كلمة منفعة
من الصعب أن نقول كلام واحد لكل واحد..فكل شخص له ما يناسبه، وما يناسب ظروفه.
— ما يناسب
رسالة يوحنا الاولى 2
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة يوحنا الاولى - الاصحاح رقم 2
رسالة يوحنا الاولى
الإصحاح رقم 2
الأصحاح الثاني :
الحب
يدور هذا الأصحاح حول موضوع الحب:
1. حب المسيح لنا 1-2.
2. حبنا له بحفظنا وصاياه التي تتركز حول المحبة الأخوية 3-11.
3. حبنا للَّه
أ. إمكانياتنا كأبناء محبين 12-14.
ب. رفضنا محبة العالم 15-17.
ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته 18-23.
د. ثباتنا في اللَّه 24-27.
4. محبو اللَّه وبنوتهم له 28-29
أولا: ينتظرون مجيئه
ثانيا: يصنعون البرّ
1. حب المسيح لنا
"يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع Paraclete عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم" [1-2].
يبدأ الرسول حديثه بقوله: "يا أولادي". إنه أب محب يكشف لأولاده الدافع لكتابته هذه الرسالة "لكي لا تخطئوا"، أي لكي نعيش حياة مقدسة تليق بنا كسالكين في النور. بمعنى آخر يجدر بنا ألا نستهتر بالخطية بسبب أمانة اللَّه وحبه لنا، إنما نسلك في النور مثابرين في كل عملٍ صالحٍ. لكن من يستطيع ألا يتعثر في هذه الحياة الزمنية لذلك "إن أخطأ أحد فلنا شفيع..." يقوم هذا الشفيع كمحامٍ يدافع عنا ليبرئنا في القضية. ومن هو هذا الشفيع؟
أ. شفيع Paraclete أو Advocate. يقول العلامة أوريجينوس [لقد دُعي مخلصنا أيضًا بالباراكليت وذلك في رسالة يوحنا عندما قال "فلنا شفيع Paraclete... وهذه الكلمة في اليونانية تحمل معنيين: وسيط ومعزي. فالباراكليت تًفهم بمعنى شفيع يتوسط عند الآب بالنسبة لمخلصنا. وتفهم بمعنى المعزي بالنسبة للروح القدس إذ يهب تعزية للنفوس التي يعلن لها بوضوح المعرفة الروحية.]
يقول القديس أغسطينوس:
[إنه الشفيع فلنحاول ألا نخطئ. وإن باغتتك الخطية من أجل دنس الحياة أنظر إليها في الحال واحزن والعنها. فإن فعلت هذا تأتي في حضرة الديان مطمئنًا لأنه شفيعك. وباعترافك لا تخف من أن تخسر القضية.
غالبا ما يوكل الإنسان محاميًا Advocate بليغًا... وها أنت قد أوكلت الكلمة، فهل تهلك؟!...
انظر فإن يوحنا الذي كان بالتأكيد إنسانًا بارًا وعظيمًا، هذا الذي تشرب الأسرار الإلهية من صدر الرب وارتوى منه فكتب عن لاهوته... لم يقل "لكم شفيع"، بل "لنا شفيعًا" ولم يقل "إني شفيعكم" ولا "المسيح شفيعكم"، بل "لنا شفيع"... لقد اختار بالأحرى أن يحصي نفسه في عداد الآثمة ليكون المسيح شفيعًا له...
لكن قد يقول قائل: أما يطلب القديسون عنا؟ أما يطلب الأساقفة والمدبرون عن الشعب؟
نعم! فلنتأمل الأسفار المقدسة لنشاهد المدبرين أنفسهم يوصون الشعب أن يصلوا من أجلهم، وهكذا يطلب الرسول من الكنيسة "مصلين في ذلك لأجلنا نحن أيضًا" (كو 4 :3). فالرسول يصلي من أجل الشعب، والشعب يصلي من أجل الرسول.
يا إخوتي... إننا نصلي من أجلكم، فهل تصلون أنتم أيضًا من أجلنا؟ ليُصلِ كل عضوٍ منا من أجل الخير. وليشفع الرأس المسيح من أجل الجميع.]
ب. عند الآب: هذا المحامي كلمة الآب وابنه، واحد معه في الجوهر، لا ينفصل عنه قط، لهذا تطمئن نفوسنا، متى طلبناه نجده في الحال مدافعًا في شفاعة دائمة. "إنه حي في كل حين ليشفع فينا" (عب 7: 25).
ج. يسوع، أي مخلص، محب للخطاة كي يقدسهم ويبررهم.
د. المسيح، أي ممسوح لأجل خلاصنا، هذه هي اشتياقاته "أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون". فمن يشعر بخطاياه ويتوق للتطهير المستمر يجد شفيعًا دائم الشفاعة، وفي اللحظة التي فيها نشعر بأننا أبرار غير محتاجين للتطهير لا ننتفع من الخلاص الذي قدمه لنا.
ه. البار "تألم مرة واحدة من أجل الخطايا. البار من أجل الآثمة" (1 بط 3: 18). لو لم يكن بارًا فكيف يدافع عنا؟! لقد حمل أثقالنا عنا، وأوفى ديوننا. [السبح للغني الذي دفع عنا ما لم يقترضه، وكتب على نفسه صكًا وصار مدينًا! بحمله نيره كسر عنا قيود ذاك الذي أسرنا!]
ز. كفارة: محامينا بار، وبره يقتضي إلاَ يبرئنا في القضية ظلمًا. إنه لا يدافع عنا في السماء في غير عدل، لكن دفع عنا ديننا. [أحشاء الآب أرسلته إلينا، فلم يرفع آثامنا إلى العظمة الإلهية، بل بصلاحه قدم له كفارة عنا!]
يعتز المؤمن بنعمة الشفاعة التي يقدمها كلمة اللَّه نفسه لدى الآب عنه. هذه الشفاعة الكفارية لا يشاركه أحد فيها، حيث يقدم السيد المسيح دمه الكفاري، ويخفينا في جراحاته، فنظهر أمام الآب بلا لوم، حاملين برّ مخلصنا. يحملنا مسيحنا كأعضاء في جسده، فنصير موضع سرور الآب. هذه الشفاعة تختلف عن شفاعتنا نحن عن بعضنا البعض، حيث نتوسل للَّه خلال حبنا لإخوتنا، ليهبهم نعمة التوبة والبنيان المستمر والشهادة الحقيقية.
v لنا شفيع، يسوع المسيح، بالحقيقة لا ينبطح أمام الآب متضرعًا من أجلنا. فإن مثل هذه الفكرة خاصة بالرقيق وغير لائقة بالروح! إنه لا يليق بالآب أن يطلب ذلك، وأيضًا بالابن أن يخضع لها، ولا يحق لنا أن نفكر بمثل هذه الأمور بالنسبة للَّه. ولكن ما تألم به كإنسان، فإنه إذ هو الكلمة والمشير يطلب من اللَّه أن يطيل أناته علينا. أظن هذا هو معنى شفاعته.
القديس غريغوريوس النزينزي
v إنني افتخر لأنني أخلص، وليس لأنني بلا خطايا، بل لأن الخطايا قد غُفرت. إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سفك من أجلي.
القديس أمبروسيوس
v إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محاميًا، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع في قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذي يحكم كم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذي كان منذ محاميك.
القديس أغسطينوس
v عندما يقول يوحنا أن المسيح قد مات لأجل خطايا "كل العالم"، ما يعنيه أنه مات عن الكنيسة كلها.
هيلاري أسقف آرل
2. حبنا له بحفظنا وصاياه
التي تتركز حول المحبة الأخوية
"وبهذا نعرف أننا قد عرفناه، إن حفظنا وصاياه. من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه" [3-4].
من يحب يحفظ وصية محبوبه، يخضع له ويود أن ينفذ رغبته... "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" (يو 14: 15). أما من يستصعب الوصية ويراها قاسية ومستحيلة، فالسبب ليس في الوصية لكن في القلب العاجز عن الحب والتعرف على اللَّه. بهذه المعرفة الإيمانية الاختبارية تدرك النفس قوة اللَّه وفاعلية الروح القدس الساكن فيها فتنهل بالوصايا، وتنفذ وتجاهد وتثابر. وفي هذا كله تشعر بالتقصير من أجل اتساع قلبها بالحب وتعرفها على الحق الذي فيها.
v الشخص الذي يعرف يعمل أيضًا الأعمال التي تليق بواجب الفضيلة، ولكن يوجد من يمارس الأعمال وهو ليس بالضرورة بين أصحاب المعرفة. أن قد يفهم أن يميز بين ما هو مستقيم وما هو خطأ، لكن ليس لديه معرفة بالأسرار السماوية. علاوة على هذا يفعل البعض الصلاح خشية العقوبة أو لنوال مكافأة، لذلك يعلمنا يوحنا أن الإنسان الذي له معرفة كاملة يمارس هذه الأعمال عن حب.
القديس إكليمنضس السكندري
v غالبًا ما تعني كلمة "يعرف" في الكتب المقدسة ليس بمعنى إدراكه أمرٍ ما، بل وجود علاقة شخصية بالشيء. فيسوع لم يعرف خطية، ليس لأنه لا يعرف عنها شيء، وإنما لأنه لم يرتكبها قط بنفسه. فمع كونه يشبهنا في كل طريق آخر إلا أنه لم يخطئ قط (عب 4: 15). بتقديم هذا المعنى لكلمة "يعرف" واضح أنه كل شخص يقول بأنه يعرف اللَّه يلزمه أن يحفظ وصاياه، لأن الاثنين يسيران معًا.
القديس ديديموس الضرير
v الذين يهلكون لا يعرفون اللَّه، وسينكر اللَّه أنه يعرفهم، كما قال: "ابعدوا عني لأني لا أعرفكم" (مت 7: 23).
هيلاري أسقف آرل
"وأما من يحفظ كلمته، فحقًا في هذا تكملت محبة اللَّه" [5].
إذ يحفظ الإنسان المحب الوصايا، يراها وصية واحدة أو "كلمته"، لأن جميع الوصايا ترتبط بفكر واحد وتدور حول شخص الرب يسوع. وإذ يذوق الإنسان حلاوة تنفيذ الوصية يستعذب طعم محبة اللَّه في صورة أكمل "في هذا تكملت محبة اللَّه"، إذ لا يراها أوامر ونواهٍ بل حب وعشق من اللَّه نحو الإنسان، إذ يقدم لنا كلمته لتكون لنا شركة معه ونراه في داخلها.
v يختفي اللَّه في وصاياه، فمن يطلبه يجده فيها، لا تقل إنني أتممت الوصايا ولم أجد الرب، لأن من يبحث عنه بحق يجد سلامًا.
الأب مرقس الناسك
v الشخص الذي بحق يحب اللَّه يحفظ وصاياه، يؤكد بحفظه لها أنه يعرف محبة اللَّه. طاعتنا هي ثمرة حبه.
القديس ديديموس الضرير
يقول ربنا "الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني... وأظهر له ذاتي" (يو 14: 21). فربنا يريدنا حفظ وصاياه لنكتشفه ونقبله عريسًا لنا، وإذ نكون عروسًا له نلتزم بالامتثال به إذ "من قال أنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذلك، هكذا يسلك هو أيضًا" [6].
وأي طريق سلكه ربنا سوى الصليب؟ إذن، فلتسلك عروسه طريق الصليب، طريق الحب العملي الباذل الضيق. الطريق الهادف الذي فيه تصلب الأنا والشهوات والارتباطات الزمنية ليتعلق القلب بربنا وحده.
من هنا صار للرسول أن يتكلم عن قلب الرسالة ألا وهو "الحب" فيقول:
"أيها الأخوة لست أكتب إليكم وصية جديدة، بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء أيضًا وصية جديدة أكتب إليكم ما هو حق فيه وفيكم" [7-8].
وصية المحبة ليست جديدة بل قديمة إذ عرفها الإنسان بالطبيعة، لذلك عندما قتل قايين أخاه أدرك خطأه.
v يتحدث الرسول هنا عن الحب. لم تكن الوصية جديدة، فقد أعلنها الأنبياء منذ زمن بعيد.
القديس كيرلس الكبير
وهي أيضًا جديدة حيث أدركها الإنسان لها كما ينبغي "ما هو حق فيه"، إذ على الصليب عرفنا الحب ليس مجرد عواطف وانفعالات أو كلمات مداهنة بل حب باذل لأجل خلاص البشر.
v الوصية هي "حق فيه"، لأنه أحبنا حتى مات لأجلنا، وهي "حق فينا" أيضًا، إن كنا نحب الواحد الآخر.
هيلاري أسقف آرل
وهي أيضًا جديدة من حيث الإمكانية، إذ صارت المحبة ليست ثقيلة علينا ولا صعبة، لأن "الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يضيء" [8]. لقد صار لنا بالصليب أن نصلب "الأنا" ليحيا المسيح فينا، تذهب الأنانية والذاتية ليحل الحب الإلهي فينا، وكما يقول الرسول: "إذ خلعتم الإنسان العتيق... ولبستم الجديد" (كو 3: 9-10)، "كنتم قبلاً ظلمة وأما الآن فنور في الرب" (أف 5: 8).
هذا هو جوهر المسيحية، أما "من قال أنه في النور"، أي قال أنه مسيحي "وهو يبغض أخاه، فهو إلى الآن في الظلمة" [9]. لأننا دعينا لتكون لنا شركة مع ربنا يسوع - الحب الحقيقي - فكيف نبغض بعد؟!
v النور هو نور الإيمان العامل فينا، حسب خطة اللَّه السابقة.
v النور هو الحق، والأخ ليس هو مجرد قريبنا، لكنه قريب الرب (يسوع) أيضًا.
القديس إكليمنضس السكندري
"من يحب أخاه يثبت في النور، وليس فيه عثرة" [10].
من يحب أن يسلك بربنا يسوع في النور، فهذا لا يتعثر، لا في المسيح ولا في الكنيسة، إذ يقول القديس أغسطينوس:
[من هم أولئك الذين يتعثرون أو يسببون عثرة؟! إنهم الذين يصطدمون بالمسيح والكنيسة. فالذين يصطدمون بالمسيح يكونون كمن احترق بالشمس، ومن يصطدم بالكنيسة يكون كمن احترق بالقمر. ويقول المزمور "لا تضربك الشمس في النهار ولا القمر في الليل" (مز 121: 6).
فإن ثبتم في المحبة لن تتعثروا في المسيح ولا في كنيسته، ولن تتركوا المسيح ولا الكنيسة. ومن يترك الكنيسة، كيف يبقى في المسيح وهو غير باق في جسده؟!
الضربة (الواردة في المزمور) تعني العثرة. فإن الذين لا يطيقون احتمال بعض الأمور في الكنيسة يتركونها منسحبين عن اسم المسيح أو الكنيسة. يا لعارهم!!
انظروا كيف وصموا بالعار أولئك الجسدانيون الذين علمهم السيد المسيح عن جسده قائلاً: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو 6: 53-69). كثيرون قالوا هذا الكلام صعب ورجعوا من ورائه وبقي الإثنا عشر. لقد ضربتهم الشمس، ورجعوا إلى الوراء عاجزين عن احتمال قوة الكلمة...
أما الذين تضربهم الكنيسة كالقمر فهم أولئك الذين يسببون الانشقاقات (بالبدع)...
آه! لو كنتم تحبون إخوتكم ما كانت توجد فيكم عثرة!]
"وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك. ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه" [11].
من يترك طريق الحب يتخبط في الظلمة ويتعثر ليصطدم بالرب الحجر الذي قُطع بغير يدين (دا 6: 53-69) فلا يطلب غفرانًا من الرب ولا يقبل وصايا ولا يصدق مواعيده. ويصطدم أيضًا بالكنيسة فلا يقبلها ولا يطيق العبادة فيها متعثرًا من كل شيء فيها، لأن الظلمة أعمت عينيه.
v من يفعل الشر ويبغض أخاه، أطفأ سراج الحب، ولهذا يسلك في الظلمة.
العلامة أوريجينوس
v إن أبغض إنسان أخاه يسلك في الظلمة ولا يعرف إلى أين يذهب. ففي جهله ينحدر إلى الهاوية، وفي عماه يسقط بتهور تحت العقوبة، لأنه ينسحب من نور المسيح.
الأب قيصريوس أسقف آرل
3. حبنا للَّه
أ. إمكانياتنا كأبناء محبين للَّه
"أكتب إليكم أيها الأولاد، لأنه قد غفرت لكم خطاياكم من أجل اسمه" [12].
يقول القديس أغسطينوس:
[لقد دُعينا أولادًا بالمعمودية ونلنا غفران الخطايا من أجل اسم المسيح. لأننا لم نعتمد باسم بولس ولا باسم بطرس ولا باسم آخر غير الثالوث القدوس.
تدعو المحبة أولادها الذين من أحشائها منتحبة عليهم من أجل الانقسام والانشقاق في الإيمان، مذكرة إيانا أننا قد اعتمدنا جميعًا وغفرت لنا خطايانا من أجل اسم المسيح الواحد.
"أكتب إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتم الذي من البدء" [13].
لقد صار للآباء الكهنة الأبوة إذ عرفوا اللَّه الأبدي الذي وحده له الأبوة الحقيقية نحو البشرية جميعًا. أما هم فيستمدون أبوتهم منه.
"أكتب إليكم أيها الأولاد... أيها الآباء... أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير".
لقد حدث الأولاد عن الأبوة الغافرة للخطايا، والآباء عن الأبوة التي لهم من عند الآب السماوي الذي من البدء، والأحداث الذين وهبوا قوة للغلبة. فإن الشرير يحاربنا، لكنه لا يقدر أن يغلبنا، لأننا أقوياء بالمسيح يسوع، "لأنه إن كان قد صلب عن ضعف، لكنه حي بقوة اللَّه" (2كو 13: 4).
يعود الرسول فيؤكد ما سبق أن قاله:
"أكتب إليكم أيها الأولاد، لأنكم قد عرفتم الآب. "كتبت إليكم أيها الآباء، لأنكم قد عرفتم الذي من البدء" [13-14].
يحذرنا الرسول لئلا ننسى الذي من البدء، فنفقد الأبوة الروحية. ويؤكد أيضًا للأحداث أنه يليق بهم أن يقاوموا حتى يغلبوا فيكللوا، وأن يمتلئوا بالرجاء في قتالهم، إذ يقول لهم: "كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء، وكلمة اللَّه ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير" [14].
وصيته للأولاد، "قد عرفتم الآب"، وللآباء: "قد عرفتم الذي من البدء". فهو يوصي بالمعرفة، لكن ليست المعرفة التي تنفخ بل المملوءة حبًا فتبني (1كو 8: 1). فمن كانت له معرفة بغير حب يكون كالشياطين التي تعرف ابن اللَّه وتعترف به (مت 8: 29) لكن الرب انتهرها. أما المعرفة المطلوبة فهي المملوءة بحب اللَّه الذي يضاد محبة العالم. فإن تفرغت قلوبنا من المحبة الأرضية تشبع من الحب الإلهي، ويدخل اللَّه في قلوبنا كزارع في حقل يقتلع ما يجده من حطب، وينظفها ويهيئها ليغرس فيها شجرة "الحب"، أما الحطب الذي يقتلعه فهو محبة العالم.]
ب. رفضنا محبة العالم
"لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب" [15].
يقول القديس أغسطينوس:
[نلنا الميلاد الجديد بالمعمودية منذ سنوات، فيجدر بنا ألا نحب العالم، حتى لا تتحول الأقداس التي فينا إلى لعنة بدلاً من أن تكون للقوة والخلاص.
كيف تتأسس المحبة في قلب مولع بمحبة العالم؟ لابد من انتزاع الحطب، وغرس البذور السمائية ولا نترك الشوك يخنق الزرع.
"لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة والعالم يمضي وشهوته. أما الذي يصنع مشيئة اللَّه، فيثبت إلى الأبد" [16-17].
يجرفنا نهر العالم مع أمواجه، لكن ربنا يسوع المسيح كشجرة مغروسة على مجاري المياه (مز 1 :3) تجسد ومات وقام وصعد إلى السماوات. هكذا بإرادته زرع ذاته بجوار المياه الجارفة حتى متى جرفتنا الأمواج نسرع ونمسك به. وإن استحوزت دوامة الأمور الزمنية حبنا، نسرع إلى ربنا يسوع ونمسك به، ذاك الذي من أجلنا أخذ الجسد الزمني لنصير نحن أبديين. ومع أنه أخذ ما هو زمني إلاَ أنه يبقى أبديًا.
لكن كيف لا نحب الأشياء التي في العالم؟
إن قدم عريس خاتمًا لعروسه فهل تحب الخاتم أكثر منه؟! فلتحب الخاتم كيفما تشاء، لكن هل يحق لها أن تكتفي بالخاتم قائلة: لا أريد أن أرى وجه العريس؟! هكذا من يحب الخليقة دون خالقها. فإن هذا الحب يُحسب زنًا.
ولقد جرب العدو "الشيطان" ربنا يسوع في هذه الأمور الثلاثة:
1. شهوة الجسد: إذ قال له: "إن كنت ابن اللَّه فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا". قال له هذا وهو جائع بعد صومٍ دام أربعين يومًا.
2. شهوة العيون: وذلك من جهة اشتهاء صنع المعجزات (لينال كرامة بشرية) إذ قال له: "اطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك، لكي لا يصطدم بحجر رجلك". لكن ربنا لم يكن يصنع المعجزات حبًا في الظهور، بل بدافع الحنان والترفق.
3. تعظم المعيشة: إذ أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدًا وأراه ممالك العالم ومجدها، وقال له: "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي". فقد أراد أن يجرب ملك العالم كله بمجد العالم الباطل.]
ج. رفضنا للبدع المنشقة على اللَّه وكنيسته
"أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، وقد صار أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة" [18].
"هي الساعة الأخيرة"، إنها اللحظات الأخيرة للمعركة بين اللَّه والشيطان. يمد اللَّه أولاده بذاته ليعطيهم النصرة، والشيطان أيضًا إذ يرى أيامه قد اقتربت يصارع باثًا روحه في أضداد المسيح لكي يفسدوا إيمان أولاد اللَّه وحياتهم.
لكن أولاد اللَّه يحبون أباهم، مستتفهين الحياة الزمنية. يرون أيام غربتهم مهما امتدت هي "ساعة أخيرة" تنتهي حتمًا، ليحيوا في الفردوس، إلى أن يُكللوا في الأبدية. بهذا يطمئن الرسول أولاده ألا يخافوا من المقاومين لهم.
يقول القديس أغسطينوس:
["منا خرجوا": لا نحزن يا إخوتي لأنهم "لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا، لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا" [19].
كثيرون منهم نالوا معنا سرّ المعمودية، وكانوا يشتركون معنا في المقدسات، شركة قدس الأقداس، ومع ذلك فهم ليسوا منا...
أما الذين خرجوا منا لكنهم يعودون تائبين، فهؤلاء ليسوا أضداد المسيح، لأنهم لم يستطيعوا الحياة بدونه.
أضداد المسيح هم الذين خرجوا مصرين على خروجهم "ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا".
هم لم يكونوا منا، لكنهم لم يكونوا ظاهرين هكذا.
"أما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء" [20].
هذه المسحة هي الروح القدس الذي فيكم، وهو الذي يكشف أسرار اللَّه في القلب ويعلمنا ويذوقنا حلاوة العشرة معه، ويفتح أذهاننا فنتعلم كل شيء.]
"لم أكتب إليكم لأنكم لستم تعلمون الحق، بل لأنكم تعلمونه. وإن كل كذب ليس من الحق" [21].
لا نحتاج إلى تعاليم جديدة، بل إلى عمل الروح القدس الذي يذكرنا بالحق. ويهبنا تمييزًا لرفض كل تعليم غريب.
"من هو الكذاب، إلاَ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ هذا هو ضد المسيح، الذي ينكر الآب والابن. كل من ينكر الابن، ليس له الآب أيضًا. ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضًا" [22-23].
الكذاب هو الذي يرفض الحق منكرًا أن يسوع هو المسيح. أي يرفض ربنا كمخلصٍ له، منكرًا تأنسه، أو يرفض عمل المسيح في حياته، فيسلك بروح الضلال رغم دعوته مسيحيًا، هؤلاء يعترفون أنهم يعرفون اللَّه لكنهم بالأعمال يفرضونه (تي 1: 16).
ومن يرفض المسيح لا يتمتع بالآب والابن، لأنه "لا أحد يعرف الآب إلاَ الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 28).
د. ثباتنا في اللَّه
"وأما أنتم فما سمعتموه من البدء، فليثبت إذا فيكم. إن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء، فأنتم أيضًا تثبتون في الابن وفي الآب. وهذا الوعد الذي وعدنا به، هو الحياة الأبدية" [24-25].
بالنسبة لنا نحن الذين لم ننشق عن الكنيسة، فلنثبت فيما سمعناه من البدء وتسلمناه جيلاً بعد جيل. وبثباتنا في الإيمان المستقيم والحياة نثبت في الابن وفي الآب، متطلعين إلى الوعد الذي نشتهيه، أي "الحياة الأبدية".
"كتبت إليكم هذا عن الذين يضلونكم" [26].
فغاية كتابته توجيه أنظار المؤمنين حتى لا يضلهم المبتدعون بأساليبهم المخادعة.
"وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء" [27].
وأما أنتم، أي المؤمنون؛ ففينا مسحة القدوس ثابتة، ولسنا محتاجين إلى تعاليم غريبة جديدة تلك الذي بلغت أحيانًا ما يقرب من 600 طائفة جديدة. أما نحن فلنثبت على ما سلمه لنا الروح القدس، روح الحق الذي ليس فيه خداع "وهي حق وليست كذبًا"، حيث يختفي جميع المعلمين فلا يخدموا من عندهم، بل في المعلم الواحد وهو المسيح (مت 23: 10). إذًا لنثبت في هذا التعليم "كما علمتكم تبنون".
4.محبو اللَّه وبنوتهم له
"والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه، حتى إذا أظهر يكون لنا ثقة، ولا نخجل منه في مجيئه. إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" [28-29].
إذ يثبت محبو اللَّه في كلامه بالمسحة الثابتة فيهم عندئذ:
أ. يصير لهم رجاء وشوق نحو مجيئه، كعروس تنتظر عريسها، لتعيش في حضنه، وتراه وجهًا لوجه في الأبدية.
ب. إذ يعلمون أنه بار فكأولاد له لا يقبلوا إلاَ أن يكونوا على مثال أبيهم، فيجاهدوا مثابرين لعمل البرّ بقوة المسحة التي فيهم.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الثانى
آية (1):- "1يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَار. "
1يَا أَوْلاَدِي = تعنى فى أصلها اللغوى LITTLE CHILDREN أى يا أولادى الصغار. هى صيغة التصغير الدالة على التحبب. وهكذا كان المسيح يقول للتلاميذ يو 13 : 23. فيوحنا هنا يكتب كأب مهتم بأولاده بل يدللهم.
أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا = فى الإصحاح الأول قال لهم أن "دم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية" 1 : 7. وهنا يقول لا تعتبروا هذا تصريحاً بالخطية. إذاً لا تستسهلوا الخطية، وإن أخطأ أحد فعليه أن لا يستمر طويلاً بل يقوم فوراً، بتوبة وإعتراف. فالرسول هنا يحذر من إساءة إستخدام عقيدة الخلاص بدم المسيح أى لنخطىء مادام دم المسيح سيكفر ويغفر. لا بل يجب أن نجاهد حتى لا نخطىء... ولكن من يستطيع أن لا يتعثر فى هذه الحياة ؟! هنا يطمئننا حتى لا نيأس بأن المسيح شفيع لنا عند الآب.
شَفِيعٌ = جاءت الكلمة فى اليونانية باراكليت وهى لها معنيان:
1. وسيط أو محام.
2. معزى. فإذا جاءت عن المسيح تترجم وسيط أو شفيع وإذا جاءت عن الروح القدس تترجم معزى.
يَسُوعُ = أى مخلص أتى فى محبته لكى يقدسنا ويبررنا ويخلصنا.
الْمَسِيحُ = أى ممسوح لأجل خلاصنا.
الْبَار = فلو لم يكن باراً كيف يموت عن آخرين، لو كانت له خطية كان قد مات عن نفسه وليس عنا. إن الآب ينظر لنا فى شخص إبنه البار، وطالما نحن ثابتين فيه يرانا أبراراً بلا لوم بل نحسب كاملين (اف 1: 4 + كو 1: 28). ولذلك يقول لنا المسيح "إثبتوا فى..." ونحن نكون ثابتين فيه إن لم نخطىء أو لو قدمنا توبة سريعة حينما نخطىء. حينئذ المسيح يشفع فينا وتغفر خطيتنا. والخلاص ليس معناه فقط أن الدم يغفر، بل أن المسيح يعطى قوة نسلك بها فهو ليس وسيط سلبى، لذلك يقول "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً"(1 يو 15 : 5) وبولس يقول " أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى " (فى 4 : 13)
فَلَنَا شَفِيعٌ = لاحظ أن يوحنا وضع نفسه معنا، فلا يوجد من لا يخطئ. وشفاعة المسيح كانت كفارية اى يغطينا بدمه ، فيرى الآب الدم ويغفر . لذلك قال الرب وجسده مغطى بالدم على الصليب " يا أبتاه إغفر.." فجسده هو كنيسته .
ونلاحظ أنه فى 1 : 3 الرسول يقول نخبركم به لكى يكون لكم شركة معنا . وفى 1 : 4 يكتب لكى يكون فرحكم كاملاً. وهنا فى 2 : 1 يكتب حتى لا نخطىء.
ومن هذا نفهم أن الخطية تمزق الشركة وتقضى على الفرح.
آية (2):- "2وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا. "
2وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا = هو قدم نفسه ذبيحة كفارية فداء عنا ليغطى خطايانا (كفارة تعنى غطاء). وبهذا يعطينا مصالحة مع الله، لأن الله لا يعود يرى خطايانا بل يرى دم إبنه الذى يغطينا.
بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ = كل من يقبل إليه لا يخرجه خارجاً، فهو حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يو 1 : 29).
الآيات (3-4):- "3وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. 4مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. "
3وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ = المعرفة ليست هى المعرفة السطحية، كما يعرف إنسان إنساناً آخر، بل هى الإتحاد بالمسيح، وأنه يعطينا حياته، وإذا إتحدنا به تصبح معرفتنا به معرفة من خلال الإتحاد وهى أقوى بما لا يقاس من المعرفة الخارجية. وبهذا نعرفه حقيقة ومن يعرفه بالتأكيد سيحبه، وعلامة الحب الأكيدة طاعة وصاياه. ولهذا قال المسيح " ان حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى ، كما انى انا قد حفظت وصايا ابى وأثبت فى محبته" راجع تفسير الاية (يو15: 10) والقول ان الآب يحب الابن والابن يحب الآب فهذا تعبير عن الوحدة بينهما ، بلغة الحب الذى هو طبيعة الله فالله محبة . ومعنى ان المسيح الابن يحفظ وصايا أبيه الآب فهذا معناه تطابق المشيئة بسبب الوحدة بينهما . وبالنسبة لنا فكل من يحفظ الوصية يثبت فى المسيح .
من يعرفه سيعرف أن المسيح قدم له كل شىء وهنا سيعرف أن دوره أن يحفظ وصاياه = إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ وقارن مع (يو 14 : 15، 21، 23).
وتشديد الرسول على حفظ الوصايا فيه رد على الغنوسيين.
إن من يرى الوصية صعبة هو لم يحب. فالعيب ليس فى صعوبة الوصية بل فى عجز القلب عن أن يحب. لذلك فيوحنا الذى أحب المسيح يقول "وصاياه ليست ثقيلة" (ايو3:5).
ولكى نحب الله علينا أن نمتلىء من الروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5). والروح القدس يعطَىَ لمن يسأل (لو13:11) إذاً علينا أن نجاهد فى الصلاة والتسبيح (أف5: 18-21).
آية (5):- "5وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ: "
تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ = هل محبة الله ناقصة لكى تكمل ؟ قطعاً لا فإن محبة الله كاملة. لكن ينقص أن يكون هناك من يتقبلها ويكون مستعداً لذلك. فمحطة إرسال التليفزيون تقوم بإرسال إشارات على موجات لاسلكية بصورة ممتازة، ولكن لكى يكمل العمل، لابد من وجود جهاز تليفزيون فى حالة جيدة لإستقبال هذه الموجات وتحويلها إلى صورة.
ومن هو الذى يستطيع أن تكمل محبة الله فيه؟ من حفظ كلمته لماذا؟ لأن حفظ الوصية يزيد ثباتنا فيه، وعدم حفظ الوصية هو ظلمة، ولا شركة للنور مع الظلمة. ومن يزداد ثباته فى المسيح سيعرفه بالأكثر وسيكتشف محبته، وتكمل فيه محبة الله (كجهاز تليفزيون ستظهر فيه صورة الله، والله محبة). وكلما إكتشفنا محبة الله تزداد رغبتنا فى حفظ وصاياه، وكلما حفظنا وصاياه نثبت فيه فتكمل فينا المحبة، فنزداد رغبة فى حفظ وصاياه... وهكذا إلى أن تكمل فينا محبة الله. وبهذا نعرف أننا فيه بأن المحبة تنمو والرغبة فى حفظ الوصايا تزداد.
آية (6):- "6مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا. "
6مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ = أى صارت له حياة المسيح، وله شركة ثابتة فيه
يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ = كما سلك المسيح الذى أطاع حتى الموت، موت الصليب، وفى حياته أكمل كل بر، وأطاع الناموس، وكان بلا خطية (مت15:3) + (غل4:4). فالمسيح لا يثبت إلا فيمن هو فى توافق معه .
هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا = علينا الإقتداء بالمسيح، أى لنسأل أنفسنا دائماً، ماذا كان المسيح يفعل لو كان مكانى. ولوتغصبت وسلكت كما سلك المسيح أزداد ثباتاً فيه، وهنا سيعطينى المسيح قوة لطاعة الوصية (يو4:15). إذاً لنغصب أنفسنا أن نطيع الوصايا ونحب الآخرين ونغفر لمن أساء إلينا، ولا نحب العالم وما فيه من شهوات... فنثبت فى المسيح.
الآيات (7-8):- "7أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ. الْوَصِيَّةُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ. 8أَيْضًا وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ، مَا هُوَ حَق فِيهِ وَفِيكُمْ: أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ. "
يوحنا هنا لم يفصح عن الوصية القديمة والجديدة فى وقت واحد ولكننا نفهم أنها وصية المحبة (1يو21:4). فهى قديمة إذ أن الإنسان يدركها منذ القديم، فالكتاب يتلخص فى حب الرب إلهك. . . وحب قريبك (لو10: 28، 27). وهى جديدة للأسباب الآتية:-
1. هذه المحبة لله غير ممكنة إلا بالروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5). وكان رد المسيح على الناموسى الذى قام ليجربه "إفعل هذا فتحيا" كنوع من التحدى بمعنى "وأنت ناموسى حافظ للناموس لم تستطع ولن تستطيع أن تنفذ هذا. فهذا لا يتم تنفيذه إلا بالروح القدس، والذى من ثماره المحبة لله وللإخوة، بل حتى للأعداء.
2. هى محبة باذلة على شكل محبة المسيح "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو34:13). إذاً المحبة إكتسبت فى العهد الجديد أبعاداً جديدة وصلت لأن المسيح بذل نفسه عن الخطاة. إذاً المحبة ليست عواطف وإنفعالات بل بذل حتى للأعداء الذين يكرهوننا.
سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ = فهذا تعليم موسى (تث5:6).
مَا هُوَ حَق فِيهِ وَفِيكُمْ = الحب هو الحق الذى في المسيح ، أما البغضة فهى باطل. الحب والنور والحق هى طبيعة الله، هى صفاته. ولاحظ قوله فِيهِ وَفِيكُمْ = هذه مثل قوله "إلهى وإلهكم... " الحق الذى فيه هو طبيعته والحب الذى فيه هو طبيعته، لكن الحق والحب فينا هما عطية منه على قدر ما نتقبل ان نأخذ . وهذا إذا جاهدنا أن نقتدى به يعطيها لنا. هما عطايا الروح القدس.
وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ ...... أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ. هذا سبب أن الوصية جديدة، أن صارت لنا إمكانيات جديدة، فالمسيح النور صار يضىء الآن فى قلوبنا، وأعطانا حياته، وأعطانا أن نكون خليقة جديدة (2كو17:5)، ونكون نوراً للعالم وأن يتصور هو فينا (غل19:4). وكل هذا لم يكن ممكناً قبل المسيح.
آية (9):- "9مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. "
فى هذه الأية يكشف الرسول صراحة عن الوصية الجديدة التى يبشر بها، ألا وهى المحبة. من قال أنه فى النور = أى متحد بالمسيح، وفى المسيح ، ويرى الطريق بنور المسيح، فالمسيح نور.
وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ = هذا لا يمكن، فكما أن المسيح نور، فهو أيضاً محبة بالطبيعة. والبغضة ظلمة، فكيف يكون فى داخل إنسان نور وظلمة معاً. نحن دعينا ليكون لنا شركة مع المسيح هى شركة فى طبيعته الإلهية، وطبيعته الإلهية هى المحبة، فالله محبة (1يو8:4) وبالتالى تدخل المحبة لحياتنا وتكون بالضرورة صفة للمسيحى.
آية (10):- "10مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. "
مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ = أى فى المسيح الله. ومن يثبت فى المسيح النور، يضىء له المسيح فلا يتعثر فى طريقه ولا يعثر أحداً. يضىء له طريق الإيمان فلا يتعثر فى هرطقة، يضىء له طريق الطهارة فيكره الخطية = لَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ وقوله ليس فيه عثرة تعنى :-
1. لا يتعثر الشخص نفسه فى طريقه، فالنور يوضح له الطريق فلا يتعثر . وتكون أحكامه صحيحة، وينمو روحياً.
2. لا يكون عثرة لأحد. فمن يتكلم عن المحبة ولا يحياها يعثر الناس. وهذا ما سبق الرسول وقاله فى(1 :5، 6). وما أضافه هنا هو أن المحبة هى شرط أن نثبت فى النور.
آية (11):- "11وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ. "
هنا نرى الرباط بين المحبة والنور، فالله محبة والله نور، ولا شركة للنور مع الظلمة. والمكان الخالى من المحبة هو خالى من الله، والله نور. إذاً هذا المكان ظلمة. ومن إمتلأ قلبه بغضة لا يسكن فيه الله، وبالتالى لا يسكن فيه النور فتظلم عينيه ويتعثر فى كل شىء. إذاً لنتجنب الظلمة علينا أن نحب إخوتنا، حتى من يسيئون إلينا.
الآيات (12-14):- "12أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ
اسْمِهِ. 13أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ. 14كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. "
يكتب الرسول هنا لثلاث فئات
1. الأَوْلاَدُ :- LITTLE CHILDREN أى صغيرى السن
2. الآبَاءُ :- FATHERS أى كبار السن
3. الأَحْدَاثُ :- YOUNG MEN أى الشباب
ويمكن فهم الثلاث مراحل روحياً.
1. الأَوْلاَدُ :- المبتدئين روحياً أو حديثى الإيمان، صاروا أولاداً لله بالمعمودية. وبالمعمودية تغفر الخطايا. ولكن اصحاب السن الصغير أو حديثى الإيمان هم معرضين للخطأ كثيراً فيكلمهم عن غفران الخطايا، وهذه تكون بالتوبة.
2. الآبَاءُ :- هم من لهم عمق ورجولة روحية، متقدمين فى الإيمان، هؤلاء يكلمهم عن معرفة المسيح، أى خبرة الإتحاد بالمسيح، وحياة المسيح فيهم. فالمعرفة حياة (يو7:17).
3. الأَحْدَاثُ :- هم دخلوا الإيمان ولهم بعض الخبرات. وإختبروا القوة التى يعطيها لهم الله وبها يغلبون الشر والشرير. هم ليسوا بضعفاء إذ هم مازالوا أحداث. بل الله يعطيهم قوة تتناسب مع إغراءات الشر التى يتعرضون لها. وهم أقوياء لشبابهم.
إذاً هنا نرى 3 هبات
1. غفران.
2. معرفة.
3. غلبة بقوة.
وليس معنى هذا التقسيم أن الأباء لم يغلبوا الشرير، أو هم ليسوا أقوياء لكن هم أقوياء
وغلبوا الشرير ولكنهم أكثر معرفة، فكلما دخلنا للعمق تزداد معرفتنا بالله أى إتحادنا به وثباتنا فيه وإدراكنا لحياة المسيح التى صارت فينا. فهو أى الرسول يكلم كل فئة بما يناسبها.
ونلاحظ أن الرسول يكتب مرة بصيغة الماضى ومرة بصيغة الحاضر فمرة نجده يقول أكتب. ومرة نجده يقول كتبت. وهذا لأن :-
1. هبات الله مستمرة "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد".
2. طالما الله يعطى دائماً فهذا حق لنا، علينا أن نطالب به دائماً.
v الأَوْلاَدُ قَدْ = غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا = الأولاد كثيرو الخطايا، فهو يطمئنهم أن هناك غفران لخطاياهم الكثيرة.
مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ = أى أن الغفران مبنى على دم المسيح. فإسمه هو يسوع أى المخلص. والاسم يشير لقدرات الشخص ، ودم المسيح يطهرنا من كل خطية . والخطايا تغفر بالمعمودية أولاً ثم بالتوبة. والتوبة تعطى أن نعرف محبة الآب الغافرة التى شعر بها الإبن الضال فى أحضان أبيه لذلك قال لهم = لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ. هم عرفوه إذ شعروا بمحبته الغافرة.
v الآبَاءُ = فى المرتين قال نفس الشىء لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ = وهذا لأن المعرفة تنمو، أى أن الإتحاد مع المسيح يزداد، والثبات فيه يزداد.
v الأَحْدَاثُ = الله أعطاهم قوة يغلبون بها الشرير. لكن هذه القوة ليسوا هم مصدرها.
بل سر القوة = وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ.
آية (15):- "15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآب. "
لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ = ليس المقصود أن لا نحب الناس فهذا ضد ما ينادى به الكتاب المقدس
وليس المقصود أن لا نحب الطبيعة الجميلة التى نسبح الله عليها لكن المقصود :-
1. العالم الشرير الذى يخلو من الله ، بعثراته وشهواته الخاطئة .
2. أن لا نحب أحداً أكثر من الله "من أحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى... (مت37:10).
وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ = الله خلق العالم والأشياء التى فيه لنستعملها فمن يتعلق بالأشياء التى فى العالم، ويخلو قلبه من محبة الله يكون كزوجة تتعلق بهدايا زوجها ولا تحبه هو لشخصه.
إذن المطلوب أن لا يجعل المرء قلبه على الأمور الزمنية، ولا يتعلق بما هو فانى وباطل تاركاً الله. الله خلق العالم لنستعمله لا لنعبده ويكون هو هدفنا، نحزن إن خسرناه وننتفخ لو حصلنا على الكثير منه. من يحب العالم هكذا لن يكون فى قلبه متسع لكى يحب الله، لذلك قيل أن محبة العالم عداوة لله (يع4:4). بل لا يستطيع إنسان أن يحب الحق (الله) والباطل (العالم) معاً = إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ.
بل الله يقول "يا إبنى إعطنى قلبك" ومن يستطيع أن يفعل ويحب الله من كل قلبه سيملأ الفرح قلبه. أما الذى قلبه منقسم بين محبة الله ومحبة العالم فلن يعرف الفرح. بل إن محبة العالم تدفع الناس للصراع حتى يحصلوا على أكبر نصيب منه. أما من يحب الله فلن يسقط فى هذا الصراع، بل ستكون له القناعة إذ هو شبعان بالله (فى4 :11، 12). علينا أن نشعر أن الله يعطينا أفضل شىء يوصلنا للسماء.
وفضلاً عن أن محبة العالم ستشغلنا عن محبة الله، فإننا نرى فى الأية القادمة لماذا لا يجب أن نحب العالم.
آية (16):- "16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. "
شَهْوَةَ الْجَسَدِ = شهوة الجنس والأكل. هذا إنسان لا تحركه سوى حواسه وغرائزه.
شَهْوَةَ الْعُيُونِ = كل ما تراه العيون تشتهيه، حب إقتناء وحسد الغير.
تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = عدم قناعة الإنسان بوضعه، دائماً يطلب الرفاهية الزائدة ويطلب مديح
الناس والشهرة.
ولقد جرب عدو الخير السيد المسيح فى هذه الأمور الثلاثة.
شَهْوَةَ الْجَسَدِ = إرضاء الرغبة الجسدية وإشباعها = تحويل الحجارة إلى خبز.
شَهْوَةَ الْعُيُونِ = أراه كل ممالك العالم ومجدها ليشتهيها.
تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = شهوة ما ليس فى إستطاعة البشر كعمل المعجزات = إطرح نفسك فلا يصطدم بحجر رجلك = هذه معجزة باهرة حينما يراها الناس لابد وانهم سوف يؤمنون ، لكن المسيح رفض وإختار الصليب.
وبنفس الأسلوب جرب عدو الخير أبوينا الأولين آدم وحواء.
شَهْوَةَ الْجَسَدِ = رأت حواء الشجرة جيدة للأكل.
شَهْوَةَ الْنظر = رأت حواء الشجرة بهجة للنظر.
تَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ = أرادت الأكل من الشجرة لتصبح كالله عارفة الخير والشر.
مرة أخرى. . . الله خلق العالم لنستعمله، والله لا يحزن ولا يغضب إن أكلنا وشربنا ولبسنا مما أعطاه لنا، ولكن الله لا يريد لنا أن ننشغل عنه بما أعطاه لنا، الله لا يريد أن نفرغ قلوبنا من محبته لنحب ما أعطاه لنا.
المسيح صار زمنياً (دخل فى الجسد) ليجعلنا نحن الزمنيين، أبديين. . . فلماذا نصر أن نبقى زمنيين (أى متعلقين بالعالم).
فلنستعمل العالم شاكرين الله على عطيته قانعين بما أعطاه وقسمه لنا.
آية (17):- "17وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.
الْعَالَمُ يَمْضِي = فكل شىء مصيره الفناء، فلماذا نتمسك بهذا الفانى.
أَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ = أى يحب الله ويعطى كل قلبه لله ، ويطيع الله الذى أحبه
فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ = راجع تفسير ايات 1 -6 من هذا الاصحاح لترى ان الثبات فى المسيح شرطه حفظ الوصية ، ومن يفعل يثبت فى الله ويجد لذته فى الله للأبد ، ويثبت فى المسيح أى يثبت فى حياة أبدية. كأن الرسول يوجه سؤالاً لنا.هل تريد أن تصبح أبدياً أم أن تظل زمنيا، هل تريد ان تجد لذتك فى الله الحى أم العالم الفانى . ولاحظ أن الرسول لم يقل وأما الذى يحب الله فيثبت. لأن من يحب الله سيصنع مشيئته (يو14 :21 ، 23).
آية (18):- "18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. "
أَيُّهَا الأَوْلاَدُ = لقد ولدتم فى الكنيسة على أساس إيمان سليم فلا تتركوه.
هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ = قد تعنى:-
1. التدبير الأخير فى حياة البشرية، أو التدبير الذى سوف يستمر لنهاية الدهور.
التدبير الأول = الخليقة.
التدبير الثانى = الناموس.
التدبير الثالث = الأنبياء.
التدبير الأخير = الخلاص بالمسيح.
2. أن أيامنا نحن قد إقتربت فلا نترك الإيمان المسلم لنا.
3. قوله ساعة أى تبقى وقت قليل.
وفى التدبير الأخير ومع إقتراب أيام النهاية وحتى مجىء المسيح الثانى سيظهر أضداد للمسيح يشككون فى العقيدة الصحيحة وهم مخادعين، كذابين، مقاومين للمسيح وكنيسته، يثيرون بدع مهلكة. وهذا راجع لإزدياد محاولات الشيطان لتحطيم الكنيسة. وهذا ما نراه فى الغرب الآن، فى مئات الطوائف الموجودة. ومن هذه الطوائف من ينكر ألوهية المسيح أو دوره كمخلص للبشرية، بل هناك من عبدوا الشيطان.
ضِدَّ الْمَسِيحِ = عرف الرسل من المسيح أنه فى نهاية الأيام سيأتى هذا الضد للمسيح،
وستنتشر الضلالات، وربما إذ شعر يوحنا بزيادة الهرطقات أيامه شعر أنها الساعة الأخيرة. وبنفس المفهوم تكلم بولس الرسول فى (2تس2) وأسماه إنسان الخطية. ولكن ضد المسيح هو لقب عام قد يطلق على كل من يقاوم الإيمان بالمسيح آخذاً شكل المسيح ولكن فى كذب، أى سيدعى أنه المسيح، رافضاً الإيمان بالمسيح الحقيقى.
آية (19):- "19مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا. "
هم كانوا فى الكنيسة، لكن قلبهم كان فى مكان آخر، وجاء وقت لم يحتملوا فيه أن يستمروا فى الكنيسة، فخرجوا ساعين وراء شهوات قلوبهم وكبرياءهم، هؤلاء الهراطقة قال عنهم القديس أغسطينوس أنهم كانوا كالدمل فى الجسد، ولن يتعافى الجسد إلا إذا خرج هذا الدمل منه. هم إعتمدوا وكان لهم شركة فى الكنيسة ولكنهم كانوا كيهوذا، لأجل شهواتهم الخاصة إنشقوا على الكنيسة. أما الذين خرجوا من الكنيسة لفترة وعادوا تائبين فهم منا أى من جسد الكنيسة.
مثال لهؤلاء المنحرفين... ديماس... ترك بولس إذ أحب العالم الحاضر. هذا كان موجوداً لفترة مع بولس لكن كان حب العالم يملأ قلبه.
كَانُوا مِنَّا = معمدين وعائشين فى الكنيسة.
لَمْ يَكُونُوا مِنَّا = كانوا فى خداع قلبهم فى مكان آخر.
آية (20):- "20وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ. "
فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ = يقصد الروح القدس الذى يحل فى المؤمنين بمسحة الميرون. والروح القدس يعلمنا ويذكرنا بكل ما قاله السيد المسيح (يو26:14). فهو نور ينير لنا فنرفض أى هرطقة، وهو يعلمنا حقيقة التجسد فلا نتشكك. ويعطينا أن نحب المسيح، فحتى لو خرجنا عن محبته يحركنا الروح بالتوبة فنتوب ونرجع. وبهذا نثبت فى المسيح ونرفض كل بدعة غريبة عن الكنيسة. أما الهراطقة فلأن لهم شهواتهم الخاصة وإرادتهم المختلفة عن إرادة الله، فهم أحزنوا الروح وأطفأوه لعنادهم ومقاومتهم لصوت الروح وذلك بسبب كبريائهم، فما عادوا يسمعون صوته.
والسؤال لنا... هل نعطى أنفسنا فرصة لسماع صوت الروح القدس، وهذا يحتاج للصلاة والدراسة والجلوس بهدوء للتأمل فى الكتاب المقدس. ويحتاج أيضا للإمتلاء من الروح القدس.... وهذا يتطلب ان 1) نجاهد رافضين كل شر وشبه شر ، فالسعى وراء الشر هو مقاومة للروح القدس وهذه المقاومة تحزن الروح وتطفأه 2) الصلاة والتسبيح (اف5 : 18 – 21)
آية (21):- "21لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ الْحَقَّ، بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ، وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ. "
بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ = الرسول يقول انه لا يتهمهم بأنهم لا يعرفون الحق ، بل هم يعرفونه ، ولكن مع إزدياد الهرطقات يقول لهم " اننى أعود واؤكد ما تعلمتموه سابقا واؤكده لكم . فانا أكتب لكى تثبتوا فى الحق الذى تعلمونه " . ونحن لا نحتاج إلى تعاليم جديدة من خارج كنيستنا ، بل لعمل الروح القدس الذى يذكرنا بالحق. ويهبنا التمييز الذى به نرفض الكذب ونقبل الحق فقط.
كُلَّ كَذِبٍ = هو ما ينادى به أضداد المسيح ،
لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ = ليس من عند الله.
الآيات (22-23):- "22مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ. 23كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا. "
الرسول يهاجم هرطقات القرن الأول التى أنكرت حقيقة التجسد. هنا نرى الرسول يتكلم عن الكذاب وهو إبليس (يو44:8). وإبليس يريد أن يلغى التجسد فهو سر التقوى وبدونه لا خلاص(1تى16:3).
مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ = هو إبليس. وهذا فى مقابل الحق الذى هو المسيح ومن يخضع لإبليس الكذاب يردد كذبه. ومن يثبت فى المسيح يعرف الحق.
يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ = هذا هو الحق أن المسيح هو المخلص، هو الله الذى تأنس ليخلصنا. الذى ينكر الآب والإبن = أى من ينكر أن الله الآب أرسل إبنه الوحيد ليخلص البشرية = هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ.
كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا = فنحن حصلنا على البنوة للآب عن طريق إتحادنا بإبنه يسوع المسيح، فمن ينكر الإبن لن يتحد به ويفقد البنوة للآب. (راجع يو23:15 + يو14: 7، 9، 10 + مت27:11 + يو19:8). ومن يعرف الابن ويحبه فلسوف يعرف الآب ، فالابن هو صورة الآب . ومن عرف الابن وأحبه ، فهذا لأنه كان يعرف الله بطريقة صحيحة ، ولذلك آمن التلاميذ البسطاء بالمسيح إذ كانوا فى بساطة قلوبهم قد احبوا الله غير طالبين مجد انفسهم مثل الكتبة والفريسيين .
آية (24):- "24أَمَّا أَنْتُمْ فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ فَلْيَثْبُتْ إِذًا فِيكُمْ. إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ، فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ. "
أَمَّا أَنْتُمْ = الذين لم تنشقوا عن الكنيسة.
فَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ = أى رسالة الإنجيل الذى سمعتموه جيلاً بعد جيل (يه3) .
فَلْيَثْبُتْ إِذًا فِيكُمْ = أى يتأصل فى أعماقكم. وعلينا ان نصر أن لا نغير فى إيماننا حرف واحد.
إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ = وهو الحق الإلهى بخصوص التجسد.
وأن الآب أرسل إبنه متأنساً ليتحد بنا ويعطينا البنوة للآب = تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ ولكن من الذى يثبت فيه ما سمعه؟ هو من يتعلم من الروح القدس ولا يعاند. وهو من يواظب على الصلاة ودراسة الكتاب فى هدوء. وهو من لا يرفض تعاليم الكنيسة فى كبرياء. فكل الهرطقات نشأت بسبب كبرياء الهراطقة .
آية (25):- "25وَهذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. "
من يثبت فى الإبن تكون له حياة الإبن وهى حياة أبدية، وهذا هو وعده (يو25:11)
"من آمن بى ولو مات فسيحيا... أنا هو القيامة والحياة".
آية (26):- "26كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ هذَا عَنِ الَّذِينَ يُضِلُّونَكُمْ. "
أكتب هذا إليكم حتى لا تنخدعوا بضلالات أضداد المسيح.
آية (27):- "27وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَق وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ. "
كما قلنا فالروح القدس يعلم (يو26:14) ويعطى إستنارة.
وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ = لو فهمنا الأية بطريقة خاطئة، إذاً فما الداعى أن يوحنا الرسول يكتب رسالته ويعلمهم، أما كان الروح القدس قادر على هذا. هذه الأية لا تعنى عدم حاجتنا للتعليم، فنحن نحتاج لمن يعلمنا. لذلك وضع الله فى الكنيسة معلمين (أف11:4).
فلا يوجد إنسان مملوء من الروح ومعصوم من الخطأ. وكلام الخدام الأرثوذكسيين الحقيقيين الذين لا يشوهوا الإيمان يكون عملهم هو جذب إنتباه السامع. والروح القدس الذى يعطى كلمة للمتكلم هو يعمل فى قلب السامع ليفهم، ولكن إن لم يكن السامع لديه الروح القدس فعبثاً ينادى المعلم. التعليم الخارجى كالبستانى يروى الأشجار والذى ينمى هو الله، أى المسحة التى نأخذها. والروح القدس أيضاً يعطى للسامع أن يميز، هل هذا التعليم من الله أم لا.
وَهِيَ حَق = أى المسحة هى حق، أى أن عمل الروح القدس فينا هو عمل حقيقى.
كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ = إذا أراد المؤمن حقيقة أن يسمع صوت الروح فى داخله فسوف يسمعه. وإن كنا فى شك فلنصل ونطلب والروح الذى فينا سيخبرنا بالحق، والكتاب المقدس يحوى التعليم الحق ، وتعليم الأباء المرتشدين بالروح حق ، وعندئذ علينا أن نطيع صوت الروح .
كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ = فمن لا يعاند صوت الروح القدس، ويكون له إيمان صحيح بالمسيح سيثبت فى المسيح. أما الهراطقة فلا يثبتون فيه.
آية (28):- "28وَالآنَ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ. "
إذ يثبت أولاد الله فى كلامه وإيمانه سيفرحون بمجيئه، بل يتشوقون إليه "آمين تعال أيها الرب يسوع" ليفرحوا معه للأبد. أما غير الثابتين فسيقولون للجبال غطينا.
إِذَا أُظْهِرَ = إذا = تفيد عدم معرفة موعد ظهوره. إذاً لابد من الإستعداد الدائم.
آية (29):- "29إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ. "
كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ = تكلم فى الأية السابقة عن عدم الخجل من المسيح عند ظهوره. وهنا يعطينا العلامة التى تجعلنا لا نخجل عند ظهوره، وهى أن نصنع البر مثله. ولنفهم أن المؤمنين الذين إعتمدوا ليسوا مجرد أناس عاديين يحاولون أن يحيوا على نحو أفضل، ولكنهم صاروا خليقة جديدة، أولاداً لله (2كو17:5). ولنفهم أن البر الكامل لن يوجد هنا على الأرض، فنحن مازلنا فى الميدان نحارب، نَضرٍب ونُضرَب، ومن ينتصر هو من يعتمد فى صراعه على قوة الله. ونلاحظ أن المسيح أعطى لنا قوة لنسلك فى البر، بل أعطى لكل من إعتمد حياته يحيا بها فى بر ، حياة المسيح البار تسكن فيه ، ويستخدم أعضاءه كآلات بر ، فيصنع البر. وهكذا فلأن المسيح بار وهو أعطى حياته للكثيرين، فهو يبرر الكثيرين. والمسيح أعطانا الروح القدس الذى يبكتنا إن فعلنا خطية وأيضاً إن لم نفعل البر. فالمولود من الله البار يتشبه به ويكون باراً، باراً نسبياً على الأرض، فالبر الكامل فى السماء.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني
الإيمان ومحبة الإخوة
(1) المسيح الشفيع والثبات فيه ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : كلام القديس يوحنا عن الحياة النورانية في المسيح والقداسة يقصد منه أن يحفظ أولاده من السقوط في الخطية ، ولكننا كبشر معرضون لها فلا يوجد إنسان بلا خطية ، فيقدم لنا الحل وهو المسيح الفادي الذي يشفع لنا بدمه على الصليب ومستعد لغفران خطايانا مادمنا تائبين عنها لأنه بار وقدوس بلا خطية ، فقد مات عنا ويشفع بدمه لنا أمام العدل الإلهي طالباً الغفران لكل من يتوب من المؤمنين به .
ع 2 : دم المسيح كافي للتكفير عن خطايا كل البشر إن آمنوا به وتابوا ، فلأنه غير محدود فكفَّارته غير محدودة تغفر خطايا المؤمنين به في الكنيسة وكل من سيؤمن به من البشر على مدى الأيام وفي كل مكان .
ع 3 : معرفة الله في المسيحية ليست معرفة نظرية ولكنها عملية بتنفيذ وصاياه ، فمن يحب أحد يسعى لتنفيذ كلامه ، وإن بدت الوصية ثقيلة لكن من يحب الله يقبلها برضا وفرح لأجل إرضائه .
ع 4 : من يَدَّعي معرفة الله فيعرف عنه بعض الأمور النظرية ويرفض أو يتهاون في تنفيذ وصاياه ، فهو يخدع نفسه والله ليس ساكناً فيه ، لأنه إن أحبَّ الله واتحد بالحق الذي هو المسيح بتناول جسده ودمه ، فقطعاً سيسعى لتنفيذ وصاياه .
ع 5 : على قدر تنفيذ كلام الله تكون محبة الإنسان له ، ومن حفظ كل كلامه صار كاملاً في المحبة . ومن يحب الله يصير ثابتاً فيه ، بل هذا دليل على سكن الله فيه .
ع 6 : يؤكد الرسول من ناحية أخرى أنَّ دليل الثبات في المسيح هو الإقتداء به في المحبة ، ففي المسيح يظهر كمال الحب بالبذل الكامل حتى الموت في الصليب . فمن يحب الله ينفذ وصاياه مهما بذل ولو إلى الموت .
+ أرفض خطيتك مهما بدت لذَّتها أو ميلك إليها . أرفض الخطية مهما كانت صغيرة واقترب إلى الله بكل طاقتك ، فيظهر حبك له وتفيض مراحمه عليك .
(2) محبة الإخوة ( ع 7 - 11 ) :
ع 7 : فيما يتكلم يوحنا الحبيب عن المحبة ، يعلن أنها ليست وصية جديدة على البشرية بل هي قديمة منذ خلق الإنسان . فكما أحبَّ آدم إمرأته لأنها جزء منه ، وكما اضطرب قايين لعدم محبته لأخيه فقتله ، هكذا صارت البشرية كلها حتى أعلنت الوصايا العشر هذه المحبة في الست وصايا الأخيرة بإكرام الآخرين وعدم الإساءة إليهم .
ع 8 : المحبة تعتبر وصية جديدة في المسيحية من ناحيتين :
1- ظهور أعماق جديدة لها في الحب حتى الموت في الصليب .
2- إمكانية تنفيذ هذه المحبة العميقة بقوة الروح القدس الذي يسكن في المؤمنين .
الله هو المحبة والحق ، فالمحبة هي الحق الكامل في الله والذي يعمل فينا ، وهي أيضاً دليل الحياة النورانية أو هي النور الذي دخل إلينا بالمسيح نور العالم الذي بذل حياته لأجلنا . وإذ يسكن النور فينا ، تنسحب الظلمة أي الخطية التي تشمل الأنانية والكراهية والإساءة للآخرين .
ع 9 : إن لم يحب أحد إخوته البشر وتضايق منهم وكرههم ، فلا يدَّعي أنه يعرف الله النور الحقيقي بل هو قطعاً لا يزال في ظلمة الخطية والضلال .
ع 10 : محبة الإخوة هي الدليل على محبتنا لله والثبات فيه ، فنصير نورانيين مثله ونجذب الآخرين إلى المحبة ولا نعثر أو نبعد أحداً عنه لأننا ابتعدنا عن الكراهية والإساءة .
ع 11 : من رفض المحبة وانغمس في أنانيته فتضايق من الآخرين وأصرّ على ذلك ، فهو ساقط في ظلمة الخطية وانحرف عن الله ويتقدم من ضلال إلى ضلال حتى لو بدت أفكاره منطقية أمام نفسه .
+ إحترس من استفزازات الشيطان لك حتى تتضايق من تصرفات الآخرين واعلم أنهم محتاجون لمحبتك ، فصلي لأجلهم وتنازل قدر ما تستطيع لتظهر محبتك لهم ، فبهذا تثبت في الله وتتمتع بسلامه وبركاته وتجذب الآخرين إليه قدر ما يتجاوبون معه .
(3) وصايا للآباء والأبناء ( ع 12 - 14 ) :
ع 12 : يتكلم عن تفاصيل تطبيق المحبة في الأعمار المختلفة ، ويبدأ بالأولاد الصغار الذين نالوا نعمة المعمودية فصارت طبيعتهم نقية تميل إلى محبة الله والآخرين ، وغفرت خطيتهم الجدية . وقد يقصد " بالأولاد " كل أعضاء الكنيسة لأنهم أولاده الذين تمتعوا بنعمة المعمودية وغفران خطاياهم ويعيشون بالمحبة داخل الكنيسة .
ع 13 : يوجه رسالته هذه إلى كل الأعمار :0
أيها الآباء لأنكم قد عرفتم الذي من البدء : يقصد بالآباء كبار السن والكهنة ، لأنهم لطول سنينهم إختبروا محبة الله الذي من البدء مما يدعوهم إلى السلوك بالمحبة نحو الكل .
أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير : المقصود بالأحداث هم الشباب المتميزين بالقوة والنشاط والمحبة المتقدة فيغلبون بها حيل إبليس الشرير الذي يثير القلاقل والمشاكل والكراهية بين الناس .
أيها الأولاد لأنكم قد عرفتم الآب : يقصد بالأولاد إما الأطفال أو كل الكنيسة أولاده ، ويذكرهم بأنهم عرفوا محبة الله الآب الذي بذل إبنه الحبيب لفدائنا وتمتعوا برعايته وبالتالي يتمسكون بالمحبة في سلوكهم مع من حولهم .
ع 14 : يؤكد المعاني المذكورة في الآيتين السابقتين سواء لكبار السن أو الشباب ، معلناً أنه يؤكد في رسالته هنا وكلامه عن المحبة ما سبق وكتبه أيضاً في إنجيله عن هذه المحبة .
+ المحبة هي سلاحك القوي ضد حروب إبليس ، فاحرص على التسامح مهما كانت أخطاء الآخرين بل قدِّم كلمات وأعمال المحبة قدر ما تستطيع فتحفظ نفسك ومن حولك من سهام إبليس .
(4) بطلان العالم ( ع 15 - 17 ) :
ع 15 : إن كان الرسول يتكلم عن محبة الله والتي ينتج عنها محبة الإخوة ، فينبهنا إلى المعطل الرئيسي لها وهو محبة العالم ويقصد بها الماديات التي فيه والتعلق بها ، فالقلب إما أن يحب الله أو العالم لذا يدعونا المسيح إلى المحبة من كل القلب عندما يقول " تحب الرب إلهك من كل قلبك " ( لو 10 : 27 ) .
ع 16 : يشرح لنا بالتفصيل محبة العالم وهي تتلخص فيما يلي :0
شهوة الجسد : وتشمل كل الشهوات المادية بكل ما تحمل من انحرافات ضد الوصية وكذا الإهتمام الزائد باحتياجات الجسد الضرورية ، وهي تشير للتجربة الأولى للمسيح على الجبل أي تحويل الحجارة إلى خبز لأنه جوعان بعد أربعين يوماً من الصوم .
شهوة العيون : وهي الرغبة في الماديات المختلفة والمراكز والمظاهر بكل ما تحمل في طياتها من كبرياء ، وهي التجربة الثانية للمسيح التي طلب فيها الشيطان منه أن يلقي بنفسه من على جناح الهيكل لينزل بشكل عظيم بين الجموع المحتشدة وتحمله الملائكة ، وهذا طبعاً يحمل معنى المظهرية والكبرياء .
تعظم المعيشة : الميل للتملك وارتفاع المستوى المادي ، وهي التجربة الثالثة التي حاول الشيطان فيها أن يغري المسيح بامتلاك ممالك العالم .
هذه الشهوات المختلفة بالطبع ليس لها علاقة بمحبة الله بل هي ضده لأنها تشغلنا عنه .
ع 17 : ينبهنا إلى أنَّ شهوات العالم كلها ستنتهي وليس لها مكان في الأبدية ، أما الذي يبقى فهو محبة الله إذ تدوم معنا إلى الأبد وارتباطنا بمحبته يجعلنا نتمِّم مشيئته فنجد خلاص نفوسنا .
+ عندما تجذبك أي شهوة مادية تذكر أنها مؤقتة وستبطل سريعاً لكي تتراجع عنها . وعندما تستخدم الماديات ، إستخدمها بمقدار حتى لا يتعلق قلبك بها وفي نفس الوقت حاول أن تنمو في صلواتك وقراءاتك لكي تبدل محبة العالم بمحبة الله فتتمتع بعِشرته إلى الأبد .
(5) الهراطقة والثبات أمامهم ( ع 18 - 29 ) :
ع 18 : الساعة الأخيرة : الوقت بين مجئ المسيح بالجسد ومجيئه الثاني ، وتعتبر الأخيرة لأنها آخر فرصة للتوبة بعد أن أعلن المسيح فداءه وكل حقائق الإيمان حتى ننتهز فرصة عمرنا لنؤمن ونتوب . أضداد للمسيح : من ينكرون لاهوته ويعلمون تعاليم مضادة لوصاياه ليضلوا الناس . يكلم القديس يوحنا أولاده المؤمنين ليحذرهم من الهراطقة الذين يظهرون في نهاية الأيام كعلامة من علامات إقتراب المجئ الثاني التي ذكرها المسيح في كلامه عند نهاية العالم ( مت 24 : 24 ) .
ع 19 : هؤلاء الهراطقة كانوا أعضاء في الكنيسة ولهم إسم أنهم مسيحيون ولكن لم يكن لهم الإيمان المستقيم ، فأمام الله لم يكونوا من أعضاء الكنيسة لأجل انحراف فكرهم وقلبهم إلى الشر ، ولأنَّ داخلهم ليس مستقيماً لم يستطيعوا البقاء في الكنيسة والخضوع لتعاليمها فانشقوا عنها بهرطقاتهم التي تنكر لاهوت المسيح .
ع 20 : يشجع المؤمنين بأنَّ الروح القدس الساكن فيهم بمسحة الميرون التي نالوها من الله القدوس هو يرشدهم ويثبتهم في الإيمان المستقيم ، ويكشف أمامهم ضلال الهراطقة فلا يتبعونهم بل يطيعون تعاليم الروح القدس على فم آباء الكنيسة ومرشديها فلا تؤثر فيهم هذه الهرطقات .
ع 21 : يعلن للمؤمنين أنه يؤكد ويثبت إيمانهم بالمسيح الذي هو الحق ، وأيضاً بالروح القدس الساكن فيهم يعرفون أنَّ كلام الهراطقة كذب لأنه ضد المسيح والتعاليم التي تعلموها في الكنيسة .
ع 22 : يكشف الهراطقة وأفكارهم الكاذبة لأنهم ينكرون لاهوت المسيح وبهذا ينكرون الله الآب أيضاً ، لأنه هو الذي أرسل إبنه الوحيد إلى العالم ليعلن نفسه مرئياً أمام الناس من خلاله ، " فالله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر " ( يو 1 : 18 ) .
ع 23 : المسيح الإبن هو صورة الآب وجوهره ، فمن ينكر لاهوته ينكر أيضاً الله الآب ومن يقبله يقبل الله الآب أيضاً .
ع 24 : يؤكد الرسول عليهم التمسك بالإيمان الذي بُشِِّرُوا وآمنوا به حتى لا يلتفتوا إلى الهرطقات المخالفة لإيمانهم . والثبات في الإيمان معناه الثبات في الله والتمتع بعمله فيهم .
ع 25 : بالثبات في الإيمان ننال وعد الله بالحياة الأبدية معه .
ع 26 : يوضح هنا غرض الرسالة وهو التحذير من الهراطقة الذين يضلونهم عن الإيمان .
ع 27 : يُذَكِّرهم بالروح القدس الساكن فيهم بمسحة سر الميرون ، والتي علَّمتهم الإيمان وساعدتهم على الثبات فيه وأعطتهم كل ما يحتاجونه من المعرفة عن المسيح ، فهم لا يحتاجون إلى تعاليم جديدة غريبة كاذبة كالتي يروِّجها الهراطقة ، لأنَّ مسحة الروح القدس هي حق وتعلمهم الحق وليس الكذب مثل هؤلاء الهراطقة .
ع 28 : يطالبهم بالثبات في الإيمان حتى يتمتعوا بالحياة الأبدية عندما يأتي في مجيئه الثاني ولا يخجلوا في هذا اليوم بسبب انحرافهم وراء تعاليم الهراطقة .
ع 29 : الدليل على ثباتهم في الإيمان بالمسيح البار القدوس هو أن يحيوا بالبر والصلاح وعمل الخير مع الآخرين ، فبهذا يكونون أولاد الله .
+ لا تقبل أي تعاليم غريبة عما تعلَّمته في الكنيسة مهما كانت مبهرة وحتى لو وصلت إليك من أقرب المقربين ، بل التجئ إلى الصلاة وأب اعترافك حتى تثبت فيما تعلمته وتنتظرك حياة أبدية سعيدة .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح