كلمة منفعة
إذا أحاطت بك تجربة وضيقة، فلا تضطرب، ولا يملك عليك الحزن والضجر. فما أسهل أن تجوز الضيقة في سلام قلبي وهدوء نفسي، إن تذكرت العبارات الثلاث الآتية، في عمق وفي إيمان:
— ثلاث نصائح في التجارب
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 7 العبرانيين الإصحاح رقم 7 الأصحاح السابع المسيح وملكي صادق إذ تحدث الرسول بولس مع المسيحيين من أصل عبراني، لا ليواسيهم فيما فقدوه من امتيازات بقبولهمالإيمان المسيحي، إنما ليعلن لهم ما قد تمتعوا به على مستوى فائق، مقارنًا بين السيد المسيح في شخصه وخدمته بالملائكة وخدمتهم للآباء القدامى، وبينه وبين موسى النبي وأيضًا يشوع ثم هرون، أراد أن يقارن بينه وبين إبراهيم رجل الإيمان وأب الآباء، مقتطفًا جزءًا من حياته يبدو لكل يهودي بلا معنى، غامضًا تمامًا وهو لقاؤه مع ملكي صادق وخضوعه له وتقديم العشور له. إن كان إبراهيم قد حمل في صُلبه كل أمة اليهود بما فيها سبط لاوي الذي منه تخرج هرون والكهنة، فإنه قد تصاغر جدًا أمام ملكي صادق، الذي لم يكن إلاَّ رمزًا للسيد المسيح. 1. ملكي صادق رمز المسيح 1 - 10. 2. الوعد بكهنوت جديد 11 - 17. 3. المقارنة بين الكهنوت في القديم والجديد 18 - 28. 1. ملكي صادق رمز المسيح وردت قصة ملكي صادق في سفر التكوين (ص 14) الملك والكاهن، استقبله إبراهيم بعد غلبته للملوك في كدرلعومر وإنقاذ لوط ابن أخته، فقدم إبراهيم العشور لملكي صادق الذي قدم ذبيحة غريبة من الخبز والخمر. هذه القصة لا تزال تمثل لغزًا لدى اليهود لا يعرفون له تفسيرًا، إذ كيف يقدم أب الآباء إبراهيم الذي في صلبه كهنوت لاوي العشور لرجلٍ غريبٍ؟ ولماذا ظهر هذا الملك والكاهن في الكتاب المقدس واختفى فجأة ولا يعرف أحد أباه أو أمه أو نسبه؟ لماذا لم يقدم ذبيحة دموية كما كانت عادة ذلك الزمان؟ أسئلة لا يجد لها اليهود إجابة، لكن الرسول يكشف عن سرها بإعلانه أن ملكي صادق وهو رمز للسيد المسيح قد فاق شخص إبراهيم الحامل الكهنوت في صلبه. كان رمز السيد المسيح أسمى حتى من ذاك الذي نال المواعيد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن أن يقدم العشور لغريبٍ لو لم يكن هذا الغريب أعظم منه.] تقديم العشور له يعني أن أبانا إبراهيم يطلب بركته، أو بمعنى آخر ملكي صادق يبارك ذاك الذي له المواعيد، وكما يقول الرسول: "وبدون كل مشاجرة الأصغر يُباَرك من الأكبر". حقًا إنه لمن المدهش أن إبراهيم الذي يتقبل العشور في شخص من هو في صلبه - لاوي - يدفع العشور لملكي صادق الغريب. وكأن الكهنوت اللاوي نفسه الذي يتقبل العشور والتقدمات قد انحنى في شخص إبراهيم لمن هو رمز لشخص السيد المسيح، رئيس الكهنة السماوي الأعظم. أما أوجه الرمز التي حملها ملكي صادق فهي: أولاً: من جهة الاسم يسمى "ملكي صادق" التي تعني لغويًا "ملك البرّ"، إشارة إلى السيد المسيح الذي يملك في القلوب ببرّه؛ يتربع في النفس فيخفيها فيه لتظهر في عيني الآب حاملة برّه. بمعنى آخر حين يملك السيد المسيح على الإنسان روحيًا تختفي كل ضعفاته ونقائصه، ويتجلى السيد ببرّه وبهائه! وكما يقول الرسول: "متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رو 3: 24). ثانيًا: من جهة العمل فهو "ملك ساليم" أي ملك السلام، فقد ملك السيد المسيح في كنيسته واهبًا لمؤمن سلامًا مع الآب وسلامًا مع إخوته وسلامًا مع نفسه. تصالحت البشرية مع السماء، وتصالحت مع بعضها البعض، بل وتمت المصالحة داخل الإنسان نفسه: بين النفس والجسد حيث صار كل ما في الإنسان روحيًا، يسلك بروحٍ واحد. حقًا إن السيد المسيح هو ملك ساليم الحقيقي، يمتد سلامه إلى كل المستويات. ختم السيد حديثه الوداعي مع تلاميذه قبل القبض عليه ليعلن أن غاية حديثه هو تمتعهم بالسلام فيه: "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). ويعلق القديس أغسطينوس على هذا القول الإلهي هكذا: [لقد قدم هذا كغاية لحديثه حتى يجدوا فيه السلام، وذلك كما أننا نحن أيضًا مسيحيون بهذا الهدف... فهذا السلام هو غاية كل نية وكل عمل تقوي، نمارسه في الوقت الحاضر. فمن أجل السلام (في المسيح) ننعم بسرائره، ونتثقف بأعماله وكلماته ونتقبل غيرة الروح، ولأجله نؤمن به ونترجاه... بهذا السلام نتعزى في وسط كل متابعنا وبه نخلص منها. من أجله نحتمل الضيقات بسرور حتى نملك فيه بسعادة دون ضيقات.] ويعلق القديس أغسطينوس على قول السيد لتلاميذه: "سلامًا أترك لكم سلامي أعطيكم" (يو 14: 27)، قائلاً: [إنه يترك سلامه معنا وهو راحل (إلى السماء)، وسيعطينا سلامه الخاص عندما يأتي في النهاية. يترك لنا سلامًا ونحن في هذا العالم، وسيهبنا سلامه الخاص به في العالم العتيد. إنه يترك سلامًا معنا حتى إذ نسكن فيه نغلب العدو (إبليس)، وسيهبنا سلامه الخاص عندما لا يعود بعد يوجد عدو نحاربه فنملك كملوك. يترك سلامًا معنا، لكي نحب هنا بعضنا البعض، وسيهبنا سلامه حينما نرتفع فوق كل إمكانية لحدوث انشقاقات. يترك سلامًا لنا لكي لا يدين أحد الآخر فيما هو خفي عنه وهو سالك على الأرض، وسيهبنا سلامه حينما "يظهر آراء القلوب وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله" (1كو 4: 5). ومع ذلك فإنه فيه ومنه ننال السلام، سواء عندما يتركه لنا ونحن راحلون نحو الآب، أو يهبه لنا عندما نحضر بالفعل لدى الآب بواسطته.] ثالثًا: سبق أن رأينا في مقدمة الأصحاح الأول أن انشقاقًا قد حدث في العهد القديم بين النبوة والكهنوت، أو بمعنى أدق بين الأنبياء والكهنة، إذ لم يستطع الأخيرون أن يتقبلوا كلمة الحق، مكتفين بممارسة الطقس التعبدي في شكلية بلا روح، لكن جاء السيد الحق ذاته والكاهن الأعظم، يحمل النبوة في كمال فائق وفريد مع الكهنوت السماوي الأبدي، مصالحًا المعرفة مع العبادة والحق مع الطقس! هنا أيضًا يجمع السيد بين الملوكية والكهنوت، فهو ملك البرّ والسلام في نفس الوقت الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، هو الملك والكاهن في نفس الوقت، عمله الملوكي لا يمكن فصله عن الكهنوتي. ففيما هو يملك على القلب خلال ذبيحته الفريدة، يقدم هذه الذبيحة بكونه رئيس الكهنة السماوي. فهو الملك صاحب السلطان خلال الحب العملي الباذل، والمعلن بشفاعته الكفارية عن مؤمنيه ليقيمهم فيه ومعه ملوكًا وكهنةً روحيين. رابعًا: ملكي صادق كرمز للسيد المسيح لم يذكر الكتاب شيئًا عن أبيه أو أمه أو نسبه. وكأنه يحمل رمزًا لمن هو بلا بداءة أيام ولا نهاية. فالسيد المسيح سرمدي بحق ليس من زرع بشر، ليس له أب حسب الجسد، ولا أم من جهة اللاهوت، كاهن أبدي. خامسًا: ذبيحة ملكي صادق من الخبز والخمر لا معنى لها إلا بكونها رمزًا لذبيحة الإفخارستيا التي هي جسد السيد المسيح ودمه، حيث قام السيد نفسه بتحويل الخبز والخمر إليهما في تأسيسه السرّ. وكما يقول القديس چيروم مخاطبًا السيد: [أنت كاهن لا بتقديم ذبائح يهودية وإنما بالحري على طقس ملكي صادق. فكما أن ملكي صادق، ملك ساليم، قدم خبزًا وخمرًا (تك 14: 18) هكذا تقدم أنت جسدك ودمك، الخبز الحقيقي والخمر الحقيقي. هذا هو ملكي صادقنا الذي وهبنا الذبيحة الإلهية التي لنا. إنه ذاك الذي قال: "من يأكل جسدي ويشرب دمي" (يو 6: 55)، على طقس ملكي صادق، معطيًا إيانا سرائره.] 2. الوعد بكهنوت جديد بعد اختيار هرون وبنيه كهنة للرب يخدمون هيكله ويقدمون باسم الجماعة المقدسة التقدمات والذبائح، عاد فوعد بكهنوت آخر على طقس ملكي صادق وليس على طقس هرون، قائلاً: "أقسم الرب أنك أنت الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد". في هذا الوعد يرى الرسول بولس تحول في ثلاثة أمور: في طبيعة الكهنوت، وفي السبط الذي تكرس لهذا العمل، وفي الناموس المرتبط به. أولاً: تحول في طبيعة الكهنوت فقد جاء الوعد لا بكهنوت على الطقس الهاروني أو اللاوي وإنما على طقس ملكي صادق، هذا يعني تغيير في السمة الكهنوتية وطبيعتها، كما يكشف عن ضعف الكهنوت الأول وعدم كماله وإلا فما الحاجة إلى قيام طقس آخر؟! يقول الرسول: "فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ كَمَالٌ - إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ - مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ؟" [11]. بمعنى آخر إن كان الكهنوت اللاوي قد أقيم بناء على دعوة إلهية وارتبط بناموس الله، لكنه لم يكن إلاَّ طريقًا مهد الأذهان لتفهم كهنوت آخر هو كهنوت السيد المسيح، وهذا هو موضوع الرسالة إلى العبرانيين الذي يسهب الرسول الحديث عنه في الأصحاحات التالية. ثانيًا: حدث تغير أيضًا في السبط، فتحول الكهنوت عن سبط لاوي إلى سبط يهوذا. "لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هَذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ. فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ. وَذَلِكَ أَكْثَرُ وُضُوحًا أَيْضًا إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ" [13-15]. هذا التغير في السبط لم يكن بلا هدف، فإن سبط يهوذا هو السبط الملوكي الذي خرج منه ملوك يهوذا، وكأنه في المسيح، وفي المسيح وحده التقى الكهنوت الجديد مع العمل الملوكي، الأمر الذي لم يحدث من قبل. لقد تحققت فيه نبوة أبينا يعقوب الذي بارك ابنه يهوذا، قائلاً: "يهوذا إياك يحمد اخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني، جثا وربض كأسد وكلبوة، من ينهضه؟! لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" (تك 49: 8 - 10). هذه النبوة بتكملتها قد تحققت بالكامل في شخص السيد المسيح الذي يسبح له ويحمده إخوته إذ صار أخًا بكرًا، هذا الذي حطم بالصليب عدوه إبليس، وصارت يده على قفا أعدائه، إنه يتعبد له بنو أبيه السماوي، هذا الأسد الذي جثا على الصليب وقام ليقيمنا معه. إنه يملك بالصليب، معطيًا السلام لشعب، وتخضع له الشعوب من كل أمة ولسان. ثالثًا: تغير الكهنوت يقتضي تغير الناموس، فلكل كهنوت عهده وشريعته ووصاياه. الكهنوت اللاوي يخدم خلال الذبائح الدموية وغسالات الجسد كرمزٍ، وأيضًا ناموسه يتناسب معه. وبالانطلاق من الكهنوت رمزي إلى الكهنوت الروحي السماوي صار هناك عهد جديد وناموس جديد وتعاليم جديدة، ليست ناقضة للقديم وإنما مكملة له، تكشف أعماقه وتدخل به من الطفولة إلى النضوج الروحي، ومن الوعد ببركات أرضية مثل أرض الموعد التي تفيض لبنًا وعسلاً إلى مواعيد فائقة سماوية وإتحاد مع الآب في ابنه لهذا أكد السيد حين أعلن دستوره أنه ما جاء لينقض الناموس وإنما ليكمله (مت 5: 17). يقارن الرسول بين ناموس الكهنوت اللاوي وناموس الكاهن الأعظم السماوي يسوع المسيح، قائلاً: "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا... فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ" [12، 18، 19]. أبطلت الوصية القديمة لا بنقضها وإنما بتحقيقها في الوصية الجديدة المكملة لها، هذه التي فتحت لنا "رجاء أفضل" إذ به نقترب إلى الآب باتحادنا معه في ابنه. هكذا يحدثنا الرسول عن ذبائح أفضل، وكهنوت أفضل، ومواعد أفضل، ورجاء أفضل خلال "المسيح يسوع ربنا". وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الذبيحة التي خلاله هي أفضل، والرجاء الذي فيه أفضل، والمواعيد التي لنا خلاله أفضل. هذه ليست أعظم لمقارنتها بما هو أقل منها وإنما لاختلافها في الطبيعة عن الأمور السابقة، لأن من يقوم بهذا التدبير هو أعظم.] 3. المقارنة بين الكهنوت في القديم والجديد قدم لنا الرسول مقارنة بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح، أهم بنودها: أولاً: قيام الكهنوت الجديد وإبطال الكهنوت اللاوي يعني إبطال الوصية الأولى، إذ هي عاجزة عن الدخول بنا إلى الاقتراب إلى الله والإتحاد معه [18-19]، إذ يُبتلع الرمز في المرموز إليه. ثانيًا: كان الكهنوت اللاوي بدعوة إلهية لكن بدون قسم، لأنه مؤقت يحقق هدفه بظهور الكهنوت الأبدي الجديد المقام بقسم، إذ قيل: "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" [20] علامة ًضمان أفضل لعهد أفضل [21]. الأول عاجز عن تطهير الخطايا وتقديس النفس، أما الثاني فيحقق ما عجز عنه الأول. ثالثًا: في الكهنوت القديم دُعي كهنة كثيرون حتى إذ يموت الواحد يبقى الكهنوت قائمًا بغيره: "وَأُولَئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ، لأَنَّ الْمَوْتَ مَنَعَهُمْ مِنَ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا هَذَا فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ" [23-24]. علامة ضعف الكهنوت الأول أنه لم يرتبط بكاهنٍ واحدٍ، وإنما ارتبط ببني قهات جميعهم من سبط لاوي. كان رئيس الكهنة يفرح حين يلبس ابنه الثياب الكهنوتية ويحتل مركزه، إذ لا يقدر هو أن يخلد فيترك الكهنوت قائمًا في نسله، أما السيد المسيح فلا يقوى الموت عليه، لهذا يبقى كهنوته أبديًا لا يزول. بتجسده أعلن كهنوته، وبموته لم يفقد كهنوته، إذ لا يقدر الموت أن ينجسه ولا أن يوقف تيار شفاعته الكفارية، بل بالعكس موته هو أساس كهنوته إذ به قدم نفسه ذبيحة حب للآب، فصار الكاهن والذبيحة في نفس الوقت. قام السيد ليعلن أبدية كهنوته وسماوية ذبيحته فيبقي كهنوته دائمًا، وتبقي ذبيحته فعلاً لا يتكرر! لازال كهنوته عاملاً في كنيسته وذبيحته حاضرة لا تشيخ ولا تفنى. خلال هذا الكهنوت الفائق والذبيحة الفريدة تنعم الكنيسة بالعمل الكهنوتي والذبيحي في المسيح الكاهن والذبيح! أعلن الرسول قوة هذا العمل بقوله: "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ" [25]. لم يمت إلى النهاية ولا استهلكت ذبيحته، لكنه حيّ أمام الآب يقدم ذبيحة نفسه عنا كسرّ تقديسنا. هذا هو ينبوع القوة التي منه يستمد الكهنة عملهم وتقدماتهم، فهم يمارسون الكهنوت بلبسهم المسيح الكاهن الأعظم، وما يقدمونه إنما ذات ذبيحة المسيح التي لا تتكرر! رابعًا: كان رؤساء الكهنة والكهنة في العهد القديم خطاة كسائر الشعب، يحتاجون معهم إلى من يقدسهم، أما رئيس الكهنة يسوع فهو "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاة،ِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّماَوَاتِ" [26]. فإن كان قد صار كواحد منا، لكنه لا يزال القدوس وحده، المنفصل عن الخطاة المرتفع إلى السماوات، به وفيه نتقدس، ونجد لنا موضعًا في حضن أبيه السماوي. كهنة العهد القديم محتاجون إلى تقديم ذبائح أولاً عن أنفسهم ثم بعد ذلك عن خطايا الشعب، مكررين هذا العمل بلا انقطاع، أما رئيس الكهنة يسوع فقد "فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ" [27-28]، وشتان ما بين الناس الذين بهم ضعف والابن الكامل الأبدي! من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح السابع الآيات (1-4):- "1لأَنَّ مَلْكِي صَادَقَ هذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ، 2الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. الْمُتَرْجَمَ أَوَّلاً «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ «مَلِكَ السَّلاَمِ» 3بِلاَ أَبٍ، بِلاَ أُمٍّ، بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ. 4ثُمَّ انْظُرُوا مَا أَعْظَمَ هذَا الَّذِي أَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ رَئِيسُ الآبَاءِ، عُشْرًا أَيْضًا مِنْ رَأْسِ الْغَنَائِمِ!" سبق الرسول وقارن بين المسيح وكل من الملائكة وموسى ويشوع وهرون. ثم أخذ مثلاً بالوعد لإبراهيم أبو الأباء. وحينما أتى لإبراهيم إقتطف جزءاً من قصة إبراهيم وهو لقائه مع ملكى صادق (تك14: 18). هذا الجزء يبدو لليهود غامضاً وبلا معنى فكيف يخضع إبراهيم أبو الأباء لملكى صادق هذا ويعطيه العشور من كل شئ بل أن ملكى صادق يبارك إبراهيم. فإن كان إبراهيم قد حمل فى صلبه كل شعب اليهود ومعهم سبط لاوى والكهنة ورؤساء الكهنة. فيكون كل هؤلاء قد تصاغروا جداً أمام ملكى صادق الذى كان بالطبع رمزاً للمسيح. فملكى صادق يبارك إبراهيم الذى له المواعيد. رموز ملكى صادق للمسيح 1. هو ملك وكاهن. وبالنسبة لليهود فالملك والكهنوت لا يجتمعان أبداً لشخص واحد إذ أن الملك من سبط يهوذا والكهنوت من سبط لاوى. وفى هذا يشير ملكى صادق للمسيح الملك ورئيس الكهنة. 2. من جهة إسمه ملكى صادق التى تعنى ملك البر. فالمسيح يملك فى القلوب ببره. يتربع فى النفس فيخضعها فيه لتظهر فى عينى الآب حاملة بره (رو3: 24). 3. من جهة عمله فهو ملك ساليم أى ملك السلام والمسيح معطى السلام للكنيسة (يو33:16، 14:27). 4. ماذا قدم ملكى صادق لإبراهيم ؟ خبزاً وخمراً وهذا هو طقس كهنوت ملكى صادق. 5. ملكى صادق ظهر مرة واحدة فى الكتاب المقدس والمسيح قدم ذبيحة مرة واحدة. 6. لا يوجد تسلسل كهنوتى لملكى صادق. فهو لم يستلم كهنوته من أحد والمسيح الذى عينه كاهناً هو الله حين أقسم بهذا (مز110). 7. كهنوت ملكى صادق متفوق على الكهنوت اللاوى فإبراهيم أعطى له العشور.بل أن العشور يقبلها الله فقط فملكى صادق هذا يرمز لإبن الله (عب7: 2). 8. كون أن ملكى صادق يبارك إبراهيم فهذا أيضاً يثبت تفوق كهنوت ملكى صادق على كهنوت هرون والكهنوت اللاوى (عب7: 1). 9. ملكى صادق بلا أب بلا أم بلا نهاية ولا بداية حياة بلا نسب (عب7: 3). هذا لا يعنى أنه حقاً بلا أب ولا أم ولا نسب وأنه يحيا حتى الأن. ولكن الكتاب لم يذكر له أى نسب ولا أى عائلة، لم يذكر أبوه ولا أمه ولم يذكر متى ولد ولا متى مات على الرغم أن الكتاب دائماً يشير لأصل ومواليد الشخصيات المهمة. ولكن لم يذكر أباه لأنه يرمز للمسيح الذى له أم بالجسد ولكن ليس له أب بالجسد. ولم يذكر أمه أى أن المسيح الذي من جهة لاهوته بلا أم. لم يذكر له نهاية حياة ليرمز للمسيح الذى سيكون كهنوته إلى الأبد كاهناً إلى الأبد (عب7: 3). لم يذكر له بداية أيام لأنه يرمز للمسيح الأزلى، أى الذى بلا بداية. وهو بلا سجل أنساب لأنه يرمز للمسيح الذى سيظل رئيس كهنة لم يستلم كهنوته من كاهن قبله. وبلا أنساب أى لا يعقبه كهنة آخرون رمزاً لأبدية كهنوت المسيح. أما الكهنوت اللاوى فكان بالوراثة. 10. يقول المفسرون أن ملكى صادق هو الذى بنى أورشليم والمسيح أسس أورشليم السماوية أى الكنيسة. آية (5):- "5وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْكَهَنُوتَ، فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ، أَيْ إِخْوَتَهُمْ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ. " حسب الناموس كانت كل الأسباط تقدم عشورها لسبط لاوى. وكل الأسباط هم أيضاً من نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب. فيكون سبط لاوى يأخذ العشور من إخوته. آية (6):- "6وَلكِنَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُمْ قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارَكَ الَّذِي لَهُ الْمَوَاعِيدُ! " ولكن ملكى صادق لم يكن له نسب مع إبراهيم. وبالتالى لا صلة نسب مع لاوى ومع هذا أخذ الأعشار من إبراهيم وبارك إبراهيم. آية (7):- "7وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ: الأَصْغَرُ يُبَارَكُ مِنَ الأَكْبَرِ." فإن كان ملكى صادق قد بارك إبراهيم يكون ملكى صادق أكبر من إبراهيم. آية (8):- "8وَهُنَا أُنَاسٌ مَائِتُونَ يَأْخُذُونَ عُشْرًا، وَأَمَّا هُنَاكَ فَالْمَشْهُودُ لَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ." أُنَاسٌ مَائِتُونَ = هم اللاويون الذين بحكم الطبيعة يموتون. وهم يأخذون الأعشار ولكن فى حالة ملكى صادق والذى لم يتحدث الكتاب عن موته كأنه يشهد له أنه حى يأخذ الأعشار من إبراهيم. والمسيح (ورمزه ملكى صادق) حى وكهنوته أبدى. الآيات (9-10):- "9حَتَّى أَقُولُ كَلِمَةً: إِنَّ لاَوِي أَيْضًا الآخِذَ الأَعْشَارَ قَدْ عُشِّرَ بِإِبْرَاهِيمَ. 10لأَنَّهُ كَانَ بَعْدُ فِي صُلْبِ أَبِيهِ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ مَلْكِي صَادَقَ." لاوى كان فى صلب إبراهيم حين أعطى إبراهيم العشور لملكى صادق وكأن لاوى دفع العشور هو أيضاً لملكى صادق. فيكون ملكى صادق أعظم من اللاويين والكهنة. آية (11):- "11فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ الّلاَوِيِّ كَمَالٌ ­ إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ ­ مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ؟ وَلاَ يُقَالُ عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ." إذا كان من الممكن أن نبلغ العلاقة الكاملة ونحقق الصلة القوية بالله بواسطة الكهنوت اللاوى، فما الداعى أن يقيم الله كهنوت جديد على رتبة ملكى صادق ونلاحظ أن الناموس مؤسس على الكهنوت اللاوى. آية (12):- "12لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ، فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا." تغيير نظام الكهنوت كله إستتبع تغيير الناموس. وإستبدل العهد القديم بالعهد الجديد. لأنه يستحيل إقامة كهنوت جديد بنفس طقس هرون فطقس هرون ثبت عجزه عن التطهير بواسطة الذبائح الحيوانية. آية (13):- "13لأَنَّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ هذَا كَانَ شَرِيكًا فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ." هذه الآية تشير إلى ملكى صادق وأنه لم يكن من سبط لاوى الذى يخرج منه الكهنة الذين يخدمون المذبح. وملكى صادق يرمز للمسيح الذى لم يكن هو أيضاً من سبط لاوى بل من سبط يهوذا. ومن سبط يهوذا لا يخرج كهنة. فإذا فهمنا أن المسيح سيكون كاهناً على طقس ملكى صادق أى ليس من سبط لاوى فيلزم إذن أن يحل كهنوت جديد بدلاً من الكهنوت اللاوى. آية (14):- "14فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ." طَلَعَ = فالمسيح هو شمس البر وهو جاء من سبط يهوذا. آية (15):- "15وَذلِكَ أَكْثَرُ وُضُوحًا أَيْضًا إِنْ كَانَ عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادَقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ." فى الآية السابقة قال أنه واضح. وهنا يقول والأكثر وضوحاً قول المزمور أن الكهنوت المشار إليه سيكون على طقس ملكى صادق الذى ليس هو بلاوى. آية (16):- "16قَدْ صَارَ لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَيَاةٍ لاَ تَزُولُ." قَدْ صَارَ لَيْسَ بِحَسَبِ = قد صار كاهناً ليس بحسب... وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ = أى أن كهنوت المسيح ليس حسب الناموس الذى كان يتعلق بتطهيرات جسدية وأمور خارجية بل قد صار كاهناً بقوة الآب وقوته التى هى قوة حياة لا تنحل بواسطة الموت بل تظل أبدية. بالمسيح أنتهى عصر الخيرات الزمنية كمكافأة وإنفتح باب الرجاء على الخيرات الأبدية السماوية. فرئيس كهنتنا أبدى فى السماء. آية (17):- "17لأَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّكَ: «كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»." هذه الآية تأتى لشرح الآية السابقة فالوحى الإلهى يشهد لداود عن المسيح أنه كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق فلا يوجد كاهن لاوى يدوم كهنوته للأبد فهم بشر يموتون. آية (18):- "18فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضَعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا." الناموس والوصية عجزا عن أن يدخلا بالإنسان للإقتراب إلى الله أو الإتحاد معه. لذلك أبطلت الوصية والناموس، والوصية التى أبطلت هى طقوس الكهنوت والكهنوت نفسه. والكهنوت ووصاياه أبطلا لضعفهم وعجزهم عن تبرير الإنسان آية (19):- "19إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ." بعد أن أبطل الكهنوت وناموسه يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله. وكيف يهب الناموس للضمير المتألم بسبب الخطية راحة. ولكن فى مقابل الموت الذى يفرضه الناموس على الخاطئ نجد رجاء حى للإقتراب لله فى العهد الجديد. الآيات (20-21):- "20وَعَلَى قَدْرِ مَا إِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ قَسَمٍ، 21لأَنَّ أُولئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ:«أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»." كهنوت المسيح أفضل وتتضح أفضليته فى أن الله أعطاه بقسم. أما الكهنوت اللاوى فبدون قسم آية (22):- "22عَلَى قَدْرِ ذلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِنًا لِعَهْدٍ أَفْضَلَ." إذا كان يسوع قد صار كاهناً بصورة أسمى وأفضل من الكهنوت اللاوى فمعنى هذا أنه قد أصبح ضامناً بواسطة ومحققاً لعهد أفضل وأسمى. الآيات (23-24):- "23وَأُولئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ من أَجلِ مَنْعِهِمْ بِالْمَوْتِ عَنِ الْبَقَاءِ، 24وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ." كان رؤساء الكهنة يموتون ويرثهم أولادهم علامة على ضعف الكهنوت اللاوى. أما المسيح فلم يهزمه الموت قط ولذلك كهنوته أبدى. ونلاحظ أن الموت كان يعتبر نجاسة فى العهد القديم فرئيس الكهنة يفقد كهنوته بعد موته. أما المسيح فموته هو أساس كهنوته، فالموت لم ينجسه لأنه إنتصر عليه وقام ليشفع فينا للأبد.ولأن المسيح حى سيعطى حياة لمن يشفع فيهم (يو11: 25، 26). ولأنه حى فهو لا يسلم كهنوته لأحد ويبقى هو كاهناً إلى الأبد. آية (25):- "25فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ." إِلَى التَّمَامِ = أى كل حين وتعنى أيضاً يخلص كل الإنسان (جسد ونفس وروح) وتعنى أيضاً أنه يخلص كما يريد الله للإنسان الخلاص بحسب محبته. هو يخلص وإلى الأبد الذين يجيئون بواسطته إلى الله. آية (26):- "26لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ." هنا نرى صفات المسيح رئيس كهنتنا. ونلاحظ أن لفظ قُدُّوسٌ لا يقال سوى على الله، أما البشر فيقال عنهم قديسين (إش6: 3). بِلاَ شَر= أما الكهنة اللاويين فكانت لهم خطاياهم ويحتاجون لمن يقدسهم. انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ = ليس أنه قاطعهم بل هو جاء لأجلهم بل تعنى أنفصل عن خطاياهم ولم يكن فى فمه غش. وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ = السموات مأخوذة هنا بمعنى مجازى فالسموات تشير لكل ما يسمو ويعلو. يَلِيقُ بِنَا = إن الكهنوت اللاوى قد أبطل لعدم نفعه، إذ أن الله فى محبته للبشر وجد أنه يليق بهم خلاصاً أبديا تاماً. آية (27):- "27الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ." رئيس الكهنة اللاوى يخطئ يومياً فهو يحتاج لذبيحة عن نفسه دائماً. كُلَّ يَوْمٍ = تعنى دائماً. ولذلك كان يتطهر بالماء يومياً حتى يدخل للأقداس. ويقدم ذبيحة عن نفسه لو أخطأ. ويقدم ذبيحة عن خطاياه سنوياً فى عيد الكفارة. أما المسيح فهو بلا خطية وحين قدم نفسه ذبيحة عنا كان هذا مرة واحدة وفيها كل الكفاية. أما ذبيحة الإفخارستيا فهى ليست ذبيحة مختلفة عن ذبيحة الصليب بل هى نفسها ذبيحة الصليب، هى توزيع ما تقرر لنا فى ذبيحة الصليب من بركات. آية (28):- "28فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ." رئيس الكهنة اللاوى مهما كان قديساً فهو يخطئ ويموت. ورئيس الكهنة اللاوى هذا يقام بالناموس. أما الكلمة والوعد الذى أعطى بقسم والذى أعطى بعد الناموس، كلمة القسم هذه قد أقامت رئيس الكهنة إبن الله. الذى كان فى حياته الأرضية كاملاً بلا خطية وتكمل بالآلام. ويظل رئيس كهنة للأبد.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع المسيح وملكي صادق (1) كهنوت ملكي صادق أعظم من كهنوت هرون ( ع 1 - 10 ) : ع 1 : لأنَّ ملكي صادق هذا العظيم ملك أورشليم ، وكان إسمها سابقاً ساليم أي سلام أو ملك السلام ، كان وهو في أيام الآباء الأوائل كاهناً لله العليّ ، هذا الكاهن والملك تقابل مع أبينا إبراهيم أب الآباء والمكرم جداً لدى العبرانيين ، عندما كان راجعاً منتصراً على الأربعة ملوك الذين سبوا لوط ، ويذكر العهد القديم أنَّ ملكي صادق هذا قد بارك أب الآباء إبراهيم ( تك 14 ) . ع 2 : شعر إبراهيم بعظمة ملكي صادق فأعطاه عُشر الغنائم التي نالها من إنتصاره على الأربعة ملوك ، وعطاء العُشر كان علامة لكهنوته وطلب إبراهيم البركة من ملكي صادق . ومعنى إسم ملكي صادق باللغة العربية هو ملك البر ، وأيضاً ملك ساليم باللغة العبرية : أي ملك السلام . ع 3 : ظهر ملكي صادق هذا فجأة في الوحي الإلهي بدون أي ذِكر عن من هو أباه أو أمه أو نسبة حتى صحة كهنوته ، إذ كان في الكهنوت الهاروني يجب التأكد من صحة نسب الشخص لهرون لكي يكون مقبولاً ككاهن يهودي ( عز 2 : 62 ) . ولم يذكر العهد القديم بداية حياة ملكي صادق ونهايتها لأنَّهُ يشبه بربنا يسوع المسيح الذي ليس له أب بالجسد وليس له بداية ولا نهاية ، فهو أزلي أبدي ولأنَّ ربنا يسوع المسيح هو إبن الله فهو يبقى كاهناً أبدياً . ع 4 : لاحظوا أيها الإخوة العبرانيون كم كانت عظمة ملكي صادق هذا ، لأنَّ أبانا إبراهيم رئيس الآباء الأولين وصاحب الدعوة الإلهية والذي جاء منه الشعب العبراني بأكمله ، قد أعطاه العُشر من الغنائم التي لديه ، وهي علامة الخضوع من إبراهيم لملكي صادق بطلب البركة منه . ع 5 : بينما كان إبراهيم يعطي العشور لملكي صادق هكذا دون أي أمر يسبق ذكره عن ملكي صادق ، نجد أنَّ الكهنة من سبط لاوي الذين لهم حق الكهنوت في العهد القديم بإسرائيل يأخذون العشور من إخوتهم بكرامة أقل بوصية من الناموس وليس مثلما أعطى إبراهيم ملكي صادق العشور من تلقاء نفسه علامة للخضوع وطلب البركة . ونلاحظ أنَّ كل الأسباط تعطي العشور لسبط لاوي مع أنَّ هذه الأسباط لها كرامة إبراهيم لأنهم نسله ، ولكن الوصية تأمرهم بإعطاء العشور لسبط لاوي الذي هو مثلهم من نسل إبراهيم . فيظهر من هذا أنَّ كرامة سبط لاوي أقل من كرامة ملكي صادق ، مع أنَّ الإثنين يأخذان العشور . ع 6 : ملكي صادق الذي لا يُعرف نسبه بارك إبراهيم الذي نال المواعيد من الله وأخذ منه العشور ومنه سبط لاوي الذي يأخذ العشور من إخوته أي باقي الأسباط . ع 7 : بدون مشاجرة : من المؤكد وبلا نزاع . لاشك أنَّ من يعطي البركة أعظم من الذي يتقبل البركة ، أي أنَّ ملكي صادق كان أكثر كرامة من إبراهيم . ع 8 : مائتون : تنتهي حياتهم بالموت . الكهنة من سبط لاوي الذين يأخذون العشور تنتهي حياتهم بالموت ، أما المسيح رئيس الكهنة فهو حي إلى الأبد على مثال ملكي صادق الذي أخذ العُشر من إبراهيم ، لأنَّ ملكي صادق يرمز للمسيح ، فالمسيح حي أما الكهنوت اللاوي فمجرد رمز له لأنَّ كهنة العهد القديم يموتون . ع 9 ، 10 : حتى أني أقول لكم كلمة تحسم المقارنة بين الكهنوت اللاوي الذي قد يحاول بعضكم التمسك به ، وكهنوت السيد المسيح الذي هو على نظام كهنوت ملكي صادق ، أنَّ لاوي الذي كان يأخذ العشور من الشعب في شخص هرون الكاهن قد أعطى العشور لملكي صادق علامة الكرامة لأنَّهُ كان لا يزال في صلب أبيه إبراهيم الذي يمثل الشعب العبراني كله ، إذ أنه من نسله أي من نسل إبراهيم قد خرجت أسباط الشعب كلها متضمنة سبط لاوي . + إن كنت متضعاً تستطيع أن تنال بركات الله من كثيرين وترى فضائلهم وتتعلم منهم ، وإذ يرى الله إتضاعك يهبك نعماً كثيرة فوق ما تطلب ، فتعلَّم من الكل حتى الأطفال . (2) الكمال في كهنوت المسيح ( ع 11 - 19 ) : ع 11 : إذا كان بالكهنوت اللاوي كمال الخلاص عندما أخذ شعب بني إسرائيل على يديه الناموس الموسوي وشريعة العهد القديم ، فلماذا تنبأت المزامير عن مجئ كاهن آخر على نظام كهنوت ملكي صادق وليس على نظام كهنوت لاوي أي كهنوت هارون " أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق " ( مز 110 : 4 ) . ع 12 : فلأنَّ الكهنوت من ضمن مهامه توصيل رسالة الناموس من الله إلى الشعب ، فذكر تغيير الكهنوت من سبط لاوي إلى كهنوت ملكي صادق في المزمور هو دليل قاطع على الحاجة إلى تغيير الناموس اللازم للخلاص الذي يريد أن يعلمه الله للشعب ، فيتغير من الناموس الذي قد أعطى على يد الكهنوت اللاوي ، وهو ناموس لم يهب كمالاً لأحد ، إلى ناموس نعمة المسيح يسوع الذي جاء على نظام كهنوت ملكي صادق ، محققاً النبوة التي جاءت عنه في ( مز 110 : 4 ) . ع 13 ، 14 : الذي يقال عنه هذا : يقصد المسيح . لأنَّ المتحدث عنه في هذه النبوة ربنا يسوع المسيح كان من سبط لم يكهن منه أحد أو لازم المذبح ، لأنَّهُ معروف لدى الجميع أنَّ ربنا يسوع المسيح قد جاء من سبط يهوذا الذي لم يوصيه موسى بالقيام بعمل الكهنوت . ع 15 : تأكيداً على أنه لابد من أن يتغيَّر الناموس ، فإنَّ المزمور أوضح أنَّ هناك كاهناً آخر على شبه ملكي صادق سيأتي بعد ذلك وهو المسيح . ع 16 : كهنوت السيد المسيح ، الذي هو على نظام ملكي صادق هذا ، لم يكن لنا لكي يعطينا وصية خارجية جسدية لا تؤثر في نفوسنا أو تغيرها ، بل هو كهنوت أعطانا قوة بر ونعمة التغيير الداخلي وحياة أبدية لا تزول . ع 17 : يشهد المزمور ( مز 110 : 4 ) أنَّ السيد المسيح سيكون كاهناً إلى الأبد على نظام ملكي صادق ، أي أنه كما قدم ملكي صادق في كهنوته تقدمة الخبز والخمر ولم يقدم ذبيحة حيوانية هكذا قدَّم أيضاً السيد المسيح ذبيحة جسدية تحت أعراض ( شكل ) الخبز والخمر ( مت 26 : 26 - 27 ) . ع 18 : بالمسيح بطل نفع الناموس وظهر قصور ما قدَّمه الكهنوت اللاوي من عمل ، إذ قدَّم لنا وصية خارجية فقط تكشف الخطية لكن لا تعطي قوة على التخلص منها ، ووصية تحثّ على البر لكن دون أن تعطي لنا قدرة على ممارسته . ع 19 : لأنَّ الناموس لم يكمل خلاصنا ، فاحتاجنا بالضرورة إلى خلاص آخر وهو ما تم بالمسيح الذي يعطينا رجاء ، هذا الرجاء نستطيع به أن نقترب إلى الله ، على عكس الشعب في العهد القديم الذي كان لابد له أن يقف بعيداً لا يستطيع أن يقترب من الله أو القدس وقدس الأقداس . + لا ترفض أي فكرة جديدة لأنك قد اعتدت فكراً آخر ، بل افحصها باهتمام فقد تكون هي الأصح والصلاة مع إرشاد المرشدين تسندك لمعرفة ما هو أفضل . (3) أسباب عظمة كهنوت المسيح ( ع 20 - 28 ) : ع 20 ، 21 : السبب الأول لعظمة كهنوت المسيح هو أنَّ الله أكَّده بِقَسَم لكن هؤلاء الكهنة الذين على النظام اللاوي قد أصبحوا كهنة بدون كلمة قَسَم ، لأنهم كانوا مجرد رمزاً للمرموز إليه وهو السيد المسيح له المجد الكاهن الحقيقي ، هذا الذي أكد لنا الله بِقَسَم في الوحي الإلهي في المزمور قائلاً أنَّ الله أقسم ولن يتراجع عن قوله البتة أنك أنت ( المسيح ) ستبقى كاهناً إلى الأبد على نظام ملكي صادق ( مز 110 : 4 ) . ع 22 : لعظمة القَسَم الإلهي صار المسيح كنائب عن البشرية وكاهناً عن أنفسنا يضمن لنا عهداً جديداً أفضل بمواعيده الروحية وعمل نعمة الله الغنية في حياتنا . ع 23 : السبب الثاني لعظمة كهنوت المسيح هو ضعف كهنة العهد القديم ، لأنهم بشر يموتون فكانوا بالتالي كثيرين ليحلّ الواحد محل الآخر . ع 24 : لكن ربنا يسوع المسيح لأنَّهُ هو الله الظاهر في الجسد والحي إلى الأبد ، فهو يتميز ويختلف عن الكهنة من سبط لاوي البشريين المائتين ، ببقائه إلى الأبد ونتيجة لهذا فإنَّ كهنوته لا يزول ولا ينتهي لأنَّ شخص المسيح له المجد لا يموت . ع 25 : يتقدمون به : يستترون في دمه الذي يكفر عنهم . على هذا وبسبب بقاء المسيح له المجد حي إلى الأبد ، فهو قادر أن يخلص إلى التمام أي حتى بعد موتنا ومثولنا أمام الله في الحياة الأبدية ، فإننا أيضاً نجده مؤازراً لنا بعد موتنا يشفع فينا أمام الآب ككاهن يشعر بضعفاتنا ونستتر فيه أمام الله المخوف العادل ، هذا لأنَّهُ هو حي في كل حين فوق الأزمان . وهنا نلاحظ أنَّ رئيس الكهنة الهاروني تقف خدمته الكهنوتية بموته ، بينما ربنا يسوع المسيح بدأ بموته كذبيح عن خطايا العالم خدمته الكهنوتية التي تدوم إلى الأبد . ع 26 ، 27 : السبب الثالث لعظمة كهنوت المسيح هو قداسته وبراءته من كل خطية ، هذا الذي إثباتاً لبره قد ارتفع عن مشاركة عالمنا الخاطئ في أفعاله ، ممجداً بكرامة عظيمة ، واستطاع الدخول إلى قدس أقداس السماء بدون أن يقدم ذبيحة عن نفسه مثل رؤساء الكهنة من الكهنوت اللاوي ، هؤلاء الذين يضطرون دائماً للتكفير عن خطايا الشعب أن يقدموا عدة ذبائح وليست ذبيحة واحدة فهم يقدمون ذبائح عن أنفسهم أولاً لأنهم خطاة مثل باقي الشعب الذين يقدمون من أجله الذبائح ، أما المسيح فلا يحتاج إلى ذبيحة لأنَّهُ بلا خطية ، بل قدم نفسه ذبيحة كفارية عن العالم كله مرة واحدة لأنَّ في عمله الفدائي كمال الخلاص فلا يحتاج منه إلى تكرار . ع 28 : لأنَّ ناموس العهد القديم قد أقام لنا نحن البشر أناساً ضعفاء كرؤساء كهنة بالرمز فقط لا يستطيعون أن يقدموا لنا خلاصاً كاملاً ، أما كلمة الله في قَسَمِهِ التي وضحت لنا في المزمور الذي جاء بعد الناموس فقد كشفت لنا عن شخص ربنا يسوع المسيح الكاهن الحقيقي الذي أكمل لنا ومن أجلنا هذا الخلاص الأبدي . وهذا دليل على عدم كفاية ما جاء في الناموس لخلاصنا نحن البشر . + إن كان المسيح قد قدَّم لنا خلاصاً عظيماً مثل هذا ، فلنتمسك به بارتباطنا بالكنيسة والبعد عن كل خطية ، وعلى قدر ما نشكره فإننا نحيا في بره مهتمين بكل عمل صالح .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح