كلمة منفعة
هكذا قال السيد المسيح: (من له أذنان للسمع، فليسمع) (مت 13: 43) ذلك لأن هناك من لهم آذان، ولكنهما لا تسمعا. وعن أمثال هؤلاء قال السيد: (لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون) فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة (قلب هذا الشعب قد غَلُظَ. وآذانهم قد ثقل سمعها) (إش 6: 10).
— من له أذنان
رساله بطرس الثانية 2
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة بطرس الثانيه - الاصحاح رقم 2
رسالة بطرس الثانيه
الإصحاح رقم 2
الأصحاح الثاني :
ظهور المعلمين الكذبة
1. ظهور المبتدعين وخطورتهم 1-2.
2. دينونتهم أكيدة 3-9.
3. صفاتهم 10-22.
1. ظهور المبتدعين وخطورتهم
"ولكن كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة، الذين يدسّون بدع هلاك، وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم، يجلبون هلاكًا سريعًا، وسيتبع كثيرون تهلكاتهم، الذين بسببهم يُجدف على طريق الحق" [1-2].
لا يكف إبليس عن أن يخدع بكل طريقة، مشوّهًا الحق، بإظهار ما هو على مثله، فكما يعمل الروح القدس في الأنبياء الحقيقيين شاهدين للرب، هكذا ظهر أيضًا أنبياء كذبة يعمل فيهم إبليس (إر 14: 14؛ 23: 25؛ تث 13: 1-5)، وكما يوجد رعاة حقيقيون، هكذا يوجد معلمون كذبة أيضًا. قد حذرنا ربنا يسوع منهم (مت 7: 15؛ 24:24)، كما حذر الرسول أساقفة أفسس قائلاً: "ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمورٍ ملتويةٍ ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع 20: 30).
يقول العلامة ترتليان: [يلزمنا ألا ندهش من وجود الهرطقات، لأنه قد سبق الرب فأنبأنا بقيامها، إذ تفسد إيمان البعض، لكنها تقدم تجربة إيمان فتهب فرصة للتذكية (1 كو 11: 19).]
فالهرطقات لها مضارها كما لها منافعها. أما مضارها فكما يقول الرسول:
1. ينكرون الرب الذي اشتراهم، مستهينين بالدم الثمين المدفوع لأجل إيماننا المستقيم.
2. لا يهلكون وحدهم، بل يحدرون معهم آخرين للهلاك، والهدم أسرع من البناء.
3. يسيئون إلى الله، إذ "بسببهم يجدف على طريق الحق". فبالرغم من ادعاءاتهم أنهم متمسكون بالإنجيل إلا أن انحراف إيمانهم وسيرتهم يسببان تجديفًا على اسم الرب.
أما منافع الهرطقات فكما يقول القديس أغسطينوس:
[أما عن الهراطقة فهم لا يفعلون أكثر من أن يجذبوننا نحو معرفة الأسرار، ذلك إن كنا نحيا في تقوى، ونؤمن بالمسيح. ولا نشتهي الطيران من العش قبل الأوان.
انظروا أيها الإخوة فائدة الهراطقة، فإن الله بحسب تدبيره يستخدم حتى الأشرار للخير... فإذ يبتدع الهراطقة تضطرب النفوس الصغيرة، وإذ تضطرب تبحث في الكتاب المقدس... وبحثهم هذا بمثابة قرع رؤوس الرضع على صدر أمّهاتهم لكي ينالوا اللبن الكافي.]
2. دينونتهم أكيدة
"وهم في الطمع يتجرون بكم بأقوال مصنّعة، الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى، وهلاكهم لا ينعس" [3]
إذ يتاجرون بالنفوس مستهينين بها وبالدم الكريم المسفوك لأجلها، مستخدمين في ذلك أقوالاً مصنّعة، أي أحاديث لينة خادعة، إذ "بالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء" (رو 16: 18). لهذا فإن دينونتهم منذ القديم قائمة تنتظرهم، وهلاكهم لا يغفل عنهم مهما شعروا بطمأنينة كاذبة.
ودليل إدانتهم:
أولاً: إدانة الملائكة الساقطين
"لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة أخطأوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم، وسلّمهم محروسين للقضاء" [4].
ونلاحظ أن قوله "طرحهم" في صيغة الماضي تعني تأكيد ما سيكون في المستقبل.
استخدم القديس أغسطينوس هذا النص في إثبات أن الملائكة الأشرار لم يخلقوا هكذا، بل بسقوطهم في الخطأ صاروا أشرارًا.
ثانيًا: هلاك العالم القديم
"ولم يشفق على العالم القديم، بل إنما حفظ نوحًا ثامنًا كارزًا للبرّ، إذ جلب طوفانًا على عالم الفجّار" [5].
هذه الجملة متصلة بالجملة الشرطية السابقة، أي إن كان الله لم يشفق على العالم القديم في أيام نوح الذي كرز للبرّ ولم يسمعوا له، فجلب عليهم طوفانًا بسبب فجورهم، فهل لا يدين الله المبتدعين؟
وقد "حفظ نوحًا ثامنًا"، أي بالرغم من أنه الشخص الثامن من الفُلك. لعله دخل بعد أولاده ونسائهم وزوجته ليطمئن عليهم، فإن قلة عددهم لم تمنع اهتمام الله بهم وحفظهم. كما أن كثرة الأشرار لا يمنع إدانتهم.
ثالثًا: حرق سدوم وعمورة
"وإذ رمَّد مدينتيّ سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب، واضعًا عبرة للمعتدّين أن يفجروا "[6].
لقد صار إحالة مدينتي سدوم وعمورة إلى رماد عبرة للتاريخ البشري كله، لأنه إذ ارتفع شرّهم وامتلأ كأس آثامهم أهلكهما الله، هكذا كل من يتمادى في الشر دون أن يتوب!
لقد "حكم عليهما بالانقلاب" كمن يُحكم عليه بالإعدام، لأن أجرة الخطية الموت. وحتى في هلاكهما الذي هو ثمرة فجورهما يخرج الله من الآكل أكلاً، محوّلاً شرهما لخير الآخرين، إذ يعتبرون بهما فيتوبون. هذا وقد كشف الله مدى اهتمامه بأولاده. ففي حرق المدينتين لم ينسَ الله لوطًا وابنتيه بالرغم من قلة عددهم بالنسبة للأشرار.
"وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة، إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم، يعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بأفعالهم الأثيمة" [7-8].
لقد ألقى لوط نفسه بنفسه وسط الأردياء، إذ اختار الأرض الخصبة تاركًا لعمه "إبراهيم" الأرض الجرداء، لهذا استحق أن يخرج فارغ اليدين. لكن لوط لم يندمج مع الأشرار في دعارتهم، غير أن نفسه كانت تتعذب يومًا فيومًا مما يراه ويسمعه من أفعالهم الأثيمة!
لقد أنقذ الرب لوطًا (تك19: 16) لعدم تدنسه بالفساد الذي حوله، إذ كانت نفسه مرة "مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة"، لأنها سيرة ثقيلة على نفس المؤمن.
"يعلم الرب أن ينقذ الأتقياء من التجربة، ويحفظ الآثمة إلى يوم الدين معاقبين" [9].
هذه هي النتيجة التي يريد أن يعلنها الوحي:
1. في وسط التجربة يميز الله بين الأتقياء والمحفوظين للعقاب.
2. الله في تركه الأتقياء بين الأشرار لا يعني أنه قد نسيهم، بل يعرف كيف ينقذهم، وذلك كمثل الزارع الذي يترك الزوان ينمو مع الحنطة إلى يوم الحصاد فيفرزهما.
3. لا يتعجل الله على عقاب الفجار، بل "يحفظ الآثمة إلى يوم الدين معاقبين".
3. صفاتهم
لخص الرسول صفات هؤلاء المعلمين الكذبة بالآتي:
1. سالكون حسب الجسد.
2. يستهينون بالسيادة.
3. جاهلون كالحيوانات.
4. محبون للذة.
5. مخادعون.
6. محبون للأجرة.
7. عقماء.
8. يشوّهون مفهوم الحرّية.
وقد سبق لنا شرح بعض هذه الصفات في تفسير رسالة يهوذا.
1. سالكون حسب الجسد.
"ولاسيما الذين يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة"
وقد ميّز القديس أغسطينوس في مقاله عن ضبط النفس بين:
أ. الجسد بغرائزه: وهو من عمل الله كلي الصلاح، لذلك فهو صالح.
ب. الروح بطاقاتها: وهي من عمل الله كلي الصلاح، لذلك فهي صالحة.
ج. شهوات الجسد: وهي دخيلة على الإنسان نتيجة انحراف توجيه غرائز الإنسان وطاقاته.
د. شهوات الروح: وهي اشتياقات الروح لتنطلق إلى حضن الخالق، وهذه تضاد شهوات الجسد التي هي كالمرض دخيلة على الإنسان.
فالقول "يذهبون وراء الجسد" يعني أن الإنسان يسلك حسب هواه أو ذاته أو رغباته الأرضية البشرية وليس حسب شهوات الروح، أي ليس حسب إرادة الله السماوية. وكما يقول القديس أغسطينوس:
[هذا كشفه الرسول نفسه بصورة أوضح في موضع آخر، إذ يقول "ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟" (1 كو 3: 3). فعندما دعاهم جسديين لم يقل: "وتسلكون حسب الجسد"، بل قال "حسب البشر"، لأنه بالحق لو كان من يسلك "حسب الجسد" يستحق اللوم ومن يسلك "حسب البشر" يستحق المديح، لما قال لهم موبخًا "وتسلكون حسب البشر"؟
انصت يا إنسان. لا تسلك حسب البشر، بل حسب الذي خلقك.
لا تهرب من ذاك الذي أوجدك. لا تفلت منه حتى باتكالك على ذاتك (وليس فقط على غيرك) لأن ذاك الذي لم يسلك حسب البشر، قال "ليس أننا كُفاة من أنفسنا بل كفايتنا من الله" (2كو3: 5)... لهذا لا تسلك يا إنسان حسب ذاتك وإلا هلكت.
عندما تسمع يا إنسان القول: "لأن إن عشتم حسب الجسد فستموتون" (رو 8: 13)، لا تسلك حسب ذاتك، لأن الشيطان ليس له جسد، ومع ذلك إذ أراد أن يعيش حسب ذاته لم يثبت في الحق (رو 8: 44).
إذن هؤلاء المعلمون يذهبون وراء الجسد، أي وراء نزواتهم الخاصة في شهوة النجاسة... وأية نجاسة أبشع من أن يقبل الإنسان إرادته عوض إرادة الله وعوض الانقياد بروح الله كابن له (رو 8: 14) ينقاد بأعمال جسده؟]
2. يستهينون بالسيادة
"ويستهينون بالسيادة، جسورون، معجبون بأنفسهم، لا يرتعبون أن يفتروا على ذوي الأمجاد" [10].
وقد سبق لنا شرح هذه العبارة في تفسير رسالة يهوذا ع 8، نرجو الرجوع إليه.
إنهم معتدون بذواتهم وبآرائهم، لا يقبلون الخضوع لما تسلمته الكنيسة جيلاً بعد جيلٍ، بل يرغبون في شرح الكتاب المقدس وتفسيرهم له حسبما تمليه عليهم أفكارهم الخاصة.
وهم في هذا لا يقتدون بالملائكة المتواضعين، الذين وهم أعظم منهم قوة وقدرة وفهمًا وحكمة، لا يقدمون حكم افتراء حتى ضد الشياطين بل يتركون الرب ينتهرهم (راجع تفسير رسالة يهوذا ع 9).
3. جاهلون كالحيوانات
"أما هؤلاء فكحيوانات غير ناطقة طبيعية، مولودة للصيد والهلاك، يفترون على ما يجهلون، فسيهلكون في فسادهم" [12]
إذ يرفضون الحق ويقاومونه، يكونون بلا فهم كالحيوانات غير الناطقة، وكما يقول القديس أنطونيوس الكبير: [هذه النفوس تهلك كالحيوانات العجم. لأن عقولهم تسحبها الشهوات، كما تسحب الخيول الجامحة راكبيها]، بل صاروا أدنى منها.
أ. إن الحيوانات غير ناطقة بالطبيعة، لكن الإنسان وهب عقلاً كما يقول القديس أنطونيوس: [ليعين الإنسان في علاقته مع الله]، فانحرافهم عما خُلقوا لأجلها يجعلهم أدنى من الحيوانات.
ب. إن الحيوانات مخلوقة "للصيد والهلاك"، أما الإنسان فمخلوق ليحيا إلى الأبد، وكما يقول القديس أنبا أنطونيوس: [الإنسان العاقل عندما يفحص نفسه يرى ما يجب عليه أن يفعله، وما هو نافع له، وما هو قريب لنفسه، ويقودها إلى الخلاص، كما يرى ما هو غريب عن النفس ويقودها إلى الهلاك، وبهذا يتجنب ما يؤذي النفس باعتباره شيئًا غريبًا عنها.]
ج. إن المبتدعين ليس فقط يجهلون الأمور، لكنهم في تجاسر يفترون، مقاومين الحق مع أنه كان يجدر بهم على الأقل أن يصمتوا بسبب جهلهم.
د. إن سبب هلاكهم ليس خارجًا عنهم، بل "سيهلكون في فسادهم" أي أَسلموا أنفسهم بأنفسهم للهلاك.
4. محبون للذة
"آخذين أجرة الإثم الذين يحسبون تنعم يوم لذة. أدناس وعيوب، يتنعمون في غرورهم صانعين ولائم معكم" [13].
نجدهم في العالم كأنهم ناجحون ومزدهرون، إذ يتنعمون بلذة يوم قصير، لابد أن يعبر ليأتي يوم الدين.
هذا هو مبدأهم كمبدأ الأبيقوريين "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت"، فيفرحون بلذة مؤقتة يحسبونها نصيبهم، متجاهلين السعادة الأبدية الدائمة. وهم في هذا يقتدون بعيسو الذي من أجل لذة أكلة عدس باع بكوريته، وعاد ليبكي بمرارة بلا نفع.
يقول الرسول: "الذي يزرعه الإنسان إيّاه يحصد، لأن من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادًا" (غل 6: 7-8). وإذ يتنعمون هنا في غرورهم، آخذين أجرة الإثم، يتعذّبون هناك.
أما خطورة هؤلاء المبتدعين أنهم "صانعين ولائم معنا"، أي يحاولون نسب أنفسهم إلى وليمة المسيح، ويدعون أنهم أعضاء في الكنيسة، وهم يحملون كل كراهية وبُغضة ضدها.
5. مخادعون
"لهم عيون مملوءة فسقًا، لا تكف عن الخطية، خادعون النفوس غير الثابتة. لهم قلب متدرب في الطمع، أولاد اللعنة" [4].
من يستهين بحياته فيعيش في إباحية باستهتار تصير عيناه مملوءة فسقًا، أي زنا. فيفقد المعلم الكاذب العين البسيطة التي تنير الجسد كله، وتصير عيناه مظلمتين لا تنظران إلا ما هو شر ودنس "لا تكف عن الخطية". هؤلاء المعلّمون المملوءة عيونهم فسقًا، ولا يكفّون عن الخطية، يخدعون النفوس غير الثابتة خلال مظهرهم الخارجي المملوء غيرةً وحماسًا وطهارةً وعفةً.
هؤلاء "لهم قلب متدرب في الطمع، أولاد اللعنة"، أي يحمل قلبهم ما تمتلئ به عيونهم من فسق. قلب لا يشبع ولا يرتوي، في طمعٍ دائمٍ، لا من جهة المادة فحسب، بل وفي صنع الشر واقتناء الكرامة وحب الظهور، ولو على فيه هلاك البسطاء، والانحراف بهم عن إيمانهم البسيط! لهذا استحقوا أن يدعوا "أولاد اللعنة".
6. محبون للأجرة
"قد تركوا الطريق المستقيم فضلّوا، تابعين طريق بلعام بن بصور، الذي أحب أجرة الإثم. ولكنه حصل على توبيخ تعدّيه، إذ منع حماقة النبي حمار أعجم، ناطقًا بصوت إنسان" [15-16].
"قد تركوا الطريق المستقيم"، أي كانوا يومًا ما سالكين فيه، لكنهم انحرفوا منخدعين بطريق بلعام محب أجرة الإثم من الخدمة، حتى انغلق ذهنه فلم يدرك. وقد استخدم الله الحمار الأعجم لتوبيخ من فقد عقله.
7. عقماء
"هؤلاء هم آبار بلا ماء، غيوم يسوقها النوء. الذين قد حُفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد" [17].
لهم مظهر خارجي خادع. فإذ يرى الظمآن البئر يفرح بها، لكنه يحاول الشرب فلا يجد ماءً. وكالفلاح الذي يفرح بالغيوم، لكن سرعان ما تحملها لرياح دون أن تمطر. وستنكشف حقيقة هذا المظهر في الأبدية "الذين قد حُفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد"، أي يتركهم الرب هنا قليلاً، ولا يعلموا أنهم محفوظون للظلمة الأبدية.
"لأنهم إذ ينطقون بعظائم البُطلِ، يخدعون بشهوات الجسد في الدعارةمن هرب قليلاً من الذين يسيرون في الضلال" [18].
أي أنهم يدعون في كبرياءٍ واعتدادٍ المعرفة الفائقة والحكمة، ويحسبون أن تعاليمهم ذات شأن، وهم في الحقيقة مخدوعون بشهوات الجسد، أي بنزواتهم الخاصة. وإذ يجذبون الناس عن ضلالهم، يلقونهم مرة أخرى فيما هو أشر. إنهم يقدمون آمالاً عظيمة ويفتحون الباب للخطاة، لكن في هذا كله يعتمدون على فلسفتهم الذاتية، فيحرفونهم معهم في ضلالهم.
8. يشوّهون مفهوم الحرية
"واعدين إيّاهم بالحرية، هم أنفسهم عبيد الفساد، لأن ما أنغلب منه أحد، فهو مُستعبد أيضًا" [19]
يكرزون بالحرية وهذه الكرازة لها جاذبيتها الجميلة ومظهرها البرّاق، لكن للأسف هم أنفسهم مستعبدون للخطية لأنهم مغلوبون منها، وكما يقول الرب "الحق الحق أقول لكم أن كل ما يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يو 8: 34). ولعلهم استخدموا هذه الكلمة العذبة "الحرية" التي من أجلها جاء الرب متجسدًا وتألم ومات وقبر وقام وصعد. هذا كله ليصعدنا معه كأبناء أحرار ورثة الملكوت. استخدموها في مفهوم خاطئ مثل:
1. التحرر من الناموس باستهتار، وقد عالج الأب ثيوناس هذا الأمر مع الأبوين يوحنا كاسيان وجرمانيوس علاجًا مستفيضًا يمكن الرجوع إليه. وكما يقول الأب يوحنا كاسيان للأب ثيوناس [الشخص الخاضع لشرائع الناموس، ولم يفوق مطالبها بعد، لا يقدر أن يصل إلى كمال الإنجيل، حتى ولو كان يفخر، في تهاونه، أنه مسيحي ومتحرر بنعمة الرب.]
2. التحرر من النظم والترتيبات التي وضعتها الكنيسة لأجل حياة أولادها.
3. التحرر بمعنى الفوضى في العبادة يفعل ما يشاء بلا إرشاد.
"لأنه إذا كانوا بعدها هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح، يرتبكون أيضًا فيها فينغلبون، فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل" [20].
إذ ينادون بربنا يسوع المسيح كمخلصٍ يعودون فيرتكبون الخطية مغلوبين منها، وبهذا يصيرون إلى حال أشر، وذلك كالمثال الذي ذكره الرب في إنجيل معلمنا لوقا البشير (11: 26)، إذ بعدما خرج الشيطان من إنسانٍ ولم يجد له مكانًا، عاد فوجد مسكنه الأول مكنوسًا مزينًاأ فاستصحب معه سبعة شياطين أشر منه.
وسر ما بلغ إليه حالهم في المرة الثانية هو...
1. أنه لم يعد لهم الجهل عذرًا (مت 12: 45).
2. من سقط وله معرفة لا يعود ينصت بعد إلى من يرشده أو يعظه.
3. السقوط بمعرفة يدفع الإنسان إلى اليأس.
"لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق البرّ، من أنهم بعد ما عرفوا يرتدّون عن الوصية المقدسة المسلمة إليهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق: كلب قد عاد إلى قيئه، وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحماة" [21-22].
وقد اقتبس الرسول هذا المثل عن سفر الأمثال "كما يعود الكلب إلى قيئه هكذا يعيد حماقته" (أم 26: 11). والمراغة هو مكان التمرغ، والحمأة هي الطين الأسود النتن الذي فيه تتمرغ الخنازير.
هكذا يعود هؤلاء بعدما سمعوا وتحدثوا عن الحرية التي في المسيح إلى حياة العبودية مرة أخرى بسبب شرهم، ويصيروا عبيدًا مهما ادعوا لأنفسهم أنهم سادة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [الإنسان الصالح وإن كان عبدًا فهو حر، أما الشرير فحتى إن كان ملك فهو عبد.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الثانى
هذا هو الإصحاح المتطابق مع رسالة يهوذا. والتكرار يفيد معنى التحذير من الإنسياق وراء المبتدعين فى الإيمان. فموضوع هذا الإصحاح هو عن ظهور المبتدعين وخطورتهم وأن دينونتهم أكيدة. وغالبا فالبدع التى يشير لها معلمنا بطرس الرسول فى هذا الإصحاح هى الناشئة عن فهم خاطىء لرسائل بولس الرسول كما قال فى الإصحاح الثالث (16،15:3) ولقد قال بولس الرسول مثلا فى تعاليمه أن هناك ما يسمى التبرير وأننا فى عهد الحرية، فأساء هؤلاء المبتدعون فهم أقوال بولس الرسول ونادوا بإنحلال خلقى معتمدين على أن المسيح بدمه يغفر أى خطية، وطالما أن هناك حرية فلنفعل ما نشاء. مع أن بولس أجاب على هذه النقاط فقال "فماذا نقول. أنبقى فى الخطية لكى تكثر النعمة. حاشا. نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها" (رو2،1:6)، "فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة. غير أنه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد..." (غل13:5).
ومن المبتدعين فى تلك الأيام مثلا النيقولاويين والغنوسيين، وهؤلاء وأولئك اباحوا الزنا.
الآيات (1-2):- "1 وَلكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا. 2 وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ. الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. "
كما يعمل الروح القدس فى الأنبياء الحقيقيين (2بط21:1)، لا يكف إبليس عن الخداع بأن يعمل فى أنبياء كذبة (أر14:14، 25:23). وبهذا حذر بولس الرسول أساقفة أفسس (اع30:20). وهدف إبليس تشويه الحق. بِدَعَ هَلاَكٍ = فتعاليم هؤلاء ضارة تقود للهلاك. وأساس هرطقاتهم وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ = أى يطعنون فى ألوهيته أو يشككون فى سلطته فيرفضون وصاياه. ويتبع إنحرافهم سقوطهم وراء شهواتهم.
بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ = إنتشرت أيام الرسل وبعدهم هرطقات تدعو للنجاسة كالنيقولاويين. وبسبب تعاليم هؤلاء الفاسدة جدف غير المؤمنين على المسيحية لأنهم ظنوا أن تعاليم هؤلاء الهراطقة هى تعاليم المسيحية. يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ = الرب يسوع المسيح إشتراهم من عبودية إبليس وعبودية الخطية، وبإرتدادهم للخطية هم ينكرون السيد الذى حررهم، وكأنه لم يبذل دمه لأجلهم ولأجل تحريرهم.
أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ = هم الذين يدعون علاقتهم المباشرة بالله وأن تعاليمهم مأخوذة بوحى منه، وهم فى هذا كاذبون.
مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ = هم هؤلاء الذين يروجون تعاليم الأنبياء الكذبة.
سَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ = الله ليس مطالب بأن ينحاز للأغلبية، بل كثيرين يُدْعَون وقليلين ينتخبون (مت16:20). وكان هناك ألاف أيام الطوفان ونجا فى الفلك ثمان أنفس فقط. وفى سدوم وعمورة هلك الجميع ونجا 4 أنفس فقط، ثم تحولت إمرأة لوط لعمود ملح بعد ذلك. فلا نضطرب إذا رأينا قليلون هم السائرون فى الطريق الصحيح. وفى هذه الآية نجد كثيرون يهلكون.
آية (3):- "3 وَهُمْ فِي الطَّمَعِ يَتَّجِرُونَ بِكُمْ بِأَقْوَال مُصَنَّعَةٍ، الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ مُنْذُ الْقَدِيمِ لاَ تَتَوَانَى، وَهَلاَكُهُمْ لاَ يَنْعَسُ. "
هُمْ فِي الطَّمَعِ = هم يطمعون ربما فى أموالهم. ولكن من سياق الحديث نفهم أنهم يطمعون فى شهوات الجسد. يَتَّجِرُونَ بِكُمْ بِأَقْوَال مُصَنَّعَةٍ = هم يحرفون أقوال الله ليقنعوا المؤمنين غير المتعمقين بأقوالهم وأرائهم النجسة. هم يستخدمون كلاما معسولا عن التبرير بالدم والحرية... الخ لإقناع الناس بأرائهم الفاسدة. لذلك فإن دينونتهم منذ القديم قائمة تنتظرهم.
وفيما يلى نرى دليل إدانة هؤلاء الخطاة.
آية (4):- "4 لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ،"
طَرَحَهُمْ = الله أدان الملائكة إذ أخطأوا، فمن المؤكد أنه سيدين هؤلاء الأشرار. وقوله طرحهم بصيغة الماضى فيه تأكيد للدينونة.
أَخْطَأُوا = إذا هم لم يخلقوا أشرارا، بل خلقوا أبرارا ثم سقطوا.
آية (5):- "5 وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ. "
الْعَالَمِ الْقَدِيمِ = ما قبل نوح والطوفان. نُوحًا ثَامِنًا = لأن نوح كان معه 7 آخرين، ولقد دخل الفلك آخرهم. كَارِزًا لِلْبِرِّ = بلسانه وحياته وببنائه للفلك. فبلسانه إذ كان يؤنب الخطاة على خطيتهم وبحياته إذ كان مثالا للطهارة. وفى بنائه الفلك كان مثالا عمليا لأقواله عن غضب الله على الخطاة وأنه سوف يغرق العالم بطوفان آت قريبا.
والله فى قداسته دان العالم الشرير أيام نوح، وأهلكه بالطوفان، ولم يشفع للعالم كثرة عددهم، بل خلص 8 أنفس فقط. فنفهم رفض الله للخطية، وعدم إنحيازه للأغلبية.
آية (6):- "6 وَإِذْ رَمَّدَ مَدِينَتَيْ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالانْقِلاَبِ، وَاضِعًا عِبْرَةً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يَفْجُرُوا،"
الله فى قداسته رفض خطية سدوم وعمورة وأحرقهما محولا إياهما إلى رماد = رمد. لأن أجرة الخطية موت.
الآيات (7-9):- "7 وَأَنْقَذَ لُوطًا الْبَارَّ، مَغْلُوبًا مِنْ سِيرَةِ الأَرْدِيَاءِ فِي الدَّعَارَةِ. 8 إِذْ كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ. 9 يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ،"
الله فى عقابه لسدوم وعمورة لم ينس لوط وأنقذه، كما أنقذ نوحا وأسرته من قبل أيام الطوفان. فالله لا ينسى أبناءه. إذاً على المؤمن أن يسلك فى جهاده بنقاوة كما سلك لوط البار ونوح القديس، ويثق فى المساندة الإلهية الجبارة حين يكون الوسط رديئا، فحيثما كثرت الخطية إزدادت النعمة جدا (رو20:5) لقد أنقذ الله لوط ونوح فى حين أهلك معاصروهم الأشرار.
الأَرْدِيَاءِ = فى أصلها اللغوى الذين يعيشون بلا قانون متحللون من كل شرع أى الفاجرون. مَغْلُوبًا مِنْ سِيرَةِ الأَرْدِيَاءِ = أى يحيا فى ألم وغيظ وبنفسية مرة فى وسط هؤلاء الأردياء. كلمة مغلوبا تعنى مغتاظا وفى ألم ومحنة.
سؤال:- ما الذى جعل لوط يحيا فى هذا الألم؟! ألم يكن من الأسهل أن يغادر المكان ويريح نفسه من هذا الألم؟! الإجابة... أنه هو إختار هذا المكان الجيد الخصب وترك الأرض غير الجيدة لإبراهيم. فهو كان لا يريد أن يفقد هذه الأرض الجيدة وربما أن إمرأته وبناته تعلقوا بهذه الأرض الجيدة ورفضوا مغادرتها. وهذا ما نفهمه من قصة تحول إمرأة لوط لعمود ملح، فهى كانت تنظر لهذه الأرض بشهوة أو فى حسرة لتركها. يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ = كما أنقذ لوطا ونوحا فالله قادر دائما أن ينقذ أتقياءه وهو يعلم كيف ينقذهم من وسط الآتون.
الآيات (10-11):- "10 وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الْجَسَدِ فِي شَهْوَةِ النَّجَاسَةِ، وَيَسْتَهِينُونَ بِالسِّيَادَةِ. جَسُورُونَ، مُعْجِبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، لاَ يَرْتَعِبُونَ أَنْ يَفْتَرُوا عَلَى ذَوِي الأَمْجَادِ، 11 حَيْثُ مَلاَئِكَةٌ وَهُمْ أَعْظَمُ قُوَّةً وَقُدْرَةً لاَ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِمْ لَدَى الرَّبِّ حُكْمَ افْتِرَاءٍ. "
هى تكملة آية 9 التى قال فيها... ويحفظ الأثمة. معاقبين ويكمل هكذا.... وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الْجَسَدِ = أى منساقين وراء شهواتهم الفاسدة. هؤلاء هم من أساءوا فهم الحرية والنعمة والدم الغافر فعلموا ان من يؤمن ، فهو مهما أخطأ فدم المسيح يغفر له. ونلاحظ أن الله لم يخلق الجسد فاسدا، بل خلقه فى أحسن صورة ولما خلق آدم وجد أن كل شىء حسن جدا (تك31:1). وكان لآدم شهوة مقدسة، أى أنه كان يحب الله، ومحبته لله جعلته فى فرح، إذ كان فى جنة عدن، وعدْن = كلمة عبرية تعنى فرح وإبتهاج. ولما سقط آدم تشوهت شهوته، فصار يشتهى العالم (مال ومراكز وجنس وسلطة...) فصار يحيا فى غم. وكل من ذهب وراء شهواته قيل عنه أنه ذهب وراء الجسد، فالجسد صار الأداة التى تحقق الشهوات الفاسدة.
والمسيح بعد الفداء صعد إلى السماء وأرسل لنا الروح القدس الذى حل علينا ليصلح الوضع، فسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5) وبهذا تقدست شهواتنا، ورجعنا للحالة الفردوسية الأولى أى الفرح، لذلك نجد أن ثمار الروح القدس هى محبة فرح سلام (غل22:5).
فمن يسلك بالروح هو الذى تخضع روحه للروح القدس، فيقود الروح القدس الروح الإنسانية، والروح الإنسانية تقود الجسد فيتجه الإنسان للسماويات وكلما ينمو الإنسان فى النعمة، ويخضع للروح القدس الذى يسكب محبة الله فيه تتقدس شهواته ويقول مع بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح.." (فى23:1). والعكس فالإنسان الشهوانى الجسدانى الذى قال الرسول عنهم هنا.... يذهبون وراء الجسد، هذا الإنسان غير خاضع للروح القدس بل يعاند الروح القدس ويقاومه، وشهواته فقط هى التى تقود جسده.
وهؤلاء قال عنهم أنهم يَسْتَهِينُونَ بِالسِّيَادَةِ.= وجاءت كلمة السيادة فى ترجمات أخرى (Government بمعنى حكومة أو توجيه أو سيطرة) أو (من لهم السلطة Authority). والمقصود الرياسات الكنسية. فهؤلاء الجسدانيون يستهينون بالرياسات الكنسية ويهاجمونهم ويدينونهم ويتكلمون عليهم، والهدف من وراء ذلك هو الهجوم على الإيمان الصحيح والمعتقدات الصحيحة التى ينادى بها الرياسات الكنسية. فلهدم الإيمان الصحيح، هم يهاجمون الرياسات الكنسية ويعلمون الناس الإستهانة بهم لترويج معتقداتهم الفاسدة. هم حينما علموا تعاليمهم بإستحالة هلاك المؤمن مهما أخطأ ، هاجمتهم الكنيسة ، فما كان منهم إلا انهم سخروا من الرياسات. وما السبب وراء كل ذلك = هم مُعْجِبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ = هم متكبرون معجبون بأفكارهم، لا يقبلون الخضوع لما تسلمته الكنيسة جيلا بعد جيلا، بل هم لاَ يَرْتَعِبُونَ أَنْ يَفْتَرُوا عَلَى ذَوِي الأَمْجَادِ (ترجمت Glorious ones وترجمت Dignities أى أصحاب المناصب) . فهذه الرياسات الكنسية والمناصب الكنسية لهم قطعا أمجاد فهم خدام الله. وهؤلاء الأشرار لم يقتدوا بالملاك ميخائيل الذى لم ينتهر الشيطان بنفسه، بل ترك الحكم والدينونة لله بالرغم من ثبوت خطية الشيطان.
(شرح هذه النقطة فى رسالة يهوذا). والملائكة فى هذا يطبقون قول السيد المسيح حرفيا " لا تدينوا " فإذا كان الملائكة وهم أعظم قوة وقطعا أكثر طهارة وبر ومعرفة، لا يدينوا الرياسات الكنسية = لا يقدمون عليهم لدى الرب حكم إفتراء، فكيف يجرؤ هؤلاء على هذا.
حقا إن وراء كل هرطقة ، كبرياء أو إعجاب بالذات.
آية (12):- "12 أَمَّا هؤُلاَءِ فَكَحَيَوَانَاتٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ، طَبِيعِيَّةٍ، مَوْلُودَةٍ لِلصَّيْدِ وَالْهَلاَكِ، يَفْتَرُونَ عَلَى مَا يَجْهَلُونَ، فَسَيَهْلِكُونَ فِي فَسَادِهِمْ. "
فَكَحَيَوَانَاتٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ = أى يسلكون بحسب غريزتهم الطبيعية أى شهواتهم، دون أدنى محاولة للتسامى أو الضبط لهذه الشهوات، بل هم مندفعون وراء شهواتهم.
يَفْتَرُونَ عَلَى مَا يَجْهَلُونَ = المبتدعين ليس فقط يجهلون الأمور بل يجهلون أن من يهاجمونهم لهم هذا المجد عند الله، لذلك هم فى تجاسر يفترون مقاومين الحق. وهؤلاء سبب هلاكهم ليس خارجا عنهم بل هم سَيَهْلِكُونَ فِي فَسَادِهِمْ = أى هم أسلموا أنفسهم بأنفسهم للهلاك، هم صاروا كالحيوان الذى يدخل المصيدة برجليه (هم يضعون للحيوان قطعة لحم فى المصيدة ليصطادوه، لأنه سيدخل بدافع شهوته وراء اللحم، لكن دخوله سيكون لهلاكه) وهؤلاء إنجذبوا وراء شهوتهم كما إنجذب الحيوان وراء اللحم، ولكن هم ذاهبون وراء هلاكهم. مَوْلُودَةٍ لِلصَّيْدِ = هم يهلكون لأن عقولهم تسحبها الشهوات كما تسحب الخيول الجامحة راكبيها. أما الإنسان فقد خلق الله له عقلا ليفكر ويعيش مع الله، العقل يعينه فى أن تكون له علاقة مع الله.
آية (13):- "13 آخِذِينَ أُجْرَةَ الإِثْمِ. الَّذِينَ يَحْسِبُونَ تَنَعُّمَ يَوْمٍ لَذَّةً. أَدْنَاسٌ وَعُيُوبٌ، يَتَنَعَّمُونَ فِي غُرُورِهِمْ صَانِعِينَ وَلاَئِمَ مَعَكُمْ. "
آخِذِينَ أُجْرَةَ الإِثْمِ = أجرة الخطية موت، وهؤلاء سيهلكون فى فسادهم.
الَّذِينَ يَحْسِبُونَ تَنَعُّمَ يَوْمٍ لَذَّةً = هم يفرحون بلذة مؤقتة يحسبونها نصيبهم متجاهلين السعادة الأبدية الدائمة. والمقصود بيَوْمٍ = قصر عمر اللذة.
أَدْنَاسٌ = هم أدناس فى ذواتهم. وَعُيُوبٌ = أصلها اللغوى نقط سوداء فهم فى حقيقتهم شىء مشوه. وهم يتصرفون بخداع كإبليس = صَانِعِينَ وَلاَئِمَ مَعَكُمْ = كانت الكنيسة تقيم بعد القداسات ولائم محبة، وهؤلاء قلدوا الكنيسة بإقامة ولائم لخداع الناس بأنهم أعضاء فى الكنيسة.
آية (14):- "14 لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا، لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، خَادِعُونَ النُّفُوسَ غَيْرَ الثَّابِتَةِ. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ. أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ. "
لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا = تشير لمن يبحث دائما عن إمرأة ليزنى معها، فمن يستهين بكل شىء ويعيش فى إباحية تصير عيناه مملوءة فسقا أى زنا ويفقد البساطة، وتصير عيناه مظلمتين لا تريان إلا ما هو شر = لاَ تَكُفُّ عَنِ الْخَطِيَّةِ. خَادِعُونَ النُّفُوسَ = بألفاظ منمقة تسمى الخطية حرية. ولكن لا ينخدع بهم سوى النفوس غير الثابتة. لَهُمْ قَلْبٌ مُتَدَرِّبٌ فِي الطَّمَعِ = قلب لا يشبع من الشهوات، ويطمع حتى فى إمرأة أخيه. وقد تعنى أيضا الطمع فى المال، ولكن سياق الكلام يشير للطمع فى شهوات الجسد.
أَوْلاَدُ اللَّعْنَةِ = إذ هم يسعون وراء إنحراف الناس عن إيمانهم البسيط.
الآيات (15-16):- "15 قَدْ تَرَكُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، فَضَلُّوا، تَابِعِينَ طَرِيقَ بَلْعَامَ بْنِ بَصُورَ الَّذِي أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ. 16 وَلكِنَّهُ حَصَلَ عَلَى تَوْبِيخِ تَعَدِّيهِ، إِذْ مَنَعَ حَمَاقَةَ النَّبِيِّ حِمَارٌ أَعْجَمُ نَاطِقًا بِصَوْتِ إِنْسَانٍ. "
بَلْعَامَ بْنِ بَصُورَ = بَصُورَ هى القراءة الكلدانية للإسم العبرانى بعور، فاليهود ينطقونه بعور. وربما قصد الرسول إستخدام الإسم بالكلدانية إذ أن بصور تعنى جسد، وكانت مشورة بلعام خاصة بإسقاط شعب إسرائيل فى خطية الزنا مع بنات موآب حتى يلعنهم الله ويغضب عليهم، وحصل على أجرة فى مقابل مشورته هذه = أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ إذا قوله بَلْعَامَ بْنِ بَصُورَ (جسد) تعنى هؤلاء السائرين وراء الجسد (آية 10) هؤلاء الشهوانيون كانوا فى الطريق المستقيم يوما ما، لكنهم إنحرفوا وراء شهواتهم الجسدية التى أغلقت عقولهم، كما إنغلق عقل بلعام فوبخه حمار. راجع قصة بلعام فى سفر العدد (22-25). وإشارة الرسول لأن حمار بلعام قد نطق تعنى أن هؤلاء الشهوانيون سقطوا من درجة فهمهم للأمور إلى درجة أقل من هذا الحمار
آية (17):- "17 هؤُلاَءِ هُمْ آبَارٌ بِلاَ مَاءٍ، غُيُومٌ يَسُوقُهَا النَّوْءُ. الَّذِينَ قَدْ حُفِظَ لَهُمْ قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَدِ. "
هذه اللذات الجسدية مخادعة، قد تبدو لمن هم من خارج أنها مشبعة، وأنها مغرية وأنها وأنها... ولكن حين يسقط فيها الإنسان تتحول حياته لمرار. لذلك شبه الرسول هذا بقوله عمن يدعو لهذه الشهوات الجسدية بأنهم هُمْ آبَارٌ بِلاَ مَاءٍ = لهم مظهر خارجى مخادع، أو يدعون أن ما يدعون الناس له هو مصدر سعادة لهم، لكن من يأتى لهذه الخطايا يكون كظمآن أتى لبئر لا يجد فيها ماء، فهو لن يجد فيها سعادة أو فرح إطلاقا، ربما سيجد لذة لحظة، لكن سيعقبها حزن وتعاسة بقية العمر. وبنفس المعنى يقول تشبيه آخر غُيُومٌ يَسُوقُهَا النَّوْءُ = هى غيوم يفرح بها الفلاح الذى ينتظر المطر، لكن سرعان ما تحملها الرياح دون أن تمطر، فهى بلا خير، بل هى تمنع نور الشمس.
وسينكشف حقيقة هؤلاء فى الأبدية حيث حُفِظَ لَهُمْ قَتَامُ الظَّلاَمِ ، خلاصة هذه الآية أن هؤلاء فى حقيقتهم ما هم إلا مخادعون، يدعون الناس لما يصورونه للناس ان فيه شبعهم وسعادتهم (أى الخطية) ولكن حين ينفذ الناس ما يقولونه لهم لا يشعرون بسعادة أو بشبع. هم إذا أبار بلا ماء...
آية (18):- "18 لأَنَّهُمْ إِذْ يَنْطِقُونَ بِعَظَائِمِ الْبُطْلِ، يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ فِي الدَّعَارَةِ، مَنْ هَرَبَ قَلِيلاً مِنَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الضَّلاَلِ،"
هنا تشبيه آخر أو وصف آخر لخداعهم، فهم يَنْطِقُونَ بِعَظَائِمِ الْبُطْلِ كلمة عظائم فى اليونانية تشير إلى شىء يبدو أكبر مما هو فى الواقع. وفى الحقيقة فإن ما ينطقون به هو باطل وفراغ كاذب، فوراء مظهرهم الذى يشير للمعرفة لا يوجد شبع للناس ولا سعادة، أى لا جوهر حقيقى. يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ = هم يعلمون سامعيهم أن يشبعوا رغائب الجسد غير المقدسة. هم يدعون فى كبرياء أنهم ذوو معرفة وحكمة.
يقدمون أمالا عظيمة وكلمات براقة عن الحرية التى أعطاها لنا العهد الجديد. وفى الحقيقة فكل فلسفتهم هى إنقياد وراء شهواتهم الباطلة.
ولكن من الذى ينساق وراءهم؟ مَنْ هَرَبَ قَلِيلاً مِنَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الضَّلاَلِ = أى حديثى الإيمان الذين هربوا من الوثنية عن قريب، هؤلاء كانوا ما زالوا لم يعرفوا المسيح ويختبروه حقيقة. هم كانوا مازالوا فى سطحية الإيمان لم يدخلوا إلى العمق. لذلك قال المسيح "ادخلوا إلى العمق" (لو4:5).
والعمق هو عمق المعرفة والحب والإتحاد الحقيقى مع المسيح والثبات فيه.
أما هؤلاء السطحيين حينما يسمعون دعوة المعلمين الكذبة بالحرية المزيفة يصدقونهم غير عالمين أن هذا هو عين العبودية، وهكذا بعد أن إختبر احد الهروب من نجاسة العالم بمعرفة الرب المخلصة إرتبك فيها من جديد وإنغلب من شهوته. وفى هذا النص نرى إمكانية إرتداد المؤمن وهلاكه بعد أن إختبر المسيح ونعمته. لذلك علينا أن نجتهد ونسلك بأمانة وحرص وندخل بجهادنا إلى العمق لنخلص.
آية (19):- "19 وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ. لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا! "
الْحُرِّيَّةِ فى مفهوم هؤلاء هى تحرر من الناموس وسلطانه، ما دامت النعمة تغفر، ولكن هذه ليست حرية بل عبودية للشهوة والخطية. كلمة الحرية التى يستخدمها هؤلاء هى كلمة براقة تخدع المبتدئين. وكما قال السيد المسيح "كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يو34:8)، والقديس بولس الرسول قال "فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة. غير أنه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد" (غل13:5)، ومن ضمن الحريات الكاذبة الدعوة للتحرر من الترتيبات الكنسية كالأصوام والإعتراف.
الآيات (20-22):- "20 لأَنَّهُ إِذَا كَانُوا، بَعْدَمَا هَرَبُوا مِنْ نَجَاسَاتِ الْعَالَمِ، بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يَرْتَبِكُونَ أَيْضًا فِيهَا، فَيَنْغَلِبُونَ، فَقَدْ صَارَتْ لَهُمُ الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ. 21 لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ، مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا، يَرْتَدُّونَ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُسَلَّمَةِ لَهُمْ. 22 قَدْ أَصَابَهُمْ مَا فِي الْمَثَلِ الصَّادِقِ:«كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ»، وَ«خِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ»."
لأَنَّهُ إِذَا كَانُوا = يقصد الذين وقعوا فى فخاع العدو بَعْدَمَا هَرَبُوا = أى بعد ما آمنوا وصار لهم المسيح مخلصا وأعطاهم حياة جديدة إرتدوا للنجاسات الأولى.... فَقَدْ صَارَتْ لَهُمُ الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ... لماذا؟
1. بعد أن عرفوا المسيح وآمنوا وتابوا وإعتمدوا وعرفوا الحياة الطاهرة، تصير خطيتهم أكبر بسبب معرفتهم، أما خطاياهم قبل الإيمان فكانت عن جهل. وقد يكون لهم عذر فيها لجهلهم، أما بعد إيمانهم فخطيتهم أصبحت تعدى.
2. جحودهم لما حصلوا عليه من نعمة ومواهب.
3. بعد أن إعتمدوا وخرج منهم الروح الشرير، إذ إرتدوا يعود لهم ومعه سبعة أرواح آخرين أشر منه (مت45:12) + (لو26:11).
4. من سقط وله معرفة لا يعود ينصت بعد إلى من يرشده أو يعظه.
الْوَصِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُسَلَّمَةِ لَهُمْ = فى الناموس وبتعليم الرسل، وبالروح القدس الذى كتبها على قلوبهم (أر33:31).
الْمَثَلِ الصَّادِقِ = إقتبس القديس بطرس هذا المثل من (أم11:26) وَخِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ = ربما كان هذا مثلا منتشرا أيام الرسول، أو هو إضافة من عنده. والمراغة هى مكان التمرغ. والحمأة هى الطين الأسود الذى تتمرغ فيه الخنازير ، فتفسد نظافتها بعد ما اغتسلت.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني
المعلمين الكذبة
(1) ظهور المعلمين الكذبة ( ع 1 - 3 ) :
ع 1 : يذكرهم بطرس الرسول بالأنبياء الكذبة الذين كانوا يضلون الملوك والشعب في العهد القديم حتى لا يسمعوا كلام أنبياء الله كما حدث في أيام آخاب الملك ( 1مل 22 : 22 ) . كذلك الآن يوجد معلمون كذبة ينادون بالبدع التي يرفضون بها لاهوت المسيح الذي اشترانا بدمه ، فتبعدهم هم ومن يتبعهم عن الخلاص ولا ينتظرهم إلا العذاب الأبدي .
ع 2 : هؤلاء المعلمون الكذبة يدَّعون أنهم مسيحيون مع أنَّ عقيدتهم خاطئة فيضلون كثيرين من الشعب ويقودونهم للهلاك ، وبسبب هذه البدع يشوشون أفكار الوثنيين عن المسيحية فيتكلمون كلاماً ردياً عنها .
ع 3 : هم يتاجرون بالنفوس مستهينين بالدم الكريم الذي سُفِكَ من أجلها ، ويخدعون قلوب البسطاء بالكلام الطيب والقول الليِّن المخادع ؛ لذا فالدينونة تتعقب هؤلاء وهلاكهم لا يتوانى ولا يغفل .
+ كن مدققاً فيما تسمعه أو تقرأه ، فإن وجدته مختلفاً عما تعلمته في الكنيسة فاحترس واسأل أب إعترافك حتى لا تضلّ بتعاليم غريبة تشبه التعاليم الصحيحة .
(2) معاقبة الأشرار ( ع 4 - 9 ) :
ع 4 : يوضح الرسول عدل الله الذي يعاقب المُصِرّيين على شرهم مثل المعلمين الكذبة . ويعطي ثلاثة أمثلة لعدله :0
المثال الأول : عقابه قديماً للملائكة الذين تكبروا فسقطوا وحكم عليهم بالعذاب الأبدي ، فقيَّدهم ومنعهم من الرجوع إلى رتبتهم الأولى وتمتعهم بعِشرته وهم ينتظرون الآن عذابهم الأبدي . فإن كانت رحمته لم تمنع عدله مع الملائكة الساقطين فإنها لا تمنع أيضاً معاقبته للهراطقة .
سلاسل الظلم : قيود خطيتهم التي تمنعهم من التمتع بعِشرة الله . جهنم : مكان إنتظار الأشرار ولكن يمكنهم محاربة البشر بسماح من الله . محروسين : منتظرين ومقيدين لا يتمتعون بمعاينة الله حتى يأتي يوم الدينونة . القضاء : يوم الدينونة الذي ينقلهم إلى العذاب الأبدي .
ع 5 : المثال الثاني لعدل الله : هو عدم إشفاقه على العالم القديم أيام نوح ، الذي كرز للبر ولم يستجيبوا له ، فجلب الله عليهم طوفاناً بسبب فجورهم ، إلا أنه حفظ نوح الذي كان واحداً من ثمانية أشخاص نجوا من الطوفان وهم هو وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم .
ع 6 : المثال الثالث لعدل الله : هو حكمه على مدينتي سدوم وعمورة بالخراب لأنَّ شرهم قد زاد وامتلأت كأس آثامهم ، فَحَوَّلهما إلى رماد جاعلاً منهما عبرة لكل من يعيش حياة فاجرة في كل جيل ويتمادى في الشر دون أن يتوب .
ع 7 : إلى جانب عدل الله تظهر رحمته في اهتمامه بأولاده ، فلم ينسى لوط وابنتيه لأنه لم يندمج مع الأشرار في نجاساتهم بل كان متضايقاً جداً من سلوك هؤلاء الأشرار .
ع 8 : فإذ كان لوط ساكناً بينهم وهو رجل بار كانت نفسه تتألم كل يوم بسبب الإنحرافات المشينة في سلوكهم التي كان يراها ويسمع بها .
ع 9 : يستنتج من الآيات السابقة أنَّ الله قادر على إنقاذ أولاده الأبرار من ضيقات الحياة ويحفظهم في إيمانهم المستقيم ، أما الأشرار فيضعهم في جهنم مكان إنتظار الأشرار إلى يوم الدينونة ليدخلوا إلى العذاب الأبدي . فالله كامل في رحمته لأولاده وعدله مع الأشرار .
+ لا تستهن بطول أناة الله ورحمته فتتمادى في خطاياك بل استغلها بالتوبة والإبتعاد عن مصادر الشر ، فمحاولات توبتك غالية جداً في عينيّ الله مهما كان ضعفك وهو مستعد أن يسندك بل يرفع في النهاية خطاياك عنك .
(3) صفات المعلمين الكذبة ( ع 10 - 22 ) :
ع 10 : السيادة : السيد المسيح والسلطان الكنسي الممثل في الرسل وخلفائهم الأساقفة . ذوي الأمجاد : الملائكة . يعلن الرسول أنَّ عقاب الله شديد للمعلمين الكذبة الذين لهم صفات شريرة أهمها :0
1- النجاسة : بالإنسياق في شهوات الجسد والإنحرافات الجنسية الشريرة .
2- الكبرياء : فيتطاولون بالبدع على المسيح نفسه وعلى الكنيسة ورعاتها ومعلميها ، منادين بأفكار غريبة ولهم جرأة في الفجور والشر ويفتخرون بكبريائهم لدرجة تطاولهم بالكلام الردئ على الملائكة .
ع 11 : يظهر بر الملائكة في عدم إدانتهم للشياطين أو لهؤلاء الهراطقة إذ يتركون الدينونة لله ، فينبغي علينا أن نقتدي بهم .
ع 12 : 3- الجهل : يُشَبِّههم بالحيوانات غير العاقلة المفترسة المخلوقة ليصطادها الناس ويقتلوها ، إذ أنَّ هؤلاء المعلمين الكذبة قد انحطّوا إلى مرتبة أدنى من الحيوانات بدلاً من أن يحافظوا على كرامتهم الإنسانية العاقلة . وهؤلاء بالرغم من جهلهم بالملائكة يبتدعون أحكاماً وافتراءات على ما يجهلون ، فكما تهلك الحيوانات غير العاقلة يهلكون هم أيضاً مثلها ، وسبب هلاكهم ليس خارجاً عنهم بل هو فسادهم .
ع 13 : 4- التلذذ بالشهوات : ينشغل المعلمون الكذبة بالشهوات المادية فيتلذذون بها مع أنها مؤقتة ويعقبها عقاب أبدي ، ويتصفون أيضاً بصفات ردية كثيرة مثل الغرور .
5- الرياء : يتظاهرون بالتقوى فيشتركون في ولائم المحبة مع أعضاء الكنيسة ويحاولون إعثارهم بأفكارهم الخاطئة .
ع 14 : 6- النظرة الشريرة : لأنَّ قلوبهم مملوءة نجاسة ، فعيونهم تنظر باحثة عن الدنس فهي عيون زانية .
7- الخداع : لا يكتفون بفعل الشر ، بل يحاولون التأثير على البسطاء غير الثابتين لخداعهم وتضليلهم .
8- الطمع : ساقطون في حب التملك والإنهماك في الشهوات بكل قلوبهم . وإذ يتصفون بهذه الصفات الردية ، يأتي عليهم عقاب الله ولعناته والهلاك الأبدي .
ع 15 : 9- محبة المال : كان هؤلاء المعلمون الكذبة أعضاء في الكنيسة يسلكون باستقامة ولكنهم أحبوا شهواتهم وانحرافاتهم ، فطلبوا الماديات مثل بلعام النبي الذي أحب المكسب المادي فأعثر بني إسرائيل ليبتعدوا عن الله فيهزمهم أعداؤهم ( عدد 22 - 25 ) .
ع 16 : يظهر جهل المعلمين الكذبة مثل بلعام ، الذي نبهه للرجوع عن شره حماره الذي نطق بصوت إنسان ليوبخه ( عدد 22 : 28 - 30 ) .
ع 17 : النوء : الرياح الشديدة . قتام الظلام : الظلام الشديد . يؤكد رياء هؤلاء الأشرار فيشبههم بآبار يأتي إليها العطشان فلا يجد فيها ماء ، أو سحاب ينتظره الفلاح ليمطر ويسقي زرعه ولكن الرياح تبعده ولا يستفيد منه شيئاً . ويقرر ثانيةً أنه ينتظرهم بعد هذه الحياة الهلاك الأبدي الذي يُعَبَّر عنه بالظلمة الشديدة .
ع 18 : عظائم البطل : البدع والهرطقات .
10- تنوع العثرات : ينادون ببدع كثيرة ومن يرفضها من المؤمنين يحاولون إسقاطه في الشهوات النجسة والزنا حتى يبعدوه عن الله .
ع 19 : 11- الحرية المزيفة : يتوهمون أنَّ الإنغماس في الشهوات هو الحرية ، وفي تضليلهم للآخرين يعدونهم بهذه الحرية المزيفة ولكنها في الحقيقة عبودية للخطية . وإن كانوا مستعبدين للخطية فكيف يحرَّرون غيرهم ، إذ هم محتاجون أولاً للتوبة عن خطاياهم ليتحرروا بالحقيقة .
ع 20 : 12- العودة للخطية : لقد نال هؤلاء المعلمون الكذبة الطهارة عندما آمنوا بالمسيح وتركوا عنهم شهواتهم الشريرة السابقة ، ولكنهم عادوا إليها وانغمسوا بالأكثر فيها فتصير أواخر حياتهم أشرّ مما قبل إيمانهم ، لأنهم بعدما استنيروا رفضوا المسيح وفضَّلوا الشر .
ع 21 : إنَّ معرفتهم للحياة الجديدة في المسيح تدينهم . فلو لم يكونوا قد عرفوها فلهم بعض العذر ، أما الآن فدينونتهم أعظم .
ع 22 : يقتبس آية من سفر الأمثال ( ام 26 : 11 ) فيشبه المعلمين الكذبة بكلب يتقيأ ثم بعد تنظيفه يعود ثانية إلى قيئه ، فيظل متسخاً ولا يستطيع أحد الإقتراب منه لأجل رائحته ومنظره الكريه . ويشبههم أيضاً بالخنزير الذي يعود إلى طبعه السيئ بعد تنظيفه وهو التمرغ في الطين الأسود ، فيتسخ كل جسمه . هكذا فهؤلاء الأشرار يعودون إلى شرورهم كأنهم لا يعرفون المسيح ولا الحياة النقية التي فيه .
+ الله يقبل توبتك مهما كانت خطاياك ولكن لا تتهاون فتعود إلى مشجعات الخطية وتنسى كل البركات التي نلتها في الحياة مع الله ، وتذكر الدينونة والعذاب الأبدي الذي ينتظر الأشرار لتهرب من الخطية .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح