كلمة منفعة
ربما تتصف بعض علاقتنا بالناس بالجدية، ولكن هل علاقتنا بالله لها نفس طابع الجدية؟
— الجدية
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 18 الرؤيا الإصحاح رقم 18 الأصحاح الثامن عشر : سقوط بابل يتحدث هذا الأصحاح عن سقوط بابل، عروس الوحش: 1. إعلان سقوط بابل 1-3. 2. دعوة المؤمنين لاعتزالها 4- 8. 3. الراثون لها : أ. ملوك الأرض 9-10. ب. تجار الأرض 11-16. ج. الوسطاء 17-20. 4. تأكيد سقوطها 21-24. 1. إعلان سقوط بابل "ثم بعد هذا"، أي بعدما نظر المرأة الزانية، بابل، أي الشعب المنحرف وراء ضد المسيح مع رعاته الذئاب الخاطفة المعاندين لله، وما اتسمت به هذه المرأة الجالسة على الوحش من إغراءات وأضاليل يعود فيتحدث عن حالها. وهنا الحديث أيضًا رمزي استعاري، يكشف عن فكر روحي معين، هو ملاك مملكة ضد المسيح وانحطاط عمله، لذلك يخطئ من يأخذ ما ورد بمعنى حرفي، إذ يفقد غاية السفر، ويشوه معانيه السامية. "ورأيت ملاكًا آخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم، واستنارت الأرض من بهائه" [1]. لا نستطيع القول بأنه في أيام ضد المسيح يظهر فعلاً ملاك وينادي بما سنسمعه فيما بعد، وإنما هو إشارة إلى اهتمام السماء، حتى أصحاب الدرجات السامية ذوي السلطان العظيم، أن يروا هلاك بابل الشريرة. وربما يقصد بهذا الملاك إشعياء النبي الذي سبق فأعلن بروح النبوة السماوي قائلاً: "سقطت، سقطت بابل وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة، كسرها إلى الأرض. يا دياستى وبني بيدري ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به" (إش 21: 9-10). فإن ما يعلنه إله الكنيسة رب الجنود سمعه إشعياء النبي، وها هو يسمعه الرائي صادرًا أيضًا عن ملاكٍ سماويٍ من طغمة عالية، وهو يصرخ بما قاله الرب نفسه: "وصرخ بشدة بصوت عظيم، قائلاً: سقطت، سقطت بابل العظيمة، وصارت مسكنًا للشياطين، ومحرسًا لكل روح نجس، ومحرسًا لكل طائر نجس وممقوت. لأنه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الأمم، وملوك الأرض زنوا معها، وتجار الأرض استغنوا من وفرة نعيمها" [2-3]. لقد صارت خرابًا... سقطت، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى. إنه يقدم لنا صورة مؤلمة لتلك المتعجرفة وما بلغت إليه، إذ صارت خرابًا لا يسكنها البشر بل الشياطين، ولا يقبلها روح مقدس بل تصير محرسًا لكل روح نجس وطائر نجس وممقوت. هذه هي نهاية كل شر، وهذه نهاية مملكة ضد المسيح. وما يقوله هنا عن ضد المسيح وعروسه إنما هو حادث لكل إنسان يسلك متعجرفًا ويسكر من خمر غضب الزنا الروحي. لأنه كما يُدعى المؤمنون "أورشليم السماوية" ويتمتعون بالسماويات، وهم بعد على الأرض، هكذا يُدعى المعاندون في كل جيل "بابل" ويصيبهم الدمار، فيصيرون خرابًا، لا يسكنهم سوى إبليس الذي يستريح في هذه النفوس القفرة، مرسلاً كل آلاته الشيطانية إلى هناك. كما تصير هذه النفوس المجدبة التي بلا حياة ولا ثمر مأوى للطيور النجسة الممقوتة التي لا يسكنها الأحياء ولا تجد لها موضعًا بينهم. وقد سبق أن تنبأ بذلك إشعياء النبي عن بابل (13: 21-22) كما قال بنفس المعنى عن آدوم (34: 10-15). إنها مجدبة بالرغم مما اتسمت به من أن تسكر الآخرين، وتلذذهم وتغنيهم من وفرة نعيمها. 2. دعوة المؤمنين لاعتزالها "ثم سمعت صوتًا آخر من السماء قائلاً: اخرجوا منها يا شعبي، لئلا تشتركوا في خطاياها، ولئلا تأخذوا من ضرباتها. لأن خطاياها لحقت السماء، وتذكَّر الله آثامها" [4-5]. بعدما كشف الله بطريق أو بآخر نهاية الأشرار بدأ يحذر شعبه ألا يشتركوا معهم في شرهم. وطالبهم بالخروج منها. هذا الخروج يحمل معنيين: 1. خروج روحي، أي رفض مبادئهم وسلوكهم، مهما تكن الظروف، لهذا يقول الرب: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير" (يو 17: 15). 2. والخروج المادي الفعلي ما أمكن، وذلك كما سيطلب النبيان من الكنيسة في العالم أن تهرب إلى الجبال والبراري، حتى لا يصطدم الضعفاء بضد المسيح وأتباعه ويتعثرون بهم. "جازوها كما هي أيضًا جازتكم، وضاعفوا لها ضعفًا نظير أعمالها. في الكأس التي مزجت فيها امزجوا لها ضعفًا" [6]. لا يعني بقوله "جازوها" أن تحاربها الكنيسة حربًا ماديّة، لكن المقصود هو رفض المؤمنين لفكر الأشرار، ونبذ الكنيسة أفكار بابل بالهروب منها روحيًا وماديًا يجعل دينونتها مضاعفة، إذ تصير الكنيسة ديَّانة لها وشاهدة عليها يوم الدين. ولعل سر مجازاتها ضعفًا هو أن خطيتها مضاعفة. 1. لأنها تطلب مجدها الذاتي، لا مجد الله. 2. لأنها تطلب النعيم الأرضي واللذة الزمنية ،ولا تبحث عن السعادة الأبدية. لهذا يقول الكتاب: "بقدر ما مجَّدَت نفسها وتنعمت بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا، لأنها تقول في قلبها: أنا جالسة ملكة، ولست أرملة، ولن أرى حزنًا. من أجل ذلك في يومٍ واحدٍ ستأتي ضرباتها: موت وحزن وجوع وتحترق بالنار، لأن الرب الإله الذي يدينها قوي"[7-8]. كأنه يقول إن ما تناله من جزاء هو ثمرة طبيعية لعملها. بقدر ما تُمجِّد ذاتها يتخلى عنها الرب، فتعود إلى موتها وحزنها وجوعها وفسادها. وقد أدرك الآباء ذلك واختبروه، ففي الفترة التي عاش فيها القديس أغسطينوس ممجِدًا ذاته كان عدمًا، ميتًا، ليس فيه فرح ولا شبع ولا راحة إذ يقول: [نعم... إنني في كل مرة ابتعد فيها عنكَ أسقط في العدم والفساد. يا لشقائي، فإنه لم يكن لي معرفة أن فيك غناي، أنا الذي ليس له وجود.] [أيها الطريق والحق والحياة... يا مبدد الظلمة والشر والضلال والموت... أيها النور، الذي بدونك يصير الكل في ليل دامس. أيها الطريق، الذي بدونك لا يوجد سوى الضلال. أيها الحق الذي، بدونك يخيم الموت على الجميع.] وكما يقول القديس أغسطينوس في أكثر من موضع أن للاعتراف جانبين هما أن نعترف بخطايانا وضعفنا فيتمجد الله، وأن نعترف بمجد الله وعمله معنا فنعرف ضعفنا الذاتي. والاثنان متلازمان. أما من يمجد ذاته فهو يهين الله والعكس بالعكس. هذه هي الخطية الأولى التي سقط فيها الشيطان، أي الكبرياء وتمجيد ذاته، والتي بها حارب آدم وأسقطه وأسقط معه أولاده، وحارب بها ربنا يسوع الذي له المجد الحقيقي، لكنه وهو والآب واحد، قبل الصليب والالآم متخليًا عن أمجاده ليأخذها من يد الآب فتأخذها البشرية في شخصه. أمَّا الخطية الثانية فهي خطية التنعم، أو اللذة الجسدية أو الملذات الأرضية. يليق بالنفس أن تعرف أنها أرملة، عريسها في السماء، فتبقى رافضة الملذات الأرضية من أجل السعادة الأبدية. أما من تقول أنها ملكة لها حق التنعم والتلذذ في العالم كيفما تريد، متجاهلة سعادة السماء فتموت وهى حيَّة. يقول الكتاب موبخًا "اسمعي هذا أيتها المتنعمة الجالسة بالطمأنينة، القائلة في قلبها: أنا وليس غيري، لا أقعد أرملة، ولا أعرف الثكل. فيأتي عليك هذان الاثنان... يأتي عليك شر لا تعرفين فجره، وتقع عليك مصيبة لا تقدرين أن تصديها، وتأتي عليك بغتة تهلكة لا تعرفين بها" (إش 47: 8-11). ويقول "وأما المتنعمة فقد ماتت وهى حيَّة" (1 تي 5: 6). 3. الراثون لها أ. ملوك الأرض "وسيبكي وينوح عليها ملوك الأرض، الذين زنوا وتنعموا معها، حينما ينظرون دخان حريقها. واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها، قائلين: ويل، ويل. المدينة العظيمة، بابل المدينة القوية، لأنه في ساعة واحدة جاءت دينونتك" [9-10]. صورة استعاريّة رمزيّة! لأنه بالحقيقة يوم هلاك بابل يهلك معها الذين تنعموا معها. لكنه هنا يتصور ماذا يكون عليه حال هؤلاء أيضًا. إنهم كانوا يظنونها قوية وراسخة، فإذ بها قد هوت في ساعة واحدة. كانت تعتمد عليهم، إذ جذبتهم بلذاتها وشهواتها لكي خلالهم تغلب وتنتصر. الآن وقفوا كأطفالٍ خائبين بلا سلطان ولا قوة. اتكل كلاهما على الآخر وهوى الاثنان معًا، لأن أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان في حفرة. زمان الدينونة قريب، وسيقف كثيرون يتأملون من خدعوهم بملذات العالم قد ضعفوا جدًا أمامهم فينوحون ليس من أجلهم، بل لأنهم قد انجرفوا معهم في تيارهم وصاروا شركاءهم في النصيب المؤلم! ب. تجار الأرض "ويبكي تجار الأرض، وينوحون عليها، لأن بضائعهم لا يشتريها أحد فيما بعد" [11]. هذه الفئة ليست كالأولى، فالأولى انخدعت بالشهوات والملذات، أما هؤلاء فخدعتهم بمحبة الفضة. إذ اغتنوا في هذا العالم باستخدام طرق الشر والتضليل. وكانوا يظنون أنهم يخلدون إلى الأبد على الأرض، يغتنون يومًا فيومًا، لكن في لحظة، في طرفة عين كسدت بضائعهم ولم يعد هناك من يشتريها. وبكاء هؤلاء أيضًا هو من أجل أنفسهم وليس على أموالهم. إنهم ينوحون لأنهم خرجوا صفر اليدين. ويعدد سفر الرؤيا التجارة التي كانت تروجها بابل أيام شرها. ولكن كما يقول القديس أغسطينوس إن هذه الأمور (أي مواد التجارة) ليست في ذاتها شريرة ولا هي صالحة. إنما هي صالحة بالنسبة للصالحين الذين يحسنون استخدامها، وشريرة بالنسبة للأشرار الذين يسيئون استخدامها. لقد أساء التجار وبابل... أساءوا جميعًا استخدامها. يبدأ بالذهب وينتهي بنفوس البشر كتجارة، معطيًا للذهب قيمة أكثر مما لنفوس البشر. أي شر أعظم من هذا؟ 1. أدوات للتجميل: "بضائع من الذهب والفضة والحجر الكريم واللؤلؤ والبز والأرجوان والحرير والقرمز". وقد رأينا أنها كانت متحلية بهذه الأمور ومتنعمة بها. لا تستخدمها فيما هو للخير، بل للخداع والتضليل. 2. الأثاثات الفاخرة: "كل عود ثيني، وكل إناء من العاج، وكل إناء من أثمن الخشب والنحاس والحديد والمرمر" [12]. ويرى ابن العسال أن العود الثيني هو أنواع معينة ثمينة من الخشب مثل الأبنوس والعناب والصندل. 3. مواد للتنعم في الأكل والشرب والشم: "وقرفه وبخورًا وطيبًا ولبانًا وخمرًا وزيتًا وسميذًا وحنطة وبهائم وغنمًا". 4. ما هو للأُبّهة والعظمة: "وخيلاً ومركبات". 5. وأخيرًا ما هو في نظرها بلا قيمة أي استعباد الناس: "وأجساد ونفوس الناس" [13]. هذه التجارة جميعها كسدت، ففقد التجار كل شيء، إذ يقفون يوم خرابها مندهشين كيف زالت هذه التجارة، وأين هي طاقة الأشرار الشرائية. ويصير هؤلاء التجار مبكتين لها عندما تراهم، وهم يُبكتون عندما يرونها. وهكذا يصير الكل في عذاب أبدي، إذ يقول: "وذهب عنك جني شهوة نفسك، وذهب عنك كل ما هو مشحم وبهي، ولن تجديه فيما بعد" [14]. يتأمل التجار الأشرار الذين كانوا يتاجرون ليس بأمانة كأناس عاملين فيما للرب، بل يثيرون الأشرار لصنع الشر من أجل رواج تجارتهم، هؤلاء سيقفون مندهشين قائلين: "أين ذهب عنك جني شهوة نفسك؟ لقد قضيتي عمرك كله من أجل إشباع شهواتك، ولم تحرمي نفسكِ من أمر ما مهما بلغ ثمنه من أجل التنعم لكي تكوني في تخمة من جهة إشباع تنعمك. لكنني أراك الآن فارغة وخاوية من كل ما اشتريتيه!" "تجار هذه الأشياء الذين استغنوا منها سيقفون من بعيد من أجل خوف عذابها يبكون وينوحون. ويقولون: ويل، ويل للمدينة العظيمة، المتسربلة ببز وأرجوان وقرمز، المتحلية بذهب وحجر كريم ولؤلؤ. لأنه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا" [15-17]. يعيد إلينا هذا المنظر ما قد حدث في صورة مبسطة يوم التقى يهوذا الخائن مع الكهنة في الهيكل. هو لا يطيق أن يحمل الفضة في يديه، لأنه أدرك أنه قد خسر كل شيء، وهم لا يطيقون أن يلمسوها لأنها ثمن الرب البريء. الكل كانوا في عذاب ولكن بلا جدوى! هذه وقفة انتهت بانتحار يهوذا وزوال الكهنوت اليهودي. ولكن في يوم الهلاك الأبدي لا يستطيع الذي أثار الشر أو الذي قبله أن ينتحر أو يهرب بالموت من الموت الأبدي! إنه عذاب ما بعده عذاب، إذ يتأملون تصرفاتهم القديمة ويبكون وينوحون بلا رجاء ولا أمل! ج. الوسطاء "وكل ربان وكل الجماعة في السفن والملاحون وجميع عمال البحر وقفوا من بعيد. وصرخوا إذ نظروا دخان حريقها، قائلين: أية مدينة مثل المدينة العظيمة. وألقوا ترابًا على رؤوسهم، وصرخوا باكين ونائحين، قائلين: ويل، ويل. المدينة العظيمة التي فيها استغنى جميع الذين لهم سفن في البحر من نفائسها، لأنها في ساعة واحدة خربت. أفرحي لها أيتها السماء والرسل القديسون والأنبياء، لأن الرب قد دانها دينونتكم" [17-20]. يكشف هذا المنظر المؤلم عن جماعة الوسطاء الذين يساعدون الناس على شرهم. هؤلاء يقفون يوم الهلاك الأبدي من بعيد، وكلما رأوهم ازداد حزنهم - وقد عبر عن ذلك بإلقاء التراب على رؤوسهم - ويصرخون نائحين كيف أن ما كانوا يحسبونه مصدر غنى لهم وسعادة صار موضوع شقاء وهلاك! النتيجة: ما يريد أن يؤكده الرب في هذا الإصحاح هو أنه بقدر ما يزداد اتحاد المؤمنين كأعضاء في جسد الرب، وقدر ما تكون الشركة غاية في القوة بين العريس وعروسه وبين العروس والسمائيين، وتكون السماء كلها في فرحٍ وبهجةٍ ووحدةٍ ما بعدها وحدة، نجد في البحيرة المتقدة نفورًا وضيقًا وهروبًا... المتنعمون يقفون من بعيد. الكل لا يطيق أحدهم الآخر! وكما يرى الكل شخص ربما يسوع - البرّ الحقيقي - في كل عضو من أعضاء الكنيسة، هكذا يرى كل عضو من الأشرار خطيته في زميله في الهلاك الأبدي، فينفر منه ولا يطيقه. وبالرغم مما اشترك فيه الكل من حزن ونحيب، لكن كل واحدٍ يقف منفردًا في بكائه، منقسمًا على زملائه، لاعنًا اليوم الذي فيه تعرف على بابل العنيدة. أما الأبرار فيفرحون معًا بروح واحد بلا انقسام "افرحي لها أيتها السماء والرسل القديسون والأنبياء"، مدركين أن الدينونة هي من عمل الله المحب الذي يهبهم الأبديّة ويدين بابل في شرها. 4. تأكيد السقوط وإذ أراد الرب أن يؤكد لنا أنه تم سقوطها قال الرسول: "ورفع ملاك واحد قوي حجرًا كرحى عظيمة ورماه في البحر قائلاً: هكذا بدفع ستُرمى بابل المدينة العظيمة، ولن توجد فيما بعد" [21]. هذا العمل الرمزي الذي قام به الملاك صنعه إرميا النبي قبلاً (51: 63-64)، وكما سقط الحجر هكذا سبق أن سقط فرعون وجنوده في البحر الأحمر (خر 15:10)، غير أنه يعلن أن سقوطها يكون بدَفعة قويّة مرة واحدة. هكذا تُلقى بابل العنيدة في نار جهنم. أما صورة الخراب فجاء به في صورة استعارية سبق أن استخدمها العهد القديم، فأظهر في خرابها: 1. انتزاع أهل اللهو: "وصوت الضاربين بالقيثارة والمغنين والمزمرين والنافخين بالبوق لن يُسمع فيك فيما بعد" (راجع إش 14: 11، حز 26: 13). 2. انعدام أصحاب الصناعات: "وكل صانع صناعة لن يوجد فيك فيما بعد". 3. انعدام الأعمال الضرورية للحياة: "صوت رحى لن يُسمع فيك فيما بعد" [22] (راجع إر 25: 10). 4. ظلمة تامة: "ونور سراج لن يضيء فيك فيما بعد". 5. انعدام الفرح والإنجاب: "وصوت عريس وعروس، لن يسمع فيك فيما بعد" (راجع إر 7: 34، 16: 9). أما سبب خرابها فهو: "لأن تجارك كانوا عظماء الأرض. إذ بسحرك ضلَّت جميع الأمم. وفيها وجد دم أنبياء وقديسين وجميع من قُتل على الأرض" [23-24]. هذا يكشف لنا أنه لا يقصد ببابل بلد معين ولا فترة معينة، بل كل المعاندين الذين احتقروا دم الأنبياء والقديسين وسفكوا دم شهود الرب. إنه حديث يميل إلى التعميم أكثر منه تخصيص فترة ضد المسيح وحدها. وهذا ما أخذت به حتى الكنائس غير الرسوليّة. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثامن عشر هذا الإصحاح نرى فيه سقوط بابل عروس الشيطان وخرابها النهائى. والله يظهر هذا لشعبه حتى لا يشتركوا فى خطاياها. وهذه الصورة رأيناها من قبل فى سفر (أشعياء1:21-9 + 1:13-22 + 1:47-15). بل نجد أن الله يطلب من أولاده أن يخرجوا منها حتى يستطيع أن يضربها كما تستحق. وهذه الصورة رأيناها أيضا فى سفر (أشعياء20:48 + 11:52). ولقد تم هذا حرفيا وخربت بابل بيد الفرس أولا ثم صارت خرابا تماما وعاد شعب الرب منها ليعيش فى أورشليم. وطلب الرب الآن لا أن نعتزل العالم ونحيا فى الصحراء، بل أن نحيا فى العالم، على أن لا نشترك فى شر العالم، كقول السيد المسيح "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير" (يو15:17) ومن يفعل ويعتزل الشر ينجو من الضربات الموجهة لأشرار العالم أى بابل. آية (1):- "1ثُمَّ بَعْدَ هذَا رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ، لَهُ سُلْطَانٌ عَظِيمٌ. وَاسْتَنَارَتِ الأَرْضُ مِنْ بَهَائِهِ." ثُمَّ بَعْدَ هذَا = ما سبق ورآه يوحنا كان ضربات موجهة للأشرار، ولكننا هنا أمام خراب نهائى، لا تقوم بعده قائمة لبابل أى مملكة الشر فى العالم. لَهُ سُلْطَانٌ عَظِيمٌ = فالسماء مصدر كل السلطات لذلك قال نازلا من السماء. وَاسْتَنَارَتِ الأَرْضُ مِنْ قوته = فمقاصد الله كلها بهاء ونور وخير حتى لو كانت دمار للشر والأشرار، فهذا الخراب لبابل يعتبر تطهيرا للكون. الآيات (2-3):- "2وَصَرَخَ بِشِدَّةٍ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:«سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ! وَصَارَتْ مَسْكَنًا لِشَيَاطِينَ، وَمَحْرَسًا لِكُلِّ رُوحٍ نَجِسٍ، وَمَحْرَسًا لِكُلِّ طَائِرٍ نَجِسٍ وَمَمْقُوتٍ، 3لأَنَّهُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا قَدْ شَرِبَ جَمِيعُ الأُمَمِ، وَمُلُوكُ الأَرْضِ زَنَوْا مَعَهَا، وَتُجَّارُ الأَرْضِ اسْتَغْنَوْا مِنْ وَفْرَةِ نَعِيمِهَا»." بِصَوْتٍ عَظِيمٍ = إشارة لرعب الدينونة وتأكيدا للحسم الإلهى. سَقَطَتْ سَقَطَتْ بَابِلُ = جاء الفعل سقطت فى صيغة الماضى. وهو ما يسمى بالماضى النبوى، أى هذه هى طريقة الأنبياء فى إستخدام صيغة الماضى إشارة لحتمية سقوطها. وأيضا التكرار سقطت سقطت يفيد نفس الشىء. ولذلك نفهم مما يأتى بعد ذلك أنها مازالت لم تسقط بدليل أنه فى (آية 4) يطلب الخروج منها ونلاحظ أن بابل ستصير خرابا تماما وتسكنها الطيور النجسة التى تسكن الخرائب كالبوم والوطواط وهذا رمز لأن الشياطين تسكن الإنسان الذى إستعبد للخطية وصار خرابا. أما الله فحين يسكن فى إنسان فهو يحوله إلى هيكل حى. مَسْكَنًا لِشَيَاطِينَ = قد يقصد خطاة البشر، فقد قيل عن اليهود مجمع الشيطان (رؤ9:3) فالأشرار عبارة عن خرائب يسكنها الشياطين ويعيشون فى خراب. عكس أولاد الله فهم هياكل حية لله يحبون السكن فى كنيسة الله، ولا يرتاحون سوى بجوار الله. وخراب بابل إشارة لخرابها على الأرض وهلاك سكانها فى الأبدية. ونلاحظ أن السبب الأساسى للخراب هو خطايا الزنا = خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا. والإنغماس فى الملذات = اسْتَغْنَوْا مِنْ وَفْرَةِ نَعِيمِهَا. هؤلاء لم يكن يعنيهم سوى ملذاتهم وشهواتهم وعبادة المال. وظنوا أنهم حين يغترفوا من كل هذا فهم صاروا ملوكا وأسماهم ملوك الأرض (راجع تفسير رؤ2:1) وأطلق على من يتاجر فى هذه تُجَّارُ الأَرْضِ = التجارة ليست خطية لكن هؤلاء كانوا يتاجرون فى الملذات ليسهلوا الأمور لملوك الأرض. وكل هؤلاء نسوا أن هذا العالم باطل وله نهاية. مَحْرَسًا= سجنا للأرواح النجسة ومكان أَسْرْ لها . الآيات (4-5):- "4ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتًا آخَرَ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «اخْرُجُوا مِنْهَا يَا شَعْبِي لِئَلاَّ تَشْتَرِكُوا فِي خَطَايَاهَا، وَلِئَلاَّ تَأْخُذُوا مِنْ ضَرَبَاتِهَا. 5لأَنَّ خَطَايَاهَا لَحِقَتِ السَّمَاءَ، وَتَذَكَّرَ اللهُ آثَامَهَا." الخروج من بابل له تفسيران:- 1. الأول روحى :- الله يحذر شعبه حتى ينفصل عن شرور هذا العالم، وبالتالى لا يصاب من الضربات الموجهة للأشرار (بابل). 2. الثانى هو هروب فعلى إلى البرية حيث تعال الكنيسة مدة ظهور الوحش. ولكن متى نهرب وإلى أين؟ هذا لن نفهمه الآن بل فى وقته. وهذا معنى قول السيد " متى نظرتم رجسة الخراب... إهربوا للجبال " (مت 15:24). تَذَكَّرَ اللهُ آثَامَهَا= ليس أنه كان ناسيا بل هو قرر مجازاتها. لَحِقَتِ السَّمَاءَ = خطاياهم زادت وإرتفعت لدرجة أن الله ما عاد يصبر على هذا التحدى. آية (6):- "6جَازُوهَا كَمَا هِيَ أَيْضًا جَازَتْكُمْ، وَضَاعِفُوا لَهَا ضِعْفًا نَظِيرَ أَعْمَالِهَا. فِي الْكَأْسِ الَّتِي مَزَجَتْ فِيهَا امْزُجُوا لَهَا ضِعْفًا." جَازُوهَا = بحسب التفسيرين السابقين، يصبح هناك تفسيرين لهذه أيضا:- 1. برفض الكنيسة لشرور العالم ستكون ديانة لهذا العالم وشاهدة عليه يوم الدين فهى لها نفس ظروف الأشرار وإمكانياتهم لكنها رفضت الشر وهم قبلوه وسقطوا. 2. حين تهرب الكنيسة للبرية مدة ال 1260 يوما (رؤ6:12). يكون متاحا إنزال الغضب على بابل، كما أخرج الملاك لوط وعائلته ليتسنى له إحراق سدوم وعمورة ونلاحظ أن الله سيجازى بابل ضعف ما أذاقت شعبه من آلام. الآيات (7-8):- "7بِقَدْرِ مَا مَجَّدَتْ نَفْسَهَا وَتَنَعَّمَتْ، بِقَدْرِ ذلِكَ أَعْطُوهَا عَذَابًا وَحُزْنًا. لأَنَّهَا تَقُولُ فِي قَلْبِهَا: أَنَا جَالِسَةٌ مَلِكَةً، وَلَسْتُ أَرْمَلَةً، وَلَنْ أَرَى حَزَنًا. 8مِنْ أَجْلِ ذلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَتَأْتِي ضَرَبَاتُهَا: مَوْتٌ وَحُزْنٌ وَجُوعٌ، وَتَحْتَرِقُ بِالنَّارِ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ الَّذِي يَدِينُهَا قَوِيٌّ." مَجَّدَتْ نَفْسَهَا = سبب مجازاتها أنها طلبت مجدها الذاتى ولم تطلب مجد الله. طلبت النعيم الأرضى واللذة الزمنية ولم تبحث عن السعادة الأبدية. ولاحظ أن بابل تمجد نفسها، أما الكنيسة فيمجدها الله، بأن يحل فى وسطها مجدا لها (زك5:2). وَلَنْ أَرَى حَزَنًا = هى لم تؤمن بكلام الكتاب المقدس أن هناك عذاب معد للأشرار، ولم تصدق أن هناك يوم للدينونة (2بط4،3:3) فما تناله هو ثمرة طبيعية لأعمالها، فهى نسيت أننا غرباء على الأرض وسيأتى يوم نترك فيه هذه الأرض. وهذه حيلة الشيطان الأساسية أنه يدعو النفس لأن تنسى أن لهذه الحياة نهاية وسيأتى يوما للحساب. ويدعو أيضا النفس لأن تفكر فى اللحظة الحاضرة، وكيف تستمتع بها. أَنَا جَالِسَةٌ = مستقرة لن يقدر أحد أن يحرمنى مما أتمتع به. لَسْتُ أَرْمَلَةً= لست حزينة فالأرامل حزانى وكان الرد على ذلك.... ستأتى ضرباتها موت وحزن. الآيات (9-10):- "9«وَسَيَبْكِي وَيَنُوحُ عَلَيْهَا مُلُوكُ الأَرْضِ، الَّذِينَ زَنَوْا وَتَنَعَّمُوا مَعَهَا، حِينَمَا يَنْظُرُونَ دُخَانَ حَرِيقِهَا، 10وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ لأَجْلِ خَوْفِ عَذَابِهَا، قَائِلِينَ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ بَابِلُ! الْمَدِينَةُ الْقَوِيَّةُ! لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ جَاءَتْ دَيْنُونَتُكِ." سَيَبْكِي وَيَنُوحُ عَلَيْهَا مُلُوكُ الأَرْضِ= وياليتهم بكوا على خطاياهم.هؤلاء الذين كانوا يستمتعون بشهواتها وملذاتها سينوحون عليها إذ فقدوا السبب الوحيد والمصدر الوحيد للذاتهم. وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ = إشارة إلى شدة ما أصابها ولفزع الواقفين مما حدث وربما يكون ما أشير له هنا هو صورة إستعارية، إذ حينما تهلك بابل سيهلك معها سكانها، ولكن ربما يهلك مكان ويظل هناك بعض الأحياء من الأشرار وينطبق هذا عليهم حرفيا. وقارن فرحة الأشرار بهلاك النبيين وإرسالهم هدايا (رؤ 11) مع حزنهم على بابل. الآيات (11-14):- "11وَيَبْكِي تُجَّارُ الأَرْضِ وَيَنُوحُونَ عَلَيْهَا، لأَنَّ بَضَائِعَهُمْ لاَ يَشْتَرِيهَا أَحَدٌ فِي مَا بَعْدُ، 12بَضَائِعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَجَرِ الْكَرِيمِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْبَزِّ وَالأُرْجُوانِ وَالْحَرِيرِ وَالْقِرْمِزِ، وَكُلَّ عُودٍ ثِينِيٍّ، وَكُلَّ إِنَاءٍ مِنَ الْعَاجِ، وَكُلَّ إِنَاءٍ مِنْ أَثْمَنِ الْخَشَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَرْمَرِ، 13وَقِرْفَةً وَبَخُورًا وَطِيبًا وَلُبَانًا وَخَمْرًا وَزَيْتًا وَسَمِيذًا وَحِنْطَةً وَبَهَائِمَ وَغَنَمًا وَخَيْلاً، وَمَرْكَبَاتٍ، وَأَجْسَادًا، وَنُفُوسَ النَّاسِ. 14وَذَهَبَ عَنْكِ جَنَى شَهْوَةِ نَفْسِكِ، وَذَهَبَ عَنْكِ كُلُّ مَا هُوَ مُشْحِمٌ وَبَهِيٌّ، وَلَنْ تَجِدِيهِ فِي مَا بَعْدُ." الله خلق العالم لنحيا بما على الأرض، ليكون وسيلة حياة وليس هدفا فى حد ذاته. ونجد العالم الآن وقد صار هدفا، ويريد الناس أن يكتنزوا ما أمكنهم من كل ما فيه من أموال وخيرات. الناس الآن يطلبون ما يسمى تعظم المعيشة (1يو16:2) أما بولس الرسول فيقول "إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما" (1تى8:6). ويقول "أن محبة المال أصل لكل الشرور" (1تى10:6). ونلاحظ أن يوحنا أورد قائمة بما يتاجر به الناس فى هذا العالم، أو ما يشغلهم أو ما هم مهتمين بالحصول عليه. ذَّهَبِ وَفِضَّةِ... الْقِرْمِزِ= هذه تستعمل فى الزينة (وإستعملته المرأة الزانية رؤ4:17) عُودٍ ثِينِيٍّ... الْمَرْمَرِ = هذا لزينة البيوت الفاخرة والأثاثات الفاخرة. قِرْفَةً.... وَلُبَانًا = هذه للروائح العطرة. خَمْرً وَزَيْت... وَغَنَمً= هذه عن المأكولات الفخمة. خَيْلاً وَمَرْكَبَاتٍ= هذه للعظمة والخيلاء (هذه كالسيارات الآن). وَأَجْسَادًا = هى تجارة الجنس واللذة المحرمة. وَنُفُوسَ = هى تجارة الهراطقة الذين يغوون البسطاء ليتركوا إيمانهم الصحيح وكنيستهم. وكون أنالأَجْسَادً وَالنُفُوسَ أتت فى آخر القائمة فهذا يعنى أنها أصبحت فى ذلك الزمان أرخص شىء. ومعنى هذه القائمة أن الناس ما عادت تهتم سوى بأن تأكل أفخر شىء وتلبس أفخم شىء وتتزين وتزين بيوتها، تهتم بالموضة وبالجنس. وهؤلاء ماذا سيعملون حينما يخرب هذا العالم، وتبطل هذه التجارة = بَضَائِعَهُمْ لاَ يَشْتَرِيهَا أَحَدٌ. فملوك الأرض هم من يسعوا لإمتلاك كل هذا وتجار الأرض هم من يتاجروا بهذه الأشياء. وكلاهما ملوك الأرض وتجار الأرض كان كل همهم مكسبهم وأموالهم، كانوا يسعون وراء محبة الفضة ناسين الله تماما، فصارت أموالهم إلههم. صار العالم هدفا وليس وسيلة. وحينما تخرب بابل لن يجد كل هؤلاء سوى الندم = وَيَبْكِي كل تُجَّارُ الأَرْضِ. ونجد أن حجى النبى أشار لمثل هذا حينما قال " هل الوقت لكم أن تسكنوا فى بيوتكم المغشاة وهذا البيت (بيت الرب) خراب (حج 4:1) " وهذا يعنى بالنسبة لحجى النبى أن هؤلاء الناس إهتموا بزينة بيوتهم وتركوا هيكل الرب خرابا ولم يهتموا ببنائه. كُلَّ عُودٍ ثِينِيٍّ= هناك إحتمالين أو رأيين أن هذا خشب من نوع قيم كالأبنوس والصندل أو أنه خشب حينما يحترق تنتج عنه رائحة طيبة. ولنفهم أن الأكل والتجارة فى هذه المأكولات ليست خطية، ولكن من كانت الهتهم بطونهم، لا يسعون سوى للأكل باحثين عن أطيب وأفخم المأكولات،هؤلاء سيبكون إذ يذهب عنهم هذا (رو18:16( + )فى19:3) أما بولس الرسول فعلمنا أن نحيا هكذا " تعلمت أن أكون مكتفيا بما أنا فيه أعرف أن أتضع وأعرف أيضا أن أستفضل.. تدربت أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص" (فى12،11:4) فى اليوم الأخير لن ينفع إلا ما كنزناه من كنوز فى السماء، فلن يكون بعد إشباع للذات ولا للبطن ولا للأبهة والأمجاد الزمنية. ولمن إكتفى بمثل تجارة العالم هذه، أين سيذهب ؟؟ هو يبكى إذ ذَهَبَ عَنه كُلُّ مَا هُوَ مُشْحِمٌ وَبَهِيٌّ= أى كل ما ظنه مشحم وبهى. أما أولاد الله فلا يشبعهم سوى التلذذ بالروحيات، لا يشبعهم سوى الله. وسوف يجدون الله مصدر فرحهم فى السماء، أما من لم يتذوق السمائيات فى حياته على الأرض فسيبكى وينوح حين تخرب الأرض بما فيها. الآيات (15-16):- "15تُجَّارُ هذِهِ الأَشْيَاءِ الَّذِينَ اسْتَغْنَوْا مِنْهَا، سَيَقِفُونَ مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَجْلِ خَوْفِ عَذَابِهَا، يَبْكُونَ وَيَنُوحُونَ، 16وَيَقُولُونَ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُتَسَرْبِلَةُ بِبَزّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، وَالْمُتَحَلِّيَةُ بِذَهَبٍ وَحَجَرٍ كَرِيمٍ وَلُؤْلُؤٍ!" الأشرار هنا يتأملون فى حبيبتهم بابل التى خربت ويندمون على جمالها السابق الذى خرب. ينوحون بلا رجاء وبلا أمل. الآيات (17-18):- "17لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ خَرِبَ غِنىً مِثْلُ هذَا. وَكُلُّ رُبَّانٍ، وَكُلُّ الْجَمَاعَةِ فِي السُّفُنِ، وَالْمَّلاَحُونَ وَجَمِيعُ عُمَّالِ الْبَحْرِ، وَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، 18وَصَرَخُوا إِذْ نَظَرُوا دُخَانَ حَرِيقِهَا، قَائِلِينَ: أَيَّةُ مَدِينَةٍ مِثْلُ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ؟ " وَكُلُّ رُبَّانٍ وَكُلُّ الْجَمَاعَةِ فِي السُّفُنِ وَالْمَّلاَحُونَ = إذا كان العالم هو البحر، فالربان وكل الملاحون وجميع عمال البحر هم الذين يساعدون فى عملية التجارة. والمعنى أن كل من ساعد على الشر سيندم فى هذا اليوم حين تحترق بابل. آية (19):- "19وَأَلْقَوْا تُرَابًا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَصَرَخُوا بَاكِينَ وَنَائِحِينَ قَائِلِينَ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، الَّتِي فِيهَا اسْتَغْنَى جَمِيعُ الَّذِينَ لَهُمْ سُفُنٌ فِي الْبَحْرِ مِنْ نَفَائِسِهَا! لأَنَّهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ خَرِبَتْ!" الْبَحْرِ هو العالم والبحارة هم جماعة الوسطاء الذين يساعدون الناس على شرهم، وهؤلاء سيبكون على ما كانوا يحسبونه مصدر غناهم وسعادتهم فصار لهم موضوع شقاء وهلاك وضيق وندم بلا فائدة. آية (20):- "20اِفْرَحِي لَهَا أَيَّتُهَا السَّمَاءُ وَالرُّسُلُ الْقِدِّيسُونَ وَالأَنْبِيَاءُ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَانَهَا دَيْنُونَتَكُمْ»." اِفْرَحِي لَهَا أَيَّتُهَا السَّمَاءُ = لقد إشتهى السمائيون وطلبوا أن تأتى هذه الساعة ليتمجد الله ويظهر عدله (رؤ9:6) وَالرُّسُلُ الْقِدِّيسُونَ وَالأَنْبِيَاءُ = الذين طالما تنبأوا وانذروا بهذا الخراب، وها قد ثبت صدق نبواتهم. وظهر عدل وصدق وقداسة الله الرافض للشر. قَدْ دَانَهَا دَيْنُونَتَكُمْ = بقدر ما عذبتكم يا أولاد الله بقدر ما سيدينها الله. آية (21):- "21وَرَفَعَ مَلاَكٌ وَاحِدٌ قَوِيٌّ حَجَرًا كَرَحىً عَظِيمَةٍ، وَرَمَاهُ فِي الْبَحْرِ قَائِلاً:«هكَذَا بِدَفْعٍ سَتُرْمَى بَابِلُ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، وَلَنْ تُوجَدَ فِي مَا بَعْدُ." عمل رمزى يشير لأن سقوط بابل سيكون بدفعة واحدة، وهذا العمل الرمزى قام به أرميا من قبل (أر64،63:51). الآيات (22-24):- "22وَصَوْتُ الضَّارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ وَالْمُغَنِّينَ وَالْمُزَمِّرِينَ وَالنَّافِخِينَ بِالْبُوقِ، لَنْ يُسْمَعَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. وَكُلُّ صَانِعٍ صِنَاعَةً لَنْ يُوجَدَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. وَصَوْتُ رَحىً لَنْ يُسْمَعَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. 23وَنُورُ سِرَاجٍ لَنْ يُضِيءَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. وَصَوْتُ عَرِيسٍ وَعَرُوسٍ لَنْ يُسْمَعَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. لأَنَّ تُجَّارَكِ كَانُوا عُظَمَاءَ الأَرْضِ. إِذْ بِسِحْرِكِ ضَلَّتْ جَمِيعُ الأُمَمِ. 24وَفِيهَا وُجِدَ دَمُ أَنْبِيَاءَ وَقِدِّيسِينَ، وَجَمِيعِ مَنْ قُتِلَ عَلَى الأَرْضِ»." صورة للخراب التام. إذ سيختفى صوت اللهو بل صوت الصناعات، بل الحياة عموما، فلا حياة بدون خبز = صَوْتُ رَحىً لَنْ يُسْمَعَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. وتصير فى ظلمة تامة = نُورُ سِرَاجٍ لَنْ يُضِيءَ فِيكِ فِي مَا بَعْدُ. وقارن هذا بما ستكون عليه أورشليم السمائية أى الكنيسة المنتصرة فى السماء، فهى كعروس مزينة لرجلها، والله يسكن معهم، وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، بلا حزن وبلا وجع (رؤ2:21-4) بل لن يحتاجوا إلى سراج أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم (رؤ5:22). والسبب أنها أضلت كثيرين = بِسِحْرِكِ ضَلَّتْ جَمِيعُ الأُمَمِ. وطالما إستشهد فيها قديسيين = فِيهَا وُجِدَ دَمُ أَنْبِيَاءَ وَقِدِّيسِينَ. ملحوظة: قارن (أية 9) مع( أية 20) فخراب الشر فى العالم هو سبب لحزن الأشرار الذين كانوا يتمتعون بالخطية فيه، وهو فى نفس الوقت فرح للسمائيين لأن عدل الله وقداسته يظهران فى خراب بابل الزانية العظيمة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن عشر هلاك بابل مقدمة : بعد أن أبرز الأصحاح السابق كيف إنقسم الشر على ذاته ، وأشار إلى إنهيار مملكته ( بابل ) ، يصور لنا هذا الأصحاح صورة تفصيلية عن سقوط بابل وسبب سقوطها وبكاء الأشرار عليها ، كذلك نجد دعوة الله واضحة لأولاده بالخروج منها حتى لا تقع عليهم الضربات النهائية . (1) إعلان الملاك الأول ( ع 1 - 3 ) : ع 1 : ثم بعد هذا : أي الرؤيا السابقة للوحش والزانية ( ص 17 ) . إستنارت الأرض من بهائه : كناية عن قوة وعظم سلطان ومهابة هذا الملاك . في مشهد يعتبر إستكمالاً لما رآه يوحنا في الأصحاح السابق ، رأى هنا ملاكاً آخر عظيماً نازلاً من السماء معلناً إعلاناً طال إنتظاره من أبناء الله المؤمنين ، ولقوة هذا الملاك إصطحب نزوله من السماء نوراً عظيماً أضاء الأرض كلها . ع 2 : محرساً : سجناً . أعلن الملاك بصوت عظيم ( صراخ ) موضوع الرسالة التي يحملها لكل سكان الأرض وهي سقوط مملكة الشر ( بابل ) ، وكرر لفظ " سقطت " للدلالة على سقوطها نهائياً دون قيام أو عودة ثانية لسلطانها ، ويضيف أنها صارت سجناً لكل الشياطين والأرواح النجسة وكذلك كل طائر نجس . طائر نجس : كانت هناك أنواع من الطيور التي حرَّم الله أكلها في الشريعة على شعب اليهود مثل الجوارح فكانت طيور مكروهة لدى الشعب ... أما المعنى هنا فهو وصف آخر للشياطين بجانب وصفه الأول لها بأنها أرواح نجسة . ع 3 : يوضح لنا هذا العدد أسباب سقوط بابل ودينونتها العادلة فهي : (1) أسكرت كل تابعيها بتقديم مختلف الشهوات ( خمر زناها ) فكانت هذه الخدمات والشهوات سبب زناهم ( أي الإبتعاد عن الله ) . (2) وكما أهلكت الأمم والشعوب كذلك أسقطت العديد من الملوك والرئاسات بمختلف الحيل حتى تضمن سطوتها على العالم كله . (3) إستطاعت بالإغراءات والمكاسب المادية أن تتحكم في تجار الأرض ( القوى الإقتصادية ) فيعبدوا المال وسلطانه دون الله . + معزي جداً يارب هو التأمل في أحكام عدلك ، فتعلن لنا كيف تنتهي مملكة الشر وتكون مسكناً وسجناً للشيطان وأرواحه النجسة ؛ ولكنني يا إلهي أتطلع بشوق إلى المسكن الآخر حيث تكون أنت هناك نوراً ساطعاً ودفئاً وحناناً وراحة لا تنتهي ، وحتى نلقاك هناك ونتمتع برؤياك أصلي لك وأطلب منك أن تكمل لنا طريق خلاصنا وتنقذنا من ( بابل ) الأرضية بكل شهواتها وملذاتها الشريرة . (2) إنذار الملاك الثاني ( ع 4 - 8 ) : ع 4 : سمع القديس يوحنا صوتاً ثانياً مصدره السماء أيضاً ، وحمل هذا الصوت تحذيراً من الله لشعبه ، بدعوته للخروج من بابل قبل إنزال عقابه عليها ؛ والمعنى الروحي هنا هو أنَّ الله يدعونا ويحثنا أن نبتعد عن الشر نهائياً ، فبابل الروحية ليست مكاناً معيناً بل هي حالة موجودة الآن في كل مكان ولكن على أبناء الله الأمناء الهرب من كل أشكال الشر . لئلاّ تشتركوا في خطاياهم : وهو سبب دعوة الله لنا باعتزال الشر ، لأنه من المستحيل أن يحيا الإنسان داخل مملكة الشر دون أن يتأثر به أو بإغراءاته ... ويذكرنا هذا أيضاً بدعوة الملاك للوط بالهروب من سدوم وعمورة ( بابل الشريرة ) قبل إهلاكها وحرقها ( تك 19 ) . ع 5 : خطاياها لحقت السماء : تعبير تصويري للدلالة على شدة شرها . كما يصف الوحي أيضاً أنَّ صراخ سدوم وعمورة قد وصل إلى الرب ( تك 18 : 20 ) . تذكَّر الله آثامها : لا تعني بالطبع أنَّ الله كان ناسياً ولكن تعني أنه أتى زمن القصاص والدينونة . ع 6 : بعد أن أمر الله شعبه ومحبيه بالخروج من بابل واعتزال الشر ، يأتي أمره المباشر بمجازاتها . وهذا الأمر بالطبع موجه لخدام الله الملائكة المنفذين لمشيئته ، ونلاحظ في مجازاة الله أنها : (1) عادلة : " كما هي جازتكم " : أي كما عذبت أبناء الله بعذابات كثيرة . (2) مضاعفة : " ضاعفوا لها ضعفاً " : أي سوف تعاني كما لم يخطر على قلب أو فكر أحد ، وكما مزجت الشهوات والإغراءات في كأس زناها ، جاء دورها أن تشرب من نفس الكأس ولكنها هنا تشرب مزيجاً مضاعفاً من غضب الله . ع 7 : ما مجدَّت نفسها : صفة الشيطان والشر هو الكبرياء والإفتخار . تنعمت : باللذات والشهوات الأرضية والحسية الآثمة والزائلة . لست أرملة : لست في عوز أو إحتياج ولن أرى شيخوخة أو نهاية . في كبرياء وتشامخ نظرت ( بابل ) إلى أمجاد شرها ، وفي غباء وكبرياء لم تظن للحظة أنَّ هذا كله له نهاية محتومة ، فتعالى صوت إفتخارها وأعلنت أنها ملكة وشابة متنعمة ولا زوال لمجدها أو سعادتها الزائفة .. ؛ ولهذا جاء حكم الله أن تدفع ثمن عنادها وعدم توبتها ، فبقدر زناها وشرها ستأخذ أيضاً نصيبها من العذاب والحزن والعويل وصرير الأسنان . ع 8 : في إعلان يطمئن أولاد الله بقوة أبيهم السمائي وشدة يمينه المخلِّصة لأبنائه والمبيدة لمقاوميه ومعانديه ، يخبرنا كيف يكون يوم إنتقام الله . في يوم واحد : أي تأتي الضربات في تعاقب وسرعة ، واليوم إشارة ليوم الدينونة الأخيرة ؛ وهذه الضربات تبدأ بالموت أي إعلان هلاك كل ساكنيها وملوكها ، والحزن والجوع هما عقوبتان تقابلان المجد والتنعم ( ع 7 ) اللذان خدعت وأغوت بهما أبناءها ، أما النار التي تحرقها فهي عقوبة زناها التي تنتظرها كما أمرت الشريعة بذلك في عقاب الزناة ( لا 20 : 14 ، 21 : 9 ) . وقد يكون المعنى المراد بالموت هنا هو نهاية العالم كله وبالتالي يكون مصيرها ( بابل ) الأبدي هو الحزن الدائم والجوع إلى الراحة التي لا يجدها الأشرار ثم الإحتراق بنار لا تنطفئ . + أيها الحبيب لا تندهش إذا رأيت تفاخر وازدهار الأشرار ونجاح طرقهم ... وثق أنَّ لهم زماناً يسيراً ولكن بعد هذا يدفعون ثمن تنعمهم ، فارفض إذاً بشدة الشر وكل شهواته ، فبقدر ما تهرب من ( بابل ) كما هرب يوسف من عروض وإغراءات الخطية تكون لنا النجاة في إسم مخلصنا المسيح وميراث عرشه الأبدي . (3) حزن ورثاء تابعيها ( ع 9 - 20 ) : في الأعداد من ( 9 - 20 ) تصوير لمشاهد حزن كل من تعلق قلبه بالشر ورثاءه على إنهيار مملكته ، وقد تم تقسيم هؤلاء إلى ثلاثة وهم : 1- ملوك الأرض . 2- تجار الأرض . 3- الربان والملاحون . وهذا التقسيم مقصود بالطبع لأنَّ لكل فئة منهم معنى روحي قصد الروح القدس إيضاحه لنا . ع 9 ، 10 : ملوك الأرض : تعبير يشير إلى المتكبرين والمتشامخين ، والذي أعطاهم الشر سلطاناً ونفوذاً زمنياً ( قادة أو ساسة ) . تنعموا معها : أشبعوا رغباتهم الشريرة من خلالها ( مملكة الشر ) . وقف كل من كان له شأن وقد خابت وانتهت آمالهم برؤية مملكتهم وهي تنهار أمام أعينهم إلى زوال ، وقد بدأت دينونتها الأبدية وعذابها القاسي ، ولأنَّ عذابها ودينونتها هو إعلان لنهايتهم ودينونتهم أيضاً جاء بكاءهم ونوحهم وصراخهم ليس على المدينة فقط بل على أنفسهم أيضاً ، إذ صار مصيرهم أمامهم ولهذا نطقوا بتعبير " ويل ويل " لإعلان حسرتهم مما أتى عليها ورعبهم مما ينتظرهم . واقفين من بعيد : قد تكون صورة توضح وجود فارق زمني بين دينونة مملكة الشر ( بابل ) ثم تابعيها ( ملوك الأرض ) ، وهو تعبير يشير إلى أشد أنواع العذاب ، فما أقسى أن يرى الإنسان دينونة وعذاب غيره وهو عالم أنه يرى ما سوف يحدث فيه أيضاً . ع 11 : النوع الثاني هم " تجار الأرض " ، فإذا كان النوع الأول إستهواه السلطان والنفوذ والحكم فهناك أيضاً من إستعبدهم حب المال والذهب وإستهواهم العالم بأعماله وصفقاته وكان كل رجائهم في زيادة أموالهم وتوريثها لأبنائهم ، أما ما يبكون عليه الآن فهو إكتشافهم للخدعة التي وقعوا فيها وأنَّ كل ما فعلوه لا قيمة له " بضائعهم لا يشتريها أحد " وبالطبع نوحهم أيضاً على ما ينتظرهم من عذاب ودينونة صارت ماثلة أمامهم كما كان شعور ملوك الأرض . ع 12 ، 13 : البز : كتان ناعم . أرجوان : قماش أحمر فخم . قرمز : قماش أحمر أغمق من الأرجوان . العود التيني : خشب عطري من شجر التين الموجود بشمال أفريقيا . المرمر : من أحسن أنواع الرخام . سميز : دقيق فاخر . حِنطة : قمح . طِيب : عطور طيبة . هذان العددان يوضحان أنواع تجارة هؤلاء التجار ، والتي شملت كل شئ بدءاً من الثروات الثمينة ( كالذهب والفضة واللآلئ والحجر الكريم ) ثم إلى أبهى الملبوسات ( الأرجوان والقرمز والبز ) وتلاها بما يحتاجه الناس العاديون في بيوتهم من ( عاج وخشب وحديد ) لتأثيث منازلهم ، وما يحتاجه الجميع من أجل الأكل ( كالزيت والحنطة ولحوم البهائم ) ، ثم كانت النهاية بأسوأ أنواع التجارة وهي التجارة بالناس أنفسهم وأجسادهم ( تجارة الزنا ) ... والغرض من عرض كل أنواع هذه البضائع للتجار ، هو فضح ما يحدث في العالم الآن ، فالتجار أتباع ( بابل ) ومملكة الشر إستباحوا التجارة في كل شئ المشروع والغير مشروع ، وكان الغرض هو إستغلال الناس لتحقيق مكسبهم وإغرائهم الدائم للشراء فيظل الإنسان طوال عمره أسيراً لرغباته وطموحاته وإحتياجاته المادية ، فمن ناحية يزيد ثراء تجار الشر ومن ناحية أخرى ينسى الناس خلاص نفوسهم بتكالبهم على الشراء . وبصورة روحية أكثر يمكن القول أنَّ التجار هنا هم الشياطين والبضائع هي الإغراءات والشهوات وتنوعها يعني أنَّ الشيطان يقدم لكل إنسان ما يغريه به سواء كان شر واضح ( أجساد الناس ) أو خطايا مستترة يقنع الناس بشدة إحتياجهم إليها ( كالزينة والملبس وشهوات الطعام ) ، فيربط كل الناس بخيوط آخرها بيده فيتحكم بتجارته هذه في العالم كله . + أشكرك يا إلهي أنك تفضح لي خطط تجار الشر ، فافهمي يا نفسي وتعففي ولا تطلبي أكثر من إحتياجك واقنعي بما لديكِ لئلاّ تفقدي سلطانك على ذاتك وتعطيه للشيطان ، فلن يذيقك في النهاية سوى خرنوب الخنازير أي الذل والتعاسة . ع 14 : جنى : ثمر . شحم : ثمين . الكلام هنا في معناه المباشر يعود على ( بابل ) التي خسرت كل شئ وكذلك تجارها الذين فقدوا تجارتهم مع إحتراقها . أما المعنى الروحي فيمكن تطبيقه على كل نفس سارت وراء شهواتها ، فخسرت بذلك ثمر الروح القدس المرجو منها ، وبعد عنها المسيح البهي ولن تجده فيما بعد إذ تركته أولاً ، فتركها نهائياً وحرمها من ميراثها الأبدي . ع 15 ، 16 : يتقابل هذان العددان في معنيهما وصورتهما مع ما جاء في ( ع 9 ، 10 ) عن ملوك الأرض ، إذ إشترك أيضاً التجار في النوح والبكاء والرثاء والخوف العظيم ، ليس فقط على بهاء مملكة الشر المنقضي بل على العذاب الذي ينتظرهم أيضاً .المتسربلة ببز .. اللابسة الكتان الفاخر : أي التي كان لها بهاء يوماً ما . ربان : قادة السفن . ملاحون : حافظي خرائط البحر ومرشدي السفن . ع 17 ، 18 : الكلام هنا عن الفئة الثالثة ( الربان والملاحون في البحر ) بعد ملوك الأرض وتجارها ، وهذه الفئة الثالثة ترمز إلى وسطاء الشر أي الذين ينقلونه من مكان إلى آخر ويروجون له أو يستوردون الخطايا الغريبة ويعيدوا تصديرها ، وقد لعنهم السيد المسيح نفسه عندما قال " ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة " ( مت 18 : 7 ) . وقد صرخوا هم أيضاً إذ رأوا إنهيار وحريق مدينة مرساهم وهم لا يعتقدون أبداً نهايتها إذ ظنوا أنها عظيمة وفوق كل دمار . ع 19 : تراب على رؤوسهم : عادة قديمة للشعوب الشرقية للدلالة على الحزن الشديد . ردد تقريباً الربان والبحارة ما سبق وردده الملوك والتجار ، إذ إنهارت آمالهم وخربت بنهاية ودمار بابل ، فبعد أن كانت سبب فناهم صارت الآن خربة أمام أعينهم . وصراخهم كما سبق وأوضحنا هو خوفهم من مصيرهم الآتي . ع 20 : إفرحي : هو نداء من نفس الملاك الذي أعلن دينونة بابل فهو يعلن أيضاً فرح مملكة السماء . يعلن الملاك للخليقة السمائية وكل الشهداء بشرى وهي نهاية بابل وبداية دينونتها وإعلان العدل الإلهي ، وتعبير أنَّ " الرب قد دانها دينونتكم " هو إجابة على السؤال الذي سأله الشهداء القديسون " حتى متى أيها القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا " ( رؤ 6 : 10 ) ، وهكذا فكما أنَّ مراحم الله تفرَّح السماء والقديسين بقبول التائبين ، هكذا أيضاً عدله في مجازاة الأشرار يفرَّح كل السماء لأنه نصرة للحق وليس شماتة في الأشرار . (4) تأكيد سقوط الشر ( بابل ) ( ع 21 - 24 ) : ع 21 : حجراً كرحى : حجر الرحى هو حجر ثقيل يستخدم في طحن القمح . شاهد بعد هذا القديس يوحنا ملاكاً وصفه أنه " قوي " في إشارة إلى عِظم العمل المزمع القيام به ، فقد حمل حجراً كبيراً مستديراً وقذف به إلى البحر ليغرق سريعاً من عِظم ثِقله ، ثم أعلن بعد ذلك أنَّ ما فعله بالحجر هو تمثيل لما سوف يصنع ببابل العظيمة في قوتها وثقلها ، أي نهايتها وزوالها من على وجه الأرض نهائياً . ع 22 ، 23 : في هذين العددين يؤكد معالم موت ونهاية مدينة الشر نهائياً ، فيوضح نهاية كل شئ فيها يحمل معالم الحياة أو الفرح أو الحركة .. فلن يعود فيها من يشدو بصوته أو يضرب ويعزف على آلات الموسيقى المفرحة كالقيثارة ( الآلة الوترية ) أو المزمار ( آلة النفخ ) . وما حدث مع صانعي اللهو يحدث أيضاً مع كل صناعة حتى الضرورية مثل إعداد الدقيق الذي سوف يستخدم كخبز لها ، أي ستفقد حتى الطعام الضروري فتموت . وكما أنه ستنتهي أعمالها ولهوها سينطفئ كل نور فيها ، والنور في العادة يرتبط بالمجد ، فزوالها يعني زوال ونهاية مجد مملكة الشر الذي إفتخرت به زماناً .. وكذلك لن تكون فيكِ أفراح البتة " صوت عريس وعروس " . وفي النهاية يعيد علينا الملاك ما سبق إعلانه مرات كثيرة في أنَّ سبب هلاكها هو إنتقام الله العادل من تجارها ( ع 11 ) الذين أمدوها بكل أنواع الشر وتسهيلهم لإغواء الأرض كلها ، كذلك سحرها الذي جذب وأضلّ معظم الشعوب . ع 24 : يضيف هذا العدد سبباً آخر لإجراء قصاص الله العادل وفناء بابل وهو سفكها لدم أبنائه الأنبياء والقديسين وكل من قتلته من سكان الأرض سواء بإضطهاده أو بإغوائه . + حقاً إنَّ نهاية الشر مؤلمة ومخزية ولا نجاة منها .. فها هي النهاية لكل من أهمل واستهتر بإنذارات الله المتلاحقة .. فعلينا إذاً أن نتوب كل يوم ولو بكلمات قليلة لئلاّ تأخذنا غفلة الحياة وتسقطنا ( بابل ) بسحرها وإغراءاتها ، فنغرق معها في بحر دينونة الهلاك ونفقد حياتنا الأبدية .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح