كلمة منفعة
قد يفشل الإنسان في علاقاته مع الآخرين، ليس بسبب سوء القصد، إنما بسبب سوء التعبير.
— التعبير
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 5 العبرانيين الإصحاح رقم 5 الأصحاح الخامس المسيح وهرون إذ قارن الرسول بين الراحة التي قُدمت قديمًا خلال يشوع كرمزٍ، والراحة الحقة التي يقدمها لنا ربنا يسوع، بدأ حديثه في جوهر موضوع رسالته، ألا وهو "كهنوت السيد المسيح"، الذي هو ليس على رتبة هرون بل على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، فبدأ هنا الحديث عن هرون بكونه أول رئيس كهنة مدعو من الله مباشرة لهذا العمل، والمتفوق على جميع رؤساء الكهنة الذين خلفوه، ليقدم لنا من هو أعظم منه بما لا يُقاس، ربنا يسوع الذي يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا على مستوى جديد وفريد. 1. المسيح رئيس كهنة 1 - 8. 2. رئيس كهنة من أجلنا 7 - 10. 3. الحاجة إلى بداءة أقوال الله 11 - 14. 1. المسيح رئيس كهنة عرض الرسول بولس سمات رئيس الكهنة وعمله ليكشف عن السمو الفائق للسيد المسيح متى قورن بهرون، وليوضح عمل السيد المسيح الكهنوتي بالنسبة لنا في ظل العهد الجديد. أولا: الشرط الأول في رئيس الكهنة أن يكون "مأخوذًا من الناس" [1]، فرئيس الكهنة يشفع عن بني جنسه "الإنسان" يشعر بضعفاته ويعمل باسمهم. وقد تحقق هذا الشرط في السيد المسيح، فإنه وهو ابن الله الوحيد تأنس، وصار كواحد منا غير غريب عنا، حتى يقوم بدوره الكهنوتي عن الناس، لكن شتان ما بين الكاهن الهاروني وبين السيد المسيح. الأول "قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضُّعْفِ" [2]، أما الثاني فقادر أن يترفق بالجهال والضالين، لا لأنه محاط بالضعف، وإنما لأنه وهو خالق الإنسان يدرك أسراره الداخلية، ويعرف ضعفاته، احتمل الآلام ودخل معنا في الضيق لا بسبب ضعف في داخله، إنما لكي يشاركنا أتعابنا ويعيش معنا وسط الضيقة. نحن دخلنا بسبب خطايانا فانكسرنا وسقطنا، أما هو فدخلها بسبب حبه، فلا تقدر الضيقة أن تبتلعه، ولا الألم أن يهزمه، ولا الموت أن يهلك حياته، إنما يحملنا في الضيقة وهو معنا فيها ليرفعنا إلى مجده، ويهبنا حياته المقامة. إنه مختبر للألم لكنه غير محاط بضعف داخلي. كان رئيس الكهنة الهاروني يقدم ذبائح عن جهالاته وخطاياه أولاً حتى يقدر أن يدخل إلى عمله الشفاعي عن الشعب الله، مقدمًا عنهم أيضًا ذبائح دموية، فيشفع بالصلاة مستندة على ذبائح حيوانية. أما رئيس الكهنة الجديد يسوع المسيح فلم يكن في عوزٍ إلى ذبيحة كفارية عن نفسه لأنه بلا خطية، لذا يشفع لا بمجرد كلمات صلاة تقام، وإنما يحملنا فهي أعضاء جسده خلال ذبيحة نفسه التي قدمها في كمال حبه، ذبيحة فريدة قدمها مرة واحدة من أجل إخوته الأصاغر لم تقدم ولا تشيخ، فعّالة على الدوام، قادرة أن تبررنا وتحملنا إلى حضن الآب. رئيس كهنتنا قدوس بلا عيب، لم تدفعه قداسته إلى القسوة على الخطاة وإدانتهم، بل بالحري أعلنت أنه وحده القادر على الشفاعة الكفارية، أي القادر أن يحملنا إلى حضن أبيه باتحادنا فيه. ذبيحته مقبولة ومرضية لدى الآب، لأنها بلا عيب قادرة أن تجعلنا نحن أيضًا موضوع رضاه! قداسة رئيس كهنتنا كشفت بالأكثر عن أسرار عمق الحب الإلهي من جهة البشرية في أعماق خطيتها. إنه ينقش أسماءنا على حجارة كريمة مثبتة في صدرية، ليدخل بها إلى قدس الأقداس أمام تابوت العهد، وإنما ينقشها فيه، يضعنا في أحشائه، أسماؤنا مكتوبة بالدم الذكي الكريم، ليدخل بنا إلى السماوات عينها، مقدمًا إيانا أبناء لأبيه السماوي! ثانيًا: الشرط الثاني في رئيس الكهنة أن: "يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَا لِلَّهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا" [2]. لا يقوم رئيس الكهنة الهاروني من بين الناس فحسب وإنما من لأجل الناس أيضًا، يقصد تقديم قرابين وذبائح عن الخطايا التي ارتكبوها حتى يصيروا لله، فهو لا يعمل لحساب أمورهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، إنما يهتم أولاً وآخرًا أن يقدمهم بالروح لله. أما الابن الوحيد الجنس فصار ابن الإنسان يتقدم إليهم كرئيس كهنة منهم وعنهم، مقدمًا حياته قربانًا وذبيحة حب لكي يطهرهم من الخطايا، مقدسًا ضمائرهم ومجددًا نفوسهم الداخلية، ليصيروا لله أبيه. يدخل بهم إلى البنوة للآب خلال تقديسهم باتحادهم معه وثبوتهم فيه. كنا قبلاً مبيعين للخطية فملك الموت علينا (رو 5: 12-14)، لكن إذ "مات المسيح لأجلنا" (رو 5: 8)، لم نعد بعد تحت سلطان الموت وإنما صرنا أحياء في المسيح يقدمنا لأبيه، أو كما يقول الرسول: "كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو 6: 11). هذا هو عمل السيد المسيح الكفاري، الأمر الذي يعجز عنه كل رئيس كهنة هاروني، إذ هو محتاج إلى من ينتشله من سلطان الموت ويرفعه عن الضعف؛ يقول الرسول: "وَلِهَذَا الضُّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هَكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ" [3]. ثالثًا: الشرط الثالث في رئيس الكهنة أن يكون مدعوًا من الله "وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا. كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِق" [4-6]. يلزم أن يكون مدعوًا من الله حتى يقبل الله القرابين والذبائح ويستجيب لشفاعته عن الشعب. هذا ما جعل اليهود يفتخرون بأن الله دعا هرون باسمه وبطريقة واضحة كأول رئيس كهنة لهم، أما رئيس كهنتنا يسوع المسيح فهو الابن الأزلي المدعو من الآب: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك". دُعي بواسطة أبيه الواحد معه في الجوهر لا بتعيين خارجي كما هرون، إنما هي دعوة النور لبهائه غير المنفصل عنه. هو تخصيص عمل في الأقانيم الإلهية. الآب اختص بالتدبير والابن يعمل الخلاص والروح القدس بالشركة. إنه الكاهن السرمدي الذي قدم ذاته لأجل خلاصنا ويبقى كاهنًا إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. 2. رئيس كهنة من أجلنا "الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ. وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ، مَدْعُّوًا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" [7-10]. قبل ناسوتنا وحمل جسدنا كقول الإنجيلي "والكلمة صار جسدًا" (يو 1: 14) لكي يمارس عمله الكهنوتي عنا بتقديم حياته فدية. يقول الرسول "في أيام جسده" ليعلن أن ما تألمه في الجسد كما يقول معلمنا بطرس: "قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد" (1بط 4: 2)، مقدمًا نفسه بصراخٍ شديدٍ ودموعٍ وطلباتٍ وتضرعاتٍ، وكأن معلمنا بولس يود أن يؤكد أن الآلام كانت حقيقية بما تحمله من مرارة وما تبعثه من صرخات شديدة ودموع وطلبات وتضرعات، وليس كما ادعى أصحاب الفكر الغنوسي أنها آلام وهمية، لأن جسده لم يكن إلاَّ خيالاً. لقد تألم حقًا وصرخ بدموع وطلب وتضرع! إنه ليس كهرون يلبس الثياب الكهنوتية ويمارس عمله الكهنوتي كطقس ليس فيه بذل من جانبه، بل بالعكس كان ينعم بالزينة مع كرامة الناس، أما يسوعنا فلبس ثوب تواضعنا، حمل جسدنا لكن بلا خطية ومارس كهنوته آلامًا وصرخات ودموعًا وطلبات وتضرعات بل وموتًا على الصليب. التحم كهنوته بذبيحته فصار طقسه فريدًا، طقس آلام الحب الباذل حتى الموت! لقد غيَّر ربنا مفهومنا للعمل الكهنوتي، فهو ليس كرامة وسلطانًا في عيني الكاهن، إنما هو قبول الموت مع المسيح الذبيح كل النهار من أجل المحبوبين! هذا ما عاشه الرسول بولس نفسه في ممارسته العمل الرسولي، إذ يقول: "وأما أنا فبكل سرور أُنْفِقُ وَأُنْفَقُ لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما أحبكم أكثر أُحب أقل، فليكن!" (2كو 12: 15، 16). ويحمل القديس يوحنا الذهبي الفم ذات الروح حين يعلن بذله لشعبه، قائلاً: [ليتكم تستطيعون معاينة النيران الملتهبة في قلبي، لتعرفوا إني أحترق أكثر من سيدة شابة تئن بسبب ترملها المبكر، فإني لست أظنها تحزن على زوجها ولا يحزن أب على ابنه، كحزني أنا على هذا الجمهور الحاضر هنا]، ويقول القديس أغسطينوس: [جاء في الإنجيل: "ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة" (1يو 3: 16)... كما وضع نفسه لأجلنا، يلزمنا نحن أيضًا لأجل الآخرين ومن أجل الإيمان أن نضع نفوسنا.] دخل رئيس كهنتنا إلى الآلام بصراخٍ شديدٍ، فعالج مشكلة الألم لا بنزعها، وإنما بدخوله طريقها كرئيس الإيمان أو قائد الإيمان ومكمله، فندخل معه تحت رعايته مقتفين أثر خطواته، مختفين فيه فلا يكون لها سلطان علينا. بدخوله الآلام عن محبة لنا غيَّر مفهوم الألم، فلم يعد بعد علامة للخطية والغضب الإلهي بكونه ثمرة العصيان، إنما طريق الإتحاد مع المسيح المتألم وممارسة الشركة مع الثالوث القدوس. يتساءل البعض: لماذا كان يصرخ للقادر أن يخلصه؟ ألم يكن قادرًا أن يخلص نفسه؟ جاء السيد نائبًا عنا، آدم الثاني الذي يعالج أخطاء آدم الأول، لهذا تقدم في طاعة كاملة لا ليعمل مشيئته الخاصة بل مشيئة الآب، بالرغم من كونهما يحملان مشيئة واحدة، إذ لا تعارض بينهما. لقد عمل الابن إرادة أبيه، وإن كانت لا تتعارض مع إرادته، عمل ذلك معلنًا أننا فيه نحيا سالكين بإرادته لا إرادتنا الذاتية. هل صرخ السيد ليخلصه الآب من الموت ويقيمه؟ إذ دخل السيد في دائرة الصليب في طاعة كاملة للآب صرخ مقدمًا طلبات وتضرعات، قائلاً: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت"... "لتكن إرادتي بل إرادتك"... كان لابد أن يصرخ ويئن لأنه صار إنسانًا حقًا وحمل آلامًا حقيقية! إنه أعلن عن دخوله تحت الآلام دون أن يطلب القيامة، لأن القيامة ليست أمرًا خارجًا عنه، بل كما قال لمرثا: "أنا هو القيامة" (يو 11: 25). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يُصلِ للآب في أي موضع بخصوص قيامته، بل على العكس أعلن بوضوح: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19)، وأيضًا: "لي سلطان أن أضع حياتي، وليس سلطان أن آخذها" (يو 10: 18). ما هذا إذن؟ لماذا صلى؟... لقد صلى من أجل الذين آمنوا به (ليقتدوا به).] لقد قام السيد بسلطانه، لكنه في طاعة وخضوع لإرادة الآب، معلنًا الآب بذلك تقوى الابن المستحق للقيامة. هو القيامة بعينها لكنه بالحياة التقوية قبل إرادة الآب أن يقوم، لكي بتقواه وبره نحن أيضًا ننعم الحياة المقامة. أخيرًا إذ أطاع الابن خاضعًا للآلام حتى الموت مكملاً خلاصنا الأبدي نتعلم فيه نحن أيضًا الخضوع للألم كطريق للخلاص. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان وهو الابن قد اقتنى الطاعة بآلامه، فكم بالأكثر يليق بنا أن نطيع!] 3. الحاجة إلى بداءة أقوال الله إذ رأى الرسول في هذه المقارنات أمورًا عسيرة الفهم بالنسبة لهم أكد لهم أنه يقدم الأساسيات التي هي كاللبن يشربه الأطفال المبتدئون؛ قدم لهم لبن الحق الإنجيلي بطريقة يمكن للطفل أن يقتات عليه. "اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعَسِرُ التَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ. لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" [11-14]. يشبِّه الرسول هؤلاء المرتدين إلى الفكر اليهودي بالأطفال غير الناضجين. كان يليق بهم أن يكونوا معلمين، فإن اليهود لهم خبرة طويلة في الحديث مع الله ومنهم ظهر الأنبياء وإليهم سُلمت الشريعة. وكان يليق بهم أن يقوموا بدورهم القيادي الروحي للعالم الأممي كله، لكنهم عِوض أن يصيروا معلمين سلكوا كأطفال صغار يحتاجون من يسقيهم التعليم. يقول الرسول الذي من جهته الكلام كثير عندنا وعسر التفسير لننطق به، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس لأنه هكذا هو بطبيعته وإنما لأنهم هم "متباطؤ الفهم" كقول الرسول. هذه هي طبيعة الإنسان الضعيف أن يرتبك بالكلمات القليلة كما بالكثيرة، وما هو واضح وسهل يظنه عسر الفهم. ليته لا يكن أحد منا هكذا.] فالعيب إذن ليس في الإيمان وإنما في ضعف اليهود الذين نالوا النبوات واضحة والرموز التي تعلن الإيمان الحق، لكنهم تعسروا في فهمه وارتبكوا في إدراكه، إذ حصر فكرهم في الحرف القاتل! هذا ما حبس نموهم وأفقدهم نضوجهم، فأصبحوا في حاجة إلى اللبن البسيط، عوض أن ينعموا بالطعام القوي الذي للبالغين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يوجد ضعف في الاستماع وذلك كالمعدة الضعيفة التي لا تتقبل كل الأطعمة الدسمة العسرة الهضم. هكذا النفس أيضًا متى كانت متعجرفة ثائرة ومتوترة الأعصاب ومستهترة فإنها لا تقدر أن تتقبل كلمة الروح. اسمع قول الرسول: "هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه؟!" (يو 6: 60)، لكن متى كانت النفس قوية وصحيحة يكون كل شيء بالنسبة لها سهلاً وخفيفًا ويصير كل شيء بالنسبة لها في أكثر سمو ونشاط، فترتفع محلقة في الأعالي.] إن كان اليهود لم يحتلوا مكانتهم كمعلمين، بل في ضعف صاروا كأطفالٍ، لهذا يقدم لهم الرسول اللبن. بقولنا "اللبن" لا نقلل من شأن الإعلان الإنجيلي الأساسي، لكن يليق بالمؤمن ألاَّ يقف عند الطفولة الروحية بل يسلك نحو النضوج ليتمتع بالطعام القوي الخاص بالبالغين، وذلك بسبب تمرنهم العملي على التمتع بالمعرفة الروحية، فالتمييز بين الخير والشر لا يقف عند السلوك وحده ولا عند المعرفة وحدها إنما يمس الحياة الإيمانية العملية من كل جوانبها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يعرف الطفل أن يميز بين الطعام الصالح والرديء، فغالبًا ما يضع بعض القاذورات في فمه، ويضع ما هو ضار، صانعًا هذا عن عدم تمييز، أما الناضج فلا يفعل هكذا.] ويُلاحَظ أن الطفل بسبب عدم قدرته على التمييز يحتاج إلى الأم لتقدم له اللبن النقي غير الغاش، أما متى نضج فتقدم له الطعام القوي الذي يناسبه، وهكذا من له يُعطى فيزداد. إن كانت الكنيسة كأم تقدم لأطفالها لبنًا والكبار طعامًا قويًا، فهل تقدم طعامين مختلفين أو تعليمين مختلفين؟ يستحيل، فإن عمل الكنيسة الواحد هو تقديم عريسها ربنا يسوع المسيح لكل إنسان، لكنها تقدمه للأطفال بطريقة تناسب إمكانياتهم وللكبار بطريقة أخرى، إنه مسيح واحد للجميع للأطفال والكبار وللقديس أثناسيوس حديث جميل في هذا الأمر، إذ يقول: [بالنسبة للذين لم يبلغوا بعد طريق الكمال يصير (اللوغوس) كغنمة تعطي لبنًا، هذا ما استخدمه بولس قائلاً: "سقيتكم لبنًا لا طعامًا" (1كو 3: 2). أما الذين تقدموا وبلغوا فوق قامة الطفولة لكنهم لا يزالون ضعفاء بالنسبة للكمال فيكون لهم (اللوغوس) طعامًا قدر طاقتهم، وكما قدم بولس "وأما الضعيف فيأكل بقولاً" (رو 14: 2). لكن إذ ينطلق الإنسان ويسير في طريق الكمال لا يعود يقتات على الأمور السابقة بل يكون له اللوغوس كخبز ولحم للطعام، إذ هو مكتوب: "وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدرَبة" (عب 5: 14).]. إذن قدم الرسول لشعبه الكلمة تارة لبنًا وأخرى بقولاً وثالثة طعامًا قويًا قدر ما يحتمل السامعون أن يقبلوا ويميزوا! من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الخامس هنا الرسول يبدأ حديثه فى جوهر موضوع رسالته ألا وهو كهنوت المسيح، الذى ليس على مستوى هرون بل على مستوى ملكى صادق. وبدأ هنا الحديث عن هرون بكونه أول رئيس كهنة مدعو من الله ليقدم لنا من هو أعظم منه بما لا يقاس، ربنا يسوع الذى يدخل بنا إلى الأقداس السماوية يشفع فينا على مستوى جديد وفريد. آية (1):- "1لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَاِللهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا." هذه الآية راجعة للآية السابقة (16:4) والمعنى فلنتقدم بثقة فلنا شفيع مجرب مثلنا هنا نجد شرطين لرئيس الكهنة الأول:- أن يكون مأخوذاً من الناس ليشفع عن بنى جنسه "قرب لى هرون وبنيه معه من بين بنى إسرائيل" (خر28: 1) إذ يشعر بضعفاتهم ويعمل بإسمهم وهذا الشرط تحقق فى السيد المسيح إذ أخذ جسدنا. الثانى:- أنه يقام لأجل الناس ليقدم ذبائح عنهم، مهمته الأولى أنه يقدم شعبه لله وهذا الشرط الثانى فعله المسيح بذبيحة جسده. قَرَابِينَ = تقدمة الدقيق. والدقيق المسحوق الأبيض يرمز لحياة المسيح البار المسحوق لأجل أثامنا والمسيح أعطانا حياته هذه نحيا بها (غل20:2) آية (2):- "2قَادِرًا أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضًا مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ." هنا يفترق المسيح عن أى رئيس كهنة، إذ المسيح غير محاط بالضعف لكنه يشعر بضعفنا وألامنا أولاً بكونه خالقنا فهو يعرف كل شئ. ثانياً لأنه عاش وسط ضيقاتنا. وفى العهد القديم كان رئيس الكهنة إذ له نفس الطبيعة الضعيفة الساقطة ، يرثى لحال الخاطئ القادم ليقدم ذبيحة. ولأنه هو نفسه محاط بالضعف كان يشفق على المخطئ كأنه أخطأ بجهل ودون علم وبهذا يترفق بالخاطئ حتى لا يموت. والكاهن المسيحى الان يصلى قائلاً فى أثناء تقديمه للذبيحة أنه عن خطاياه وجهالات الشعب . أما المسيح الكامل الذى وحده بدون خطية فهو فى رحمته العجيبة حمل كل خطايانا مترفقا بضعف بشريتنا . آية (3):- "3وَلِهذَا الضَّعْفِ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ كَمَا يُقَدِّمُ عَنِ الْخَطَايَا لأَجْلِ الشَّعْبِ هكَذَا أَيْضًا لأَجْلِ نَفْسِهِ." كان رئيس الكهنة يقدم ذبائح عن نفسه أولاً حتى يمكنه أن يقوم بدوره الشفاعى إذ هو أيضاً يخطئ. ولكن المسيح يفترق عن رئيس الكهنة اليهودى فى هذا أيضاً فهو بلا خطية ولا يقدم ذبائح عن نفسه ولا يصلى لأجلنا لكى يقبلنا الله بل هو يحملنا فيه كأعضاء جسده خلال ذبيحة نفسه، ونحن فيه نصير مقبولين لدى الله. آية (4):- "4وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا." نجد هنا الشرط الثالث:- لرئيس الكهنة وهو أن يكون مدعواً من الله لهذه الوظيفة. وكان اليهود يفتخرون بأن الله هو الذى دعا رئيس كهنتهم هرون. والإنسان عموماً موسوم بالخطية فكيف يقترب للشفاعة عن غيره إن لم يكن مدعواً من الله. وفى هذا أيضاً يتشابه المسيح مع رئيس الكهنة فالآب أرسله لهذا العمل الكهنوتى. هذِهِ الْوَظِيفَةَ = كلمة الوظيفة فى اليونانية تأتى بمعنى كرامة وهذا يتفق مع آية (5). آية (5):- "5كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ:«أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»." الله الآب دعا إبنه ليقوم بعمله الكهنوتى. ودعوة الآب للابن هى تخصيص عمل داخل المشورة الثالوثية للأقانيم الثلاثة. فالآب يختص بالتدبير والابن بالخلاص والله دعا أبنه لهذه الوظيفة التى بها تمجد حين قال فى المزمور أنا اليوم ولدتك أى يوم أعطيتك الطبيعة الإنسانية حتى يمكنك بها أن تقدم جسدك ذبيحة وتموت ثم تقوم لتقيم الكنيسة معك. والابن قد تمجد يوم القيامة ويوم الصعود. هذه الآية تشير لأن القول " أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ " يشير للتجسد والصلب والقيامة... راجع تفسير آية (عب5:1). آية (6):- "6كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»." هنا الرسول يشير إلى مزمور آخر يتضح منه دعوة الآب لأبنه ليكون رئيس كهنة وهو (مز110). ونرى هنا أن المسيح صار كاهناً إلى الأبد وليس كرؤساء الكهنة الذين هم على رتبة هرون والذين كانوا يموتون ليقوم غيرهم مكانهم. والمسيح صار كاهنا بعد أن دخل للأقداس بدمه. ورآه يوحنا فى الرؤيا كخروف قائم كأنه مذبوح (رؤ6:5). فهو دخل للسماء بجروح يديه ورجليه وجنبه. رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَق = سيأتى عنها الحديث فى (ص7) ولكن بإختصار فرتبة ملكى صادق أعلى من رتبة هرون. فملكى صادق بارك إبراهيم أبو هرون. آية (7):- "7الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ." فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ = أى أن آلامه كانت بالجسد (1بط 4 : 1). إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ = لم نسمع أن المسيح حاول الهرب من الصليب، بل هو جاء لهذا السبب وأنتهر بطرس إذ حاول أن يثنيه عن الصليب (مت21:16–23) بل تنبأ كثيراً عن آلامه وموته. ولكن هل يعقل أن يضرب بالسياط وتدق المسامير في جسده ولا يصرخ فهو صرخ لأجلنا وقبل العار لأجلنا. صراخه ظهر فى صلاته فى بستان جثسيمانى وعرقه الذى كان مثل الدم وطلبه أن تجوز عنه هذه الكأس. هو تحمل ألام حقيقية وكان يئن ويصرخ كأى إنسان. ربما كإنسان طلب أن لا يتحمل هذه الكأس ولكنه إذ هو واحد بلاهوته مع أبيه ومشيئتهما واحدة قال لتكن لا كإرادتى بل كإرادتك أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ = هذه لا تفهم إطلاقاً أن الآب إستجاب له فلم يمت بل أن الآب إستجاب له بأن تركه يموت ومن داخل الموت تعامل مع الموت، قوة الحياة التى فيه إبتلعت الموت فخلص نفسه من الموت وقام وخلص البشرية معه فقامت البشرية من الموت. بالموت داس الموت. والله إستجاب له بالقيامة التى صارت حياة جديدة له ولكل الكنيسة. مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ = كيف أنتصر على إبليس وعلى الموت. راجع (يو30:14) فرئيس هذا العالم إبليس لم يجد فيه خطية وبالتالى لم يكن للموت سلطان عليه فداس الموت ببره. آية (8):- "8مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ." مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا = هو إبن الله بالطبيعة ومشيئتهما واحدة. ولكنه بالجسد وضع تحت الطاعة ليتكمل بها بالألام. لكى يصير رئيس كهنة لزم أن يتعلم الطاعة على مستوى البشر وهذه لا يتعلمها البشر سوى بالألام = تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ = ظهرت طاعته فى أكمل صورها حين أحتمل آلاما حقيقية صرخ لأجلها ولكنه أطاع. فإن كان هذا منهج الله مع أبنه فعلينا أن نطيع الله ولا نتذمر على أى ألم يسمح به فنحن نكمل بالألام. ونلاحظ أن هذا الكلام موجه للعبرانيين المتألمين ليحتملوا الألام فهى بسماح من الله ليكملوا. آية (9):- "9وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ." وَإِذْ كُمِّلَ = كمل بالألام والصليب ثم كمل بالمجد الأبدى وجلوسه عن يمين الأب فصار رئيس كهنه يشفع فينا وسبب خلاص أبدى. لكن ليس لكل إنسان بل للذين يطيعونه ويحتملون الألام التى سمح بها الله دون تذمر أو إرتداد عن الإيمان. آية (10):- "10مَدْعُوًّا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ." هو تكمل بالألام ليصير رئيس كهنه وكاملاً كمخلص. رئيس كهنه على رتبة ملكى صادق هذه الآية هى تقرير نهائى عما سبق فهو لم يغتصب الكهنوت وهو أكمل الطاعة وصار مجرباً فى كل شئ مثلنا، أحتمل الآلام كالبشر وأطاع حتى موت الصليب (فى2: 8، 9). آية (11):- "11اَلَّذِي مِنْ جِهَتِهِ الْكَلاَمُ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعَسِرُ التَّفْسِيرِ لِنَنْطِقَ بِهِ، إِذْ قَدْ صِرْتُمْ مُتَبَاطِئِي الْمَسَامِعِ." هنا وقفة مع العبرانيين الذين يريدون الإرتداد للناموس. وهى وقفة عتاب. فبعد أن قدم لهم كل ما عمل المسيح لأجلهم يعقد هنا مقارنة بين نمو الجسد ونمو الإنسان الروحى ويصور هؤلاء العبرانيين بالأطفال غير الناضجين. وبسبب حالتهم الروحية صارت الحقائق الواضحة مثل موضوع ملكى صادق عسرة الفهم. أما لو كانت النفس سليمة يصير لها كل شئ سهلاً مثل من له معدة قوية يستطيع بها أن يهضم أى طعام. فالإنسان يبدأ فى حياته الروحية فترة ينفتح على معاملات الله مع البشر ولو تجاوب مع الله يصل لحالة النضج فى الأيمان حيث يستأمن على أسرار النعمة. ولكن لو إستهان بكلمة الله ترجع كلمة الله فارغة دون ثمار ويرتد الإنسان كطفل روحى. وكما لو حاولت الأم إطعام طفلها بطعام دسم لا يقبله، هكذا الأطفال الروحيين لا يقبلون الكلام العالى. وبالنسبة للرسول كان سهلاً عليه أن يقارن بين المسيح وموسى والمسيح ويشوع ولكنه وصل الآن لموضوع كهنوت المسيح الأبدى وتصور حال هؤلاء الأطفال روحياً وكيف أنهم لن يستسيغوا هذا الكلام بسبب عجزهم الروحى فهم يريدون الإرتداد عن المسيحية. وبولس له كلام كثير يقوله عن كهنوت ملكى صادق ولكن إذ هم متباطئ المسامع أصبحوا لا يدركون. آية (12):- "12لأَنَّكُمْ ­إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ." لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ = هم كانوا يهود لهم خبرات طويلة مع الكتاب المقدس. والآن فهم لهم سنوات طويلة فى المسيحية ولهم خبراتهم فيها. وبسبب هذا كان من المفروض أن يكونوا معلمين. آية (13):- "13لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ." لأن كل من يأخذ التعاليم الروحية البسيطة أو المبادئ الأولية من التعاليم الروحية التى تقابل اللبن الذى يقدمونه للأطفال حتى يسهل هضمه، لا يكون له خبرة ولا يعرف التعاليم التى تقود للتبرير وإلى الحياة الفاضلة السماوية والتى يكون فيها منقاداً بالنعمة يحيا حياة فائقة على الطبيعة. أما الأطفال روحياً فهم يحيون على مستوى الأخلاقيات العالمية. آية (14):- "14وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. " الإنسان الذى تدربت حواسه الروحية على الإنجيل وقيادة النعمة يثبت وجهه نحو الوطن السمائى يقوده الروح القدس. أما الإنسان المنشغل أو المهموم بالعالم عن الله وحياته الروحية يفقد رؤيته وحواسه. المسيحى لو واظب على التعلم من كلمة الله وتطبيقها على سلوكه وأعماله وأقواله وأفكاره فإنها تتحول فيه إلى قوة تمييز فى الفكر فيصير له إدراك وإفراز ما هو خير وما هو شر فيتقوم سلوكه. ونلاحظ أن الطعام الروحى القوى أى التعاليم الروحية العميقة هى من أجل المسيحيين الناضجين الذين بواسطة المران والإعتياد صارت لهم الحواس الروحية مدربة وتستطيع بسهولة أن تميز بين الخير والشر. فكما أنه لنا حواس جسدانية فنحن لنا حواس روحية فنحن لنا أعين روحية بها نرى الله (مت5: 8) + (عب12: 14) ولنا أذان روحية (رؤ2: 7) ويمكننا تذوق الله (مز34: 8) وهذه الحواس يتعطل عملها بالخطية وتكتسب قوتها وصحتها بواسطة عمل نعمة الروح القدس. الْحَوَاسُّ المُدَرَّبَةً أفضل شرح لهذا هو قصة الأعمى الذى فتح السيد المسيح عينيه (مر22:8–26) فالسيد المسيح تفل فى عينيه (ليعطيه حياة لعينيه فجسد المسيح يعطى حياة) ووضع يده عليه فرأى الأعمى الناس كأشجار يمشون. ثم عاد السيد المسيح فوضع يده عليه فأبصر بصورة طبيعية. هنا السيد المسيح صنع معجزتين فى الحقيقة :- 1. السيد شفى عينى الأعمى لكن ظلت الرؤية كحاسة غير مدربة فهو لأول مرة يبصر، وقطعاً لا يدرى الفرق بين الناس والأشجار فهو لم يسبق له رؤية أيهما فلقد كان أعمى. 2. ملأ السيد المسيح ذاكرة الأعمى بصور كثيرة فصار يميز بينهم فنحن نرى الشكل ونسجل الصورة فى ذاكرتنا، ثم حين نراه ثانية نبحث عن الصورة فى الذاكرة فنعرفه. والطفل حين يولد يكون بلا ذاكرة، ويظل يملأ ذاكرته من الصور والأصوات والروائح....الخ وبعد ذلك يستطيع أن يتعرف على أيهم حين تكون ذاكرته ممتلئة. ونفس الشئ يحدث مع الذاكرة الروحية. فالروح القدس يدرب حواسنا الروحية فنستطيع أن نتعرف على أعمال الله ونسمع صوته فنعرفه، كخراف تميز صوت راعيها، ونتلذذ بتذوق عشرته. تصير أذاً حواسنا مفتوحة على السماء. ما يفتح حواسنا الروحية على السماء هو الروح القدس. وما يغلق حواسنا الروحية هى الخطية. ومن تكون حواسه الروحية المنفتحة على السماء مدربة يكون حياً روحياً أي الروح القدس جدد طبيعته فصار أمام الله حياً. والعكس من لم يستجب لعمل الروح القدس وظلت حواسه الروحية ميتة وغير عاملة يقول عنه الكتاب "لك إسم أنك حي (فحواسك الجسدية تعمل) وأنت ميت (روحياً)".
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس مقارنة بين الكهنوت اللاوي وكهنوت المسيح (1) رئيس الكهنة اليهودي ( ع 1 - 4 ) : ع 1 : يتكلم بولس الرسول عن صفات الكهنوت اللاوي أي هرون وكل رؤساء الكهنة خلفائه ، الذين يؤخذون من البشر الضعفاء لخدمة الله ، فيقدِّمون الذبائح عن الناس لنوال غفران خطاياهم من الله . ع 2 : لأنَّ رؤساء الكهنة : هؤلاء من البشر وتحت الضعف البشري ، فهم قادرون على الإحساس والرأفة بالخاطئين الحمقى والبعيدين المنحرفين عن ناموس الله . ع 3 : لأنَّ رئيس الكهنة اليهودي إنسان ضعيف مُعَرَّض للخطية ، فيقدم ذبائح أيضاً عن خطاياه وليس فقط عن خطايا الشعب . وهذا طبعاً بخلاف المسيح الغير محتاج لذبيحة عن نفسه لأنَّه بار وقدوس . ع 4 : وظيفة رئاسة الكهنوت هذه لا يستطيع أحد أن يأخذها أو يعيِّن نفسه بنفسه فيها ، بل لابد له من دعوة من الله كهرون أيضاً الذي تمَّت دعوته بالإسم من الله لهذه الوظيفة " قرب إليك هرون أخاك وبنيه معه بين بني إسرائيل ليكهن لي " ( خر 28 : 1 ) . + لقد شعر المسيح بضعفاتنا وحملها رغم أنَّه القوي . أفلا يليق بنا أن نشعر بضعفات الناس ونحن بشر تحت الضعف مثلهم ؟! (2) المسيح رئيس الكهنة ( ع 5 - 14 ) : ع 5 : بالمثل ، فالسيد المسيح لم يأخذ وظيفة رئيس الكهنة من نفسه بل الله الآب دعاه لهذا ضمنا عندما كشف لنا الوحي في ( مز 2 : 7 ) مدى عمق العلاقة بين الله الآب والمسيح الإبن وهو ما لابد أن يتوفر في رئيس الكهنة من قدرة على ربط شعبه بالله . وفي ملء الزمان أرسله الآب ليتجسد ويفدي البشرية بقوله " اليوم ولدتك " ، فهذا تقسيم وظيفي داخل الذات الإلهية ، أن يقوم أقنوم الإبن بالتجسد لإتمام الفداء . فإن كان هرون يعتبره اليهود رئيس كهنة لأنَّ الله دعاه ، فبالأحرى المسيح هو رئيس الكهنة الحقيقي الذي يرمُز إليه هرون ، لأنَّ الله دعاه لهذه الخدمة كما يعلن المزمور . ع 6 : كذلك أيضاً تظهر دعوة السيد المسيح للكهنوت ، أي إستحقاقه وقدرته على إتمام العمل الكهنوتي كإله متجسد ، في ( مز 110 : 4 ) ، عندما يخاطب الآب الإبن المتجسد أنك كاهن أبدي على نظام كهنوت ملكي صادق ( وهو كاهن في العهد القديم سيأتي بالتفصيل شرحه في الأصحاح السابع ) ولم يذكر شئ عن نسبه أو موته ليكون رمز كهنوت الرب الأزلي الأبدي . ع 7 : تَمَيُّز كهنوت المسيح هذا ظهر بقوة في أيام وجوده بالجسد على الأرض عندما كان السيد المسيح يقدم ، ككاهن وشفيع ونائب عن البشر ، طِلبات وتضرعات بدموع وأنَّات شديدة عن شعبه وعن العالم أجمع عالماً وشاعراً بضعف البشر ؛ لكي يقبل الله تخليص العالم من الموت في شخص السيد المسيح ككاهن نائب عن البشر ، فظهر وتثبَّت لنا أنَّه رئيس الكهنة الحقيقي الذي يستطيع أن ينجينا من الموت في شخصه وبشفاعته الكفارية عنا أمام الله ، إذ استجاب له الله لأنَّه بدون خطية تحجب صوته وإرادته عن الله لأنَّه هو والله واحد . فصراخه وهو في بستان جثسيماني يُظهر مدى قسوة الآلام التي يحتملها كرئيس كهنة يقدم ذاته كذبيحة لفداء شعبه ، ولأنَّه بار بلا خطية ، سمع له الآب أي استطاع أن يرفع خطايا البشرية وفداها بموته ثم قام من الأموات أي أقامه الآب مستجيباً لصراخه ، فاللاهوت أقام الناسوت لأنَّه متحد به حتى وهو في القبر . وهذه الآية تُظهر ناسوت المسيح الحقيقي في احتماله الآلام وفي نفس الوقت تُظهر لاهوته في بره الكامل وقيامته من الأموات . ع 8 : تعلم الطاعة : أي أظهر الطاعة . بالرغم من أنَّ السيد المسيح هو إبن الله وواحد معه في الجوهر ، فمن أجل حبه لنا ومعرفته وشعوره باحتياجنا ، تنازل عن مجده وأظهر خضوعه لإرادة الله العادل في احتمال كل الآلام عن البشرية حتى موت الصليب . ع 9 : بعد ما أكمل المسيح الفداء ثم قام وصعد إلى السماء ، أصبح كل من يؤمن به ويطيع وصاياه ويخضع له ويقبله بالإيمان ، يتمتع بالخلاص الأبدي الذي صنعه هو بنفسه لنا . ع 10 : بدخول المؤمنين إلى الأبدية يظهر إتمام المسيح لعمله كرئيس كهنة ، الذي دعاه إليه الله الآب ، ويظل كاهناً إلى الأبد على طقس ملكي صادق بتمجيد أولاده بالسماء كمخلص وفادي لهم . فكهنوت هرون كان مؤقتاً بتقديم الذبائح التي ترمز للمسيح ، أما كهنوت المسيح فأبدي على طقس ونظام ملكي صادق الذي سيأتي شرحه في الأصحاح السابع . ع 11 : ملكي صادق هذا الذي يرمُز للمسيح أيها العبرانيين عندنا بخصوصه الكثير من التفسير ولكننا لن نستطيع أن نتكلم بهذا الآن لأنكم لن تفهموا ما سيقال عنه ، إذ أنكم نتيجة للتردد والإرتياب الذي أصابكم في الإيمان ورغبة بعضكم في الإرتداد إلى العبادة اليهودية ، قد صارت آذانكم غير قادرة على فهم الأمور الأعمق . ع 12 : طول الزمان : معرفتكم عن المسيح من نبوات ورموز العهد القديم . أركان بداءة أقوال الله : أساسيات الإيمان بالمسيح . اللبن : الطعام البسيط السهل الذي يُعطَى للأطفال ، أي التعاليم البدائية للإيمان بالمسيح . طعام قوي : الكلام العميق عن المسيح . يوبخ بولس المسيحيين من أصل يهودي لعدم إدراكهم للكلام العميق عن المسيح بسبب تمسكهم برموز العهد القديم مثل الختان وشكوكهم في المسيح . فبدلاً من أن يأكلوا الطعام القوي أي الكلام العميق عن المسيح ويعلِّموا غيرهم من المبتدئين ، صاروا هم مبتدئين في الإيمان ويحتاجون لإثبات أساسيات الإيمان المسيحي وأنَّ كهنوت المسيح هو الذي كانت ترمُز إليه كل رموز العهد القديم . ع 13 : يواصل توبيخه لهم بأنَّ إستمرارهم في قبول أساسيات الإيمان فقط يعطلهم عن التعمق في حياة البر المسيحي والنمو الروحي . ع 14 : البالغين : الثابتين في الإيمان والمهتمين بالنمو الروحي . التمرن : أي الجهاد الروحي . الحواس : يقصد الحواس الداخلية أي الفهم الروحي . يوضح بولس الرسول أنَّ الكلام العميق عن الحياة المسيحية يُعطَى للثابتين في الإيمان والمهتمين بخلاص نفوسهم لرفض الشر مثل الكبرياء والشك ، إذ لتدربهم في الجهاد الروحي يقبلون بسهولة ما ينمي علاقتهم بالله ويزدادون في عمل الخير ، وذلك غير المبتدئين الذين مازالوا يناقشون أساسيات بالإيمان . + يا رئيس كهنة السماء يا يسوع المسيح إبن الله ، يا من قبلت كل الآلام من أجلي ، يا من تقف في قدس أقداس السماء تترآف عليَّ أنا المريض بالخطية لكي تهبني نصيباً معك في ملكوتك . يا من حملت ضعفي فيك لتحوله إلى قوة ، وأخذت خطيتي لتلبسني ثوب برك يا رئيس كهنة الخيرات العتيدة ، أسبحك لأنك أشفقت عليَّ . أشكرك أيها الرئيس الرؤوف القادر أن ترثي لضعفي ، علمني أن أطيع كما أطعت أنت ، علمني أن أشترك في آلامك لكي يكون لي هذا خلاصاً أبدياً آمين .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح