصرنا لله شعبا خاصا له ينعم علينا بخيراته ومحبته. المسيح أعادنا للأحضان الإلهية، لذلك يوجد فى شرقية الهيكل فى الكنائس جزء مستدير مواجه للمذبح يسمى حضن الآب. فالمسيح بجسده ودمه اللذان على المذبح أعادنا لحضن الآب. المسيح أعادنا فيه لحضن الآب ونحن فى المسيح صرنا أبناء لذلك فلا إنفصال بين الله والانسان، عدنا لأحضان الهنا وابونا السماوى = "أبى وابيكم"، "إلهى وإلهكم". فى المسيح صرنا كالإبن الضال الذى عاد لأحضان أبيه "فوقع على عنقه وقبله" (لو20:15).
آية (4):- "4وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ»."
سَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ= ففى السماء فرح كامل وعزاء كامل ولكن السؤال، هل سيكون هناك دموع ليمسحها الله؟ قطعا لا دموع فى السماء حيث الفرح الكامل. ولكن المعنى أن الله سيعطينا أن ننسى كل الآلام والجروح السابقة. فمن المعلوم أن هناك جروحا نفسية وآلام نفسية ناتجة عن أحداث مؤلمة تحدث للإنسان فى الماضى، ولكنه لا ينسى جروحها أبدا مع الزمن، وكل ما يتذكرها يتألم وتهيج فيه جروحه مهما إنقضى من زمان. ولكن فى السماء لن نذكر شيئا موجعا ولا مؤلما، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ = أى لا حزن ولا صراخ ولا مرض ولا ألم.... فلا خطية هناك . وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ = ستكون لنا حياة أبدية ويبتلع الموت (إش8:25) . لاَ يَكُونُ حُزْنٌ = أورشليم السمائية هى مكان الفرح الدائم الحقيقى.
آية (5):- "5وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ:«هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!». وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ»."
كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا = المعرفة والفهم وأجسادنا الممجدة كل هذا سيكون جديدا.
ولن تسأم النفس ولن تشعر بالملل من أى شىء، إذ ليس فيها شى يعتق أو يشيخ، بل يشعر المؤمن أن كل شىء كأنه جديد يراه لأول مرة ويفرح به. فرؤية الله لا تشبع النفس. بل يزداد الإنسان شهوة لرؤية الله ومعرفته وإكتشاف محبته ومجده والنظر إليه والسجود له وهذا يمتد إلى ما لا نهاية . اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ = ربما لا يصدق الإنسان أن الله أعد له كل هذه الأفراح لذلك يؤكد الله لنا صدق هذه الأقوال.
آية (6):- "6ثُمَّ قَالَ لِي:«قَدْ تَمَّ! أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّانًا."
قَدْ تَمَّ = كل ما وعد به الله قد تم. فالله قد أعد بيت الزيجية، وتم الزمان لتدخل العروس له وتكون فى أفراح وأمجاد ابدية.
أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ = أنظر تفسير آية (رؤ8:1) أنا أصل كل الأشياء وستؤول لى كل الأشياء.
أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ = ينبوع ماء الحياة هو إشارة للروح القدس. وهذا هو نفس ما قاله السيد المسيح للسامرية (يو10:4).
وراجع أيضا (يو37:7-39). والله يعطى الروح القدس للعطشان ليرويه أى من يشعر بالإحتياج فيطلب، فالله يعطى الروح القدس للذين يسألونه (لو13:11).
مَجَّانًا = 1) لأن المسيح دفع الثمن بدمه 2) يستحيل أن نقدر على الثمن
قصة:- صنعوا دواء لمرض خطير تكلف 700 مليون جنيه إسترلينى وصنعوا منه ما يكفى لعلاج شخص واحد وأرادوا تجربته، وجاءت لهم إمرأة، إبنها مصاب بهذا المرض ليجربوا فيه الدواء، وشفى الولد وسألت عن الثمن فقالوا لها أنه مجانا لأن السيدة ستعجز عن دفع الثمن لأنه باهظ. فهل نستطيع نحن أن ندفع ما يقابل دم المسيح.
آية (7):- "7مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا."
مَنْ يَغْلِبْ = حقا لا يوجد ما يساوى دم المسيح، ولكن الروح القدس، وميراث السماء لا يعطى إلا لمن يجاهد ويغلب ولا يتكاسل، وماذا يعطى الغالب؟
يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ = يرث الله يرث مع المسيح (رو17:8) فإكليل البر لا يوضع سوى لمن جاهد الجهاد الحسن وأكمل السعى (2تى8،7:4).
آية (8):- "8وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي»."
هؤلاء لا يرثون مع المسيح بل َنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِالنَارٍ وَالكِبْرِيتٍ.
الْخَائِفُونَ = أى الجبناء الذين ينكرون الإيمان خوفا على حياتهم الزمنية ومصالحهم المادية. وهؤلاء أشر الفئات لذلك تصدروا القائمة. ولكن من الذى ينكر؟ لا ينكر إلا الضعيف. وإذا كان الروح القدس هو روح القوة (2تى7:1). والروح القدس هو الذى يشهد فينا إذا وقفنا أمام الملوك والولاة (مت20،19:10) إذا فالذى ينكر هو الخالى من النعمة، أى غير المملوء من الروح القدس الذى لم يشعر فى حياته بالإحتياج، ولم يطلب فى حياته الإمتلاء من الروح القدس، هو من إنشغل بالزمنيات تاركا الروحيات، هذا الإنسان حينما تأتى عليه ساعة يطالبونه بإنكار الإيمان سينكره. هذا لم يستفد من عمل المسيح.
السَّحَرَةُ = من يستخدمون قوة الشيطان.
سؤال :- هل الخائفون أشر من غير المؤمنين والسحرة حتى يتصدروا القائمة؟ قطعا. فالخائف هو مؤمن وله كل الإمكانيات حتى يمتلىء ويغلب (يمتلىء بالروح القدس) ولكنه أهمل وتكاسل وتراخى، ولم يعد يثق فى الله.
عَبَدَةُ الأَوْثَانِ = يدخل فيها عبادة الذات والشهوات والمال...
جَمِيعُ الْكَذَبَةِ= هم أتباع الشيطان الكذاب (يو 44:8) والشيطان هو ابو الكذابين. وهؤلاء يستخدمون الغش والخداع فى معاملاتهم. ويدخل مع هؤلاء أتباع الوحش.
آية (9):- "9ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمُ السَّبْعَةُ الْجَامَاتِ الْمَمْلُوَّةِ مِنَ السَّبْعِ الضَّرَبَاتِ الأَخِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ مَعِي قَائِلاً: «هَلُمَّ فَأُرِيَكَ الْعَرُوسَ امْرَأَةَ الْخَرُوفِ»."
إذا كان الملاك قد حمل جاما يسكب منه ضربات، فليس معنى هذا أن الملاك يحمل مشاعر كراهية للبشر، بل هو ينفذ أحكام الله العادلة ضد الأشرار.وهنا نرى فرح الملائكة بما أعده الله من مجد للبشر. هنا الملاك يعلن عن قلبه المملوء محبة للكنيسة. ولكن هناك من له مجد عال (جبل عظيم) آية (10) وهناك من له ضربات. والملاك يعلن عدل الله بهذا وذاك.
آية (10):- "10وَذَهَبَ بِي بِالرُّوحِ إِلَى جَبَل عَظِيمٍ عَال، وَأَرَانِي الْمَدِينَةَ الْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ الْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ،"
جَبَل عَظِيمٍ = إشارة لأن أورشليم السماوية ستكون مرتفعة جدا وسماوية، لا يقدر إبليس وهو فى بحيرة النار أن يصل إليها أو يقترب منها. وايضا فى قوله جبل عظيم إشارة لثباتها وعدم إهتزازها.
آية (11):- "11لَهَا مَجْدُ اللهِ، وَلَمَعَانُهَا شِبْهُ أَكْرَمِ حَجَرٍ كَحَجَرِ يَشْبٍ بَلُّورِيٍّ."
لَهَا مَجْدُ اللهِ.. كَحَجَرِ يَشْبٍ = سمعنا من قبل أن الله الجالس على العرش فى المنظر شبه حجر اليشب (رؤ3:4). وهنا نسمع أن الكنيسة ستكون كحجر يشب. وهذا ما شرحه يوحنا فى (1يو2:3) "لم يظهر بعد ماذا نكون. ولكن نعلم أنه إذا أظهر ذاك نكون مثله، لأننا سنراه كما هو" وشرحه بولس الرسول" الذى سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده" (فى21:3). ومجد الكنيسة ليس من ذاتها بل من الله، الله يعطى مجده لعروسه "وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى" (يو22:17) نحن سنعكس الأمجاد الإلهية. سيكون لنا جسد ممجد ليس من نفسه ولكن لأن مجد الله ينعكس عليه وسيكون لنا جسدا نورانيا ليس من نفسه ولكن لأن نور الله ينعكس عليه وهذا معنى "لأننا سنراه كما هو" (1يو2:3).
آية (12):- "12وَكَانَ لَهَا سُورٌ عَظِيمٌ وَعَال، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ بَابًا، وَعَلَى الأَبْوَابِ اثْنَا عَشَرَ مَلاَكًا، وَأَسْمَاءٌ مَكْتُوبَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ."
كَانَ لَهَا سُورٌ عَظِيمٌ وَعَال= الله لها سور من نار (زك 5:2) إذا فالله هو الذى يحميها وهى آمنة تماما. ولا تعود تحارب إبليس أو تحارب من إبليس.
لها إثنا عشر بابا = 12 = 3 [ المؤمنين بالله مثلث الأقانيم ]
[ قاموا من موت الخطية ] × 4 (فى كل جهات الأرض) [ عمل فيهم الأقنوم الثالث]
إذا رقم 12 هم شعب الله فى كل زمان وفى كل مكان، الذين هم لله، ويحيون حياة توبة (أف14:5) ومملوئين من الروح القدس الأقنوم الثالث.
عَلَى الأَبْوَابِ اثْنَا عَشَرَ مَلاَكًا= رأينا رقم 12 باب، حتى يدخل للمدينة السماوية كل شعب الله فى كل زمان ومكان. ووجود ملائكة على الأبواب إشارة لأنهم يمنعون دخول الشياطين وغير المستحقين كما وقف قديما كاروب على باب الجنة.
وَأَسْمَاءٌ مَكْتُوبَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ = لا تفهم بمعنى حرفى وإلا فلن يدخل إبراهيم وإسحق ويعقوب وايوب ونوح فهم ليسوا من نسل الأسباط ولكن المعنى أن شعب العهد القديم الأبرار منهم، سيدخلون والأبواب مفتوحة لشعب العهد القديم والجديد. هى كنيسة واحدة. هى إسرائيل الله (غل16:6) ولكن هذه الكنيسة تبدأ من العهد القديم، هى بدأت بآدم ثم نسله ثم الأسباط ثم كنيسة العهد الجديد التى يمثلها ايضا 12 تلميذا بنفس المعنى. ولكن الأبواب نسبت للعهد القديم ، فأباء وأبرار العهد القديم كانوا المدخل لكنيسة المسيح . أما الأساسات (آية 14) نسبت لتلاميذ المسيح الذين علموا وكرزوا بالمسيح ابن الله ، وهذا هو الإيمان الذى أسماه السيد المسيح (الصخرة أو الأساس) الذى تبنى عليه الكنيسة (مت16 : 18) . وكان هذا الإيمان الذى هو الصخرة سبب كتابة القديس يوحنا لإنجيله (يو20 : 31) . ونرى من تعليم رسالة رومية (3 :25) ان المسيح برر بدمه أبرار العهد القديم كما برر قديسى العهد الجديد (رو3 : 26) . وهذا أيضا معنى رجوع الظل فى قصة شفاء حزقيا الملك (2مل20) .
فكنيسة العهد الجديد هى إمتداد لإسرائيل أما اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح بعد أن أتى المسيح فهم حكموا على أنفسهم بالخروج من إسرائيل الله. ولفظ إسرائيل الله يعنى الكنيسة التى بدأت بشعب العهد القديم وممتدة حتى الآن وبالتالى فاليهود غير المؤمنين غير مستطيعين الدخول من الأبواب الـ12.
آية (13):- "13مِنَ الشَّرْقِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الشِّمَالِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْجَنُوبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ، وَمِنَ الْغَرْبِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ."
ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ من كل جهة. حتى ان كل من يؤمن بالله مثلث الأقانيم، وعمل فيه الروح القدس، وكان حيا أى تائبا، قام من موت الخطية، وكانت له بذلك القيامة الأولى... هذا يمكنه الدخول. ولأى إنسان من كل جهات العالم الأربعة.
آية (14):- "14وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ."
اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا = هى أساسات السور وعليها اسماء رسل المسيح = رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ = حماية الله إذن مبنية على أساس الإيمان بالمسيح، لذلك فاليهود رافضى المسيح لن يدخلونها. وكل أنبياء العهد القديم قد تنبأوا عن مجىء المسيح. لذلك قيل أن شهادة يسوع هى روح النبوة (رؤ10:19) وهذا ما قاله بولس الرسول "مبنيين على أساس الرسل" (أف20:2) أى تعاليم وكرازة الرسل بالمسيح.
آية (15):- "15وَالَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كَانَ مَعَهُ قَصَبَةٌ مِنْ ذَهَبٍ لِكَيْ يَقِيسَ الْمَدِينَةَ وَأَبْوَابَهَا وَسُورَهَا."
قَصَبَةٌ = لقياس المدينة ومعنى هذا:-
1. هم نصيب الرب، فالقياس يتم لتحديد نصيب ميراث كل شخص من تركة معينة. "حبال (المناظر للقصبة وبها يتم تقسيم الأرض للميراث) وقعت لى فى النعماء فالميراث حسن عندى" (مز6:16) وهكذا قال بولس الرسول عن ميراث الرب "ما هو غنى مجد ميراثه فى القديسين" (أف18:1).
2. أبناء الله معروفين ومقاسين من قبل الله ومحفوظين لديه.
مِنْ ذَهَبٍ = أى أن سكان المدينة قد قيسوا بمقاييس البر، المقاييس السماوية (فالذهب رمز للسماويات) فوجدوا مستحقين فهم تبرروا بدم المسيح.
آية (16):- "16وَالْمَدِينَةُ كَانَتْ مَوْضُوعَةً مُرَبَّعَةً، طُولُهَا بِقَدْرِ الْعَرْضِ. فَقَاسَ الْمَدِينَةَ بِالْقَصَبَةِ مَسَافَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ غَلْوَةٍ. الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالارْتِفَاعُ مُتَسَاوِيَةٌ."
نجد هنا أن المدينة مكعبة أى أن طولها = عرضها = إرتفاعها وإذا رجعنا لخيمة الإجتماع أو الهيكل لوجدنا أن قدس الأقداس وحده هو الذى له هذه المواصفات أى مكعب. وقدس الأقداس يشير لعرش الله فى السماء، وهو مكعب إشارة لأن صفات الله كلها متساوية، كمالات الله كلها متساوية. هو كامل كمال مطلق، غير ناقص فى شىء. لو تمتع إنسان مثلا بصفة الرحمة تجد رحمته تسود على عدله والعكس صحيح، أما الله فصفاته كلها كاملة فهو الكامل وحده فى كل شىء. والآن نسمع أن أورشليم السماوية ستكون مكعبة أى ستصير كاملة، وذلك راجع لسكنى الله فيها، أو ليست هى مسكن الله مع الناس (آية 3). فالله سيعطيها من كماله لتصير كاملة فى نظر السمائيين وسيفرحوا بها.
فَقَاسَ الْمَدِينَةَ = الملاك صار يدرك الآن ماذا صار للبشر من كمال.
12000 غَلْوَةٍ = هذه حوالى 4500 كم فهى متسعة جدا. ولكن ليس هذا الرقم (الـ 4500 كم) هو ما يهمنا بل ال (12000 غلوة) أى 12×1000 أى شعب الله الذين يحيون الآن فى السمائيات. فرقم 1000 هو رقم السمائيات.
شعب الله الآن صار سماويا.
آية (17):- "17وَقَاسَ سُورَهَا: مِئَةً وَأَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، ذِرَاعَ إِنْسَانٍ أَيِ الْمَلاَكُ."
قَاسَ سُورَهَا 144 ذِرَاعًا. ذِرَاعَ إِنْسَانٍ أَيِ الْمَلاَكُ 144 ذراع أى حوالى 70 مترا. وهذا الطول يعتبر لا شىء بالنسبة لإرتفاع المدينة نفسها والمقدر بحوالى 4500 كم. ولكن ليست الأبعاد هى التى تهمنا بل ما تشير له الأبعاد من معانى ورموز.
فكون أن المدينة لها سور، فهذا يعنى الحماية. وإذا فهمنا أن الله كان يحمى شعبه فى العهد القديم والعهد الجديد، وكان لهم سور من نار (زك5:2) فبالأولى، فإن الله يحمى شعبه وهم فى السماء. فالسور يشير لحماية الله لشعبه فى العهدين وفى السماء وبينما كانوا على الأرض. وكون السور 144 ذراعا فهذا إشارة لأن الله كان يحمى شعبه فى العهد القديم وفى العهد الجديد (144 = 12×12). فنظرا لضعف الإنسان فهو محتاج لحماية الله. فالإنسان ضعيف وليس كالملائكة. فالملائكة بطبيعتهم أقوياء إذ ليس لهم أجساد ضعيفة. وكون الملاك يقيس هذا السور، فهذا يعنى أن الملاك صار يتصور كمية الحماية التى كان الله يحيط بها شعبه. وأن الكل كان ينعم بهذه الحماية عبر التاريخ وكون الملاك كان يقيس بذراع إنسان وليس بذراع ملاك فهذا يعنى أنه صار يتصور لزوم هذه الحماية للإنسان الضعيف بسبب جسده وأنه الآن هنا فى أورشليم السماوية بسبب تلك الحماية. لقد صار الملائكة يعطون عذرا للبشر فى سقطاتهم المتكررة، لقد صاروا يشعرون بضعفهم كبشر وأهمية الحماية التى كان الله يحيطهم بها. ربما فى وقت من الأوقات كان الملائكة يندهشون كيف يقبل الله إنسان صنع هذه الخطايا ربما ماكانوا يفهمون، كيف يكون للبشر نفس مجد الملائكة. ولكن كون أن الملاك يقيس السور بذراع إنسان فهذا يعنى أنه أصبح يعطى عذرا للبشر فيما كانوا يفعلونه. وصار يمجد الله على حمايته للبشر التى بدونها ما كان للإنسان أن يدخل هذا المكان
ولكن السور أيضا يشير لأن من فى المدينة ما عاد معرضا للخروج منها ثانية، كما خرج الإنسان مرة من الجنة، ما عاد الإنسان قابلا للسقوط. ولن يدخل لهذه المدينة شيطان مرة أخرى ولا حية فالشيطان الآن فى بحيرة النار.
آية (18):- "18وَكَانَ بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ، وَالْمَدِينَةُ ذَهَبٌ نَقِيٌّ شِبْهُ زُجَاجٍ نَقِيٍّ."
بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ وَالْمَدِينَةُ ذَهَبٌ نَقِيٌّ شِبْهُ زُجَاجٍ نَقِيٍّ = اليشب شفاف، والذهب معدن غير شفاف. والمعدن قوى والزجاج شفاف وهش ولكن المعنى كله رمزى. فإذا فهمنا أن اليشب يشير لله نفسه (رؤ3:4) والذهب يشير للسمائيات. والزجاج للشفافية يكون المعنى أن الله نفسه هو سور المدينة السمائية التى تحيا فى شفافية بعد أن تخلص البشر من كثافة الأجساد المادية، سيكون السمائيون من البشر لهم صفة النقاوة والشفافية والحياة السماوية. والله يحرس هذه الصفات، وما عاد إبليس قادر أن يسقطهم ثانية من هذه الحياة السمائية.
الآيات (19-20):- "19وَأَسَاسَاتُ سُورِ الْمَدِينَةِ مُزَيَّنَةٌ بِكُلِّ حَجَرٍ كَرِيمٍ. الأَسَاسُ الأَوَّلُ يَشْبٌ. الثَّانِي يَاقُوتٌ أَزْرَقُ. الثَّالِثُ عَقِيقٌ أَبْيَضُ. الرَّابِعُ زُمُرُّدٌ ذُبَابِيٌّ 20الْخَامِسُ جَزَعٌ عَقِيقِيٌّ. السَّادِسُ عَقِيقٌ أَحْمَرُ. السَّابِعُ زَبَرْجَدٌ. الثَّامِنُ زُمُرُّدٌ سِلْقِيٌّ. التَّاسِعُ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ. الْعَاشِرُ عَقِيقٌ أَخْضَرُ. الْحَادِي عَشَرَ أَسْمَانْجُونِيٌّ. الثَّانِي عَشَرَ جَمَشْتٌ."
سمعنا أول مرة عن الأحجار الكريمة فى الجنة (تك12:2). وكان ذلك قبل السقوط. وسمعنا عن الأحجار الكريمة على كتف وعلى صدرة رئيس الكهنة الذى كان رمزا للمسيح. والمعنى أن أولاد الله هم الأحجار الكريمة التى يحملها على كتفه ويضعها فى قلبه ولأجلهم خلق الجنة ليضعهم فيها، ولما خسروها جاء كرئيس كهنة ليحمهلم فيه مرة أخرى وليعود بهم للسماء. هو بفدائه كان رئيس كهنة أعادنا لأورشليم السماوية ولنكون أحجارا كريمة فى بيت أبينا السماوى. ولأن هذه الأحجار موجودة فى الأساسات نفهم أن أورشليم السماوية مؤسسة على محبة الله لأولاده، فلأجل محبة الله لأولاده أسس لهم هذه المدينة السماوية وجملهم فصاروا كأحجار كريمة. وهناك تفسير آخر مكمل للتفسير الأول أن الوحى إستخدم التشبيه بأحجار كريمة لأن فى هذا تعبير عن جمال وبهاء أورشليم السماوية بأقصى ما تستطيع اللغة البشرية. عموما فإن أولاد الله هم زينة أورشليم السماوية. فكون أن إبن الله الذى يغلب يكون عمودا فى هيكل الله.
راجع (رؤ12:3) فالعمود يستخدم:
1. لتدعيم المبنى.
2. لزينة المبنى.
وفيما يأتى محاولة لفهم بعض خواص أورشليم السماوية
يَشْبٌ = إذا لها شفافية الله ومجد الله. ستكون كلها محبة نقية لا مكان فيها لكراهية فاليشب إتخذ رمزا لله نفسه (رؤ3:4).
يَاقُوتٌ أَزْرَقُ = هى سماوية إرتفعت تماما عن مجد وملذات الأرض.
عَقِيقٌ أَبْيَضُ = نقية وطاهرة بلا خطية.
زُمُرُّدٌ ذُبَابِيٌّ = لونه أخضر إشارة لدوام الحيوية.
جَزَعٌ عَقِيقِيٌّ = لونه أحمر إشارة لإنتصارها على أعدائها (رؤ20،19:14).
عَقِيقٌ أَحْمَرُ = كل من فيها مفدى بالدم.
زَبَرْجَدٌ = أنقى أنواع الذهب، رمزا للكمال السمائى بلا نقص أرضى فلا أجساد ناقصة لمن هم هناك. الزبرجد ذهب لا يوجد به أى شوائب.
زُمُرُّدٌ سِلْقِيٌّ = لونه كالبحيرة الهادئة، رمزا للصفاء والسلام الذى يسود هناك.
يَاقُوتٌ أَصْفَرُ = النار تزيده لمعانا، وإلهنا نارا آكلة. فوجودنا هناك أمام الله يزيدنا بهاء ولمعانا.
عَقِيقٌ أَخْضَرُ = تأكيد على دوام الحيوية ودوام النمو.
أَسْمَانْجُونِيٌّ = يمتاز بالصلابة. يكسر أى شىء ولا شىء يكسره فهو رمز للخلود.
جَمَشْتٌ = يمتاز بالجاذبية المغناطيسية. هكذا سنكون منجذبين للمدينة السماوية لا نريد تركها.
هذه مجرد محاولة لفهم ما تعنيه تلك الأحجار الكريمة. والمعنى العام أن حياتنا هناك ستكون بشكل مجيد مختلف عما نحياه هنا. الله سيعطينا فضائل. وكل منا سيتميز عن غيره، "برهم من عندى يقول الرب" (إش11:54-17) نحن بالفضائل التى سيعطيها لنا الله سنكون كحجارة كريمة. وإختلاف أنواع الحجارة الكريمة يشير لأن كل إبن للملكوت يتزين بزينة إلهية مختلفة عن أخيه لكنها ثمينة وجميلة وفى تكامل بينها وبين بعضها البعض.
آية (21):- "21وَالاثْنَا عَشَرَ بَابًا اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْوَابِ كَانَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ. وَسُوقُ الْمَدِينَةِ ذَهَبٌ نَقِيٌّ كَزُجَاجٍ شَفَّافٍ."
وَالاثْنَا عَشَرَ بَابًا اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْوَابِ كَانَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ = المسيح هو الباب الذى تدخل فيه الخراف (يو9،7:10) والمسيح هو اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن (مت46:13). وهناك بالتالى باب واحد من لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن. فمن باع أمجاد الأرض التى هى لآلىء كثيرة ليشترى هذه اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن (المسيح) سيجد نفسه قد دخل من الباب إلى أورشليم السماوية. ولماذا هناك 12 باب لأن الدخول لكل المؤمنين الآتين من كل مكان ومن كل إتجاه (رقم 4) بشرط أن تكون لهم قيامة مع المسيح (القيامة رقمها 3). والقيامة معناها أن المؤمن قد إعتمد وقام متحدا مع المسيح (رو3:6-5) ثم ظل متحدا بالمسيح بحياة التوبة. وأن الروح القدس الأقنوم الثالث قد ثبته فى المسيح فلا دخول إلا لمن ظل ثابتا فى المسيح وهذا عمل الروح القدس.
سُوقُ الْمَدِينَةِ = السوق هو مكان التعامل بين الناس وبعضهم البعض.
ومعاملاتنا مع إخوتنا فى السماء ستكون على مستوى سمائى = ذَهَبٌ نَقِيٌّ. وفى نقاء = كَزُجَاجٍ شَفَّافٍ.
آية (22):- "22وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلاً، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا. "
الهيكل هو مكان لقاء الله مع شعبه، والآن الله ساكن مع شعبه بل هو فيهم وهم فيه، فلا حاجة لوجود هيكل بعد هذا الإتحاد. والهيكل تقدم فيه ذبائح غفرانا للخطايا، والآن لا خطايا يقدم عنها ذبائح. لقد صار لقاءنا مع الله على مستوى الوحدة وفى نقاوة بلا خطية.
آية (23):- "23وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا."
الله نور، وهو سينير المدينة. وكنا على الأرض نحتاج للظلمة حتى نستريح. والآن لا تعب. بل راحتنا أن نكون فى الله ونراه دائما.
آية (24):- "24وَتَمْشِي شُعُوبُ الْمُخَلَّصِينَ بِنُورِهَا، وَمُلُوكُ الأَرْضِ يَجِيئُونَ بِمَجْدِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا."
تَمْشِي= نشير لأن المخلصين يمشون وراء المسيح فى خضوع كامل، فلقد إنتهى كل تمرد وعصيان.
وَمُلُوكُ الأَرْضِ يَجِيئُونَ بِمَجْدِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا = هؤلاء من كان لهم كرامة زمنية، حينما رأوا مجد الله إحتقروا كل ما كان لهم من مجد ووضعوه تحت قدمى الله. بل لن يدخل أورشليم السماوية إلا كل من وضع مجده تحت قدمى المسيح بينما هو مازال على الأرض، أى أثناء حياتهم على الأرض إحتقروا كل كرامة زمنية واضعين نصب أعينهم مجد أورشليم السماوية التى يريدون الوصول إليها.
آية (25):- "25وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا، لأَنَّ لَيْلاً لاَ يَكُونُ هُنَاكَ."
الأَبْوَابُ مفتوحة لأنه لا خشية من أعداء يأتون إليها، فكلهم الآن فى البحيرة المتقدة بالنار. لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا = العادة أن تغلق الأبواب فى الليل لا فى النهار. فما معنى قوله لن تغلق نهارا. الرد فى النصف الثانى من الآية لأَنَّ لَيْلاً لاَ يَكُونُ هُنَاكَ = فإذا كان الله نور المدينة فلن يكون هناك ليل، ولن يكون هناك خوف حتى يغلقوا الأبواب.
آية (26):- "26وَيَجِيئُونَ بِمَجْدِ الأُمَمِ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا."
كل ِمَجْدِ الأُمَمِ وَكَرَامَتِهِمْ ستوضع تحت قدمى المسيح.
آية (27):- "27وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ."
هنا نجد حدود من يدخل لأورشليم السماوية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادي والعشرون
السماء والأرض الجديدتان
مقدمة الأصحاح : بعد طرح الشيطان وأعوانه وكل الأشرار في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت ومشهد الدينونة ، ينقلنا الروح إلى مشهد رائع وهو حديثه عن ملكوت السموات ولقاء المسيح مع أولاده القديسين .
(1) مسكن الله مع الناس ( ع 1 - 8 ) :
ع 1 : سماءً جديدة وأرضاً جديدة : أي منظر لخليقة جديدة لم يعرفها البشر من قبل ولم ترد حتى على خيالنا . يلاحظ أنه في بدء الكتاب المقدس ( تك 1 ) كان الكلام عن خلقة السماء والأرض ، وإذ ينتهي الكتاب المقدس ، يكون الكلام أيضاً على " سماء جديدة وأرض جديدة " ، وللتأكيد على هذه الصورة الجديدة للسماء والأرض ، يضيف لنا ويؤكد زوال الأرض المادية وسماء النجوم التي اعتاد البشر الحياة عليها وتحتها . أما سبب وجود سماء جديدة وأرض جديدة فهو كناية عن حياة جديدة لا علاقة لها بقوانين الحياة القديمة ولعل أهم معالمها هو وجود الله الدائم فيها ، كما سنفهم من الأعداد التالية ، فهي إذاً السماء والأرض الروحيتان واللتان تليقان بوجود الله . البحر لا يوجد فيما بعد : البحر يشير للإنقسام والإضطراب ، فهو الذي كان يقسم اليابسة ، وأمواجه العالية رمز للإضطراب والهياج وعدم السلام .. والمعنى المراد أنه في الملكوت لا يوجد شئ من الصراعات أو الإنقسام البشري .
ع 2 : أنا يوحنا : لتأكيد ما هو آتٍ .. كأن يقول إنسان " رأيت بعيني " . أورشليم الجديدة : رمز لملكوت السموات . يستكمل القديس يوحنا رؤياه فيعلن لنا أنه رأى مدينة الله المقدسة مهداة من الله ( نازلة من السماء ) ليرثها الغالبون ويتمتعوا بها ؛ ولوصف شدة جمالها لم يجد القديس يوحنا تعبيراً أبلغ من أنها " عروس مهيأة لرجلها " لأنه معروف عند الناس أنَّ أبهى صورة للفتاة هو يوم زفافها .
ع 3 : وفي أفراح وغبطة تعلن الخليقة السمائية " صوتاً عظيماً من السماء " ، أنَّ هذه المدينة العظيمة أجمل إسم لها هي أنها " مسكن الله مع الناس " أي المكان الذي سيجمع الله مع الناس في سكنى دائمة حيث نراه جميعاً " وجهاً لوجه " ( 1كو 13 : 12 ) وسيكون الجميع شعب ورعية الله ، أما الله ففي وسط الجميع بمجد لاهوته مصدر إشباع وسعادة أبدية . " مسكن الله مع الناس " : إستخدم الوحي الإلهي كلمة " المسكن " عند وصف أول كنيسة صنعها الله بأدق تفاصيلها وهي " خيمة الإجتماع " ، لأنَّ الله أراد أن يعلن لشعبه أنه يريد أن يسكن في وسطهم أيضاً إذ كانت الخيمة " المسكن " تُنصب في وسط أسباط شعب بني إسرائيل . والكنيسة أيضاً " المسكن " رمز دائم للسماء حيث يتقابل فيها الإنسان مع الله ، ومسكن الله مع الناس هو أيضاً بيان لعِظم محبته لجنس البشر ، فهذه مسرة قلبه أن يكون كأب بين أولاده وكذلك بيان لإتضاعه وتنازله .
ع 4 : سيمسح الله كل دمعة من عيونهم : بالطبع لن تكون هناك أية دموع في أورشليم الجديدة ولكن كفانا أن نتأمل هذا المنظر الجميل الذي صوَّره لنا القديس يوحنا ، فالمسيح في كمال حنانه يمد يده على وجه كلٍ منا ليمسح من فكرنا كل ذكرى ألم أو تعب أو ضيق إجتازه الإنسان أثناء حياته الأولى وجهاده من أجل إسم الله . والمنظر بجانب إبرازه لحنان المسيح يحمل أيضاً مدى إحساس الله بنا وعدم نسيانه لأمانة أولاده ، وأخيراً يؤكد الله لنا فكرة التعويض بالراحة والسعادة عن الألم السابق ؛ فما أروع حنانك يا إلهي ورقة مشاعرك وعدلك وحبك لرعيتك أيها الراعي الصالح . الأمور الأولى مضت : تأكيد أنَّ زمن الأحزان والأوجاع والصراخ كلها من الأمور السابقة التي لا مكان لها حيث السعادة اللانهائية في حضرة الله .
ع 5 : خرج أمراً مباشراً من السيد المسيح " الجالس على العرش " ليوحنا بكتابة أقواله ووعوده الصادقة الأمينة ، وهي أقوال تؤكد ما سبق الإشارة إليه في الأعداد الأربعة السابقة من زوال الأمور القديمة وإتيان الله بأمور جديدة لم نعرفها قبلاً .. ولكنها مصدر سعادتنا الأبدية .
ع 6 : قد تم : هذا القول للمسيح ومعناه أنه أنجز بالفعل هذه الخليقة الجديدة وهيَّأ ملكوته لاستقبال أولاده المؤمنين بعد الدينونة ؛ ولقد إستخدم المسيح هذا التعبير مرتين ، الأولى عندما أفرغ غضبه على الأشرار ( 16 : 17 ) والثانية هنا عندما مجَّد أولاده في الملكوت . وتعبير " قد تم " تذكرنا بقول مخلصنا أيضاً على عود الصليب " قد أُكمِل " ( يو 19 : 30 ) ويقصد إتمام الفداء الذي نناله بالكمال في الأبدية . الألف والياء البداية والنهاية : تعبير إستخدمه المسيح عن وصفه نفسه في ( ص 1 : 8 ) عند أول سفر الرؤيا وهو تعبير يخص لاهوته فهو مصدر كل الأشياء وخالقها وهو أيضاً الإله الأزلي الأبدي . أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً " : يذكرنا هذا الكلام بحديث الرب يسوع مع المرأة السامرية " يو 4 " والذي لم تفهمه أولاً ... والمعنى الروحي هنا أنَّ كل العطاش إلى البر والقداسة ( ماء الحياة ) ، المسيح هو مصدر عطائهم الوحيد ، سواء كان هذا أثناء الزمن الأرضي أو في زمن الأبدية المطلقة ... مجاناً : أي هبة ونعمة من الله وهذا يتمشى مع محبته وأبوته ، فالخلاص قُدِّم مجاناً وكل نعمة علينا مجانية وكذلك هباته الروحية ، ولكن لا ننسى أنَّ الله عادل أيضاً ولا ينسى كل من رفض البر وطلب الشر .
ع 7 : من يغلب : هذا التعبير أُستخدم في ( ص 2 ، ص 3 ) مع رسائل أساقفة الكنائس السبع وللتذكير هنا نقول أنَّ هذا التعبير معناه :
أ) إمكانية الغلبة التي أُعطيت بالخلاص لأولاد الله .
ب) ضرورة الغلبة للميراث والتمتع بالعطايا المجانية ( ينبوع ماء الحياة ) .
يرث كل شئ : ما أعده الله لأبنائه محبي إسمه القدوس والغالبين بصبر إيمانهم وجهادهم . أكون له : إنتقل السيد المسيح هنا لخصوصية العلاقة بين كل نفس غالبة وبين مسيحها ، فبعد أن كان الكلام عن الشعب المسيحي " يكونون له شعباً " ( ع 3 ) .. يوجه الكلام هنا لكل نفس غالبة على حدة فيصير كل الميراث ( كل السماء ) لكل واحد ، وكل إنسان يصير إبناً مُميَّزاً كأنه إبن وحيد يستمتع بملء أبوة أبيه ... ولنلاحظ أيضاً رقة تعبير المسيح في وصف العلاقة حينما قال " أكون له إلهاً " فلم يقل يكون لي عبداً بل قال " إبناً " وهو التعبير الأكثر إتفاقاً مع أبوة الله الواهب الميراث ليس للعبيد بل للأبناء .
ع 8 : جاء هذا العدد يوضح فئات الممنوعين من الميراث الأبدي ومن عطية ماء الحياة المجاني والذي يكون نصيبهم ليس في أورشليم السمائية بل هلاكهم " الموت الثاني " والعذاب اللانهائي في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت ... وهؤلاء الفئات هم :
(1) الخائفون : ليس المقصود هنا الخوف بمعنى القلق على الآخرين أو الخوف من الحيوانات أو الحشرات ... ولكن المقصود الذين خافوا من العالم والأشرار فأنكروا المسيح وتركوا الإيمان من أجل الحياة الأرضية .
(2) غير المؤمنين : الذين رفضوا الإيمان بالمسيح وفدائه المجاني وقاوموا كنيسته ، فبغير إيمان لا يمكن إرضاءه .
(3) الرجسون : مرتكبي خطايا النجاسة ولم يتوبوا عنها .
(4) السحرة : من استخدموا السحر وقوى الشر والظلمة وابتعدوا بهذا عن الله وعادوه .
(5) جميع الكذبة : أي من ضلوا وأضلوا الناس ... وبدلاً من أن يصنعوا حقاً ( إرادة الله في حياتهم ) صنعوا كذباً ( أي كذبوا على أنفسهم وعلى الآخرين ) . ومن عاش حياته في الكذب فما هو إلاَّ إبن لإبليس إذ يقول السيد المسيح عن الشيطان " متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب " ( يو 8 : 44 ) .
(6) عبادة الأوثان : في مفهومها المباشر أي من يسجد ويعبد الأوثان أما في معناها الروحي هو كل من يعبد ويتعلق بالذات أو المال .
+ محبة الله وأبوته لا تنسى تعبك على الأرض وتعوضك عنه بأمجاد في السماء لا يُعَبَّر عنها ، فتمسَّك بجهادك الروحي واحتمل آلام الأرض المؤقتة ولا تنجذب وراء الشهوات الزائلة فتحصل على أمجاد السماء .
(2) وصف مدينة الله ( أورشليم الجديدة ) ( ع 9 - 27 ) :
ع 9 : ظهر وتكلم مع القديس يوحنا ملاك عرفه القديس بالروح وأشار لنا أنه أحد الملائكة الذين حملوا سبع جامات غضب الله ( ص 15 ) ، وقد كُلِّف ( الملاك ) هنا بمهمة جديدة وهي أن يُري القديس يوحنا المدينة السمائية ، فكما أعلن هذا الملاك عدل الله في عقاب الأشرار بالجامات يعلن هنا عدل الله في مجازاة الأبرار . وقد لقب المدينة السمائية بالعروس كما جاء في ( ع 2 ) وأعلن أنَّ عريسها هو المسيح في إشارة قوية إلى إتحاد المسيح ( العريس ) بكنيسته المنتصرة ( العروس ) ، واستخدم الملاك إسم الخروف هنا لأنه يتمشى مع العريس الفادي الذي إشترى خلاص كنيسته بدمه .
ع 10 : ذهب بي بالروح : وهو ما يتمشى مع حال القديس يوحنا في الرؤيا كلها . جبل عظيم عالٍ : التعبير هنا رمزي فقد جرى العرف عند العامة أن يتسلقوا القمم العالية حتى يروا المنظر كاملاً وشاملاً . كان الغرض من أخذ الملاك للقديس يوحنا هو رؤية المدينة بالتفصيل من كل جوانبها وأبعادها ، ولهذا كانت الرؤية من مكان مرتفع حتى لا يفوته شئ ، والإرتفاع على الجبل يرمز للإرتفاع عن الماديات الأرضية لأنَّ المدينة السماوية روحية تماماً . ويكرِّر القديس يوحنا نفس ما جاء في ( ع 2 ) من أنها نازلة من السماء من عند الله ( راجع الشرح ) .
ع 11 : أكرم حجر : أعظم وأبهى حجر . من شدة جمال المدينة ( أورشليم السمائية ) لم يستطع القديس يوحنا أن يصوِّر لنا هذا الجمال بلغة البشر القاصرة ، فاستخدم تعبير " لها مجد الله " ، أي لأنها مدينته وكنيسته والمكان المُعد من قبل تأسيس العالم لأبناء الله الوارثين ، ولأنها صناعة الله نفسه وإعداده نسب إليها مجده الغير موصوف والغير محدود فصارت كرامتها من كرامة الله ومكانتها وجمالها يفوق كل تصور ، وأضاف أنها كانت لامعة جداً في شدة لمعان حجر كريم مثل الماس في وقتنا الحاضر ، وقد جاء ذكر هذا الحجر أيضاً في الحديث عن عرش الله ( ص 4 : 3 ) ، والحجر الشفاف النقي في معناه الرمزي يدل على نقاء تعليم الكنيسة وإيمانها الصلب وفضائل قديسيها .
ع 12 ، 13 : سور عظيم عالٍ : السور هنا له أكثر من دلالة أو معنى :
1- يرمز لإحاطة الله بنفسه لشعبه المفدي في المدينة فالله هو الحصن والملجأ ( مز 43 : 2 ) .
2- يرمز السور أيضاً للكنيسة الواحدة الوحيدة فالسور الواحد يحيط كله بالمدينة الواحدة .
3- إرتفاع السور " عالٍ " يرمز لسمو شأن المدينة إذ كانت المدن قديماً تقاس عظمتها بعظمة إرتفاع واتساع أسوارها .
إثنا عشر باباً : يتفق هذا القول مع ما ذكره أيضاً حزقيال في رؤياه ( حز 48 : 31 - 34 ) ووجود إثنى عشر باباً ( ثلاثة أبواب من كل جانب إشارة إلى ) :
1- إتساع مراحم الله ، فإذا كان طريق الجهاد على الأرض بابه ضيق إلاَّ أنَّ المكافأة السمائية أبوابها رحبة ومتسعة .
2- قبول الأمم من كل الأجناس ومن كل جهات الأرض .
3- الأبواب مثل السور تعطي الإحساس بالأمن والحراسة .
إثنا عشر ملاكاً : جعل الله على كل باب ملاكاً ، وهذا يذكرنا " بالكاروب المظلل " على تابوت العهد ، ووجود الملائكة على الأبواب يرمز للرعاية والحماية والتظليل على شعب الله . أسماء أسباط بني إسرائيل : إشارة إلى دخول مؤمني وقديسي العهد القديم إلى هذه المدينة فالله حفظ عهده لشعبه وكل من كان أميناً فيهم له باباً يدخل منه للأبدية . والمعنى العام للعددين ( 12 ، 13 ) هو قبول كل المؤمنين من كل الجهات وتمتعهم بخصوصية وجود الله " سورهم " وخدمة الملائكة لهم .
ع 14 : كما قُبِلَ مؤمنو أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر ، سيُقبل أيضاً مؤمنو كنيسة العهد الجديد وكل من قبل واستلم الإيمان من الآباء الرسل الإثنى عشر ومن الكنيسة . إثنا عشر أساساً : كانت أسماء الإثنى عشر سبطاً مكتوبة ( ع 12 ) على أبواب المدينة أما أسماء الآباء الرسل فكانت الأساسات الحاملة للمدينة ، وهذه إشارة واضحة أنَّ هذه المدينة السمائية أساس بنائها ودخولها هو الإيمان بالمسيح نفسه والذي كان أساس بشارة وكرازة الرسل الأطهار ، وهذا يتمشى مع ما ذكره القديس بولس الرسول " مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ، والمسيح نفسه حجر الزاوية الذي فيه كل البناء مركباً معاً ... " ( اف 2 : 20 ، 21 ) .
ع 15 : في ( ص 11 ) أعطى للقديس يوحنا قصبة لقياس هيكل الله والمذبح ، أما من يقوم بالقياس هنا فهو الملاك المصاحب ، والغرض من القياس هو إبراز مجد وبهاء واتساع المدينة . قصبة من ذهب : القصبة هي وِحدِة القياس ( كالمتر ) أما كونها من ذهب فللدلالة على كرامة المدينة التي سوف يتم قياس أبعادها . وهناك معنى آخر جميل وهو أنَّ الأمور الروحية ( الذهبية ) لا تقاس إلاَّ بالروحيات ( قصبة من ذهب ) .
ع 16 : أما وصف المدينة كما رآه القديس يوحنا ( وهي بالطبع كلها قياسات روحية رمزية وليست مادية حقيقة ) أنها كانت مربعة ، أي أنَّ بهاء مجدها متساوي لو نظر إليها الإنسان من أي جهة ، كذلك أيضاً إرتفاعها . الغلوة : حوالي 185 متراً . إثنى عشر ألف غلوة : لا قيمة هنا للمقياس المادي ( ألفان ومائتان وعشرون كيلو متر ) ولكن الفرض هو ترك خيال القارئ لمدى إتساع هذه المدينة .
ع 17 : أما إرتفاع سورها فكان ( 144 ألف ذراع ) ، ورقم " 144000 " قد تكرر في السفر مرتين في ( ص 7 : 4 ) عدد " المختومين " ، و( ص 14 : 1 ) " أتباع الخروف " وفي الحالتين كان هذا العدد كناية عن الكثرة ، لأنه حاصل ضرب أرقام الكمال ( 12 - 12 - 1000 ) ، وبالتالي يكون إرتفاع سور المدينة هنا كناية عن إرتفاع مجدها فوق تصور أي إنسان . ذراع إنسان أي الملاك : الذراع الإنساني يساوي حوالي 50 سم ولكن الذي قام بالقياس هو الملاك ، فالمقصود معنى روحي أي إرتفاع وسمو عظيم لهذه المدينة .
ع 18 - 20 : بعد أن ذكر القديس يوحنا أنَّ أساسات المدينة هي إثنا عشر أساساً ( رُسل المسيح ) ، يبدأ في هذه الأعداد الآتية وصف كل أساس منها من حيث الحجر المصنوع منه ولونه بما يحمل ذلك من معنى وتأملات روحية . فجاء أولاً في ( ع 18 ) الوصف الإجمالي إذ كان السور من حجر كريم لامع كالماس " يشب " ( ع 11 ) وهو بلوري أي شفاف ، وكذلك المدينة من ذهب وهو معدن ثمين جداً " ونقي " أي بلا شوائب أو إضافات تقلل من قيمته ، ولكنه ليس ذهباً عادياً أيضاً إذ هو ذهب شفاف كالزجاج بمعنى أنَّ لمعان المدينة ومجدها لا يحجب ولا يشغل الإنسان عن رؤية الله ذاته .
الأساس الأول يشب : حجر شفاف لامع يميل لبعض الخضرة ويرمز بلمعانه وشفافيته إلى الإيمان المستقيم وفي خضرته للحياة الأبدية .
الأساس الثاني ياقوت أزرق : يرمز إلى أنَّ المدينة روحية سمائية لا تخضع للمقاييس الأرضية .
الأساس الثالث عقيق أبيض : حجر أبيض يرمز للطهارة والنقاء .
الأساس الرابع زمرد ذبابي : حجر أخضر يرمز للنمو في النعمة .
الأساس الخامس جزع عقيقي : وهو أبيض مجزع بأحمر رمز أنَّ الطهارة أساسها دم المسيح .
الأساس السادس عقيق أحمر : أي أنها مبنية على سر فداء المسيح ( دمه الكريم ) .
الأساس السابع زبرجد : أنقى أنواع الذهب فكل ما بها لا يصدأ ( لا يتغير ولا ينتهي ) .
الأساس الثامن زمرد سلقي : هو لون البحر الهادئ الصافي وهو حال ساكني مدينة الله .
الأساس التاسع ياقوت أصفر : الياقوت يرمز للبصيرة المستنيرة .
الأساس العاشر عقيق أخضر : الحياة وديمومتها ( الأبدية ) .
الأساس الحادي عشر أسمانجوني : أزرق سماوي وحجره صلب جداً في رمز لخلود المدينة وساكنيها .
الأساس الثاني عشر جمشت : حجر لونه أرجواني ( أحمر قاتم ) .
وقد حملت هذه الأحجار وألوانها الكثير من التأملات الروحية للعديد من المفسرين ولكن أجمع الكل على أنه لم يقصد بهذه الحجارة سوى إبراز ما تتميز به المدينة من غِنى وفضيلة ونعمة .
ع 21 : جاءت أسس المدينة ( أحجار متنوعة ) في إشارة إلى الفضائل المتنوعة التي يجب أن يحملها داخلوها ، ولكن الأبواب جاءت متماثلة في إشارة إلى أنَّ الدخول هو من باب الخراف الواحد في صفاته . اللؤلؤة : هي الحجر المختفي في قوقع البحر ، وترمز هنا إلى بهاء مجد الله الذي يضئ على أبواب المدينة وقد كان مخفياً عنَّا وظهر . سوق المدينة : أي وسطها ومركزها وجاء مثل وصف سورها في ( ع 18 ) ، أي أنَّ إجتماع المؤمنين فيها في مجد عظيم يرمز إليه الذهب الثمين . وفي ترجمات أخرى جاءت كلمة " سوق المدينة " بمعنى ساحتها .
ع 22 : الهيكل هو رمز حضور الله ومسكنه ، والله في الحقيقة لا يحده مكان مصنوع أو مخلوق وبالتالي لا يصير هناك داعٍ لهيكل ، فأورشليم الجديدة السمائية سيكون الله الآب دائم الحلول بها وإبنه ( الخروف ) قائم بمجده في وسطها ولهذا إستخدم القديس يوحنا تعبير أنَّ " الإله القادر والخروف هيكلها " أي أنَّ الله يرعى أولاده في الملكوت كأب حنون وكمخلص وفادي أحبهم حتى الموت .
ع 23 : بمثل ما قاله عن عدم جدوى وجود هيكل ، فلن يكون هناك أيضاً شمس أو قمر وذلك أولاً : لأنهما من مستلزمات الحياة الأرضية الزمنية والحياة القديمة التي إنتهت ، ثانياً : لأنه لا حاجة لأي نور إذ صار الله أيضاً هو نورها وبهائها .
ع 24 : بنورها : أي نور المدينة الإلهي . يتمتع أولاد الله بنوره ويسيرون أي ينمون في معرفته ومحبته ، ويتفق هذا المشهد السمائي الرائع مع ما ذكره أيضاً إشعياء " فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك " ( اش 60 : 3 - 5 ) . ملوك الأرض : يأتي أيضاً القديسون حاملين فضائلهم وآلامهم السابقة من أجل الإيمان " مجدهم وكرامتهم " .
ع 25 ، 26 : لأنَّ الله شمسها التي لا تغيب فلن يكون هناك ظلمة أو ليل بعد هذا ولا احتياج أيضاً لغلق أبوابها .. لأنَّ الأبواب كانت تغلق في الزمن الأرضي لحماية الإنسان من أعدائه وحراسته من مخاوف الظلام ، أما الآن فلا شئ من الأمور القديمة قد صار له مكان . مجد الأمم وكرامتهم : أي تسبيح وتمجيد كل الشعوب وكل الأمم لإسم الله الحي القدوس .
ع 27 : لن يدخلها : بالطبع وبعد الدينونة العامة تعبير " لن يدخلها " مقصود به لن يكون فيها ، إذ أنَّ كل من كان " دنساً أو رجساً " صار مصيره البحيرة المتقدة بالنار والكبريت ... ولكن التعبير أيضاً يحمل للقارئ تذكيراً أخيراً بوجوب التوبة الدائمة على الأرض فلا مكان في المدينة لخطاة غير تائبين . المكتوبين في سفر حياة الخروف : أي الذين دعاهم السيد المسيح للخلاص الأبدي وقبلوا هذا الخلاص وأكملوا سعيهم وجهادهم ضد الشر حتى النهاية فصار لهم الميراث العظيم .
+ إلهي الحبيب أردت بمحبتك لنا أن تبرز لمحة عن جمال الأبدية وروعة الحياة الدائمة معك وفي حضرتك ، وبالرغم من جمال هذه اللمحة إلاَّ أنَّ عقلنا الإنساني لازال قاصراً على فهم أو تخيل كل شئ ولكننا نثق فيما أعلنه لنا القديس بولس أنه " ما لم تره عين ... ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها " ( 1كو 2 : 9 ، 2كو 12 : 4 ) . أشكرك يا إلهي على ما أعدَّته يداك من أجلي حتى وإن كنت لا أفهمه الآن ولكني مع القديس بولس أشتهي هذا المكان وأشتهي أن أكون معك دائماً فأنا أؤمن أنَّ ذاكَ أفضل جداً " ( في 1 : 23 ) .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح