كلمة منفعة
قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..!
— الانقسام
سفر رؤيا يوحنا 15
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 15
الرؤيا
الإصحاح رقم 15
الجامات السبعة
+ منظران تمهيديان ص 15.
+ الجامات السبعة ص 16.
الأصحاح الخامس عشر :
منظران تمهيديان
في هذا الأصحاح التمهيدى نرى:
1. الكنيسة الممجدة في السماء 1 - 4.
2. مصدر الجامات السبعة 5 - 8.
1.الكنيسة الممجدة في السماء
"ثم رأيت آية أخرى في السماء عظيمة وعجيبة. سبعة ملائكة معهم السبع الضربات الأخيرة،لأن بها أُكمل غضب الله" [1.]
هذا هو موضوع السلسلة الثالثة، أن الله يرينا آية أخرى في السماء، هذه الآية العظيمة هي مقاصد الله العجيبة تجاه البشر الذي لا يكف عن أن يستخدم معهم اللطف أو الشدة، الترفق أو الحزم، التساهل أو التأديب، هذا كله لأجل خيرهم وخلاصهم إن عادوا إليه تائبين.
علي أي الأوضاع إن هذه الآية التي تحمل غضب الله إلي تمامه، وتكشف المرارة التي يشربها العالم بسبب الشر، فإنها "في السماء"، أي لا تحدث جزافًا أو بلا تدبير، بل صادرة من السماء.
يسرع ربنا فينقل المؤمنين في شخص الرسول ليروا ماذا يكون حال الكنيسة يوم عزها ومجدها حتى لا تضطرب حين ترى التأديبات المرة، لهذا يقول:
"ورأيت كبحر من زجاج مختلط بنار، والغالبين على الوحش وصورته وعلى سمته وعدد اسمه واقفين على البحر الزجاجي معهم قيثارات الله. وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله، وترنيمة الخروف قائلين: عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب الإله، القادر على كل شيء. عادلة وحق هي طرقك. يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب، ويمجد اسمك، لأنك وحدك قدوس، لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك، لأن أحكامك قد أظهرت" [2-4.]
ينتقل بهم ليروا أنفسهم كغالبين على الشيطان، خاصة الذين يعاصرون اضطهاد ضد المسيح يرون أنفسهم كغالبين الوحش وصورته وعلى سمته وعدد اسمه... ماذا يكون حالهم؟
1. إنهم واقفون على البحر الزجاجي، كبحر من زجاج مختلط بنار. وقد سبق أن رأينا أن البحر الزجاجي الذي هو أمام العرش يشير إلى المعمودية التي بدونها لا يعبر أحد إلى الجالس على العرش ليكون في حضنه. ولما كان الحديث هنا موجهًا بالأكثر إلى أُناس يذوقون مرارة المر في فترة ضد المسيح كقول الرب: "يكون في تلك الأيام ضيق لم يكن مثله منذ ابتداء الخليقة التي خلقها الله إلى الآن ولن يكون" (مر 13: 19)، لهذا أظهر البحر مختلطًا بنار التجارب التي يجتازونها.
2. معهم قيثارات الله: إنهم غالبون اجتازوا كل أيام غربتهم. ذهب وقت الهروب والألم والحزن وصاروا ظاهرين "واقفين" علنًا، حاملين قيثارات النصرة والفرح. هي ليست منهم بل "قيثارات الله"، هبة من الله تجاه الغالبين لحسابه، يجعل من النفس والجسد قيثارة، تسبحه بنغم إلهي، وتسبيح سماوي روحي من وحيه! يجدر بنا أن نلاحظ أن الغالبين المذكورين هنا هم "الغالبون الوحش"، بكونهم آخر فئة من جماعة المجاهدين على الأرض. وبهذا يوضح لنا هذا المجد الأبدي في كماله وجلاله، لا يناله المؤمنون إلا بعد أن يكمل كل المؤمنين جهادهم.
3. وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف: يا له من منظر مبدع سبق أن رأيناه خلال الرمز حين اجتاز موسى والشعب البحر الأحمر وخرجوا إلى الشاطئ يترنمون "ترنيمة موسى" (خر 15)، ترنيمة الخلاص، ترنيمة النصرة الرمزية. هذه الترنيمة تتغنى بها الكنيسة كلما سبحت الرب، إذ تذكر كيف عبرت مع الرب بالمعمودية ودفنت إبليس وقواته وطرحتهم في البحر قائلة:
"أرنم للرب فإنه قد تعظم!
الفرس وراكبه طرحهما في البحر!
الرب قوتي ونشيدي. وقد صار خلاصي!
هذا هو إلهي فأمجده، إله أبي فأرفعه!
يمينك يا رب معتزة بالقدرة.
يمينك يا رب تحطم العدو..."
أما ترنيمة الحمل فهي ذاتها ترنيمة موسى، الأولى هي الأصل والثانية هي ظلال ورمز. انهما ترنيمة النصرة على الشيطان. أما دوافع التسبيح فهي كما نقول مترنمين: "عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب القادر على كل شيء".
وما سر عظمته؟
1. لأنه وحده القدوس، ليست هناك قداسة خارجًا عنه.
2. لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك. وهنا يتحدث بصيغة المستقبل. لأنه يليق بنا أن نترنم بهذه التسبحة، ونتعود عليها ههنا ونحن على الأرض، فنرى أن الأشرار لا يستطيعوا الهروب من الامتثال أمام العدل الإلهي ليعطوا جوابًا عما ارتكبوه. ونرى أنه خلال تأديبات الله وحزمه - إن صح هذا التعبير - يجتذب نفوسًا إليه.
3. لأن أحكامه قد أظهرت أو أعلنت، فهو لا يصنع هنا أمرًا ما لم يعلنه ويكشف مقاصده خلال كتابه. إلا أنه في يوم الرب العظيم ندرك أحكام الله في أعماقها ظاهرة ومكشوفة، فنعجب مندهشين أمام كل أعماله التي صنعها مع البشرية!
2. مصدر الجامات السبعة
"ثم بعد هذا نظرت"، أي انتقل الرائي إلى مشهد جديد، رؤيا ثانية.
"وإذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة في السماء"، وهو الهيكل الذي كان يُحفظ فيه التابوت ولوحا الشريعة. وانفتاح هذا الهيكل في السماء يعني.
1. أن تابوت العهد الذي كان دائمًا يشير إلى حلول الله وسط شعبه، ولوحي الشريعة اللذين كانا يشيران إلى عدله ورحمته اللانهائيين تجاه البشرية، وخروج الضربات من هناك يكشف لنا أنها رغم ما اتسمت به من شدة وحزمٍ إلا أنها في منبعها تحمل مراحم الله ورأفاته واشتياقاته تجاه خلاص البشر.
2. يجد المؤمنون في هذا الهيكل لذتهم وسعادتهم، ومنه تخرج التأديبات والضربات.
3. لم تأت هذه الضربات بغير إنذار بل سبق أن أنبأنا عنها خلال الأنبياء.
"وخرجت السبعة الملائكة، ومعهم السبع الضربات من الهيكل، وهم متسربلون بكتان نقي وبهي، ومتمنطقون عند صدورهم بمناطق من ذهب. وواحد من الأربعة المخلوقات الحيَّة أعطى السبعة الملائكة سبعة جامات من ذهب مملوءة من غضب الله الحي إلى أبد الآبدين. وامتلأ الهيكل دخانًا من مجد الله ومن قدرته. ولم يكن أحد يقدر أن يدخل الهيكل حتى كملت سبع ضربات السبعة الملائكة" [6-8.]
هذا المنظر الملائكي يتناسب مع شخص ربنا يسوع اللابس الثوب إلى الرجلين والمتمنطق عند ثدييه بمنطقة من ذهب (1: 13) لابسين ثيابًا كتانية نقية وبهية، ومتمنطقين للخدمة. من هذا يظهر أن عملهم كعمل كهنوتي، لهذا فإن ما يقومون به من قبل الله هو للتأديب أكثر منه للانتقام.
1. لقد خرج السبعة الملائكة متهيئين للمهمة التي يُرسلون إليها.
2. سلمهم أحد الأربعة المخلوقات الحيَّة سبعة جامات.
3. ومع هذا لا يسكبوا الجامات إلا بعد صدور الأمر الإلهي. وهكذا يتأنى الله جدًا في تأديباته وفي الضربات التي يسمح بها.
أما الجامات فيقول عنها القديس إيرونيموس أنها أوانٍ لكل منها فم ضيق حتى لا ينسكب الغضب دفعة واحدة بل يفرغ منها قطرة، قطرة. لكن الأصل اليوناني يوضح أنها أوان مسلطحة وواسعة.
وأما امتلاء الهيكل دخانًا من مجد الله وقدرته حتى لم يقدر أحد أن يدخل الهيكل، فهو ليس بالأمر الجديد، بل رأيناه مرارًا في الكتاب المقدس، وهو يشير إلى:
1. عظمة الله وجلاله، فليس لخليقة ما أن تعترض على عمله، لهذا عند استلام الشريعة عندما نزل الرب على جبل سيناء، صار الجبل يدخن كله كدخان الأتون (خر 19: 18).
2. يشير الدخان إلى عدم إدراك الخليقة الأحكام الإلهية، وبهذا نرى أن هذه الضربات هي رموز إلهية لا نقدر أن نكتشفها كما هي إلا عند حدوثها، لأن مقاصد الله تعلو كل حكمة البشر.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الخامس عشر
آية (1):- "1ثُمَّ رَأَيْتُ آيَةً أُخْرَى فِي السَّمَاءِ، عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً: سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ مَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ، لأَنْ بِهَا أُكْمِلَ غَضَبُ اللهِ."
فِي السَّمَاءِ = أوامر إلهية بتوجيه ضربات شديدة لمملكة الشر فى العالم، حتى يرى المؤمنين المترددين آلام الأشرار فلا يشتهوا شرورهم، وربما يتوب البعض من الأشرار. عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً = لقد تصور الناس أن قوة الوحش جبارة ولا نهائية ولكنهم وبتدبير الله عن طريق ضرباته سيكتشفون خداعه وزيف إدعاءاته بل ضعفه وأنه لا شىء وغير قادر على شىء.
سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ = رقم 7 هو رقم الكمال، والسبعة الملائكة يشيرون لأن الضربات التى سينفذها هؤلاء الملائكة السبع هى كاملة فى تنفيذ هدف الله من الضربات. الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ = فنحن الآن فى نهاية الأيام. هذه هى ضربات الأيام الأخيرة. على أننا رأينا ضربات الله للتأديب لم تتوقف عبر العصور إبتداء من ضربة الطوفان، لذلك قيل أن بِهَا أُكْمِلَ غَضَبُ اللهِ = فهذه هى ضربات الله النهائية التى بدأت بالطوفان. وهذه تأتى فى نهاية الأيام وقبل الدينونة النهائية. وقوله أُكْمِلَ أى لن تأتى ضربات ثانية على الأرض إلا الدينونة النهائية.
آية (2):- "2وَرَأَيْتُ كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ، وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ وَعَلَى سِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ، مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ،"
كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ = رأينا فى (رؤ6:4). أن أمام العرش بحر من زجاج شبه البلور، فهو يعكس مجد الله وهو مجد حقيقى. وكان هذا رمزا لأولاد الله المولودين من المعمودية ويعكسوا مجد الله. ولكننا نسمع هنا قوله كَبَحْرٍ = إذاً هؤلاء ليسوا أولاد الله وليست لهم أمجاد حقيقية بل لهم أمجاد عالمية زائفة يحيا فيها أشرار العالم. وقوله مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ فهذا إشارة لفقدانهم السلام الذى يتمتع به أولاد الله، ولألامهم النفسية، فلا سلام يقول الله للأشرار (أش22:48) فلا سلام حقيقى خارجا عن المسيح ملك السلام. والنار أيضا تشير لضربات الله ضدهم لإضطهادهم أولاده.. نجد أولاد الله واقفين على هذه الـ (كبحر) إشارة لإحتقارهم لأمجاد وملذات هذا العالم، وعدم إهتمامهم بالإضطهادات الموجهة إليهم، وهذا الإضطهاد نتيجة لرفضهم سمة الوحش. ونتيجة لذلك صارت حياتهم صعبة فهم لا يستطيعوا أن يبيعوا أو أن يشتروا لكن نرى مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ = والقيثارة تستخدم فى التسبيح، فالله وضع فى قلوبهم فرحا وسلاما ووضع فى أفواههم التسبيح.
وهنا يثور سؤال.. أين هم هؤلاء المسيحيين، هل هم فى السماء أم على الأرض؟
الكنيسة نصفها فى السماء (الكنيسة المنتصرة) ونصفها على الأرض (الكنيسة المجاهدة) وهى كنيسة واحدة، صفتها الأساسية أنها كنيسة مسبحة لله، سواء كانت الكنيسة المنتصرة أو الكنيسة المجاهدة، ولكن بفارق واحد، أن الكنيسة المنتصرة لا تتألم، ونحن هنا أمام كنيسة واقفة على (كبحر) من زجاج مختلط بنار، إذاً فى هذا إشارة على أن الكنيسة منتصرة على أمجاد هذا العالم، أى لا تشتهى بل تحتقر أمجاد هذا العالم، كما أنها منتصرة على آلامه وإضطهاداته التى هى كنار، أى لا ترهبها إضطهاداته وآلامه. وبهذا يكون الأكثر منطقية أن الكنيسة المقصودة هنا هى الكنيسة المجاهدة، وما يبدأ هنا من فرح وتسبيح كهبة من الله لمن يدوس على أمجاد هذا العالم، ما هو إلا مجرد عربون لما سنحصل عليه من فرح وتسبيح فى السماء.
آية (3):- "3وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ قَائِلِينَ:«عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَق هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ!"
تَرْنِيمَةَ مُوسَى = لأنهم منتصرين ومتحررين من عبودية إبليس، كما تحرر موسى من عبودية فرعون هو وشعبه فسبحوا. وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ = أى يسوع الذبيح المنتصر على إبليس بصليبه.
عَظِيمَةٌ = اعمال الله فى فدائه الذى جعل به الإنسان وارثا للأمجاد.
عَجِيبَةٌ = هل كان أحد يتصور أن الله يتضع ويخلى ذاته ويصلب ويموت.
عَادِلَةٌ وَحَق = الله فى قداسته رفض أن يسامح على الخطايا، دون أن يتحمل أحد عقوبتها، فتحملها إبنه. وأحكامه فى تأديب الأشرار هى حق.
آية (4):- "4مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ»."
وَحْدَكَ قُدُّوسٌ = ليست هناك قداسة خارجا عنه لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك. هنا يتحدث بصيغة المستقبل حين يخضع الكل له (عب8:2) + (1كو24:15-28)
لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ = نحن الآن لا نفهم حكمة الله فى كل الأمور، ولكننا فى السماء سنفهم كل شىء. كما قال السيد المسيح لبطرس لست تعلم الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد (يو7:13).
آية (5):- "5ثُمَّ بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا قَدِ انْفَتَحَ هَيْكَلُ خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ فِي السَّمَاءِ،"
هَيْكَلُ خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ = من هنا خرج السبع الملائكة المكلفين بتنفيذ الضربات وخيمة الإجتماع أطلق عليها خيمة الشهادة لأن بها لوحى الشهادة وعليهما الوصايا، وكانا موضوعين فى تابوت العهد المغطى بدم الكفارة. والمعنى أن الضربات ستنصب على الأشرار لمخالفتهم الناموس والغير المؤمنين بالمسيح وفدائه.
آية (6):- "6وَخَرَجَتِ السَّبْعَةُ الْمَلاَئِكَةُ وَمَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتِ مِنَ الْهَيْكَلِ، وَهُمْ مُتَسَرْبِلُونَ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ وَبَهِيٍّ، وَمُتَمَنْطِقُونَ عِنْدَ صُدُورِهِمْ بِمَنَاطِقَ مِنْ ذَهَبٍ."
شكل الملائكة هنا يشبه شكل المسيح كما رأيناه فى (رؤ13:1) وكان يشير للمسيح كديان (هذه ملابس القضاة) فالقضاة يتمنطقون عند صدورهم. وعمل الملائكة الآن فى ضرباتهم هو عمل دينونة. بِمَنَاطِقَ مِنْ ذَهَبٍ إشارة لأن الأحكام سمائية، فالذهب رمز للسمائيات. وكونهم مُتَسَرْبِلُونَ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ لونه أبيض، فهذا إشارة لأن الأحكام التى ينفذونها كلها بر وحق وعدل، فالأشرار حكموا على أنفسهم إذ رفضوا كل الإنذارات الإلهية.
آية (7):- "7وَوَاحِدٌ مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ أَعْطَى السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةِ سَبْعَةَ جَامَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مَمْلُوَّةٍ مِنْ غَضَبِ اللهِ الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ."
وَوَاحِدٌ مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ = الأربعة الحيوانات هم طغمة الكاروبيم والكاروبيم رأيناه ولأول مرة على باب جنة عدن ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة (تك24:3). وكان الكاروبيم هنا شاهدا على عدل الله وبر أحكامه ، إذ ان الله لا يريد للبشر ان يحيوا حياة ابدية وهم مشوهين من اثار الخطية الى ان يتم الفداء والصلح ، فيكون لهم اجساد ممجدة يحيون بها ابديا . ورأينا ملاكين كاروبيم على تابوت العهد، وكانا شاهدين على مراحم الله تجاه الإنسان، فالدم يكفر عن خطية الإنسان ومخالفته لوصايا لوحى الشهادة. فالكاروب جعله الله شاهدا على بره تجاه الإنسان وعدل أحكامه ورحمته تجاه الإنسان. إذاً حين يعطى الكاروبيم السبعة الملائكة، سبعة جامات مملوءة من غضب الله فهذا يعنى أن الكاروبيم شاهد على عدل الله تجاه البشر من الأشرار، الذين لم يستفيدوا من رحمة الله وفدائه.
جَامَاتٍ = هى أوانى مسطحة وواسعة منها ينسكب غضب الله دفعة واحدة وبلا رحمة كما سبق وقال " سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفا فى كأس غضبه (رؤ10:14). وهى من ذهب إشارة لأن هذه الأحكام سمائية وبمعايير سمائية وليست أرضية، فالمعايير الأرضية البشرية معرضة للخطأ والإنفعالات البشرية، وهى ليست وليدة الصدفة أو أى معايير خاطئة مستندة على أحداث أرضية.
آية (8):- "8وَامْتَلأَ الْهَيْكَلُ دُخَانًا مِنْ مَجْدِ اللهِ وَمِنْ قُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ الْهَيْكَلَ حَتَّى كَمِلَتْ سَبْعُ ضَرَبَاتِ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ."
امْتَلأَ الْهَيْكَلُ دُخَانًا = إشارة لأن غضب الله قد وصل للذروة، وأيضا يشير الدخان لعدم إدراك البشر لأحكام الله خصوصا مع عنف الضربات التى ستنصب على البشر فى تلك الأيام.
مِنْ مَجْدِ اللهِ = فالله قدوس لا يحتمل الخطية.
وَمِنْ قُدْرَتِهِ = فالأشرار ظنوا طول أناة الله عليهم ضعفا (2بط4:3).
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ الْهَيْكَلَ = إنتفت الشفاعة، والرحمة قد إستوفت زمانها. ولابد أن ضربات الله تنصب على الأشرار. فالأحكام صدرت ولا راد لها.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس عشر
التمهيد لجامات غضب الله
مقدمة الإصحاح : يرتبط هذا الأصحاح بالتالي له في موضع واحد وهو سبع جامات ( ضربات ) غضب الله الأخيرة قبل الدينونة ، فيشير إليها فقط هذا الأصحاح أما التفاصيل فهي آتية في الأصحاح السادس عشر .
ع 1 : رأيت آية أخرى : أي رؤية جديدة غير السبع كنائس والسبعة ختوم والسبعة أبواق ورؤية التنين والوحشين ، ويؤكد أنها عظيمة وعجيبة لما تحويه من مشاهد ومعاني . سبعة ملائكة .. سبعة ضربات : رقم سبعة إشارة إلى كمال هذه الضربات وشدتها وهي ليست كسابقتها من الضربات ، فما سبق كان للتأديب ورجوع الإنسان عن شره أما هذه فهي للعقوبة الصارمة . الأخيرة : في إشارة إلى أنها تسبق الدينونة مباشرةً ولا شئ بعدها ... فيها يكمل كل غضب الله وانتقامه . رأى القديس يوحنا منظراً عظيماً وهو سبعة ملائكة يحملون سبع جامات هي غضب الله قبل يوم الدينونة .
ع 2 : رأيت بحر من زجاج : هو نفس البحر الذي أمام العرش الإلهي ( ص 4 : 6 ) ، والزجاج والبلور يرمزان للنقاء والشفافية فلا يقدر أحد أن يقف في حضرة الله ما لم يكن طاهراً ونقياً . مختلط بالنار : ترمز النار للعدل الإلهي الثاقب والفاحص والمُجازي ، وفي تفسير آخر قد تكون هذه النار إشارة إلى الآلام التي يجتازها أبناء الله أثناء حياتهم وتؤهلهم للمثول أمامه . والغالبين على الوحش : أي من أكملوا السعي والجهاد وانتصروا على الشيطان وكل علاماته وأتباعه ولم يخضعوا أو ينحنوا له . راجع ما قيل عن سمات الوحش وصورته ( ص 13 ) . معهم قيثارات الله : أي أعطاهم الله روح الصلاة والتسبيح ، وهذا هو عملهم الملائكي الجديد . في هذا العدد يطمئنا ، قبل أن يذكر غضب الله في الجامات ، بمنظر جميل هو أولاد الله المؤمنين به الذين إنتصروا على الشيطان وواقفين بطهارة حول عرش الله يسبحونه .
ع 3 : يرتلون ترنيمة موسى : عندما عبر موسى البحر الأحمر وغرق فرعون ، سبَّح موسى الله مقدماً له التمجيد والشكر ( خر 15 : 1 - 19 ) وهو ما ترنمه الآن أيضاً الكنيسة في الهوس ( تسبيح ) الأول بتسبحة نصف الليل ... فالغالبون هنا يرنمون ترنيمة مشابهة لما نطق به موسى . ترنيمة الخروف : أي هذه التسبحة مقدمة للمسيح الفادي كما هي لأبيه . أما مضمون هذه التسبحة فهو الإقرار بعظمة تدبير الله في كل أعماله والفرح بقدرته الغير متناهية وأنَّ كل وصاياه ووعوده وعهوده هي حق وهو يملك على قلوب أولاده القديسين أي الذين كرَّسوا قلوبهم له .
ع 4 : من لا يخافك يارب ويمجد إسمك : وفي تسبحتهم أيضاً يقرون بمهابة شخص الله وقوة إسمه ، فالله الوديع الهادئ طويل الأناة ، محب البشر هو نفسه الإله الذي عندما رآه إشعياء في رؤياه صرخ قائلاً " ويل لي لأني إنسان نجس الشفتين " ( اش 6 : 5 ) . جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك وسوف يخضع لك جميع الناس بلا استثناء ( الأشرار والأبرار ) ويسجدون أمامك في يوم الدينونة ويعلنون أنك أنت وحدك المستحق السجود وليس غيرك ( الوحش الذي سجد له الأشرار قبلاً ) . وسجود الأشرار له ليس عبادة بل خوف ورعب من الغضب الآتي عليهم . أحكامك أظهرت : أي عدلك قد أكمل وأعلنت أحكامك ، وما كان غير مفهوم صار واضحاً وجلياً ، وكشفته لنا . يستكمل أولاد الله تمجيدهم له في يوم الدينونة معلنين قداسته ومخافته وخضوع كل البشر له بعد أن ظهر كمال رحمته على أولاده وعدله في دينونة الأشرار .
ع 5 ، 6 : ثم بعد هذا : تعبير أُستخدم كثيراً ، ينقلنا به القديس يوحنا من مشهد إلى مشهد . خيمة الشهادة : هي خيمة الإجتماع وسميت بهذا الإسم ، لأنه كان بها لوحي الشريعة " الشهادة " . وقد إستخدم إستفانوس هذا الإسم أيضاً ( اع 7 : 44 ) . رأى القديس يوحنا منظراً لخيمة الإجتماع ولكن في السماء ، وهيكلها يرمز للحضرة والإرادة الإلهية ، وخروج السبعة الملائكة يعني خروجهم مكلفين بأمر إلهي جليل ، أما وصف ما يلبسه هؤلاء الملائكة فجاء مطابقاً للبس الكهنة في العهد القديم " الكتان " ويرمز للطهارة والنقاء ، وكذلك متشبهين ببهاء إلههم الذي ظهر لابساً منطقة الذهب ( ص 1 : 13 ) لأنه رئيس الكهنة الأوحد ، ولبسهم بمثل ما يلبس ، معناه أنهم ممثلون له وينفذون إرادته .
ع 7 : قام أحد الملائكة القريبين من الله ودائمي الحضور أمامه ( أحد الأربعة الحيوانات ) بإعطاء السبعة ملائكة سبع جامات وهي من ذهب في إشارة إلى أنَّ مصدرها من الله وتمثل عدله وغضبه على الأشرار . الجامة : إناء مقعر ، كان يستخدم في وضع البخور وتقدمته أثناء العبادة .
ع 8 : إمتلأ الهيكل دخاناً : ليس له علاقة بالجامات ، فالجامات حملت غضباً إلهياً ، أما هذا الدخان فهو أحد مظاهر مجد الله ... كما حدث عندما إستلم موسى لوحي الشريعة فكان الجبل يدخن كالآتون ( خر 19 : 18 ) وكذلك عند تدشين الهيكل أيام سليمان حلَّ نفس الدخان على الهيكل ( 1مل 8 : 11 ) ، وعندما رأى إشعياء السيد ( اش 6 ) .. وهذا الدخان من كثرة كثافته ، أي عظمة مجد الله وقدرته ، لم يقدر أحد أن ينظر أو يدخل إلى أن يتم تدبير وقضاء الله في تنفيذ ضرباته السبعة من خلال ملائكته .
+ عظيم هو مجدك يارب ... من ذا الذي يستطيع أن يصفه أو يقف أمامه ... !! ولكنك أعطيتنا لا أن نقف فقط بل نتحدث معك وندعوك لنا أباً ... فعلِّمنا أيضاً يا سيدي ألاّ يغيب منظر مجدك الأقدس عن عيوننا فنصلي لك بخشوع وانسحاق ونضبط عقولنا أمامك أثناء الصلاة ... سامحنا يا إلهي فإننا كثيراً ما ننسى !!!
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح