كلمة منفعة
كما يتأمل الجسد شكله في مرآة، ليطمئن على منظره، كذلك الروح لها مرايا كثيرة ترى بها شكلها، وتعرف حالتها كيف هي..
— تحطيم المرايا
رسالة بطرس الأولى 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة بطرس الاولى - الاصحاح رقم 3
رسالة بطرس الاولى
الإصحاح رقم 3
الأصحاح الثالث
علاقتنا العائلية في المسيح يسوع
1. وصايا زوجية
أولاً: خضوع المرأة للرجل 1.
ثانيًا: الاهتمام بالسيرة 2 - 6.
ثالثًا: علاقة الرجل بامرأته 7 - 8.
2. علاقة المسيحي بالمضايقين له 9 - 22.
1. وصايا زوجية
أولاً: خضوع المرأة للرجل
"كذلك أيتها النساء كن خاضعات لرجالكن حتى إن كان البعض لا يطيعون الكلمة يُربحون بسيرة النساء بدون كلمة. ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخوف" [1-2].
كانت الشريعة الرومانيّة تبيح للرجل أن يتسلط على زوجته وأولاده، كما على عبده وحيواناته. فلم يكن للنساء أي حق مما دفع بعضهن إلى الهروب. ولما جاءت المسيحية تنادي بالحب، ظن البعض أنها في مناداتها بالحب والحرية تحث النساء على العصيان، لهذا وجهت الكنيسة وصايا واضحة للنساء خاصة بخضوعهن لرجالهن.
يطلب الرسول من المؤمنات أن يخضعن لرجالهن حتى وإن كان البعض غير مطيعين للكلمة، فإنهم يسمعون كلمة الكرازة العملية خلال سيرة النساء الطاهرة المملوءة خوفًا وتقوي لله. فإن كان لا يليق بها أن تُعَلِّم رجلها لأنه رأسها، لكنها تقدر أن تكسبه للرب، وتجتذب قلبه إليه بخضوعها وسلوكها الحسن.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [المرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا نحوها... بالمحبة تزول كل مقاومة، فإن كان الرجل وثنيًا يقبل الإيمان سريعًا، وإن كان مسيحيًا يصير أفضل.]
والخضوع هنا ليس عن خوف منه بل "في الرب" (كو 3: 18)، إذ تستمده من خضوع الكنيسة لعريسها الرب يسوع (أف 5: 24). يقول القديس إكليمنضس السكندري:
[لقد قيل في الكتاب المقدس أن الله أعطى المرأة معينة للرجل. في رأيي أنه من الواضح أنها تقدر أن تقوم بعلاج جميع متاعب زوجها في تدبير خدمتها، وذلك خلال سلوكها الحسن وقدرتها.
فإن لم يخضع (متأثرًا بسلوكها) فإنها تسعى ما في استطاعتها أن تسلك في حياة طاهرة... آخذة في اعتبارها أن الله هو معينها والمساعد لها في سلوكها هذا، وأنه هو المدافع الحقيقي عنها، ومخلصها في هذه الحياة والحياة الأخرى.
لتأخذ الله قائدًا لها ومرشدًا لها في كل أعمالها، حاسبة الوقار والبرّ عملها، ناظرة إلى إحسانات الله غايتها.
بالنعمة يقول الرسول في رسالته إلى تيطس "كذلك العجائز في سيرة تليق بالقداسة غير ثالبات غير مُسْتَعْبَدات للخمر الكثير معلمات الصلاح. لكي ينصحن الحدثات أن يكن محبات لرجالهن ويُحْبِبْنَ أولادهن. متعقلات عفيفات ملازمات بيوتهن صالحات خاضعات لرجالهن لكي لا يُجدَّف على كلمة الله" (2: 3-5).]
ثانيًا: الاهتمام بالسيرة الحسنة
"لا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن" [3-4].
يُقرأ هذا النص في قداسات تذكار انتقال المتبتلين... وكأن الكنيسة تريد أن توجه كل نفس لتتزين لعريسها ربنا يسوع بالزينة الداخلية.
وكما تتزين النفس المؤمنة لعريسها، تتزين المرأة الزانية بزينة خارجية لعريسها: "متسربلة بأرجوان وقرمز، ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها، مملوء رجاسات ونجاسات زناها" (رؤ 17: 4).
لتتزين أيضًا النساء لرجالهن، ولكن ليَعْلَمْن أن الرجال قد يُعْجَبْن بالزينة الخارجية لكن إلى حين، أما ما يجذب قلوبهم بحق فهو زينتهن الداخلية، بل وتجذب قلب المسيح أيضًا قائلاً: "ها أنت جميلة يا حبيبتي هذا أنت جميلة. عينيك حمامتان..." (نش 1: 15).
لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[أتريدين أن تكوني جميلة؟ تسربلي بالصدقة. البسي العطف، توشحي بالعفة. كوني خالية من التشامخ. هذه كلها أوفر كرامة من الذهب. هذه تُصَيِّر الجميلة جزيلة البهاء وغير الجميلة جميلة.
عندما تُغالين في التزين أيتها المرأة تكونين أشنع من العارية لأنكِ خلعتِ حسن الجمال...
قولي لي لو أعطاك أحد ثوبًا ملكيًا فأخذتيه ولبستِ فوقه ثوب العبيد، أما يكون لك خزي يليه عذاب؟ قد لبستِ سيد الملائكة، أترجعين إلى الأرض؟
قولي لي لماذا تتزينين، هل لكي ترضي زوجك؟ افعلي هذا في منزلك!]
ويرى القديس إكليمنضس السكندري أن الزينة الحقيقية للمرأة ليست التي من عمل الآخرين، أي الزينة الخارجية، بل التي تَتعب هي بنفسها فيها أي زينة الروح المجاهدة إذ يقول:
[لأن عمل أيديهن يَهَب لهن جمالاً خالصًا أكثر من كل شيء، فيدرِّبْن أجسادهن ويزيِّن نفوسهن بمجهوداتهن وليس من عمل الغير.
المرأة الصالحة تنسج بيديها ما تريد. فإنه غير لائق بمن قد تشكَّلت بصورة الله أن تتزين بالأمور التي تباع في السوق، بل بعملها الداخلي.]
"فإنه هكذا كانت قديمًا النساء القديسات أيضًا، المتوكلات على الله يزين أنفسهن، خاضعات لرجالهن. كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها التي صرتن أولادها صانعات خيرًا، وغير خائفات خوفًا البتة" [5-6].
يضرب الرسول مثلاً بسارة زوجة أب المؤمنين، إذ كانت متزينة:
1. بالاتكال على الله، فلا تبالي بكلام الناس بل برضاء الله.
2. بالخضوع لرجلها، حيث كانت تدعو زوجها بمحبة "يا سيدي".
3. صانعة خير، أي مثابرة على ما هو لخلاص نفسها والاهتمام بمنزلها.
4. غير خائفة خوفًا البتة، لأن خضوعها لا عن خوف العبيد بل في حب زيجي.
ثالثًا: علاقة الرجل بامرأته
"كذلك أيها الرجال كونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائي كالأضعف، معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضًا معكم نعمة الحياة، لكي لا تعاق صلواتكم" [7].
يُحمَّل الرسول الرجال مسئولية عدم خضوع نسائهم، لأن التعامل معهن يحتاج إلى فطنة أي حكمة.
يقول القديس إكليمنضس الروماني: [لنوجه نساءنا إلى ما هو صالح حتى يظهرن شخصية طاهرة نُعْجَب بها، فيُظْهِرْن مشاعر التواضع الحقيقي.]
وقد عدَّد الرسول الأسباب التي تدفع الرجل إلى تكريم زوجته فقال:
1. أنهن آنية ضعيفة، يحتَجْن إلى ترفّق حتى لا يهلكن.
2 أنهن أعضاء لنا، والرأس لا يكون مقدسًا ما لم تكن الأعضاء مكرمة.
3. أنهن شريكات معنا في الميراث الأبدي، بلا تمييز بين رجل وامرأة.
4. لكي نحفظ سلام القلب والبيت، فتخرج صلواتنا مملوءة حبًا، بروح واحد لا يعوقها غضب (1تي 2: 8).
وأخيرًا بعدما تحدث الرسول عن العلاقات العائلية في المسيح يسوع قال:
"والنهاية كونوا جميعًا متحدي الرأي بحس واحد، ذوي محبة أخوية مشفقين لطفاء" [8].
"والنهاية" أي غاية هذه الوصايا جميعها أن يكون ليس فقط بين الزوجين، بل نود أن يكون الكل برأي واحد (في 1: 27) ومشاعر واحدة مملوءين حبًا أخويًا وحنوًا ولطفًا (في 2: 2).
هذه الوحدة طلبها الرب يسوع في صلاته الوداعية (يو 17: 21)، وأوصانا بها الرسول بولس قائلاً: "فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين" (رو 12: 15).
أما قوله "لطفاء" ففي الأصل اليوناني تعني أنها ناشئة عن التواضع أمام الله، وكان الرومان يحسبون اللطف عدم شهامة.
2. علاقة المسيحي بالمضايقين له
يصعب على الإنسان أن يحب مضايقيه لكن في المسيح يسهل ذلك لأنه:
1. وارث للبركة، لا يخرج إلاَّ ما هو للبركة:
"غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة، بل بالعكس مُبارِكين، عالمين إنكم لهذا دُعيتم لكي ترثوا بركة" [9].
هذه هي دعوتنا أن نرث البركة، لهذا لا يليق بنا أن نُخْرِج من داخلنا إلاَّ ما هو للبركة، فلا نقاوم الشر بالشر بل نغلبه بالخير (رو 12: 21). فلم يعد غريبًا عنا أن ننفذ وصية الرب "باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم" (مت 5: 44).
2. لكي يتدرب هنا على تذوق السلام
"لأنه من أراد أن يحب الحياة ويرى أيامًا صالحة، فليَكْفُفْ لسانه عن الشر، وشفتيه عن أن يتكلما بالمكر. ليُعْرِض عن الشر، وليصنع الخير، ليطلب السلام، ويجِدّ في أثره" [10-11].
هذا دافع آخر وهو أننا راحلون إلى أبديّة السلام. فنتدرب هنا على الأرض، كمن هم في مدرسة، على حياة السلام التي نحياها مع ملك السلام. فإذ نحب الحياة (الأبديّة) وأن نرى أيامًا صالحة ليس فيها شر، عربون للحياة الأخرى يليق بنا الآتي:
أ. نكْفُف لساننا عن الشر، أي نُعرِض عنه، كالعبد الذي يخاف سيده.
ب. نصنع الخير، كالأجير الذي ينتظر مكافأة.
ج. وأخيرًا نطلب السلام ونجدّ في أثره، ليس خوفًا ولا من أجل الأجرة، لكن كأبناء لملك السلام لا نحيا ولا نريد إلاَّ أن نتذوق السلام!
يقول القديس دوروثيؤس:
[لقد عبَّر النبي داود عن هذا التسلسل في قوله التالي: "حد عن الشر واصنع الخير. اطلب السلامة واسعَ وراءها" (مز 34: 14). "حد عن الشر"، أي تجنب الشر كله بصفة عامة. اهرب من كل عمل يدفعك نحو الخطية. لكن النبي لم يقف عند هذا الحد، بل أضاف قائلاً: "واصنع الخير"، لأنه أحيانًا لا يصنع إنسان شرًا ولكنه لا يصنع أيضًا خيرًا... وإذ قال داود هذا أكمل: "اطلب السلامة واسعَ وراءها". إنه لم يقل فقط "اطلب" بل "اسعَ وراءها" أي مجاهدًا لنوالها.
فكر في هذه الكلمات بتدقيق، ولاحظ الدقة التي أظهرها القديس. فعندما يوهَب للإنسان أن يَحِدْ عن الشر، وبعون الله يجاهد لكي يصنع الخير، يمكنه أن يكون فريسة وموضوع هجوم العدو. لذلك عليه أن يتعب ويجاهد ويحزن، مرة كعبد بدافع الخوف حتى لا يرتد إلى الشر مرة أخرى، ومرة كأجير طالبًا المكافأة عن صنع الخير... ولكن عندما يتقبل معونة الله ويحصل على عادة معينة في صنع الخير، عندئذ يجد راحة (في صنع الخير) ويتذوق السلامة. عندئذ يختبر ماذا تعني تلك المعركة المحزنة، وما هو معنى فرح السلامة وسعادتها، عندئذ "يطلب السلامة" ويجاهد مثابرًا في داخله.]
يقول القديس أغسطينوس: [إنه سيكون لنا السلامة الكاملة عندما تلتصق طبيعتنا دون أن تنفصل عن خالقها، فلا يكون لنا في أنفسنا ما يضاد أنفسنا.]
إذن بترك الشر وصنع الخير تصير لنا السلامة، وهذا هو تدريبنا على الأرض.
3. لكي يرضي الرب
"لأن عيني الرب على الأبرار، وأذنيه إلى طلبتهم، ولكن وجه الرب ضد فاعلي الشر" [12].
وهنا لا يقصد الرسول أن الله لا ينظر إلى الأشرار أو يختفي حديثهم عن أذنيه، لكنه يقصد بالنظر والسمع الاستجابة لهم. غاية المؤمن أن يكون موضوع رضا الرب وسروره. فليس بالكثير عليه أن يقابل الشر بالخير، ويحب مضايقيه مادام هذا يرضي الرب.
4. لأنه لا يقدر أحد أن يؤذيه
يدرك المؤمن هذه الحقيقة، أنه لا يقدر أحد من البشر ولا تستطيع الأحوال مهما قست والضيقات مهما اشتدت أن تؤذي نفسه، ما لم يؤذِ الإنسان نفسه بنفسه، بتركه صنع الخير. لهذا لا يضطرب من أحدٍ، بل يحب حتى الذي يريد قتله، متأكدًا أنه لا يقدر أن يحرمه من صنع الخير، وبالتالي كلما اشتدت الآلام حوله تزايدت أكاليله.
"فمن يؤذيكم إن كنتم متمثلين بالخير. ولكن إن تألمتم من أجل البرّ فطوباكم" [13].
كتب القديس يوحنا الذهبي الفم كتابًا عنوانه "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان نفسه" كشف فيه أنه لا يقدر شيطان أو ظلم أو مرض أو موت أو فقر أن يؤذي أحدًا ما لم يؤذ الإنسان نفسه بصنع الشر، بل بالعكس نجد الآلام طَوَّبَت أيوب، والفقر أفاد لعازر، والرياح والأمطار أكدت ثبوت البيت المبني على الصخر (مت 7: 24).
إن الحاسد لا يؤذي من يحسده بل يؤذي نفسه، والظالم يقتل نفسه ولا يهلك من يظلمه. وهكذا فإن الألم لا يجلب ضررًا، بل تطويبًا لمن يحتمله من أجل البر.
5. تعطي فرصة للكرازة
"وأما خوفهم فلا تخافوه ولا تضطربوا. بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم، مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعة وخوف" [14-15].
اقتبس الرسول هذا القول عن إشعياء النبي (8: 12-13). يطالب الرسول المؤمن ألا يخاف ممن يضايقونه ولا يضطرب منهم. والدافع لهذا هو تقديس الرب الإله في القلب. لأن من يقدس الرب الإله في قلبه لا يخاف البشر بل الله. ومن يخاف الله دون البشر يكون بهذا مُقَدِّسًا الرب في قلبه... وهذا خير كرازة وشهادة عملية للرب، وإجابة حقة لمن يسأله عن سبب الرجاء الذي فيه، محتملاً المضايقة بوداعة ومخافة الرب.
هكذا يَشْتَّمونَ رائحة المسيح الذكية في سيرة المؤمن الصالحة عندما يُفترى عليه ظلمًا، فيحتمل بضميرٍ صالح بغير رغبة في الانتقام، ولكن حبًا في خلاص الكل.
"ولكم ضمير صالح لكي يكون الذين يَشْتُمُون سيرتكم الصالحة في المسيح يُخْزَوْن في ما يفترون عليكم كفاعلي شر" [16].
لقد شهد فستوس وأغريباس عن بولس قائلين: "إن هذا الإنسان ليس يفعل شيئًا يستحق الموت أو القيود" (أع 26: 31).
وبقدر ما ازدادت الإضطهادات على المسيحيين كانوا يجتذبون المضطهِدين أنفسهم خلال احتمالهم الاضطهاد بفرح وشكر.
يقول الشهيد بوستينوس: [ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تُقْطَع رؤوسنا ونُصْلَب ونُلْقَى إلى الوحوش ونُقَيَّد بسلاسل ونُلقى في النار وكل أنواع التعذيب أننا لا نترك إيماننا، بل بقدر ما نُعاقَب بهذه الضيقات ينضم مسيحيون أكثر إلى إيماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح.]
6. إقتداء بالرب يسوع
"لأن تألمكم إن شاءت مشيئة الله وأنتم صانعون خيرًا أفضل منه وأنتم صانعون شرًا. فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الآثمة لكي يُقَرِّبنا إلى الله، مماتًا في الجسد، ولكن محيي في الروح" [17-18].
يتدرب المسيحي على حياة الاحتمال والحب للمضايقين على يدي مُدرِّبه الرب يسوع المتألم. فمنه وبه ينال قوة داخلية لقبول الألم بشكر. بحسب المنطق البشري حينما يتألم الإنسان من أجل ذنب اقترفه يجد ما يعزيه أنه مستوجب لهذا الألم. أما فكر ربنا يسوع فهو منطق الحب الإلهي أنه يليق بنا بالحري أن نفرح عندما نتألم ظلمًا. إذ يكون مبعثها الحب وهذه "تُنْشِيءْ أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا" (2كو 4: 17).
تألم الرب بالجسد مرة واحدة. احتمل أجرة خطايانا في جسده. هذه هي آلام الحب التي دفعته أن يقبل برضا موت الجسد وهو محيي في الروح، لأنه لم يخطئ قط، فلم تذق روحه الموت.
مات الرب بالجسد بانفصال نفسه عن جسده، لكن لاهوته لم يفارق ناسوته ولا فارق نفسه قط.
"الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديمًا حين كانت أناة لله تنتظر مرة في أيام نوح، إذ كان الفلك يُبنى، الذي فيه خلص قليلون، أي ثماني أنفس بالماء" [19-20].
إذ مات الرب بالجسد انفصلت نفسه عن جسده، أما لاهوته فلم ينفصل قط لا عن جسده ولا عن نفسه. فانطلقت النفس إلى الجحيم (السجن) تكرِز وتبشر للذين ماتوا على رجاء، لأن عدو الخير ليس له سلطان عليها.
وكما يقول القديس أمبروسيوس بأنه من الواضح أن السيد المسيح لم يسقط تحت قوات الظلمة بل بالحري هو كسر سلطانها، كارزًا حتى بين الأموات الذين في الجحيم لكي يحررهم.
أما من هم الذين ذهب ليَكْرِز إليهم من الأموات فهناك تفاسير كثيرة منها:
أ. رأى القديسين أثناسيوس وكيرلس وايرونيموس
إن السيد المسيح بعد موته بالجسد نزل بروحه أي بنفسه إلى الجحيم، وبشًّر الذين كانوا في أيام نوح لا يصدقونه إذ كان ينذرهم بالطوفان. لكنهم لما رأوا انهمار المياه تاب بعضهم وطلبوا الرحمة.
ب. رأى القديس أغسطينوس
إن السيد المسيح بروحه القدوس سبق أن بشر الذين كانوا في أيام نوح على لسان نوح، وأنذرهم بحدوث الطوفان لعلهم يتوبون لكنهم لم يصدقوا. وبهذا فإن قوله "في السجن" يعني بها "الأرواح التي في الجسد"، ومع هذا لم يخلص بهذه الكرازة إلاَّ ثماني أنفس أي نوح وزوجته وأبناءه ونساءهم.
وقد استخدم العلامة ترتليان هذا العدد "ثماني أنفس" ليظهر أن العالم كما بدأ به آدم وحواء دون أن يأخذ له زوجة أخرى، هكذا بدأ العالم الجديد بعد الطوفان وخرج نوح وأولاده كل منهم له زوجة واحدة.
ج. رأي الأب هيبوليتس
[لقد رتب الأمور التي على الأرض، إذ صار إنسانًا بين الناس ليُعِيد خِلقة آدمنا خلال نفسه Himself وأيضًا الأمور التي تحت الأرض إذ أُحْصِى مع الموتى مُبَشِّرًا بالإنجيل لنفوس القديسين (الذين ماتوا على رجاء) وبالموت داس الموت.
د. رأي القديس ايريناؤس
بعدما تحدث عن جميع القدماء أنهم أخطأوا قال: [لهذا السبب نزل الرب أيضًا إلى أعماق الأرض مُبَشِّرًا بصعوده مُعْلِنًا غفران الخطايا لمن آمنوا به. والآن كل الذين آمنوا به وترجوه وأعلنوا عن مجيئه وخضعوا لبركاته، أي الأبرار والأنبياء والآباء غفر لهم خطاياهم بنفس الكيفية التي صنعها معنا تمامًا.]
هـ. رأي القديس إكليمنضس السكندري
له رأي غريب اعتمد فيه على قول أيوب (28: 24) أن الله يبشر (ينظر) إلى أقاصي الأرض، فإنه نزل وبشر ليس فقط للذين ترجّوا خلاصه، بل والأمم الذين في جهل سلكوا كأبرارٍ حسب ناموسهم.
"الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية،لا إزالة أوساخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عند الله لقيامة يسوع المسيح" [21].
إذ تحدث الرسول عن فلك نوح رمز المعمودية بدأ يحدثنا عن فاعليتها:
"الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية" ويقول القديس أغسطينوس: [يعطي مسيحيو قرطاجنة اسمًا ممتازًا للأسرار عندما يقولون عن المعمودية أنها ليست سوي "الخلاص"، وسرّ جسد المسيح ليس إلاَّ "الحياة". وكما أظن من أين أخذوا هذا إلاَّ من التسليم الرسولي الأول حيث كانت كنائس المسيح تعتمد عليه كأساس، لأنه بدون العماد والاشتراك في عشاء الرب يستحيل على الإنسان أن ينال ملكوت الله أو الخلاص والحياة الدائمة. هكذا يشهد له الكتاب المقدس بالأكثر... لأنه هل فِكْرُهم هذا بخصوص المعمودية وتعبيرهم عنها بالخلاص يختلف عما هو مكتوب "خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5)، أو عبارة الرسول بطرس.]
وقد رأى هرماس في إحدى رؤياه الكنيسة المنتصرة كبرج مبني على الماء فلما سأل عن السبب قيل له [اسمع الآن لماذا يُبْنَى البرج على المياه، ذلك لأن حياتكم تخلص وستخلص خلال الماء.]
فالمعمودية لا تزيل وسخ الجسد، بل تهب ضميرًا صالحًا بقوة قيامة الرب، إذ فيها نُدفن مع المسيح ونقوم أيضًا. ولهذا السبب اعتادت الكنيسة أن تقوم بتعميد الموعوظين قُبَيْل عيد القيامة كما نرى ذلك واضحًا من التاريخ الكنسي ومن كتابات الكنيسة الأولى، ولازلنا إلى يومنا هذا نعيد بأحد التناصير في الأحد السابق لعيد القيامة مباشرة.
لهذا يليق بنا ألا نقف عند حد أخذ الإمكانيّة لحياة القداسة في سر المعمودية وننكره بسلوكنا، بل نسلك بضمير صالح بقيامة الرب يسوع.
وقد تحدث القديس باسيليوس الكبير عن فاعلية المعمودية في رده على سؤال مقترح: لماذا يكون العماد "بالماء"؟ فقال:
[يوجد (في المعمودية) تطهير للنفس من الوسخ الذي نما فيها من الفكر الجسداني، وكما هو مكتوب "اغسلني فأبيض أكثر من الثلج" (مز 51: 9). على هذا الأساس فإننا لا نغسل أنفسنا بعد كل دنس كما يفعل اليهود بل لنا معمودية واحدة (أف 4: 5). إذ في العماد يُحمَل الموت عن العالم مرة، وتكون القيامة من الأموات مرة.
لهذا السبب أعطانا الرب واهب حياتنا "عهد العماد"، حاملاً فيه طابع الحياة والموت:
فالماء يحقق صورة الموت، والروح القدس (في نفس الوقت) يهب جِدة الحياة.]
بهذا صارت الإجابة على السؤال: لماذا ارتبط الماء بالروح (يو 3: 5) واضحة. إذ السبب هو أننا في العماد نبغي هدفين:
1. أحدهما: إهلاك جسد الخطية (رو 6: 6)، حتى لا يحمل بعد ثمارًا للموت (رو 7: 5).
2. والثاني: حياتنا في الروح (غل 5: 25)، ويكون لنا ثمره في القداسة. الماء باستقباله الجسد كقبر يحمل موتًا، بينما يفيض الروح قوة الإحياء مجددًا أرواحنا من موت الخطية إلى حياتها الأولى.
هذا إذن ما يعنيه أننا نولد من الماء والروح.
فبالمعمودية اعتمدنا لموت المسيح وقيامته، فكيف لا نقبل الآلام حتى الموت بفرحٍ وسرورٍ، منتظرين كأبناء لله مرتبطين بالرب المتألم أن تكون لنا معه شركة في الأمجاد السماوية.
"الذي هو في يمين الله، إذ قد مضي إلى السماء وملائكة وسلاطين قوات مخضعه له" [22].
بعد ما اجتاز الرب الصليب عاد إلى يمين الآب. ونلاحظ أن كلمة "يمين" لا تعني اتجاهًا معينًا، لأن الآب ليس له شمال أو يمين لكنها تعبير بلغة بشرية لكي ندرك عظمة الابن.
مضى الرب إلى عرشه في السماوات، الذي لم يترك لاهوته قط حتى في أثناء وجوده بالجسد على الأرض...
عاد تمجده وتسجد له الملائكة والسلاطين وكل الطغمات السمائيّة. وفي عودته وهو حامل الجسد إنما يعلن نصرة البشرية في شخصه، وعودتهم إلى السماء، ليرثوا ما كانت الخطية قد حرمتهم منه. لهذا يقول: "من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه" (رؤ 3: 21).
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الثالث
الآيات (1-2):- "1كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ، 2مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ. "
لما جاءت المسيحية تنادى بالحب، ظن بعض النساء أن فى هذا فرصة لأن يتحررن من سلطة أزواجهن. ولاحظ أن الشريعة الرومانية كانت تبيح للرجل أن يتسلط على زوجته كجارية. لذلك يوضح الرسول هنا أن المسيحية تدعو الزوجة للخضوع لزوجها. فالطاعة تدفع الرجل لحب زوجته المطيعة وحب الرجل يدفع المرأة لطاعة زوجها بالأكثر وهكذا يحل السلام بالأسرة . وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ = فالمسيحيات كن يتزوجن رجال وثنيين والرسول يقول أن سيرة المرأة المسيحية قد تجذب زوجها غير المؤمن فنحن لسنا كلنا قادرين أن نعظ باللسان ولكننا كلنا قادرين أن نعظ بسيرتنا وهذا الكلام موجه لزوجات، أزواجهن عنفاء معهن ولكن مع هذا يطلب الرسول أن يخضعن لرجالهن العنفاء. مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ = الخوف هنا هو خوف الله، فلتكن سيرتنا طاهرة خوفا من الله وليس من إنسان.
الآيات (3-4):- "3وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، 4بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ. "
من المؤكد أن الزينة غير ممنوعة، ولكن الممنوع هو لفت الأنظار أو الإهتمام بذلك، فعلى كل واحد أن يهتم بما يرضى الله لا الناس.
فهناك من صارت الزينة لهن صنما يعبدونه، والله أعطى لنا وزنة هى المال، والبعض يضيعون المال فى أشياء ترضى غرورهم وتستجلب مديح الناس، وتسبب المرارة والحسد عند الغير. ويطلب الرسول أن يهتموا بالزينة الداخلية كالوداعة والقداسة والهدوء والمحبة والطاعة والطهر هذه ترضى الله وتكون مصدر جذب للأزواج غير المؤمنين.
وَلِبْسِ الثِّيَابِ = الغالية والخليعة والملفتة.
إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ = أى إهتموا بأن تكون زينتكن هى قداسة داخلكن، القداسة الباطنية التى تستلزم الروح الوديع الهادىء. ومن له هذا يحيا فى سلام بلا إرتباك، وبروحه الوديعة يحتمل بصبر كل الضيقات فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ = عديمة الفساد هى النفس غير القابلة للموت والتحلل مثل الجسد. أى لا تهتموا بزينة الجسد الذى هو بطبعه فانٍ بل إهتموا بزينة العديمة الفساد = زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ = وهذا قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ أجرة من يهتم بزينة الروح أى بقداستها، كبير هنا على الأرض وفى السماء.
الآيات (5-6):- "5فَإِنَّهُ هكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، 6كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا». الَّتِي صِرْتُنَّ أَوْلاَدَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا، وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ خَوْفًا الْبَتَّةَ. "
هنا نفهم أن الزينة لم يمنعها الرسول منعا مطلقا، لكن هى مسموح بها على أن تكن فى حدود اللياقة وليس المغالاة، وفى حدود طاعة الزوج والخضوع له = خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وان تكون لإرضاء زوجها وليس لإرضاء الغرباء. ويضرب الرسول مثلا بسارة ويذكر مميزاتها:
1. مُتَوَكِّلاَتُ = متكلة على الله، لا تبالى سوى برضائه.
2. خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ حتى أنها كانت تقول له سَيِّدَهَا.
3. صَانِعَاتٍ خَيْرًا.
4. وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ من أحد من البشر أو حتى الشياطين، بل فى حب المسيح والناس.
إذاً تمثلن بسارة فتكن بناتا لها. ولتكن لديكن رغبة فى كل عمل حسن.
آية (7):- "7كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ. "
بعد أن وجه نصائحه للنساء، ها هو يوجه نصائحه للأزواج.
بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ = يترجمها البعض "حاولوا أن تفهموا المرأة الجنس الأضعف".
الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ = هنا يشبه الرسول النساء بإناء هش ضعيف، يحتاج للترفق، وتشبيهه بالإناء لأنه يحمل داخله الأطفال. ويطلب الرسول من الرجل أن يعطى كرامة لزوجته فهى سترث معه فى ملكوت السموات.
لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ = إن أقل خطية أو عناد أو سوء تفاهم أو عدم مودة، أو غلظة فى التعامل كفيل بأن يعيق الصلوات، هذه كلها ثعالب صغيرة تفسد الكروم، كروم الشركة مع الله، كما أن الذين لا يعرفون روح التسامح لن يختبروا غفران الله عن تعدياتهم. والرسول هنا يشير لما ذكره ملاخى (13:2).
آية (8):- "8وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ،"
كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ = هدف الرسول لا أن يكون الزوجين فقط متحدى الرأى بل كل الكنيسة. بِحِسٍّ وَاحِدٍ = مشاركين بعضكم الأفراح والآلام، وهذه يترجمها اليسوعيون "مشفقين بعضكم على بعض". (رو 15:12) + (فى 27:1) + (فى 2:2) + (يو 21:17).
لُطَفَاءَ = ففى الأصل اليونانى تعنى أنها ناشئة عن الإتضاع أمام الله
آية (9):- "9غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً. "
حينما نسير فى طريق الرب يهيج إبليس علينا ويثير رجاله الذين يتبعونه فيشتموننا ويدبرون ضدنا الشرور. وكلام الرسول يعنى أن شتائمهم لن تضركم ولن تمنع البركة عنكم، لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً ، خصوصا لو كان ما يخرج من فمكم لهم هو كلمات البركة (مت44:5) + (رو21:12).
الآيات (10-11):- "10لأَنَّ:«مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبَّ الْحَيَاةَ وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً، فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ وَشَفَتَيْهِ أَنْ تَتَكَلَّمَا بِالْمَكْرِ، 11لِيُعْرِضْ عَنِ الشَّرِّ وَيَصْنَعِ الْخَيْرَ، لِيَطْلُبِ السَّلاَمَ وَيَجِدَّ فِي أَثَرِهِ. "
يُحِبَّ الْحَيَاةَ = الحياة الأبدية. وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً = هنا على الأرض فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ = المذمة والشتيمة والنميمة ومسك السيرة وكلام المكر لِيُعْرِضْ عَنِ الشَّرِّ = يعطى ظهره للشر (الإتجاهات الشريرة والكلمات الشريرة والأفعال الشريرة). هذا من الجانب السلبى، أما من الجانب الإيجابى = ليَصْنَعِ الْخَيْرَ، لِيَطْلُبِ السَّلاَمَ = يجتهد أن يحيا فى سلام مع الناس. والرسول هنا إقتبس كلمات المزمور (11:34-16)، (قارن أيضا مع آية 12).
آية (12):- "12لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ عَلَى الأَبْرَارِ، وَأُذْنَيْهِ إِلَى طَلِبَتِهِمْ، وَلكِنَّ وَجْهَ الرَّبِّ ضِدُّ فَاعِلِي الشَّرِّ»."
عَيْنَيِ الرَّبِّ عَلَى الأَبْرَارِ = أى يحافظ عليهم ويعتنى بكل أمورهم وَأُذْنَيْهِ إِلَى طَلِبَتِهِمْ = يسمع ويستجيب لهم.
آية (13):- "13فَمَنْ يُؤْذِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِالْخَيْرِ؟"
لا يستطيع إنسان أن يؤذينا، ولا شيطان. ولكن الله يسمح ببعض الآلام لكى ينقينا، فهى للمنفعة وللبركة. ولكن الإنسان يؤذى نفسه بصنعه الشر
آية (14):- "14وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا،"
إِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ = فهذا ليس لضرركم بل لمنفعتكم، هذا الكلام يوجهه الرسول لأناس متألمين مضطهدين ليفهموا أن هناك أكاليل معدة لهم = فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ = هذا صدى لتعاليم المسيح " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد (لو4:12) + (مت28:10) ولا تضطرب قلوبكم ولا ترهب (يو27:14). ونحن لن نخاف إنسان إن كان لنا خوفا مقدسا من الله. ونحن نطرد خوفنا من الناس بالخوف من الله. لذلك يكمل فى آية 15 بل قدسوا الرب الإله.
آية (15):- "15بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ،"
إقتبس الرسول هذا القول من (اش 13،12:8) = قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ ويكون ذلك بمخافته ومهابته أكثر من البشر، وبالثقة فى مواعيده وتصديق حكمته، وعدم الإعتراض على أحكامه، والتسليم له والإيمان بقوته وبعدالته فى تأديباته، وإحتمال الالم بصبر وتمجيده وسط التجارب وبتنفيذ وصاياه فى خوف من إغضابه، ومن يخاف الله دون البشر يكون بهذا مقدسا للرب فى قلبه. وهذا خير كرازة وشهادة عملية للرب = مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا = مستعدين بحياتكم الطاهرة التى فيها تقدسون الرب فى قلوبكم. لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ = فكان الوثنيون يسألون المسيحين كيف تؤمنون بمصلوب وأى رجاء لكم فيه والرسول يقول لهم كونوا مستعدين بحياتكم المقدسة لمجاوبتهم، فإن كانت حياتكم غير مقدسة فالوعظ لن يجدى شيئا. عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ = عن الحياة الأبدية التى يؤمن بها المسيحيون ويترجونها بِوَدَاعَةٍ = فالرد عليهم لا يكون بعصبية، ومن يرد بوداعة فهو واثق فى إلهه إذاً الرد يكون بحياتنا المقدسة أولا ثم يكون كلامنا معهم بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ = الخوف المقدس من أن نغضب الله . الخوف يكون من أن نخسر نفس أحد فيغضب الله لو لم نرد عليهم بوداعة. بخوفنا المقدس من الله وبسيرتنا الطاهرة يشتم الآخرين رائحة المسيح الزكية التى فينا.
آية (16):- "16وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ سِيرَتَكُمُ الصَّالِحَةَ فِي الْمَسِيحِ، يُخْزَوْنَ فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ. "
فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ = كانت المسيحية توصم بأنها ضد الإمبراطورية ولها سلوك مقاوم للسلام. وبقدر ما إزداد إضطهاد المسيحيين كانوا يجتذبون المضطهدين أنفسهم خلال إحتمالهم الإضطهاد بفرح وشكر وتسبيح فكان الوثنيون يؤمنون. يُخْزَوْنَ = يفتضح كذبهم حينما يرى الناس قداستكم ومحبتكم.
آية (17):- "17لأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ اللهِ، وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْرًا، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرًّا. "
هى دعوة لكى تكون سيرتهم طاهرة، حتى إذا جاءت آلام الإضطهاد لا تكون بسبب ذنوب إرتكبوها، ولكن لأجل إسم المسيح، وبهذا يتبعوا طريق المسيح المتألم، وهذا ما يعطى عزاء وصبرا وفرحا، أى شركة الصليب مع المسيح. أما الألم لأجل خطية إرتكبناها فلا يكون شركة صليب، فالمسيح لم يكن له خطية، شركة صليب المسيح هى لمن يحتمل ألم الإضطهاد وهو لم يرتكب ذنبا كما حدث مع المسيح. أما من يتألم لذنب جناه فليكن مثل اللص اليمين أى ليعترف بخطيته ويعلم أنه يعاقب لذنبه، ويحتمل تأديب الله ويطلب رحمة الله بلا إعتراض على ما يحدث له، والله يستجيب له.
آية (18):- "18فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ،"
تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً = لن يجوز عليه الألم ثانية. مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ = كإنسان. وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ = أى بقوته الإلهية وقصد الرسول أن نتشبه بالمسيح فى إحتمال الألم حتى وإن كنا ابرار فهو تألم وهو بار. بل لنا مثال آخر فى المسيح فهو بعد أن تألم تمجد فى السماء وهذا ما يدفع بالمؤمنين لإحتمال الألم، أنهم يؤمنون بأن لهم مجدا معدا فى السماء بل كلما زاد الألم يزداد المجد (2 كو 17:4) + (رو 18،17:8).
مُحْيىً فِي الرُّوحِ = لم تذق روحه الموت لأنه لم يخطىء قط، ولاهوته لم يفارق لا جسده فى القبر ولا روحه التى هبطت إلى الجحيم ثم صعدت إلى الفردوس.
الآيات (19-21):- "19الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، 20إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. 21الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،"
هنا نرى عقيدتين هامتين
1. لزوم المعمودية للخلاص:- فالفلك رمز للمعمودية التى تخلصنا روحيا كما خلص نوح وبنيه وهم داخل الفلك.
2. النزول إلى الجحيم:- واضح أن الأرواح جميعا سواء البارة أو الشريرة كانت تهبط كلها إلى الجحيم قبل صلب المسيح. ولما صلب المسيح ومات إنفصلت نفسه الإنسانية عن جسده، لكن لاهوته لم ينفصل قط لا عن جسده ولا عن نفسه. ولما حاول الشيطان أن يتعامل مع هذه النفس الإنسانية كغيرها من الأنفس ويهبط بها إلى الجحيم ليقبض عليها اكتشف أن هذه النفس متحدة باللاهوت، فكان أن المسيح هو الذى قيد الشيطان بسلسلة رؤ 3:20 ونزل الرب إلى الجحيم وأطلق سباياه ودخل بهم للفردوس كما وعد اللص اليمين. وهذا ما علم به الرسول بولس أن المسيح نزل إلى أقسام الأرض السفلى أف 9:4. وتعبير أقسام الأرض السفلى تعبير عبرى يستخدمه اليهود للتعبير عن مساكن الموتى كَرَزَ لِلأَرْوَاحِ = كرز أى بشر بشارة مفرحة. للأرواح = أرواح نوح وبنيه إذ هى أيضا كانت فى الجحيم = السِّجْنِ وكرز المسيح أيضا للأنفس التى وجدت أيام نوح وكانوا لا يصدقونه إذ كان ينذرهم بالطوفان = إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ = ولكنهم لما رأوا إنهمار المياه تاب بعضهم وطلبوا الرحمة. وكرز المسيح أى بشر كل أنفس الصديقين الذين ماتوا على رجاء وكانت حياتهم مرضية أمام الرب منذ آدم حتى مجىء المسيح، أى كل أبرار العهد القديم ولكن لماذا ركز الرسول على الأنفس التى عَصَتْ أَيَّامِ نُوحٍ = لقد بشر المسيح كل من فى الجحيم بأن فترة سجنهم قد إنتهت وأخذهم ومعهم اللص اليمين ودخل بهم إلى الفردوس. ولاحظ أن الرسول لم يقل أن المسيح لم يبشرالآخرين، ولكن الرسول يعقد مقارنة فى فكره بين العالم أيام نوح والعالم أيامه:
1. فكلاهما ملىء بالشرور.
2. كلاهما لا يصدق البشارة.
3. كما سخر العالم أيام نوح هكذا يسخر العالم الآن من الإيمان بالمسيح، مع أن الإيمان بالمسيح هو الذى سينقذهم كما أنقذ الفلك نوح وبنيه فالمشابهة هنا هى فى الآلام التى تقع على المؤمنين من جهة اليهود وسخريتهم وهذا إمتداد لموضوع آلام المؤمنين التى يتكلم عنها.
4. كما تجددت الخليقة ايام نوح هكذا يكون لنا ولادة ثانية الآن بالمعمودية. فآلام المسيح لم تعطل عمله بل هى أكملته وأخرج الأرواح من الجحيم، ونحن نشبه نوح فى فلكه بمعموديتنا، وبها ننتقل إلى حالة السعادة الأولى، فبها متنا مع المسيح وقمنا معه لنشترك فى حياته.
5. علينا أن نستمر فى الكرازة لاخوتنا فى العالم الآن بروح المسيح الذى فينا حتى لا يهلكوا كما كرز نوح للعالم كله.
6. نحيا صالبين الأهواء مع الشهوات، بل نعيش داخل الكنيسة ورمزها فلك نوح لننجو من الغضب الآتى. وعلينا أن لا نهتم بسخرية العالم حولنا فهذا لن يعطلنا عن خلاص نفوسنا. الرسول هنا فى هذه الفقرة يقارن آلام المسيح وصلبه ولزوم صلبنا معه وموتنا معه فى المعمودية وقبول الآلام والإضطهاد كنوع من قبول الصليب والموت مع المسيح. وكما إنتهت آلام المسيح بمجده هكذا ستنتهى آلامنا بالمجد والخلاص والحياة.
7. كان نوح وهو يجهد نفسه فى بناء الفلك ثم بعد أن دخل الفلك، فى نظر الناس كميت حكم على نفسه بالموت داخل فلك إذ لم يصدقوا أن هناك طوفان. وكان نوح المؤمن يرى هلاك من رفض دخول الفلك، هكذا يرانا العالم ونحن نحرم أنفسنا من لذة العالم مجاهدين، يروننا وكأننا نحيا كأموات، ونراهم فى خطيتهم كأموات.
رأى آخر:-
أن المسيح العامل فى نوح كان يكرز للناس فى أيام نوح بلسان نوح وأنذرهم بحدوث الطوفان لعلهم يتوبون لكنهم لم يصدقوا. وفى هذا التفسير فإن السجن، هو الجسد وكان نوح يكرز للأرواح التى فى الأجساد.
وصاحب هذا الرأى يرى أن المسيح كان هو العامل بروحه القدوس فى نوح وفى كل الأنبياء كما يعمل فى التلاميذ والرسل بعد صعوده، لتقديم رسالة الخلاص للأرواح الهالكة، ومع هذا لم يخلص بكرازة نوح سوى ثمان أنفس نوح وزوجته وبنيه (نرى هنا تطبيق شريعة الزوجة الواحدة فى حياة عائلة نوح) . فعلى المسيحيين ان لا يستغربوا من كثرة عدد غير المؤمنين وقلة عدد المؤمنين.
ويمكن اعتبار الرأي الاول هو التفسير والرأى الثانى مجرد تأمل فى الايات .
الَّذِي فِيهِ = هذه راجعة للآية السابقة محيى فى الروح. والمعنى أن المسيح بهذا الروح الحى ذهب ليكرز، الروح الحى لإتحاد اللاهوت به. فمن هذا الانسان الذى له سلطان ان يفتح الجحيم ويخرج الابرار الا من روحه متحدة مع لاهوته اى ابن الله المسيح .
21الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ = وهذا ما قاله بولس الرسول خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس (تى 5:3) والتشبيه هنا أن المعمد يغطس فى المياه، والمياه تحيط به من كل جانب، والفلك كان الماء محيط به من كل جانب، وكما يخرج المعمد حيا، خرج نوح وبنيه أحياء.
لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ = فماء المعمودية ليس ماء عاديا يغتسل فيه المعمد جسديا بل هو ولادة إنسان جديد بخليقة جديده. المعمودية لها قوة أن تقدس الضمير فيتخلى عن الأعمال الميتة ويحيا فى القداسة بتجديد الروح القدس. الرسول هنا بعد أن تكلم عن المعمودية يشرح فاعليتها ولأننا بالمعمودية نصير خليقة جديدة يقول الرسول يخلصنا نحن الآن فالمعمودية خلاص أو قل هى بداية الخلاص أو إمكانية الخلاص، فالمعمودية لا تمنع حرية الإنسان من الإرتداد، ولكن إن حافظ الإنسان على موته وصلبه مع المسيح، أى صلب شهواته، سيحتفظ بخليقته الجديدة التى حصل عليها بالمعمودية ويخلص. المعمودية هى موت وقيامة مع المسيح، فالدفن فى الماء به يكون الماء كقبر لنا والخروج من الماء هو قيامة. وعمل الروح فى سر المعمودية هو انه يجعلنا نموت مع المسيح المصلوب ، ومن يموت فقد تم فيه تنفيذ حكم الناموس بموت الخاطئ ، وتسقط قضية خطيته = تغفر . ويجعلنا نحيا مع المسيح القائم من الاموات ابن الله الحى، متحدين به فنصير ابناء لله . ولهذا اعتمد السيح من يوحنا المعمدان ليؤسس سر المعمودية وذلك بنزوله للماء وخروجه منه ، وبهذا فكل من ينزل للماء فى المعمودية ويخرج ، يكون هذا موتا وقيامة مع المسيح .ولذلك حل الروح القدس يومها على جسد المسيح (الذى هو كنيسته) . ويفيض الروح القدس فى الكنيسة اى فينا جميعا قوة الإحياء ، وهذا ما يعنيه أننا نولد من الماء والروح.
آية (22):- "22الَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ اللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى السَّمَاءِ، وَمَلاَئِكَةٌ وَسَلاَطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ. "
المسيح بعد موته تمجد عن يمين الآب وهذا فيه إعلان عن نصرة البشرية فى شخصه.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
وصايا زوجية
(1) وصايا للزوجات ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : لا يطيعون الكلمة : يرفضون البشارة بالمسيح . بدون كلمة : بالمحبة والمعاملة الحسنة . يطلب من الزوجات الخضوع لقيادة الرجل ، فالمرأة بطبيعتها تميل أن يقودها رجل تثق فيه ، والرجل كذلك بطبيعته يناسبه أن يقود المرأة ويهتم بها . وهذا الخضوع يجب أن يكون في محبة فيجذب قلوب الأزواج حتى لو كانوا وثنيين ، كما كان في بداية المسيحية عندما تؤمن الزوجة الوثنية ولم يؤمن زوجها بعد فسلوكها في خضوع المحبة يجذب زوجها لو لم يكن لها فرصة أن تبشره بكلام واضح عن المسيح ، ولكنه يلاحظ تغييراً في سلوكها وهو خضوعها عن محبة ويكتشف أنَّ سر هذا هو إيمانها بالمسيح .
ع 2 : من أجل مخافة الله يطلب من النساء أن تدقِّق في سلوكها وتصرفاتها ، فلا يكون خوفاً من زوجها أو أي شخص ولكن من أجل الله ، لأنَّ الخوف من البشر مؤقت وينكشف أما مخافة الله فدائمة وتعطي سلاماً وقوة .
ع 3 : ينهيهم عن الإهتمام الزائد بمظهرهن ويختار منه ثلاثة أمور :
1- الإهتمام الزائد بالشعر فكانوا قديماً يضفِّرون شعورهن عشرات الضفائر .
2- كثرة المجوهرات التي يتحلين بها .
3- الثياب الفاخرة أو المعثرة أو الإنشغال الزائد بالموضة والملابس الملفتة للنظر .
والمقصود هو أن تكون المرأة معتدلة في زينتها ولا ينشغل قلبها كثيراً بذلك لأنَّ إهتمامها الأول هو بالله .
ع 4 : يوجِّه نظر المرأة إلى الإهتمام بالنقاوة الداخلية لقلبها من كل الأفكار الشريرة الفاسدة ، وأن تتميز بالهدوء الداخلي الذي يظهر أيضاً في معاملات وديعة مع الآخرين ؛ فالنقاوة الداخلية والفضائل الروحية هي أغلى شئ أمام الله الذي لا تهمه المظاهر المادية والزينة الخارجية .
ع 5 : يدعو المرأة للإقتداء بالقديسات في العهد القديم اللاتي كن مطيعات لرجالهن ومهتمات بالفضائل ويتكلن على الله وليس على جمالهن وزينتهن .
ع 6 : يذكر مثالاً لقديسات العهد القديم ، أمنا سارة التي كانت تحترم أبونا إبراهيم وتخضع له وكانت تناديه يا سيدي إظهاراً لاحترامها له . فإن كانت النساء يشعرن بأمومة هذه القديسة لهن ، كما يشعر الرجال اليهود بأبوة إبراهيم ، فينبغي أن تسلك الزوجات مثل سارة في الإهتمام بعمل الخير والإتكال على الله وليس على الزينة الخارجية . وكما أعطى الله جمالاً فائقاً لسارة ، يعطي للزوجات نعمة وجمالاً في أعين رجالهن .
+ ليتكِ تثقي أنَّ نقاوة قلبِك ومحبتِك وفضائِلك الروحية أقوى من كل مظهر خارجي وتعطيكي نعمة في عينيّ الله وأعين الناس .
(2) وصايا للأزواج ( ع7 ) :
ع 7 : يطالب الأزواج بثلاثة أمور :
1- الحكمة ( الفطنة ) : في فهم طباع المرأة التي تختلف عن طباع الرجل ومراعاة ذلك في التعامل معها ، مثل تميزها بالعاطفة والتدقيق والإهتمام بالتفاصيل ... إلخ .
2- عدم الخشونة ( الإناء النسائي كالأضعف ) : مراعاة أنَّ المرأة أضعف في قوتها الجسدية ، فلا يستخدم الرجل قوته الجسمانية في تحقيق مطالبه أو التهديد باستخدام كلمات العنف والشتائم .
3- الإنشغال بالأبدية ( الوارثات معكم نعمة الحياة ) : المرأة مثل الرجل في ميراثها للملكوت فيراعي الرجل أنَّ فترة العمر مؤقتة وهي وسيلة إستعداد للأبدية ، فلا ينشغل بتحقيق رغباته المادية أو يغضب ويثور إن لم تتحقق لأنَّ غضبه أو قسوته ستجعل صلاته غير مقبولة أمام الله بل تفقده سلامه فلا يستطيع أن يشعر بالصلاة والتعزية فيها .
+ ليتك تراعي طباع الآخرين وتحبهم بما يناسبهم وليس كما ترى أنت ، ولتتذكَّر أنك ستكون واحداً معهم في الملكوت حول المسيح فتتنازل بسهولة عما تختلفون عليه من أمور هذا العالم الزائلة .
(3) وصايا للأسرة ( ع 8 - 17 ) :
ع 8 : يطالب أفراد الأسرة كلهم بما يلي :0
1- الوحدانية : التي تتم من خلال الحوار والتفاهم وإحساس كل واحد بالآخر فيصلوا إلى إحساس وفكر واحد ويخرجوا برأي واحد ، وبهذا يتغلبوا على كل الإنقسامات والمصادمات .
2- المحبة : تقديم المحبة بالتماس الأعذار للمخطئين والإشفاق على الضعفاء والتعامل بلطف ورِقَّة في كل شئ .
ع 9 : 3- عدم مقاومة الشر : فلا يثور أحد بسبب غضب الآخر فيبادله كلمات الشتيمة أو الأعمال السيئة ، بل على العكس نخمد الشر بأعمال الخير وكلمات المحبة والبركة التي تعلن طبيعتنا الخيِّرة كأولاد لله .
ع 10 : 4- التعبير الحسن : يقتبس كلمات المزمور ( 34 : 12 - 14 ) لإظهار أهمية الإبتعاد عن الكلمات السيئة مثل الشتيمة أو المخادعة والكذب ، بل يعبر الإنسان المسيحي بكلمات طيبة تظهر المحبة التي في داخله .
ع 11 ، 12 : 5- السلام : إن أثار إبليس أي مشاكل ، فيلزم إيقافها ليس فقط بالإمساك عن الكلمات الشريرة بل أيضاً بإظهار المحبة وصنع الخير مع الآخرين فتهدأ ثورتهم . وهكذا يسعى الإنسان المسيحي لصنع السلام ويضحي من أجل ذلك مهما كان الثمن فيسعى في طريقه بكل طاقته والله سيساعده باستجابة طلباته ومباركته في حياته ، فمن يضحي ويحتمل لأجل السلام ، ليس مظلوماً بل متميزاً ببركات الله وعِشرته ، أما من يصرّ على الشر فهو يتحدى الله ويستحق العقاب الإلهي .
ع 13 ، 14 : 6- الطمأنينة : وعد الله لصانعي الخير والسلام ، فيهبهم سلاماً داخلياً ويحميهم من الشر ولا يسمح بشئ يؤذيهم روحياً ويعطل خلاص نفوسهم . وبالتالي لا يخافون من الناس مهما كانت قسوتهم ، بل على العكس إحتمالهم للألم والإساءة يعوِّضهم الله عنه ببركات في حياتهم على الأرض وفي الملكوت .
ع 15 : 7- القداسة الداخلية : يوجِّه الله نظر أولاده للإهتمام بتكريس القلب له فيتمتعوا بعِشرته ، وعندما يتعاملون مع الآخرين سيظهر إيمانهم ورجاءهم في الأبدية وتكون كلماتهم قوية ولطيفة تظهر للأشرار ضعفهم فتجتذبهم للتوبة .
ع 16 ، 17 : 8- النقاوة : الإهتمام بنقاوة القلب وصلاح النية الداخلية فتكون أفعالكم الحسنة مرتبطة بقلب نقي وبالتالي يخزى الأشرار أمام الله لأجل شرهم ومعاملتهم السيئة لكم ويصير إحتمالكم للظلم عظيماً في نظر الله ، لأنَّ من يتألم لأجل أخطائه فهو يتقبل النتيجة الطبيعية لتصرفاته الشخصية ، أما من يحتمل الإساءات وضميره صالح وأفعاله حسنة فله المكافأة الإلهية لأنَّ الله هو الذي سمح بهذه الإساءات حتى يكافئ أولاده ببركات لا يُعَبَّر عنها .
+ ثق أنَّ احتمالك للآلام بسبب طلبك للسلام هو سلوك أولاد الله والبركات التي تنتظرك من أجل احتمالك كثيرة جداً ، بل أنت أعظم ممن يسئ إليك . فلا تهتز مهما شكَّك الآخرون فيك بل إشفق على المسئ وصلِ من أجله .
(4) المسيح المخلِّص ( ع 18 - 22 ) :
ع 18 : إن كان أولاد الله يحتملون الآلام من أجل صنع الخير والسلام فهم في ذلك يقتدون بالمسيح الذي تألم وهو بار من أجل الخطاة ليخلصهم من الموت الأبدي . وإذ مات بالجسد على الصليب قام في اليوم الثالث ليعطي حياة لكل من يؤمن به ، ويجعل إحتمال الآلام بكل المتاعب التي تأتي على الجسد والنفس وسيلة لحياة ونمو الروح داخل كل من يحتمل . فهي دعوة لاحتمال الخطاة والمسيئين كما احتمل المسيح ووعد بالبركات الروحية على الأرض ثم في الحياة الأبدية . وهكذا تقرِّبنا الآلام إلى الله عندما نحتملها ، فالمسيح مات مرة على الصليب لكي نُمات من أجله ونحتمل الآلام كل يوم فنتمتع بحياة الروح فينا .
ع 19 ، 20 : الذي فيه : الله في المسيح . السجن : الجحيم . عندما مات المسيح على الصليب ، إنفصلت روحه عن جسده ولكن لاهوته ظلّ متحداً بكليهما ، فذهب المسيح بلاهوته المتحد بالروح الإنسانية إلى الجحيم ليبشر كل المؤمنين في العهد القديم بأنَّ الفداء قد تم ليصعدهم معه إلى الفردوس . ويقول البابا أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس عمود الدين في تفسير هذه الآية ، أنَّ مع أرواح القديسين الموجودة في الجحيم كانت هناك أرواح بعض الناس الذين كانوا أيام الطوفان ولم يؤمنوا ويدخلوا الفلك مع نوح ولكن عندما زادت المياه وبدأوا يغرقون تابوا وأعلنوا إيمانهم ، فهم وإن لم يخلصوا من الطوفان مع نوح داخل الفلك لكن الله إهتم بإيمانهم وتوبتهم التي كانت في نهاية حياتهم ، وعند نزوله إلى الجحيم خلَّصهم مع باقي المؤمنين وأصعدهم إلى الفردوس . وهكذا تظهر طول أناة الله واهتمامه بخلاص كل إنسان يؤمن ولو في آخر لحظة من حياته مثل اللص اليمين .
ع 21 : كما خلَّص الله نوح ومن معه في الفلك من الطوفان ، يخلصنا كلنا من الموت الأبدي عندما نموت عن خطايانا بتغطيسنا في ماء المعمودية .فالمعمودية ليست حميماً مادياً للجسد كما تراه أعين البشر ، بل هي ولادة جديدة وتنقية للقلب من كل خطية ننالها كبركة من فداء المسيح لنا على الصليب .
ع 22 : سلاطين وقوات : رتب من الملائكة . بعد أن قام المسيح من الأموات ، صعد إلى السموات وجلس عن يمين الله ، أي صار في المجد والقوة التي له منذ الأزل وتنازل عنها مؤقتاً أمام عيوننا بظهوره في الجسد واحتماله الآلام ليفدينا . وهو في مجده السماوي تسبحه وتخدمه كل الملائكة برتبها المختلفة .
+ الله يطلب خلاصك مهما كنت بعيداً أو ساقطاً في الخطية . ثق في محبته وقم سريعاً لتعوض كل ما فات ، فسيسامحك عن كل شئ بل ومكانتك في قلبه لا تهتز ، فهو يحبك منذ الأزل وينتظر رجوعك إليه .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح