كلمة منفعة
حقًا إن الله عنده حلول كثيرة..نحن نفكر في مشاكلنا بعقلنا البشرى، وعقلنا محدود، أما الله فهو غير محدود في معرفته وفي حكمته.
— حلول الرب
رسالة يوحنا الاولى 5
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة يوحنا الاولى - الاصحاح رقم 5
رسالة يوحنا الاولى
الإصحاح رقم 5
الأصحاح الخامس :
إمكانيات الإيمان
في هذا الأصحاح يتحدث الرسول عن قوة الإيمان بربنا يسوع المسيح ابن اللَّه:
1. الإيمان والحب 1 - 3.
2. الإيمان وحياة النصرة 4 - 5.
3. أساس الإيمان والشهادة له 6 - 10.
4. الإيمان وعطية الحياة الأبدية 11 - 13.
5. الإيمان واستجابة الصلاة 14 - 15.
6. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم 16 - 18.
7. المؤمنون ينالون بصيرة المعرفة 19 - 20.
8. الإنذار الأخير 21.
1. الإيمان والحب
"كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من اللَّه. وكل من يحب الوالد يحب المولود منه" [1].
بعدما تحدث الرسول عن الحب. ربط بين الإيمان والميلاد الفوقاني والحب. فميلادنا الثاني يقوم على أساس إيماننا بربنا يسوع أنه هو المسيح، الذي صالحنا مع أبيه، وربطنا به، فصارت لنا بالمعمودية البنوة للآب والحب له. وحبنا للآب يدفعنا لمحبة الابن، ذلك كما أنه [ليس لنا حب في داخلنا تجاه اللَّه الآب إلاَ خلال الإيمان بابنه.]
وحبنا للَّه يدفعنا لمحبة إخوتنا، كما أن حبنا للإخوة لا يكون حقيقيًا خالصًا إلاَ على أساس حبنا للَّه خلال وصاياه. "بهذا نعرف أننا نحب أولاد اللَّه، إذا أحببنا اللَّه، وحفظنا وصاياه" [2]. بهذا نقبل الجسد بقبولنا الرأس.
2. الإيمان وحياة النصرة
قد يسأل أحد: ومن يقدر أن ينفذ وصايا اللَّه؟ من يقدر أن يغلب محبة العالم بكل مغرياته وضيقاته؟ خلال إيماننا بربنا يسوع الذي غلب والذي لا يزال يغلب بعمله فينا وسيغلب. فإذ نختفي فيه يصير الطريق سهلاً، والحمل الثقيل هينًا، وإغراء العالم كلا شيء، وضيقات العالم موضوع سرورنا.
"ووصاياه ليست ثقيلة. لأن كل من وُلد من اللَّه يغلب العالم. وهذه الغلبة التي تغلب العالم إيماننا. من هو الذي يغلب العالم، إلاَ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن اللَّه!" [4-5].
ويعلق الأب ثيوناس:
[كل من يتسلق مرتفعات الكمال الإنجيلي يرتفع إلى أعالي الفضيلة متخطيًا كل قانون، ناظرًا إلى أن ما قد أمر به موسى على أنه أمر بسيط سهل، مدركًا أنه بخضوعه لنعمة المخلص يصل إلى تلك الحالة التي هي في غاية السمو.
وعلى هذا لا يكون للخطية سلطان عليه، "لأن محبة اللَّه قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رو 5: 5). بهذا ينزع عنه كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب في صنع ما هو ممنوع عنه، أو يهمل فيما قد أُمر به، لكن إذ يكن كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ويطلب الأمور المسموح بها...
لا تهلك جذور الخطية تحت الناموس، إنما تحت النعمة ليس فقط تُبتر أغصان الشر، إنما تقتلع أيضًا جذوره التي للإرادة الشريرة.]
ويقول القديس كيرلس الكبير: [والحق يقال أنه لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس إلاَ الابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، فكافحه كفاحًا شديدًا، وهو على صورتنا. ولذلك انتصرت الطبيعة البشرية في يسوع المسيح ونالت إكليل الظفر والغلبة... انتصر المسيح على الشيطان وتوّج هامة الطبيعة البشرية بإكليل المجد والظفر.]
3. أساس الإيمان والشهادة له
"هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح، لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق" [6].
يقوم إيماننا على أساس دم المسيح، وموتنا ودفننا معه بالمعمودية. هنا يميز الرسول بين معمودية يوحنا التي بالماء لمغفرة الخطايا (يو 1: 31) ومعمودية السيد المسيح التي بالماء والروح، حيث ندفن مع المسيح، ونقوم أيضًا بإنسان داخلي جديد على صورة ربنا يسوع. هذه هي المعمودية التي تقوم على صليب السيد المسيح.
يقول القديس أمبروسيوس: [كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طرح موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة. لأن الماء بدون الكرازة بصليب ربنا لا فائدة منه للخلاص العتيد. ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ أنه كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين، هكذا أيضًا الكاهن ينطق على جرن المعمودية بشهادة صليب ربنا فيصبح الماء عذبًا بسبب عمل النعمة.]
هذه المعمودية يشهد لها الروح وشهادته حق، ليست شهادة كلام، بل بالعمل إذ هي عمله، وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [حينما تدخلون في الماء لا تجدون بعد ماء بسيطًا بل تنتظرون خلاصًا بالروح القدس، لأنكم تستطيعون بلا مانع أن تصلوا للكمال.]
"فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد" [7].
يشهد الثالوث القدوس لقوة المعمودية في العهد الجديد، وذلك كما رأينا في عماد ربنا يسوع، الذي منه استمدت قوتها.
والمعمودية هي من اختصاص الروح القدس واهب الغفران والشركة، فيربطنا بالثالوث القدوس. وتقوم على عمل الثالوث، إذ تقوم على صليب المسيح. فالآب أحبنا وأسلم ابنه، الابن بذل ذاته على الصليب حيث طُعن ربنا فخرج دم وماء (يو 19: 34)، على أساسهما قامت المعمودية.
فشهادة الثالوث القدوس ليست كلامًا، بل شهادة إيجابية. شهادة عمل وبذل من أجل الإنسان لكي يحيا كابن للَّه. هذه الشهادة السماوية تلازمها شهادة في الأرض إذ يقول الرسول:
"والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم والثلاثة واحد" [8].
يقول القديس أمبروسيوس: [الشهود الثلاثة في المعمودية: الماء والدم والروح هم واحد. لأنك إن انتزعت واحدًا منها لما وجد سرّ المعمودية. لأنه ما هو الماء بغير صليب المسيح؟! عنصر مادي بدون أي فعل سري! كما أنه لا يوجد سرّ التجديد بدون ماء لأنه "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه" (يو 3: 5).]
ويقول القديس أغسطينوس:
[وإذ قال أن الثلاثة في الواحد أوضح أنه لا يقصد بالروح والماء والدم المفهوم العام بل هي أمور سرية.
لأن مادة الروح ومادة الماء ومادة الدم ليسوا واحدًا. ولكن كما نقول مثلاً أن الصخرة والماء هما واحد قاصدين بالصخرة المسيح وبالماء الروح القدس.
من يشك في أن الصخرة والماء هما مادتان مختلفتان، لكن إذ السيد المسيح والروح القدس طبيعة واحدة نقول أن الصخرة والماء واحد.
إننا نعلم أن ثلاثة خرجوا من جسد ربنا وهو معلق على الصليب.
أ. الروح إذ كتب "ونكس رأسه وأسلم الروح" (يو 19: 30).
ب، ج. وعندما طُعن خرج منه دم وماء.
هذه الثلاثة مختلفو المادة ومتميزون، فهم ليسوا بواحد. إنما الوحدانية هنا تحمل معنى أن جسد المسيح السري أي الكنيسة يثبت في الثالوث القدوس ويكرز به.
فالروح نفهم منها ما جاء أن "اللَّه روح" (يو 4: 14)، والدم يعني الابن الذي صار جسدًا (يو 1: 14)، والماء يشير إلى الروح القدس كقول ربنا (يو 7: 38)...
أما عن كون الثالوث القدوس شاهدًا، فهذا ما لا يشك فيه كل من يؤمن بالإنجيل، إذ يقول الابن "أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الآب الذي أرسلني" (يو 8: 18). "روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي" (يو 15: 26).
هؤلاء الشهود الثلاثة هم واحد، طبيعة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد.]
"إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة اللَّه أعظم، لأن هذه هي شهادة اللَّه التي قد شهد بها عن ابنه" [9].
في أمور كثيرة نتقبل شهادة الناس فكم بالأولى تكون شهادة الآب عن ابنه، الذي شهد له في عماده، وفي تجليه وعند موته بإقامته من الأموات.
"من يؤمن بابن اللَّه فعنده الشهادة في نفسه. من لا يصدق الله فقد جعله كاذبًا، لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها اللَّه عن ابنه" [10].
إيماننا باللَّه يجعلنا في غنى عن للشهادة الخارجية، بل يشهد روح اللَّه فينا شهادة عملية اختبارية، فنثق في كلمة اللَّه بغير تشكك.
"أما من لا يصدق اللَّه فيجعله كاذبًا"، ليس لنا أن نسأل "كيف؟" بل نقبل ما ورد في الكتاب المقدس بإيمان.
4. الإيمان وعطية الحياة الأبدية
"وهذه هي الشهادة أن اللَّه أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن فله الحياة، ومن ليس له ابن اللَّه فليست له الحياة. كتبت اليكم هذا لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن اللَّه" [11-13].
هذا هو غاية إيماننا أن نتمتع بالحياة الأبدية. هذه هي الحياة ليست مجرد عطية من اللَّه، بل ابن اللَّه ذاته هو حياتنا "هذه الحياة هي في ابنه".
هذا هي غاية التجسد. جاء ربنا كبكرٍ لنا، مات وقام وبصعوده حملنا فيه، إذ ارتفع الإله المتأنس إلى أعالي السماوات، حيث ارتفعت أمامه الأبواب الدهرية، ووقفت الطغمات السمائية مبهورة أمام المجد الموهوب لبني البشر في شخص الإله المتأنس، لأنه حيث يكون البكر يرتفع فيه وبه أعضاء جسده السري ويحيون هناك إلى الأبد.
5. الإيمان واستجابة الصلاة
"هذه هي الثقة التي لنا عنده، أنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا" [14].
يقول الأب اسحق:
[إنه يأمرنا أن تكون لنا ثقة كاملة بغير ارتياب من جهة استجابة الطلبات التي ليست من أجل نفعنا (الأرضي) أو راحتنا الزمنية، إنما تطابق مشيئة ربنا. وتعلمنا الصلاة الربانية هذا، إذ نقول "لتكن مشيئتك" أي ليس حسب مشيئتنا نحن.
فإن تذكرنا كلمات الرسول: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي" (رو 8: 26)، ندرك أننا أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة العناية الإلهية تُرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن.
وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع عنه ملاك الشيطان الذي سمح به ربنا لأجل نفعه. "من أجل هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2كو 12: 8-9).]
"وإن كنا نعلم أنه يسمع لنا مهما طلبنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها" [15].
فالمؤًمن الذي يتجاوب مع روح اللَّه يتعلم ماذا يطلب، لذلك فكل ما يطلبه إذ هو حسب مشيئة اللَّه يستجيب ربنا له.
6. المؤمنون وصلاتهم من أجل إخوتهم
"إن رأى أحد أخاه يخطئ ليست للموت، يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت. توجد خطية للموت. ليس لأجل هذه أقول أن يطلب" [16].
يقول القديس أغسطينوس:
[واضح هنا أن هناك إخوة لا نصلي من أجلهم مع أن ربنا يوصينا أن نصلي حتى من أجل الذين يضطهدوننا. فخطية الأخ هنا أشر من كل خطية المضطهد لنا. وواضح أن كلمة "أخ" هنا تعني الإنسان المسيحي كما في 1كو 7: 14-15... إنني أفترض أن خطية الموت هنا هي مقاومة الإنسان للحب الأخوي وامتلاء قلبه بالكراهية ضد النعمة التي بها تصالحنا مع اللَّه بعدما تعرفنا على اللَّه بنعمة ربنا يسوع المسيح. (أي مقاوم في داخل الكنيسة فيفقدهم نعمة الرب).
أما الخطية التي ليست للموت فهي ألا يقوم الإنسان بواجبات الحب الأخوي عن ضعف في الروح...
ونلاحظ أن الرسول بولس لم يصلِ من أجل إسكندر، وأحسب أن السبب هو أنه كان مسيحيًا أخطأ خطية الموت، إي كان مقاومًا لشركة الروح بالبغضة... إذ يقول "إسكندر النحاس أظهر شرورًا كثيرة ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا لأنه قاوم أقوالنا جدًا" (2تي 4: 15). أما الذين يصلي من أجلهم فيقول عنهم "في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني. لا يحسب عليهم" (2تي 4: 16).]
ولعله لهذا السبب كانت الكنيسة تصلي ضد المبتدعين المصرين على عدم التوبة ليس انتقامًا لأنها كعريسها لا تحب الانتقام، إنما خوفًا على أولادها البسطاء الذين يخدعهم هؤلاء المبتدعين أمثال أريوس ونسطور...
ويرى تقليد الآباء اليونان أن الخطية التي للموت هي التي يصر عليها مرتكبيها بغير توبة. لهذا لا تصلي الكنيسة من أجل المنتحرين لأنهم أصروا على يأسهم إلى النهاية.
هذا ونلاحظ أن الرسول لم يأمر بعدم الصلاة من أجل الذين يخطئون خطية الموت إنما لم يطلب منهم أن يصلوا، تاركًا للمؤمن الأمر.
"كل إثم هو خطية، وتوجد خطية ليست للموت" [17].
كلمة "إثم" كما جاءت في اليونانية تعني اعتداء الإنسان على حق الغير، وكلمة "خطية" تعنى مخالفة إرادة اللَّه ووصاياه. فكل اعتداء على حق الآخرين هو خطية لأنها تخالف إرادة اللَّه، إذ يريد الحب بيننا.
ولكن هناك خطايا ليست للموت، ليس لأن طبيعتها هكذا، لكن لصدورها عن ضعف بغير إرادة أو عن جهل رغم توبتنا المستمرة. وهذه الخطايا ليست غير ملومة، ولا تعني أننا لا نتوب عنها. لهذا في كل يوم نصلي قائلين: "واغفر لنا ذنوبنا"
7. المؤمنون وهبوا بصيرة المعرفة
أ. "نعلم أن كل من وُلد من اللَّه لا يخطئ، بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" [18].
وقد سبق أن رأينا أن المولود من اللَّه يدرك إمكانيات الولادة الجديدة، وهي أنه كابن لا يخطئ ما دام ثابتًا في أبيه، لكن في اللحظة التي فيها ينسى بنوته، وينحرف قليلاً عن أبيه يسقط. وهنا يطلب الرسول من المولود من اللَّه أن يجاهد "يحفظ نفسه". وإذ يرى الشرير (الشيطان) ثباته في اللَّه وجهاده لا يقدر أن يمسه.
ب. نعلم أننا نحن من اللَّه والعالم كله قد وضع في الشرير" [19].
يدرك أولاد اللَّه أنهم من اللَّه، ليس بالكلام إنما بالحياة معه. ويتطلعون إلى "العالم كله" وهنا لا يقصد كل البشرية، إنما الذين أحبوا العالم وتعلقوا به أنهم قد اختاروا ملكوت الشرير.
ج. "ونعلم أن ابن اللَّه قد جاء، وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية" [20].
يعلم المؤمن من هو ربنا يسوع. إنه الحق واهب الحياة. هذه هي البصيرة الداخلية التي بها تعاين النفس ربنا يسوع أنه كل الحق فتشبع منه، وأنه مصدر حياتها، فتثبت فيه ولا تريد أن تفارقه.
8. الإنذار الأخير
"أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" [21].
يذكرنا هنا بنسبنا للَّه "أيها الأولاد"، أي يا أولاد اللَّه، لا يليق بكم أن تسلموا أنفسكم لغير أبيكم "لأن" الأصنام هي تسليم القلب الذي للرب لغيره.
إنه يذكرنا بمركزنا كأولاد للَّه طالبًا أن تتقدس قلوبنا له. وفي نفس الوقت يشجعنا على المثابرة والجهاد "احفظوا أنفسكم" حتى لا نقبل شيئًا أو أحدًا أن يحتل مكان اللَّه في قلوبنا.
بركة ربنا وإلهنا بصلوات أبينا الحبيب القديس يوحنا وجميع القديسين تحفظنا إلى الأبد. آمين.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الخامس
آية (1):- "1كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا. "
كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ = ما الذى جعل الرسول ينتقل من الكلام عن المحبة إلى الكلام عن الإيمان ؟ الرسول يريد أن يشرح أن المحبة ليست شيئاً يتمتع به الإنسان الطبيعى (غير المسيحى الذى لم تتعامل معه النعمة) بل هى عطية الروح القدس للمؤمن المعمد. هى طبيعة مكتسبة بها نحب الله والناس حتى الأعداء. وحب الأعداء هذا ليس ممكناً للإنسان العادى الطبيعى... فقط هذا للمؤمن. المحبة التى يتكلم عنها الرسول ليست مشاعر إنسان تجاه إنسان يحبه، بل هى طبيعة جديدة وخليقة جديدة، يحيا بها المؤمن وبها يحب كل إنسان.
ولماذا ذكر الرسول الإيمان فقط دون أن يذكر المعمودية، هل الإيمان وحده دون معمودية يكفى لنحصل على هذه الطبيعة الجديدة ؟
قطعاً لا. والرسول لن يناقض نفسه فهو الذى ذكر أن الولادة الثانية تكون من الماء والروح (يو3: 5) وهو ذكر موضوع المعمودية هنا فى أية (6)، (8). ولكن المقصود أن الإيمان هو المدخل لهذه الطبيعة الجديدة. إذاً الإيمان الذى يتكلم عنه الرسول هنا هو إيمان حى عامل بالمحبة (غل5: 6).
أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ = أن يسوع هو إبن الله الذى تجسد ليفدينا ويعطينا حياة جديدة ويعطينا التبنى.
فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ = كما قلنا فالولادة من الله تستلزم الإيمان أولاً ثم المعمودية التى بها تغفر خطايانا وننال التبنى. وعلامة أننا صرنا أولاد لله، أننا نحب الله أبونا. وطالما هو أبونا كلنا، فلابد أن نحب إخوتنا المولودين مثلنا منه = وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا.
وبهذا فإن هذه الأية هى إمتداد للأية الأخيرة من الإصحاح السابق التى فيها ينص الرسول على أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً. وإرتباط الإيمان بالمحبة نراه فى أن علامة الإيمان الحى هى المحبة. أما من يقول أنا مؤمن وهو لايحب إخوته فإيمانه ميت، كإيمان الشياطين (يع2: 19).
آية (2):- "2بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ. "
سبق وقال أن علامة محبتنا لله هى محبتنا للإخوة (1يو4: 20، 21) وهو يقول أن علامة محبتنا لأولاد الله هى محبتنا لله، فما المعنى؟
قد ينخدع الإنسان المؤمن ويتصور أنه يحب الناس، ولكن تكون محبته نفسانية جسدانية أو لمنفعة ما، أو لأنه لا تكون هناك ظروف ومحكات تختبرهذه المحبة، أى لا توجد مشاكل من النوع الذى يجلب الكراهية، فيظن الإنسان نفسه أنه مملوء محبة. لذلك يحدثنا معلمنا يوحنا هنا عن المحبة الحقيقية وعلامتها أننا نحب الله. فالروح القدس يسكب محبة الله فينا أولاً ثم الإخوة. ولكن كيف نعلم أننا نحب الله؟ يجيب الرسول وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ. فحفظ الوصايا علامة محبة الله (يو14: 21، 23). وأهم وصية هى المحبة.
آية (3):- "3فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً. "
وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً = لماذا ؟
1. إن كنا نحب الله سنجد وصاياه سهلة، فالمحبة تستسهل الأمور الصعبة بل سننفذ الوصايا بدون كبت. فعلامة المحبة هى الطاعة الكاملة لوصايا من تحبه، بل أن تسعى لأن تجعله مسروراً
2. الله لا يأمر بشئ إن لم يعطى قوة على التنفيذ، فهو يعمل بى وفى، هو يحمل معى مهما كان الأمر صعب. هذه مثل "إحملوا نيرى فهو هين" (مت29:11). ولشرح هذا... أننا نكون قادرين على حمل إنسان ثقيل بسهولة فى الماء، فالماء يرفع معنا دون أن نعانى من ثقل الشخص المحمول، ومن لا يعرف ما يفعله الماء يظن أننا نقوم بعمل إعجازى إذ نحمل هذا الشخص الثقيل، وهكذا كل من هو خارج الإيمان يظن أن المؤمن الملتزم بوصايا الله أنه يعمل عملاً عجيباً بينما أن الله هو الذى يعمل ويعطى المعونة، بل أن من ولد من الله حقاً يجد لذته وسعادته فى تنفيذ الوصايا. وصايا الله ثقيلة فعلاً على طبيعة الإنسان القديمة ..مثل محبة الأعداء والطهارة وإشتهاء ما فى العالم... وهكذا اعتبرها تلاميذ المسيح اع15: 10 ولكن لنسمع قول بولس الرسول "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى" (فى13:4) وهذا إستجابة لقول السيد المسيح "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يو5:15).
آية (4):- "4لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. "
كيف نغلب العالم ؟
1. كُلَّ مَنْ وُلِدَ = من ولد من الله، صار إبناً لله. فيحب أبوه ويثق فيه، يثق فى أن كل ما يقوله هو لمصلحته وفائدته، ويهرب من شهوات العالم التى تجذب الإنسان الطبيعى. وهكذا فعل اولاد يوناداب (بيت الركابيين) راجع (ار 35).
2. من يؤمن ويعتمد يحيا المسيح فيه (غل2: 20 + فى1: 21). والمسيح الذى فينا قال ثقوا أنا قد غلبت العالم (يو16: 33). وراجع (1يو3: 9 + 1كو15: 57). فالمسيح الذى فينا يعطينا قوة نغلب بها.
3. من أحب الله إكتشف اللؤلؤة الكثيرة الثمن (مت13: 46) فإحتقر باقى اللآلئ أى العالم بما فيه (فى3: 7، 8). ومن إحتقر شهوات العالم يغلب. والروح القدس يسكب محبة الله فينا (رو5: 5). فمن يجاهد ليمتلئ يغلب .
4. راجع أية (3) لترى كيف أن وصايا الله ليست ثقيلة. عندئذ سنغلب شهوات العالم التى تجذبنا.
آية (5):- "5مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟"
لقد إنتصرت الطبيعة البشرية فى يسوع المسيح، ومن يؤمن تكون له النصرة. ولكن ما هو الإيمان المطلوب فى المسيح لكى ننتصر؟
يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ = هذه تساوى عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد (1تى16:3) أى الإيمان بسر التجسد. أن الله دخل إلى العالم وأعطانى حياته أحيا بها وهذه هى التى تجعلنى أغلب. وهو عاش كإنسان مثلى وإختبر ضعفاتى، فيستطيع أن يعيننى ويسندنى. ولكن الايمان ليس ايماناً نظريا ، بل قبولا للموت مع المسيح المصلوب ، فنقوم معه وتكون لنا حياته التى بها نغلب . وهذا يبدأ بالمعمودية التى هى موت مع المسيح وقيامة ، وحتى نظل ثابتين فى حياة المسيح علينا أن نتخذ قرارا بالموت عن الخطية ، والروح الذى يسكن فينا بالميرون يعيننا . والايمان هو المدخل لذلك. والايمان العملى هو السلوك فى طريق المسيح الذى بدأ بالصليب فالموت فالقيامة .....فالمجد.
آية (6):- "6هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ. وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ، لأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَقُّ. "
فى الأية السابقة حدثنا الرسول عن امكانية ان نغلب العالم عن طريق التجسد. وهنا يحدثنا عن كيفية الإستفادة من سر التجسد... أى بالمعمودية ، كطريق نموت به عن خطايا العالم ونقوم بحياة جديدة.
6هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى = أى المسيح.
بِمَاءٍ وَدَمٍ = أى ليس بماء فقط مثل يوحنا المعمدان الذى كان يعمد للتوبة ، وكان النزول فى الماء هو رمز للتوبة . لكن المسيح أتى بماء ودم. لقد أعطى يوحنا أهمية كبيرة لخروج الدم والماء من جنب المسيح لذلك كررها فى إنجيله وفى رسالته، فهو الوحيد الذى رأى الماء والدم من جنب المسيح. وخروج الماء والدم من جنب المسيح إشارة لخروج الكنيسة من جنبه بصفتها حواء الجديدة. وكان المسيح على الصليب فى موته مرموزاً له بآدم النائم (أف3:5 + تك32:2). وعمل المعمودية كان مرموزاً له فى العهد القديم بالتطهير بالماء والدم (لا4:14-7). والجديد فى العهد الجديد هو عمل الروح القدس فى الماء، فالمعمودية ليست ماءً عادياً بل ماء يعمل فيه الروح القدس بإستحقاقات الدم، فيولد المعمد من الماء والروح ولادة جديدة وخليقة جديدة قادرة أن تغلب العالم ولا يكون للخطية سلطان عليها (رو14:6). والخليقة الجديدة هى الموضوع الذى يتكلم فيه الرسول، الخليقة الجديدة التى تغلب العالم. وهذه الخليقة تكون بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ = أى بالمعمودية.
وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ = المعمودية هى بالماء والروح (يو5:3). ولكن ذكر الماء والدم، يقصد به الرسول الموت والحياة اللذان حدثا لجسد المسيح على الصليب . وترك الروح ليذكره هنا، فالروح فى سر المعمودية يعطينا بطريقة سرية ان نموت بالطبيعة العتيقة مع المسيح المصلوب ونقوم معه في حياة جديدة . والروح يشهد فى داخلنا لعمل المسيح، ولحياة المسيح الجديدة فينا، وعمله الخلاصى، وللبنوة التى حصلنا عليها بإتحادنا بالمسيح فى المعمودية "أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخاً يا آبا الآب " (غل6:4). فالروح لن يحل فينا ويصرخ يا آبا الآب ويشهد للبنوة التى صارت لنا، مالم يكن قد عمل فى الماء لنولد بخليقة جديدة ونصير أبناء لله فعلاً. وبهذه الطبيعة الجديدة نغلب العالم وشهواته (أيات5، 4). الطبيعة الجديدة لها امكانيات ان تموت عن العالم بخطاياه وتحيا فى المسيح ، وبهذا تغلب العالم ، هذا إن أراد المعمد وقرر ان يعتبر نفسه قد مات مع المسيح فيقبل الموت معه ، حينئذ يختبر القوة العاملة فيه والتى بها يغلب. والروح القدس الذى فينا هو روح الحق ويشهد للحق (يو13:16، 14)
لأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَقُّ = والروح يشهد للمسيح وعمله ويعطينا أن نحبه وأن نختاره فهو الحق ونرفض العالم الباطل، وهذه هى غلبة العالم. وكون أن العالم باطل الأباطيل نجده فى (جا2:1). والروح يعطينا أن نميز بين الحق والباطل ويبكتنا لو انحرفنا عن الحق . ويساعدنا أن نختار الحق لنغلب فهو يعين ضعفاتنا ( رو8: 26) . ويعطينا ايضا القوة لنختار ونستمر فى طريق الموت عن العالم فنحيا مع المسيح.
آية (7):- "7فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. "
الثالوث فى السماء يشهد بهذه الحياة الجديدة والطريق لها لنغلب العالم فلا نهلك . ليس الروح القدس فقط هو الذى يشهد للمسيح وعمله فينا، بل إن الثالوث القدوس يشهد لتجسد الإبن وعمله الخلاصى للإنسان. فالآبُ شهد للإبن فى يوم المعمودية وفى يوم التجلى وفى الهيكل أمام الكثيرين (مت17:3 + مت5:17 + لو35:9 + يو28:12-30). لكن يوم معمودية المسيح كانت شهادة الآب وفرحته ايضا هى اعلان انه بالمسيح وفدائه وبهذه المعمودية التى بها يؤسس المسيح سر المعمودية لنا، نعود كابناء للآب. ويوم التجلى كانت شهادة الآب هى " له اسمعوا" فمن ترونه الان هو ابن الله وكلامه ووصاياه هى للحياة . ومن يسمع أقوال ابنه المسيح يحيا ( تث18 : 18 ، 19).
والإبن شهد لنفسه بأقواله وتعاليمه ومعجزاته وقبوله للصليب وموته وقيامته (رو4:1) وصعوده أمام أعين تلاميذه. وبهذا كان المسيح يشهد لنا ويرسم لنا طريق الخلاص، فكل من يقبل الموت مثله صالبا جسده ، الأهواء مع الشهوات يقوم مع المسيح من موت الخطية الان فيحيا ويمتلئ بالروح ويكون له ثمار الروح ( غل 5 : 22 – 24 ). وكل وصية قالها المسيح هى للحياة. ولنذكر قول السيد المسيح " أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل".
والروح القدس شهد له فى النبوات التى أوحى بها لأنبياء العهد القديم، وبحلوله على هيئة حمامة. اشارة لعمله فينا، انه يعمل فى الأسرار و يبكت ويعين حتى يضمن ثباتنا فى المسيح الابن. وكما يعود الحمام دائما الى بيته ، فعمل الروح معنا ان يعيدنا للثبات فى المسيح الابن الذى يحملنا الى حضن الآب ، وهيئة الحمامة كانت شهادة لعمل الروح. والروح يشهد للمسيح داخلنا (14:16) . ويشهد لطريق المسيح وهو الموت عن العالم والخطية ، فإن أخطأنا يبكت وإن أردنا وطلبنا يعين.
هُمْ وَاحِدٌ = فنحن نؤمن بإله واحد مثلث الأقانيم. خلقنا ويجدد خلقتنا فى خليقة جديدة لها امكانية الخلاص.
آية (8):- "8وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ. "
الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ = الآن بعد انتهاء عمل الفداء . فالآن الروح القدس لا يحل بشكل منظور (حمامة أو ألسنة نار). والآب لا يتكلم ليشهد للمسيح من السماء. والإبن لا نراه بأعيننا الجسدية. ولكن عمل الله الخلاصى والذى يبدأ فى حياة المؤمن بالمعمودية مشهوداً له بالمعمودية. وهى الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ = الواحد هو جسد المسيح الذى تدفق منه الماء والدم، والروح القدس حل على جسد المسيح لحساب الكنيسة كلها يوم عماد المسيح من المعمدان. والروح الأن يعمل فى ماء المعمودية، وذلك بقوة دم المسيح، فتلد المعمودية أبناء لله، خليقة جديدة، وكل من شعر بقوة هذه الخليقة الجديدة وإمكانياتها يدرك عمل المسيح الخلاصى، هذه القوة التى تعطيها المعمودية لأولاد الله تشهد على أن المسيح هو مخلص العالم بدمه ، وتشهد للطريق الذى حدده الله للحياة الأبدية = وهو الموت عن العالم كى نحيا لله بحياة المسيح . والمعمودية لا معنى لها بدون وجود أحد الثلاثة عناصر (الماء والدم والروح). والولادة من الماء والروح نص عليها السيد المسيح فى (يو5:3).
الدَّمُ = هو الثمن الذى دفعه المسيح لكى يقدم لنا الفداء " لأنكم افتديتم...بدم كريم " (1بط1 :18 ، 19).
الماء و الرُّوحُ= هما إشارة للمعمودية التى هى الوسيلة التى بها ننال استحقاقات هذا الدم. فبالمعمودية نولد ولادة ثانية من الماء والروح.
آية (9):- "9إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. "
نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ = كثيرون شهدوا لعمل المعمودية العجيب في حياتهم . وكثيرون شهدوا للمسيح إبتداء من نثنائيل (يو49:1) وحتى لونجينوس الجندى (مر39:15).
فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ = شهادة الثالوث عن عمل المسيح، أن المسيح أتى ليعطينى حياة هى اعظم (موضوع هذا الإصحاح). وشهادة الروح داخلنا هى اقوى من كل كلام الناس, وفى هذا يقول بولس الرسول " ليس أحد يقدر ان يقول يسوع رب إلا بالروح القدس " (1كو12 : 3) . والمعمودية نفسها هى شهادة من الله لطريق الخلاص وهو الموت مع المسيح والقيامة معه.
آية (10):- "10مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ. "
مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ = شهادة الله الاعظم هذه نشعر بها داخلنا . فالمؤمن هو إنسان معمد، حل فيه الروح القدس بالميرون، وصار مسكناً للروح، والروح يشهد فى داخله للمسيح شهادة عملية إختبارية.
مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ = من يقاوم شهادة الله فى داخله أى صوت الروح القدس، ومن لا يصدق الكتب المقدسة الموحى بها من الله، ومن يقاوم الإيمان المسلم مرة للقديسين (يه3) والمودع فى الكنيسة، يجعل الله كاذباً.
آية (11):- "11وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. "
هذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ= الشهادة التى كان يتكلم عنها فى الايات (6 – 10) فالله يشهد لإبنه ليس لأن إبنه يحتاج لهذه الشهادة، بل لنا نحن، إذ أن الإبن كان هدف تجسده أن نؤمن به فيكون لنا حياة ابدية. "وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته". (يو3:17 + يو15:3). وهذه الحياة كلها غلبة على العالم.
وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ = هذه الحياة التى أعطاها لنا الله تسرى فينا:
1. بالإيمان. ليس الايمان النظرى بل بقبول السلوك كما سلك المسيح فى حياته بالجسد .
2. بالمعمودية (دم+ ماء + روح).
3. بقبول الموت الذى حدث لنا فى المعمودية ، ونستمر نحيا كأموات أمام الخطية فحينئذ تكون لنا حياة المسيح (رو6 : 1– 14). وان أخطأنا نتوب سريعا فنحيا (اف5 : 14).
4. بالتناول من جسد الرب لنثبت فيه " من يأكلنى يحيا بى ".
والحياة الأبدية ليس معناها أن نحيا للأبد، فالأشرار والشياطين سيحيون للأبد، ولكن فى الظلمة الخارجية فى عذاب جهنم. ولكن المقصود بالحياة الأبدية هى أن تكون لنا حياة الله ذاته، نحيا بها. وهى حياة كلها قوة وغلبة ومجد ونور وفرح وسلام ومحبة وطهارة وهى تبدأ من الأن. وما نحصل عليه الان هو عربون المجد والفرح ....هناك فى السماء.
آية (12):- "12مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ. "
مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ = هذه الحياة الأبدية هى حياة الإبن فينا "لى الحياة هى المسيح" (فى21:1)+ "المسيح يحيا فى" (غل20:2). ومن له الإبن أى من يثبت فى الإبن ويملك الإبن عليه، يكون الإبن هو حياته. والاتحاد بالابن بدأ بالمعمودية. وعلينا أن نحرص على هذا الثبات "إثبتوا فى وأنا فيكم" (يو4:15) وذلك بأن نسلك فى نفس طريق المسيح اي موت وحياة. وهذه الحياة هى حياة ابدية لأن المسيح الذى يحيا فينا هو أبدى, لذلك ستكون نهاية هذه الحياة مجد أبدى هناك.
آية (13):- "13كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ. "
تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ = الإسم يعبر عن الشخصية، فإسم إبن الله هو تعبير عن كامل شخصيته وجبروته ومحبته التى وصلت للفداء. وراجع (أع12:4) "ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس إسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" وراجع ايضاً (يو36:3) ولاحظ قوله أنتم المؤمنين ثم يقول لهم أن تؤمنوا. لذلك فقوله تؤمنوا تعنى تثقوا فى قدرته على ان فدائه قادر ان يعطينا الغلبة فنخلص. وهذا يتفق مع أية (14). لذللك قال مخلصنا " بدونى لا تقدرون ان تفعلوا شيئا " يو15: 5
آية (14):- "14وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. "
طلب فى الأية السابقة أن يكون لنا ثقة فى الله، وهنا نجد دلالات هذه الثقة. أنه إن طلبنا شيئاً يستجيب لنا = وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ = الثقة ناشئة من شهادة الروح داخلنا اننا اولاد الله المحبوبين منه حتى انه بذل ابنه عنا. ومن هذه الثقة نصلى واثقين انه لابد وان يستجيب ان كان الطلب ليس فيه ضرر لنا.
و هناك شروط للإستجابة أى لإستجابة الصلاة وهى أن تكون:-
1. حَسَبَ مَشِيئَتِهِ = الصلاة ليست أداة لإقناع الله بأن يغير تفكيره، بل من يصلى متجاوباً مع روح الله، يعلمه الروح القدس ماذا يطلب، أى أن الصلاة هى إستكشاف لمشيئة الله. فالإنسان قد يبدأ الصلاة بإصرار على الحصول على شئ معين قائلاً... أريد يارب كذا وكذا... ولو خضع لصوت الروح القدس داخله، الذى يقنعه ربما بأن هذا الشئ ليس فى صالحه، نجد هذا الشخص ينهى صلاته قائلاً " لتكن مشيئتك" "وليكن ليس حسب إرادتى بل حسب إرادتك"، وهكذا صلى المسيح فى بستان جثسيمانى. فالروح القدس يعطى للذى يصلى بطريقة صحيحة أن يسلم إرادته كاملاً لله، بل أن تتفق إرادته مع إرادة الله، فيطلب بحسب مشيئة الله. وهذا نسميه شفاعة الروح القدس (رو26:8، 27) فإذا كنت مسلماً الأمر تماماً لله، فأنا مقبول أمام الله، أما لوكنت فى حالة تذمر، فأنا غير مقبول أمام الله، وهذا مايقوم به الروح القدس أنه يقنعنى فى الصلاة أن أسلم الأمر بالكامل لله (أر7:20). وقد نصلى ضد مصلحتنا، ولذلك لا يستجيب الله، كما صلى بولس الرسول ثلاث مرات ليشفى والله لم يستجب لأنه خاف عليه من الكبرياء وبالتالى من الضياع (2كو7:12-9). وهذا رأيناه فى مزامير داود النبى، الذى كان فى بعض الأحيان يبدأ المزمور بالشكوى ، ولكنه ينهى المزمور بالشكر والتسبيح إذ إستمع لصوت الروح القدس الذى يعطيه الإطمئنان فيسبح " إلى متى يا رب تنسانى ....يبتهج قلبي.." (مزمور 13).
ومشيئة الله هى خلاص نفوسنا، فكل من يطلب طلباً به يخلص يعطيه له الله. ونلاحظ أن السيد المسيح علمنا فى الصلاة الربانية أن نقول " لتكن مشيئتك ". ولكن للأسف يكون لسان حالنا كثيراً ونحن نصليها أن يكون فى قلوبنا... لتكن مشيئتك إن كانت حسب مشيئتنا، لذلك نشتكى إن لم يستجب الله ونتذمر ونقول "الله لا يسمعنا. لذلك يقول بولس الرسول" لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى (رو26:8). ولكن الروح يعطينا إقناع (= يشفع فينا) بما نطلبه وبما يتفق مع مشيئة الله. ويمكن أن نقول أن الله يستجيب دائماً، ونقولها بثقة ولكن هناك 3 حالات لهذه الإستجابة:
أ. أن يستجيب فوراً.
ب. أن يستجيب بعد فترة أى فى ملء الزمان حينما يكون الزمان مناسباً والظروف مناسبة.
ت. أن لا يستجيب إن كان الطلب ضد خلاص نفوسنا. أو فيه ضرر لنا.
2. من شروط إستجابة الصلاة أن تكون بإيمان (مر24:11). فلا يقبل أن أطلب شيئاً من الله وأنا أشك أن الله قادر على الإستجابة أو أكون فى حالة شك فى محبته، وأنه فى محبته لابد وسيستجيب.
3. أن تكون الصلاة بإسم يسوع (يو14:14) لذلك ننهى الصلاة الربانية قائلين "بالمسيح يسوع ربنا".وهذه تعنى الثقة فى قدرات المسيح اللانهائية .
4. أن نكون ثابتين فى المسيح (يو7:15) وذلك بحفظ وصاياه (1يو22:3، 23).
5. أن نغفر لمن يسئ إلينا (مر25:11).
6. أن لا نطلب طلبة لا تتفق مع إسم المسيح، أى تكون الغاية من الصلاة إشباع شهواتنا ورغباتنا(يع3:4).
7. بل كلما يرتقى إنسان فى علاقته مع الله لا يطلب سوى مجد الله، ولا يطلب ما لنفسه بقدر ما يطلب عن الآخرين. (يع16:5).
آية (15):- "15وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلِبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ. "
من يصلى لدرجة أنه يصلى بحسب مشيئة الله، أى خاضعاً تماماً لصوت الروح القدس داخله. لابد أن تكون له هذه الثقة أن الله سيستجيب. هذه الثقة هى بدالة البنين.
آية (16):- "16إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ. "
خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ = الموضوع ليس فى نوعية الخطية، بل فى العناد والإصرار على إرتكاب الخطية. فحتى خطايا الزنا أو القتل لها غفران لو إستجاب الإنسان للروح القدس ولم يقاوم وقدم توبة. والله لا يتدخل فى حرية أحد بل هو يحاول أن يقنعه أن يترك الخطية، ولكن إن رفض وعاند يتركه. فحرية الإنسان هى التى تحدد هل الخطية للموت أم لا.
والإنسان حينما يفعل الخطية لأول مرة يبكته الروح القدس، ولكن إن قاوم وعاند يعتاد عليها ولا يسمع لصوت الروح القدس، بل يبدأ يتلذذ بالخطية بل يفتخر بها (وهذا مايمكن أن نسمية التجديف على الروح القدس). فالقلب قد تقسى تماماً رافضاً التوبة أو الإستجابة للروح القدس. ولمثل هذا الإنسان، مهما صلينا فلا فائدة فهو لن يتوب. هذه إذاً خطية للموت.
يُخْطِئُ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ = اى خطايا الضعف البشرى نظراً لوجودنا فى الجسد. لكنه يجاهد ويريد أن يتغير ويرضى الله. هذا نطلب له الغفران ونصلى له. ولعل هذا إشارة لسر التوبة والإعتراف وصلاة التحليل التى يصليها الكاهن على رأس المعترف.
يَطْلُبُ فَيُعْطِيهِ حَيَاةً = أى غفران يؤدى للحياة الأبدية.
ونفهم من كلمات الرسول أن خطايا الموت هى:
1. الإصرار على إنكار المسيح والهرطقة وإفساد المؤمنين.
2. المصرون على خطايا الكراهية والبغضة. وخطايا إنكار المسيح ورفضه أشار لها بولس الرسول فى (عب6) فهؤلاء الذين أنكروا المسيح هم الأرض المعرضة للحريق. هؤلاء لا تستطيع لهم الكنيسة أن تفعل أى شئ بل تتركهم ولا تصلى لأجلهم. لا تصلى لغفران خطاياهم، بل تصلى لهدايتهم وإبعاد أذيتهم عن الكنيسة.
ونرى أن قساوة القلب ومهاجمة ومقاومة الكنيسة هى خطايا موت لذلك لم يصلى بولس الرسول لإسكندر النحاس، (2تى14:4، 15). والسيد المسيح لم يصلى عن كل العالم بل من أعطاهم له الآب أى المؤمنين (يو9:17) والكنيسة لا تصلى عن المنتحرين لأنهم أصروا على يأسهم حتى النهاية.
آية (17):- "17كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ. "
كلمة إِثْمٍ فى اليونانية تعنى إعتداء الإنسان على حق الغير.
وكلمة خَطِيَّةٌ = تعنى مخالفة إرادة الله ووصاياه.
وأصل الكلمة خَطِيَّةٌ = فى اليونانية " من يخطئ الهدف ولا يصيبه " فهدفنا هو الحياة الأبدية ، لكن من يخالف إرادة الله يفقد حياته الأبدية. فكل إعتداء على حق الغير هو خطية لأنها تخالف إرادة الله. وكل إنحراف عن المحبة الكاملة لله وللإخوة هو خطية. لذلك لا يجب أن تؤخذ الخطية على محمل الخفة.
آية (18):- "18نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ. "
كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ = سبق شرحها فى إصحاح (3) وفى المقدمة. لكن الرسول يقول هذا هنا بعد أية (16) ليكون المعنى أن كل من ولد من الله لن يكون قاسى القلب معاند رافض للتوبة وبهذا يخطئ خطية للموت، لكن من هو ابن لله إن سقط يقوم سريعاً ويتوب. ولكن الرسول يطلب من أولاد الله أن كل واحد يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ = أى لا يستطيع أن يجرى معه إتصالاً من أى نوع. وراجع قصة القديسة يوستينة فى تاريخ الكنيسة، فهذه القديسة حاول الشياطين التى كان يرسلها الكاهن الوثنى أن تدخل بيتها لغوايتها، فلم تستطع الشياطين دخول بيتها لأنها كانت تصلى. فمن هو ثابت فى أبيه لا يقدر عليه الشيطان، ولكن فى اللحظة التى فيها ينسى بنوته لله وينحرف قليلاُ عن أبيه يسقط. لذلك يطلب الرسول هنا من كل مولود من الله أن يحفظ نفسه أى يحاول أن يظل دائماً ملتصقاً بالله. ولنذكر سقطة داود.
ويكون معنى الأية : كل من ولد من الله لا يخطئ (خطية للموت). بل المولود من الله يحفظ نفسه (يجاهد) والشرير لا يمسه (فالذى فينا كأولاد لله أعظم). هذه الأية أتت هنا بعد أن قال أن هناك خطية للموت حتى لا يرتعب السامعين، فهو هنا يعطى طمأنينة أن كل من يريد الثبات ويجاهد، لا سلطان للشيطان عليه ولن يمسه. هذه الطمأنينة لمن تحرك قلبه وخاف، أما القلب القاسى فلن يحركه تخويف ولن يطمئنه كلام الرسول هنا.
آية (19):- "19نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ. "
نَحْنُ مِنَ اللهِ = مولودين منه.
والْعَالَمَ كُلَّهُ = ليس كل الناس بل الذين أحبوا العالم وتعلقوا به.
قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ = أى تحت سلطان الشيطان الشرير.
فكما يعيش أولاد الله فى دائرة قوة الله فتحفظهم، يعيش أولاد العالم فى دائرة قوة الشرير وإغرائه. فالشيطان يزيف كل ما هو حق ويغوى اتباعه ويضللهم فيسقطوا فيستعبدهم. وكيف يضلل الشيطان اتباعه؟ بأن يصور لهم العالم والخطية أنها متعة ولذة وهدف يسعون وراءه. والعالم ملئ بالخطايا.
آية (20):- "20وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. "
فى الأية السابقة رأينا العالم قد وضع فى الشرير، والشيطان يضلل الناس، ولكن ما موقفنا نحن أولاد الله = أَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ= الله أعطى أولاده بصيرة بها يدركون تفاهة العالم (جا2:1 + فى8:3). وأيضاً يعطيهم بصيرة فتنفتح عيونهم ويدركون الأمجاد المعدة لهم فى السماويات (1كو9:2- 12). ومن هذه الأيات الأخيرة من كورنثوس نفهم أن هذه البصيرة تكون بالروح القدس المعطى لنا. والحق فى هذه الأية فى مقابل العالم فى أية (19). فالعالم هو الباطل (جا2:1). ونحن تكون لنا هذه البصيرة إن ثبتنا فى المسيح = نَحْنُ فِي الْحَقِّ (ندرك الحق ونميز بينه وبين الباطل) فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = فالمسيح هو الحق (يو6:14). وثباتنا فى المسيح يملأنا من الروح القدس، روح الحق، والذى يرشد للحق (يو13:16). فثباتنا فى المسيح هو ثبات لنا فى الحق. وثباتنا فى المسيح يأتى عن طريق حفظ وصاياه. يعطينا الإمتلاء من الروح الذى يفتح بصيرتنا فنعرف المسيح وعمله ومحبته وما أعطاه لنا، وما أعده لنا فى السماء، وهذا يجعلنا نحتقر العالم الباطل.
هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ = بدأ الرسول رسالته بأن المسيح هو كلمة الحياة وبظهوره أظهرت الحياة (1يو1:1، 2). وهنا يسميه الحياة الأبدية. وبهذا تتفق بداية الرسالة ونهايتها. وبهذا يلخص الرسول رسالته فى أن إبن الله قد أتى إلى العالم وأعطانا معرفة الإله الحق الذى لا يعرفه عبدة الأوثان ولا الهراطقة. وأعطانا أن نكون فيه بالإيمان. ومن يؤمن به تكون له حياة ابدية، ويحيا فى محبة، ويغلب العالم فلا ينجذب لشهواته. فالمؤمن يفتح الله بصيرته فيعرف أن الرب يسوع هو كل الحق ويشبع به مؤمناً أنه مصدر حياته، فيثبت فيه بأن يطيع وصاياه ولا يريد أن يفارقه. تعرفون الحق والحق يحرركم ( يو 8: 32 )
آية (21):- "21أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ. آمِينَ. "
احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ. ايُّهَا الأَوْلاَدُ = أى لا يليق كأولاد لله أن تتعلقوا بالأصنام فأولاد الله لا يعطون قلوبهم لأحد سوى الله الذى فداهم وأعطاهم حياة أبدية. وقوله إحفظوا أنفسكم يعنى لا تقبلوا شيئاً أو أحداً يحتل مكان الله فى قلوبكم.
ولكن ماهى الأصنام؟ قد تكون الأوثان التى عبدها قديماً عباد الأوثان. ولكن تكرار بولس الرسول أن الطمع عبادة أوثان (أف5:5 + كو5:3) تجعلنا نمتد فى فهمنا للأصنام بأنها تكون الطمع أو شهوة الزنا أو الملذات المختلفة والمال والذات. أى يجب أن لا نضع شيئاً فى قلوبنا غير الله، ويكون الله فقط هو كل شئ فى حياتى.
فالأصنام عموماً هى أدوات عبادة الشيطان. والشيطان عرض على السيد المسيح كل ما فى العالم من ممالك على أن يسجد له.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس
المسيح يهدينا للحياة الأبدية
(1) الإيمان بالمسيح ( ع 1 - 5 ) :
ع 1 : الذي يؤمن بالمسيح المتجسد ويظهر إيمانه عملياً بمحبته للآخرين ، فهذا يستحق أن يُدعَى إبن الله ، إذ نال سر المعمودية ويعيش بالطبيعة الجديدة كإبن لله بمحبته للكل . ومن صار إبن الله فهو يحب الله أباه ، ومن يحب الله الآب الوالد فهو بالطبع يحب المولود منه أي المسيح ، فهو لا يؤمن به خوفاً منه فقط مثل الشياطين بل يحبه ، فدليل بنوته لله محبته للمسيح .
ع 2 : إن أحببنا المسيح رأس الكنيسة ، فبالتالي نحب جسده أي إخوتنا . والذي يؤكد أنَّ محبتنا للإخوة محبة حقيقية وليس مجرد عواطف بشرية مؤقتة هو محبتنا لله أبونا ، وإن أحببناه نحفظ وصاياه ونتمسك بها ، ومن أهم هذه الوصايا محبتنا للآخرين ( مت 22 : 39 ) .
ع 3 : محبتنا للآخرين هي خلاصة حفظ وصايا الله والدليل على محبتنا له . وتنفيذ هذه المحبة ليس صعباً لأن المسيح قدَّم نفسه مثالاً لنا في محبة الآخرين ببذله حياته على الصليب ، وبنعمة روحه القدوس يعطينا أن نحب الآخرين فنشفق حتى على من يسيئون إلينا ويعادوننا .
ع 4 ، 5 : إيماننا بالمسيح وهبنا بنوته بالمعمودية وصار لنا الطبيعة الجديدة التي تغلب شر العالم بالحب لكل أحد حتى لمن يسئ إلينا .
+ لا تضطرب من إساءات الآخرين بل اطلب معونة الله وثق أنه سيسندك ويعطيك قلباً شفوقاً عليهم ، فتغلب شرهم بمحبتك وتكسب خلاص نفسك بل وتجذبهم للمسيح .
(2) الشهادة للمسيح ( ع 6 10 ) :
ع 6 : شهادة المسيح أي خلاصه المُقَدَّم لنا هو من خلال الإيمان بدمه المسفوك على الصليب الذي ننال فعله فينا بسر المعمودية . فالمسيح لم يأتِ بماء فقط مثل معمودية يوحنا المعمدان أو أي معموديات سابقة ، مثل تعميد اليهود الدخلاء عند انضمامهم إلى اليهودية ، ولكن أتى بماء المعمودية ودمه على الصليب . والروح القدس يشهد للمسيح عندما يعطينا الخلاص الذي تم على الصليب من خلال أسرار الكنيسة في المعمودية وباقي الأسرار ، فهو الحق المُعطَى للبشرية في الكنيسة . وخرج دم وماء من جنب المسيح عندما طعنوه وهو على الصليب دليل على ناسوته ، فهو إبن الله المتجسد ، وهذا ينفي البدع التي ترفض ناسوت المسيح التي ظهرت في القرن الأول مثل بدعة الدوسيتيين .
ع 7 : الذين يشهدون في السماء لخلاص المسيح المقدم للبشرية هم الثلاثة أقانيم ، الآب والإبن ( الكلمة ) والروح القدس ، كما ظهروا عند عماد المسيح على يد يوحنا المعمدان وهذه الأقانيم الثلاثة هي صفات لإله واحد . وهذه الآية من أوضح الآيات التي تثبت الثالوث القدوس .
ع 8 : ظهر على الصليب ثلاثة شهود بإتمام الخلاص ، الروح الإنسانية المتحدة باللاهوت التي أسلمها المسيح عند موته ، والدم والماء اللذان خرجا من جنبه عندما طعنوه ، فالثلاثة هم واحد أي المسيح الذي مات لأجل فدائنا ، وننال الثلاثة الذين يشهدون في سر المعمودية ، فعندما نعتمد يأخذ الروح القدس الخلاص الذي أتمه دم المسيح على الصليب فيقدس ماء المعمودية لنولد منها بطبيعة جديدة .
ع 9 : إن كنا نقبل شهادة الناس كما يعلمنا الناموس أنه " على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر " ( تث 19 : 15 ) ، فبالأولى نقبل شهادة الله بأقانيمه الثلاثة عند عماد المسيح وعند موته على الصليب كما ذكرنا في الآية السابقة .
ع 10 : الشهادة في نفسه : الروح القدس العامل في الإنسان الذي يدعوه للإيمان بالمسيح . يدعو الروح القدس كل البشر للإيمان بالمسيح ، وعندما يؤمنون ويعتمدون يسكن فيهم في سر الميرون ويثبت إيمانهم . أما من يرفض شهادة الله أي الروح القدس ولا يؤمن بالمسيح فهو يصف الله بالكذب .
+ الروح القدس يدعوك للإيمان بالله في كل خطوات حياتك اليومية ، فلا تضطرب بل صدَّق الله واتكل عليه فتتمتع ببركاته في حياتك .
(3) الحياة الأبدية ( ع 11 - 21 ) :
ع 11 : غرض شهادة الله بأقانيمه الثلاثة ومن خلال الكنيسة بالأسرار المقدسة هو أن ننال الحياة الأبدية . وهذه الحياة الأبدية نختبرها جزئياً بعمل المسيح فينا على الأرض وتكمل في السماء باتحادنا به وتمتعنا بعشرته . فالحياة الأبدية هى الخلاص الذي نناله في المسيح .
ع 12 : من يؤمن بالمسيح الإبن ويحيا له ينال الحياة الأبدية ، ومن يرفض الإيمان والحياة مع المسيح ليس له مكان في ملكوت السموات .
ع 13 : غرض هذه الرسالة هو الإيمان بالمسيح والثبات فيه لننال الحياة الأبدية المُعَدَّة لنا .
ع 14 ، 15 : إيماننا بالمسيح يسندنا حتى نطلب من الله كل ما نريد واثقين أنه يستجيب لنا ، بشرط أن تكون هذه الطلبات بحسب مشيئته أي تتفق مع خلاصنا وحصولنا على الأبدية .
ع 16 : الخطية التي ليست للموت هي أي خطية مهما كانت شنيعة ما دام الإنسان مستعداً أن يتوب عنها ، فنصلي من أجله حتى يتوب وينال الغفران والخلاص والحياة الأبدية . ولكن من يخطئ خطية للموت ، أي أنه مصرّ على الخطية ويرفض التوبة عنها ، فلن تفيده الصلاة . والرسول لم يأمر بعدم الصلاة لأجله ولكن تركها لحرية المصلي حسب تقديره أنَّ هناك دوافع تدفعه للإصرار يمكن أن تزول بالصلاة أو أنه متمادي في الشر . ولكن عموماً نحن لا نعلم الإصرار التام على الشر إلا بعد موت الإنسان المخطئ ، مثل المنتحرين الذين ترفض الكنيسة الصلاة عليهم أو الذين أنكروا الإيمان وماتوا وهم منكرونه . لذا نظل نصلي من أجل كل الخطاة ما داموا أحياء لعلهم يتوبون .
ع 17 : إثم : إعتداء على حقوق الغير كما في الأصل اليوناني . خطية : عصيان ومخالفة لكلام الله . كل إساءة للآخرين هي ضعف محبة ويمكن الرجوع عنها بالتوبة فنخلص من الموت الأبدي .
ع 18 : الذي نال الطبيعة الجديدة بالمعمودية ويحيا كإبن لله بمحبته له وللآخرين ، فهذه المحبة تحفظه من شرور الخطايا ولا يستطيع الشيطان أن يسقطه فيها .
ع 19 : نحن المؤمنون بالمسيح ونحيا في الكنيسة ونحب الكل نتمتع ببنوتنا وعشرتنا بالله وسلوكنا مختلف عن أولاد العالم الخاضعين لإبليس والسالكين في الشر .
ع 20 : هدف تجسد المسيح هو أن ينير عيوننا الداخلية بتغييره لطبيعتنا في سر المعمودية ، فنعرف الحق أي نؤمن به ونحبه ونحب الآخرين ، فيكون لنا نصيب في الحياة الأبدية معه .
ع 21 : يذكرنا الرسول ببنوتنا لله لنحفظ حياتنا في الإيمان به ومحبته ، فنبتعد عن عبادة الأصنام التي هي تعلقات العالم المختلفة مثل المال والمركز والشهوات المختلفة ، وبهذا نبتعد عن الشيطان بكل صوره وخداعاته .
+ لا تنسَ هدفك وسط زحام مشاغل الحياة ، فهدفك الوحيد هو الأبدية ، وطريقك إليها هو محبة المسيح بارتباطك بالكنيسة ومحبتك لكل أحد .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح