كلمة منفعة
ما أكثر الذين يتجهون في حياتهم الروحية إلى أقصى اليمين، وأقصى اليسار، ويتأرجحون بين نقيضين...
— التوازن
الرسالة إلى العبرانيين 4
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 4
العبرانيين
الإصحاح رقم 4
الأصحاح الرابع
المسيح ويشوع
بعد أن قارن الرسول بين السيد المسيح وأول قائد للشعب القديم "موسى" يتحدث هنا على خليفته يشوع الذي دخل بهم إلى أرض الموعد حيث الراحة. وقد ربط الرسول بين ثلاثة أنواع من الراحة: الدخول إلى راحة الله في اليوم السابع "السبت"، ودخول الشعب إلى أرض الراحة تحت قيادة يشوع، ودخولنا إلى الراحة الأبدية في المسيح يسوع سرّ راحتنا.
1. حذر من عدم الإيمان 1 - 3.
2. اليوم السابع (الراحة) 4 - 5.
3. أرض الموعد (الراحة) 6 - 13.
4. الراحة في المسيح 14 - 16.
1. حذر من عدم الإيمان
إذ سبق فضرب لنا الرسول مثلاً عمليًا بالآباء الذين حرموا من الدخول إلى أرض الموعد، أي التمتع بالراحة، بسبب عدم إيمانهم، يحذرنا قائلاً: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ" [1]. من جانب الله قدم لنا وعدًا بالدخول إلى راحته، لكن من جانبنا يلزم أن نخف لئلا مع وجود الوعد الإلهي الصادق نُحرم من التمتع به. هو كأب فتح لنا باب الرجاء، ونحن كأبناء يلزمنا أن نخف، لا كعبيدٍ في حالة رعب، وإنما نحمل خوف الابن الذي يخشى أن يجرح مشاعر أبيه بحرمان نفسه من الميراث الذي أعده الأب له. إن كان الله كأبٍ قدم لنا دم ابنه ثمنًا لخلاصنا، فبروح البنوة نخف لئلا نُحرم من هذا الخلاص. يقول الرسول بطرس: "وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 1: 17-19). ويقول الرسول بولس: "تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ" (في 2: 12).
في حديث القديس أغسطينوس عن البتولية المقدسة يكتب إلى البتوليين معلنًا خوفه عليهم لئلا يسقطون في الكبرياء فيحرمون من المسيح يسوع، حاثًا إياهم أن يسلكوا بخوف ورعدة في طريق خلاصهم، فمن كلماته: [أقول إنني في خوف عظيم عليكم لئلا تفتخروا إنكم ستتبعون الحمل أينما ذهب يذهب ولا تقدرون أن تتبعوه في الطرق المستقيمة بسبب كبريائكم. إنه من الأفضل لكِ أيتها النفس البتول أنك وأنتِ بتول... أن تحملي مخافة الرب وتلدي روح الخلاص. حقًا إنه "لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج" (1يو 4: 18) كما هو مكتوب، لكنها تطرد خوف الناس وليس خوف الله، الخوف من الشرور الزمنية وليس مخافة الدينونة الإلهية في الآخرة، "لا تستكبر بل خف" (رو 11: 20). حب صلاح الله، ولتخف صرامته ولا تكن متكبرًا. بالحب خف لئلا تعصي بطريقة خطيرة (الله) الذي يُحب. أية معصية أشر من أن تحتقره بالكبرياء، ذاك الذي من أجلك لا يسر بالمتكبرين!... إن كنت لا تحب فخف لئلا تهلك، وإن كنت تحب فخف لئلا تحزنه!]
إذن لنخف أنه مع بقاء وعد إلهي بدخولنا إلى راحته يخيب رجاؤنا بسبب عدم إيماننا أو تهاوننا. والعجيب أنه لا يقول: "وعد بالدخول إلى راحتنا" بل "وعد بالدخول إلى راحته". لأننا إذ ننعم براحته إنما ننعم براحتنا الحقة. في المسيح يسوع ربنا وحده يجد الآب راحته من جهتنا إذ يقدمنا إليه أعضاء جسده، أعضاء مبررة ومقدسة بالدم الثمين، وبهذا تتحقق راحتنا نحن أيضًا، إذ فيه نستقر في أحضان الآب السماوي إلى الأبد. فالمسيح هو "سرّ الراحة الحقيقية" فيه يستريح الآب ونستريح نحن أيضًا.
انفتاح أبواب الرجاء للراحة، بثبوتنا في السيد المسيح، لا يدفعنا إلى التواكل والتراخي بل إلى الجهاد المستمر متمسكين بإقرار الإيمان والتقدم بثقة إلى عرش النعمة. كأن التمتع بالراحة يتطلب الحذر من عدم الإيمان والجهاد متمسكين بالإيمان في نموٍ دائمٍ. لهذا يقول: "فَلْنَخَفْ... فَلْنَجْتَهِدْ... فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ... فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" [1، 11، 14، 16]. فالمخافة الإلهية تدفعنا إلى الاجتهاد، والاجتهاد يجعلنا نتمسك بإقرار الإيمان وهذا بدوره يجعلنا في حالة تقدم مستمر بيقين في عمل نعمة الله مطمئنين أن الله يعمل فينا في حينه، أي في الوقت المناسب.
2. اليوم السابع
إذ حدثنا الرسول بولس عن الاجتهاد بخوف الله لنوال وعده بالراحة يربط بين هذا الوعد وباليوم السابع، أي السبت، الذي يعني في العبرية "راحة". "لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ عَنِ السَّابِعِ: وَاسْتَرَاحَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ" [4].
ما هو ارتباط الوعد بالدخول إلى راحته براحة الرب في اليوم السابع؟ إن كان الله قد استراح في اليوم السابع بعد أن خلق العالم كله في ستة أيام أي في ست حقبات زمنية، فلا يعني اليوم السابع راحته عن العمل، إذ يقول السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). ويقول القديس إكليمنضس السكندري بأن الله لا يحتاج إلى يوم للراحة كالإنسان فإنه [لا يتعب ولا يمسه ألم ولا عوز.] إذن راحة الله في اليوم السابع إنما تعني فرحه وبهجته بخلقة الإنسان في اليوم السادس بعد أن أعد له كل احتياجاته قبل أن يجبله.
إن كان الله قد استراح في اليوم السابع، فإن الستة أيام تشير إلى الحياة الزمنية حيث يعمل الله على الدوام لحسابنا حتى متى جاء يوم الرب العظيم أي السبت الحقيقي يستريح الله بقيامتنا ولقائنا معه في الأمجاد، حيث يعلن كمال خلاصنا روحيًا وجسديًا، ونوجد هناك معه وفيه إلى الأبد، في "السماء الجديدة والأرض الجديدة" (رؤ 21: 1)، في المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها، والتي قيل عنها: "هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا" (رؤ 21: 3). هذه هي الراحة الحقة لله والناس، أو هو سبت الرب وسبتنا، وقد سبق لنا إدراك أن السيد المسيح هو "راحتنا الحقيقية" أو "سبتنا الحقيقي"، فيه استراح الآب في البشرية إذ وجدنا أعضاء في الجسد ابنه مقدسين ومتبررين، وفيه استرحنا في الآب إذ نجده أبانا السماوي بتمتعنا بالبنوة لله بثبوتنا في الابن الوحيد. تحققت الراحة بقيامة السيد المسيح من الأموات حيث أقامنا معه معطيًا إيانا سلطانًا على الموت وغلبة على الجحيم وتحطيمًا للخطية. فصار لنا حق الدخول إلى السماويات حتى حضن الآب باتحادنا في القائم من الأموات وللآب أن يقبلنا فيه كأعضاء جسد ابنه المحبوب. ويتحدث الأب برناباس من رجال القرن الثاني عن قيامة الرب كسرّ الراحة أو السبت الحقيقي، قائلاً: [نحن نحفظ اليوم الثامن (الأحد) بفرح، اليوم الذي فيه قام الرب من الأموات، ليعلن عن نفسه أن يصعد إلى السماوات.] وقد اعتادت الكنيسة منذ العصر الرسولي أن تقيم سرّ الإفخارستيا كسرّ للراحة الحقيقية، حيث تنعم بجسد السيد المسيح القائم من الأموات ودمه في يوم الأحد تذكار قيامته!
يكمل الرسول بل حديثه عن راحة الله في اليوم السابع هكذا: "وَفِي هَذَا لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي" [5]... لماذا؟
أولاً: لأن اليهود أخذوا راحة اليوم السابع بمعنى التوقف عن العمل والبطالة دون عمل الخير... بل دنسوا السبت بالشر ففقدوا الراحة. لهذا ينصحنا القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [لا يعني (راحة الله) البطالة بل انتهاء التعب، فإن الله لا يزال يعمل حتى الآن كما يقول المسيح "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" لذا أطلب إليكم أن تتجنبوا الإهمال وتمتلئوا غيرة من جهة الفضيلة لأن لذة الشر قصيرة، أما الله فباقٍ. أما الفضيلة فعلى العكس فرحًا لا يشيخ، وأما تعبها فإلى حين.]
ثانيًا: أما السبب الثاني لعدم دخولهم إلى راحة الله فهو عدم إيمان اليهود بالسيد المسيح الذي هو "السبت الحقيقي"، إذ يقول السيد نفسه: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم" (يو 15: 22)... لقد جاء السبت الحقيقي إلى العالم ورفضه اليهود فرفضوا راحتهم في الله. وكما يقول القديس يوحنا الإنجيلي: "إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله" (يو 1: 11). جاء "السبت الحقيقي" ليعلن لهم الانطلاقة من حفظ السبت الحرفي والدخول إلى السبت الحقيقي ، فجال يصنع خيرًا في السبوت، مؤكدًا لهم "أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" (مت 12: 8؛ مر 2: 28؛ لو 6: 5).
3. أرض الموعد (الراحة في كنعان)
انتقل الرسول بولس من الراحة التي لنا في الله في اليوم السابع أو السبت إلى الراحة التي صارت لشعب الله قديًما بدخولهم الأرض التي سبق فوعدهم بها، والتي تفيض لبنًا وعسلاً، لكي يقارن بين يسوع المسيح قائدنا إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة ويشوع بن نون الذي دخل بهم ومعهم إلى كنعان ليهبهم الراحة التي وعد الله بها آباءهم... إذ يقول الرسول أن الله استمر يعدهم بالراحة حتى بعد تمتعهم بالأرض، كأن ما ناله الشعب بيشوع لم يحقق لهم كمال الراحة الحقة، وإنما كان رمزًا لراحة ينتظرونها: "لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ، لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ. إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ" [8]. لا تزال توجد راحة نسعى مجاهدين أن نتمتع بها كما استراح الله في اليوم السابع من أعماله ودخل الشعب أرض الراحة. "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هَذِهِ عَيْنِهَا" [11]. هذه الراحة هي الاجتهاد في الحياة مع المسيح يسوع سرّ راحتنا. الإيمان به هو الراحة، والاجتهاد المستمر إنما يعني ثبوتنا في الراحة الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا إن الإيمان لعظيم ويجلب خلاصًا، بدونه لا يمكن الخلاص قط... لكن الإيمان وحده لا يكفي لتحقيقه... إذ يقول: "فلنجتهد". لا يكفي الإيمان، إنما يلزم أن يضاف إليه الحياة وغيرتنا أن نكون عظماء. يوجد لزوم للغيرة العظمى أن نرتفع إلى السماوات. إن كان الذين نالوا ضيقات كثيرة في البرية لم يحسبوا أهلاً لأرض (الموعد) وكانوا عاجزين عن التمتع بها لأنهم تذمروا، فكيف بالأكثر نتأهل نحن للسماوات إن عشنا مهملين وعاطلين! إننا في حاجه إلى غيرة شديدة.]
ماذا يعني القول "فلنجتهد... لئلا يسقط أحد"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تعني أنه يليق بنا أن يكون فكرنا ورجاؤنا وتوقعاتنا هناك (في السماء) لئلا نفشل.] كما يعني أيضًا أنه وإن كنا قد تمتعنا بالراحة في المسيح يسوع ودخلنا معه وفيه إلى السماويات يليق بنا أن نجتهد لننمو فيه، لئلا نسقط ونُحرم مما نحن عليه. وكما يقول الرسول بولس لأهل غلاطية: "أهكذا أنتم أغبياء! أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد!" (غل 3: 3). هكذا بعدما يبتدئ البعض بالروح فينعموا بالراحة الحقة في المسيح يسوع راحتنا يتراخوا في جهادهم ويسقطوا عن الراحة ليكملوا أيام زمانهم في الجسد، منحدرين من السماء إلى الأرض. لنجتهد أن نبقى عاملين في الروحيات ولا نرتد بعد إلى الجسديات، وكما يقول القديس چيروم: [لماذا نرغب نحن الذين مع المسيح قد صلبنا الجسد وشهواته وملذاته أن نمارس أعمال الجسد بعد؟] في المثال الذي ضربه السيد المسيح بخصوص الخروف الضال (لو 15) الذي من أجله ترك الراعي التسعة والتسعين يبحث عنه وسط الجبال، فإن هذا الخروف يمثل إنسانًا كان يسلك وسط الجماعة المقدسة بالروح وقد سقط في الجسديات فحُرم من الراحة الحقيقية.
أما سلاحنا الذي يسندنا للدخول إلى الراحة السماوية فهو كلمة الله، سواء الكلمة المكتوبة أو الكلمة الله المتجسد. "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا." [12-13]. فالسيد المسيح هو كلمة الله الحيّ والفعَّال الذي يدخل بنا إلى حياتنا الخفية، يعمل في القلب والحواس ويقدس كل أعضائنا، مهيئًا إيانا بروحه القدوس لينطلق بنا إلى حضن أبيه كورثة معه في ملكوته السماوي. إنه كاشف أسرارنا الداخلية وعارف بأعماقنا، يقدر على تجديدها المستمر. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ابن الله حيّ وفعّال يعمل يومًا فيوم لخلاص الكل.] كما يقول: [الإنسان يعمل لا بالكلمات بل باليدين لأنه مخلوق وكلمته ليست لها كيان. أما كلمة الله فكما يقول الرسول: "حيّ وفعّال"... إذ هو خالق الكل وبغيره لم يكن شيء مما كان (يو 1: 3)... لا يليق بنا أن نسأل: لماذا كلمة الله ليست ككلمتنا، مدركين أن الله ليس مثلنا.]
ما نقوله عن السيد المسيح كلمة الله الحيّ نكرره عن كلمة الله المكتوبة، فإننا إذ ننعم بها إنما ندخل إلى اللقاء مع السيد المسيح نفسه المختفي وراء الحروف. بالروح القدس تدخل النفس إلى أعماق الكلمة، لننعم بالحجال السماوي ونعيش مع كلمة الله الحيّ نتمتع بعمله فيها!
يحدثنا المرتل عن فاعلية كلمة الله في حياة المؤمنين، قائلاً: "إلى الدهر لا أنسى وصاياك، لأنك بها أحببتني"، سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي"، "فتح كلامك ينير يعّقل الجهال"، "أبتهج أنا بكلامك، كمن وجد غنيمة وافرة" (مز 119: 93، 105، 130، 162). لقد وجد المرتل في الوصية الإلهية إنها واهبة حياة وسرّ استنارة وينبوع حكمة وكنز غنى لنفسه!
4. الراحة في المسيح
إن كان يشوع بن نون لم يقدم الراحة الكاملة، وقد بقي وعد بالراحة [9]... فما هي الراحة الحقيقية الكاملة؟ ومن الذي يقدر أن يدخل بنا إليها؟
يقول الرسول بولس: "فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ، لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" [14-16].
نحن نعلم أنه ما كان ليشوع بن نون أن يجتاز نهر الأردن بالشعب ليعبر إلى كنعان إلاَّ ومعه رئيس الكهنة والكهنة اللاويون الحاملون التابوت المقدس، إذ "قال يشوع للكهنة احملوا تابوت العهد، واعبروا أمام الشعب" (يش 3: 6)، ويقول الرب: "ويكون حينما تستقر بطون أقدام الكهنة حاملي تابوت الرب سيد الأرض كلها في مياه الأردن أن المياه المنحدرة من فوق تنفلق وتقف ندًا واحدًا" (يش 3: 13). أما يسوع فهو "ابن الله" و"رئيس كهنتنا" لم يحمل تابوت عهد ليعبر بنا نهر الأردن ويدخل بنا إلى كنعان إنما بكونه واحدًا في أبيه في جوهر اللاهوت اجتاز السماوات ليدخل بنا إلى كنعان السماوية وتستقر في حضن أبيه!
يقول الرسول "إذ لنا" فهو ليس مجرد رئيس كهنة بل هو "لنا"، قدم لنا ذاته لنحمله فينا، نملكه ويملكنا، يدخل إلى قلوبنا فندخل معه إلى سماواته. لهذا يقول إشعياء النبي: "يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام" (إش 9: 6)، إنه المولود لنا ومُعطى لنا. هذا ما أكده ملاك الرب للرعاة حين بشرهم بميلاد السيد: "إنه ولد لكم اليوم... مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 11). صار المسيح لنا حتى إذ اجتاز السماوات نجتازها معه وبه لنكون مع مسيحنا!
يطالبنا الرسول أن نتمسك بالإقرار أي بالإيمان بثقة إلى عرش النعمة، لكي ننال رحمة، ونجد نعمة عونًا في حينه. الإقرار هو الإيمان، لنتمسك بالإيمان أنه "يسوع ابن الله"، أي مخلصنا ابن الله السماوي، القادر أن يجتاز بنا إلى مجده الأبدي. لنتقدم مجاهدين ومملوءين رجاءً إلى نعمة الله تسندنا وتهبنا العون، ولكن "في حينه". نطلب أن نجتاز مع يشوعنا الحق لا إلى أرض الموعد الزمنية، بل إلى كنعان العليا، ندخل عربونها هنا، ونتذوق ثمرها، وننعم بمجدها في القلب، وننطق بلغتها السماوية، ونحمل سمة مواطنيها، حتى متى حان الوقت ننعم بها في كمال المجد.
ولئلا يتشكك أحد بسبب ضعفه أنه لا يقدر أن يجتاز مع السيد سماواته يقول: "لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ". يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يجهل ما يخصنا كما يحدث مع كثير من رؤساء الكهنة، إذ لا يعرفون من هم في ضيقات... إذ يستحيل على الإنسان أن يدرك أحزان المتضايقين... أما رئيس الكهنة الذي لنا فقد احتمل كل شيء. تألم أولاً وعندئذ صعد لكي يكون قادرًا أن يحنو علينا.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الرابع
آية (1):- "1فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ! "
إلى راحته = هناك 3 أنواع من الراحة:
1. راحة الله يوم السبت وهذه ترمز للراحة الأبدية.
2. دخول الشعب إلى أرض الراحة تحت قيادة يشوع وهذه راحة أرضية رمزاً للراحة السماوية.
3. دخولنا إلى الراحة الأبدية فى المسيح يسوع سر راحتنا وكرمز لها دخولهم كنعان.
الراحة فى المسيح
هذه تتم على 3 مراحل
1. ونحن على الأرض يعطينا الروح القدس تعزيات تكون كندى ينزل على أوراق الشجر وسط حرارة الشمس الحارقة (التجارب وآلام هذا العالم) فلا تحترق الأوراق.
2. بعد الإنتقال تبدأ راحة حقيقية للروح والنفس والجسد.
أ. راحة الجسد = فلا أمراض ولا ألام فى الجسد
ب. راحة النفس = فلا قلق ولا حزن ولا هم ولا اكتئاب
ت. راحة الروح = وهذا فى قربها من الله لانعدام فرص الخطية فما كان يبعد الإنسان عن الله هو الخطية الناشئة عن ضعف الجسد.
3. الراحة فى المجد حين يلبس الإنسان الجسد الممجد بعد المجيء الثانى.
فالمسيح هو سر الراحة الحقيقية فيه يستريح الآب ونستريح نحن أيضاً. فى راحته نجد راحتنا بأن نستقر فى أحضان الآب السماوى. والآب أرتاح فى الإبن لطاعته. فكانت طاعة المسيح هى بداية دخولنا للراحة لكن يلزمنا الاجتهاد حتى لا تفلت منا هذه الراحة = يرى أحد منكم أنه قد خاب منه كما حدث مع اليهود وحرموا من دخول أرض الميعاد. ولنلاحظ أن كل وعد بالراحة فى العهد القديم كان يرمز للراحة فى المسيح التى ستكمل فى الأبدية. لأن راحة السبت أو راحة كنعان لم تحقق الراحة الكاملة للشعب. لكن هذه الراحة ستكمل فى المسيح الذى يكمل كل أعواز الإنسان من جهة محبة الله ومقاصده الحلوة لنا. فلنخف = هو يكلم العبرانيين حتى يخافوا من ارتدادهم عن الإيمان.
ونلاحظ أن الرسول بعد ما قارن بين المسيح وموسى نجده هنا يقارن بين المسيح ويشوع فيشوع أدخلهم للراحة الزمنية فى كنعان. ولكن هذه الراحة الزمنية ليست هى كل قصد الله لشعبه، بل يعد لهم راحة أبدية.
آية (2):- "2لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولئِكَ، لكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أُولئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ فِي الَّذِينَ سَمِعُوا."
قَدْ بُشِّرْنَا = بالأخبار السارة أى الوعد بالراحة. كَلِمَةُ الْخَبَرِ = الإنجيل لنا والوعد بكنعان لهم. وكلمة الله قوية جداً (آية 12) ولكن هذه القوة تعمل فيمن له إيمان = مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ. فلنحذر إذن أن نقابل كلمة الموعد بعدم إيمان.
آية (3):- "3لأَنَّنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ الرَّاحَةَ، كَمَا قَالَ:«حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي» مَعَ كَوْنِ الأَعْمَالِ قَدْ أُكْمِلَتْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ."
نَدْخُلُ الرَّاحَةَ = من يؤمن بالمسيح يبدأ طريق الراحة، حقاً هى راحة يشوبها الآن آلام هذا العالم ولكنها بداية تكمل بعد نهاية هذا العالم.
حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي = (مز95: 11) يقصد بولس الرسول أن يقول لولا أن الله قد هيأ لشعبه راحة ما كان يقسم بأنه سوف يحرمهم منها. وهذه الراحة التى يعد بها الله ليست راحة يوم السبت. فالله أكمل خلقة العالم منذ زمان = الأَعْمَالِ قَدْ أُكْمِلَتْ.
آية (4):- "4لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ عَنِ السَّابعِ هكَذَا:«وَاسْتَرَاحَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ»."
كما أستراح الله بعد أن أنهى كل أعماله الخاصة بالخلقة، هكذا سيحدث للبشر فبعد أن ننهى الأعمال التى خلقنا الله لنعملها. والله لم يتعب إذ خلق العالم فقرر أن يستريح في اليوم السابع. لكننا نحيا الآن في اليوم السابع، والله إستراح فيه بأن تمم الفداء الذي به عادت لأبنائه الحياة الأبدية معه.
(أف2: 10) سندخل إلى الراحة التى أعدها الله لنا. والله لا يرتاح إذ أنه لا يتعب. ولكنه إرتاح بكمال خلاصنا وفدائنا الذى تم بالصليب وكان هذا فى اليوم السابع والله مازال يعمل حتى الآن (يو5: 17 ).
آية (5):- "5وَفِي هذَا أَيْضًا:«لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي»."
الله هيأ الراحة لشعبه ودعاهم إليها ولكن هناك من يفشل فى الوصول إليها، وذلك بسبب عدم الإيمان. والله أعد لنا راحة فلنحذر حتى لا نفشل وتضيع منا.
الآيات (6-7):- "6فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْمًا يَدْخُلُونَهَا، وَالَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلاً لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ الْعِصْيَانِ، 7يُعَيِّنُ أَيْضًا يَوْمًا قَائِلاً فِي دَاوُدَ:«الْيَوْمَ» بَعْدَ زَمَانٍ هذَا مِقْدَارُهُ، كَمَا قِيلَ:«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ»."
سبق الرسول وقال إن الراحة المقصودة فى مز 95 ليست هى السبت.
والرسول هنا يريد أن يثبت أن المقصود فى المزمور ليست الراحة الأرضية فى كنعان. وأن الراحة المقصودة هى راحة ما بعد الزمان. ودليله فى هذا أن داود يكلم شعبه أن لا يقسوا قلوبهم فيخسروا الراحة، فأى راحة يتكلم عنها داود وهم فى أرض كنعان فعلاً، أرض الراحة، إن لم تكن راحة ما بعد الزمان. فإذ بقى أن قوم يدخلونها من لا يتقسى قلبه سيدخل، كل من يسمع داود فى (مز8:95-11) ولا يقسى قلبه سوف يدخل سواء من شعب داود أو من المسيحيين فكلام داود هو لنا أيضاً. فإن ضاعت من بنى إسرائيل الراحة بسبب العصيان تكلم الله على لسان داود بوعد براحة أخرى مازال أمامنا فرصة لدخولها.
آية (8):- "8لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ."
لو كانت أرض كنعان هى الراحة الحقيقية لما قال داود ما قاله فى مزمور95.
آية (9):- "9إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ! "
هناك راحة أبدية محفوظة لشعب المسيح فى الأبدية.
رَاحَةٌ = إستخدم بولس الرسول هنا ولأول مرة كلمة جديدة للراحة وهى سباتزموس وهى كلمة مركبة من اليهودية العبرية (سبت) ومضاف لها مقطع يونانى. والكلمة تشير للراحة السبتية إشارة للراحة الأبدية. وكان اليهود لو أتى عيد الفصح يوم سبت يطلقون عليه السبت العظيم وهم لا يدرون أنهم فى المستقبل سوف يكون هنا يوم سبت عظيم (يو19: 31) فيه سيموت المخلص. فالسبت يعنى راحة، وموت المسيح بداية الراحة الحقيقية. وراحتنا الحقيقية هى فى السبت الأبدى حصلنا عليها بموت المسيح وندخلها بعد إنتهاء أعمالنا الأرضية.
آية (10):- "10لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ اسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ."
لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ = كلمة راحة هنا سباتزموس أيضاًً ولم تذكر ثانية فى أى مكان. والمقصود أن أول من أكمل عمله كان هو المسيح وكان عمله الفداء والصليب وبعدهما دخل لهذه الراحة كباكورة. ونحن نبدأ فى دخول هذه الراحة لحظة إيماننا بالمسيح وستكمل فى الأبدية. وكما إستراح الله بعد الخلقة إستراح الإبن بعد تجديد الخلقة بالفداء.
آية (11):- "11فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا."
فَلْنَجْتَهِدْ = الرسول هنا يوجه الدعوة لنعمل كل الجهد حتى لا تضيع منا الراحة واضعين أمام أعيننا صورتين:
1. صوت عويل من مات فى البرية وهذا للتخويف.
2. صوت تهليل وتسبيح سحابة القديسين (عب12: 1) وهذا للتشجيع.
والإجتهاد المستمر يعنى ثبوتنا فى الراحة الأبدية. الإيمان وحده لا يكفى، بل علينا أن نعمل كل الجهد لكى نسلك فى الفضيلة.
كلمة ختامية عن الراحة
هناك راحة معدة لنا يحذرنا أن لا نفقدها وهذه الراحة الموعودة فى مز 95 ليست هى راحة السبت التى إرتاحها الله وليست هى راحة دخولهم كنعان بل هى راحة ما بعد الزمان والدليل الذى يسوقه بولس الرسول كما رأينا:
1. ليست هى راحة السبت :- لأن داود يتكلم عنها بعد أن أنهى الله أعماله راجع آية3 مع كون الأعمال قد أكملت منذ تأسيس العالم.
2. ليست هى راحة كنعان :- فداود يتكلم عنها وهم فى كنعان (مز95).
آية (12):- "12لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ."
فى آية (11) قال الرسول فلنجتهد. وقد يتساءل إنسان لماذا نجتهد فيجيب الرسول هنا بأن كلمة الله لها خطورتها فهو وعد بالراحة ووعده لابد سيتم، كلمته لها هيبتها والله يعلم خبايا النفوس. وكلمة الله تدين أى إنحراف فى المشاعر والميول (يو 12 : 48) فكلمة الله لها قدرة على تمييز ما هو داخل النفس لأن كل شئ مكشوف أمامه فى الخليقة. كلمة الله الآن هى للتعليم وللإنذار وللتقويم ولكنها هى نفسها التى سنقف أمامها عرايا فى اليوم الأخير مكشوفى الضمائر والأفكار. ولكنها الآن هى سلاحنا الذى يسندنا فى جهادنا للدخول إلى الراحة سواء الكلمة المكتوبة أم الكلمة المتجسد الذى يدخل إلى حياتنا الخفية، يعمل فى القلب والحواس ويقدس كل أعضائنا مهيئاً إيانا بروحه القدوس لينطلق بنا إلى حضن أبيه. هو الكاشف أسرارنا الداخلية وعارف بأعماقنا وقادر على تجديدها. وبكلمة الله المكتوبة ندخل للقاء المسيح المختفى وراء الحروف. فيالسعادة من ينقاد لكلمة الله ووصاياه ويتعلم من الإنجيل ويالشقاء من يقاوم. فلأن الله يعلم النيات فيستحيل أن يضمر الإنسان عدم طاعة لله والله لا يعلم.
حَيَّةٌ = لها قوة الحياة حينما نسمعها. فهى حية ومحيية (يو : 24) تقيم من موت الخطية (يو5: 25) بل هى تخرج من القبور (يو28:5، 29).
فَعَّالَةٌ = لها ثمر فى حياة من يسمعها، هى تكشف للإنسان طبيعته وأعماقه وتظهر ما هو ردئ فيه لذلك إرتعب فيلكس أمام كلمات بولس الرسول (أع24:24، 25) ومن ثم تقود النفس أسيرة لجلالها فى طريق الفضيلة.
وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ = الكلمة أمضى من أمضى سيف الذى هو ذو حدين.
لكلمة الله حدين:
الحد الأول :- يقطع به الله محبة الخطية من القلب وهذا يسميه الكتاب ختان القلب بالروح (رو 2 : 29). وبهذا يولد الإنسان ولادة جديدة "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد" (1بط1: 23). وهذا ما قاله السيد المسيح "وأنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به" (يو15: 3). فكلمة الله حية وقادرة أن تنقى وتحيى وتلد
أما الحد الثانى :- فهو حد إدانة. فمن لا يتجاوب مع كلمة الله ويولد ثانية ويتنقى تدينه كلمة الله "فتب وإلا فإنى آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمى" (رؤ2: 16)، الكلام الذى تكلمت به هو يدينه فى اليوم الأخير (يو12: 48). وأما من يهمل دراسة كلمة الله فهو يدفن وزنته وينطبق عليه "هلك شعبى من عدم المعرفة" (هو4: 6).
خَارِقَةٌ = لكل ما هو خفى. إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ = من الأشياء المخفية أين تلتقى النفس مع الروح وأين يفترقان. ولكن كلمة الله تصل لهذا المفرق وتفصل بينهما للتطهير لتعد الإنسان للراحة العليا. فالإنسان لا يسهل علية أن يفرق بين ما هو للنفس وما هو للروح أما كلمة الله فتميز أفكار الإنسان بسهولة وتكشفهما له.
وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ = أى ما هو ظاهر (المفاصل) وما هو خفى فى الإنسان (المخاخ) فهناك سلوك ظاهر للإنسان ولكن هناك أشياء باطنية خفية فيه تكشفها كلمة الله.
آية (13):- "13وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا."
كلمة الله لها قدرة على تمييز ما هو خفى داخل النفس. والمسيح هو كلمة الله فاحص القلوب والكلى.
آية (14):- "14فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ."
يشوع وحده لم يكن قادراً على عبور الأردن إلى كنعان الراحة إلا لو كان معه رئيس الكهنة والكهنة حاملى التابوت. ونحن لنا رئيس كهنة يحملنا فيه ليعبر إلى كنعان السماوية ونستقر فى حضن الآب. رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ = فهرون وباقى رؤساء الكهنة خلفاءه كانوا يجتازون الحجاب إلى داخل قدس الأقداس الأرضى فقط. أما المسيح رئيس كهنتنا فإجتاز السماء أى دخل إلى اللا منظور ودخل إلى الفائق السمو. هو دخل إلى الراحة الأبدية.
فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ = أى بالإيمان. لا ننكر إيماننا.
آية (15):- "15لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ."
يَرْثِيَ = يشترك بمشاعره كما بكى المسيح على قبر ليعازر، بل أن بطرس الرسول يطلب منا أن نفعل هذا (1 بط 8:3).
فكم وكم يفعل المسيح. فلا يخطر على بالنا أن المسيح طالما هو فى السماء فهو لا يهتم بنا. بل لأنه تعرض لما نتعرض له فهو شاعر بآلامنا. هو يشعر بالظلم الواقع علينا وبكل آلم نتألم به، فلم يظلم أحد أو تألم أحد كما ظلم هو وتألم. لذلك هو قادر أن يرفع هذا الظلم أو الألم وإن لم يرفعه فهو يعد لنا مكافأة سماوية إن إحتملنا وعزاءاً أرضياً الآن فهو يشترك معنا بمشاعره.
بَلْ مُجَرَّبٌ = الإنسان يجرب من الخارج بالظلم والآلام ويجرب من الداخل من شهوته (يع14:1، 15). أما المسيح فقد جرب من الخارج فقط وليس من الداخل فالخطية ليست فيه. وإبليس جربه وفشل (مر12:1، 13) ولما فشل فى تجربته بالخطايا من الداخل جربه بالآلام من الخارج والخيانة (يهوذا) وإهانات وشتائم الناس.
بِلاَ خَطِيَّةٍ = وفى هذا يختلف عن رؤساء الكهنة العاديين.
آية (16):- "16فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ."
نَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ = كان من يتقدم ويقترب من الأقداس يقطع أما الآن فنحن نتقدم واثقين أنه حسب وعده الأمين والعادل من يعترف يطهره بدمه من كل خطية (1يو7:1-9). فلنتقدم إذا بكل ثبات وإيمان إلى عرشه الذى تنبع منه النعمة لنحصل على غفران خطايانا.
ونجد مراحمه عونا لنا حين تدهمنا التجارب = فِي حِينِهِ.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع
مقارنة بين الراحة في أرض كنعان والراحة في المسيح
في هذا الأصحاح مقارنة بين الراحة في يوم السبت ويشوع الذي أدخل شعب الله إلى الراحة في أرض الميعاد وبين المسيح الذي يدخل المؤمنين به إلى الراحة الحقيقية في ملكوت السموات .
(1) الراحة لا تتم في السبت ( ع 1 - 5 ) :
ع 1 : وعد بالدخول إلى راحته : وعد الله للمؤمنين بالراحة الأبدية . خاب منه : أي لم يحصل عليه . وعد الله شعبه قديماً بدخول أرض الميعاد ، وهذا الوعد لم ينله كل الشعب لأنَّ الأكثرين الذين تذمروا ورفضوا الدخول سقطوا وماتوا في برية سيناء . فينبهنا الرسول إلى ضرورة الحذر لئلا لا نحصل على وعد الله بالراحة مثل هؤلاء الذين لم يدخلوا .
+ مخافة الله تعطيك تدقيقاً وابتعاداً عن الخطية فتنال مراحم الله ومساندته وتدفعك للجهاد الروحي فتضمن بنعمة الله مكاناً في الملكوت . تذكر الله الذي يراك عندما يحاربك فِكر الخطية لتبتعد سريعاً عنها .
ع 2 : كلمة الخبر : وعد الله وبشارته لشعبه قديماً بدخول أرض الميعاد . ينبهنا بولس الرسول أننا قد سمعنا البشارة بالمسيح المخلص كما سمع اليهود قديماً البشارة بدخول أرض الميعاد ، ولكن معظمهم لم يدخلوا لعدم إيمانهم وتذمرهم على موسى فماتوا في البرية ( عد 14 : 1 - 3 ) .
ع 3 : الأعمال قد أُكملت منذ تأسيس العالم : خلقة الله للعالم بما فيه أرض الميعاد وكذلك ملكوت السموات . نحن المؤمنون ندخل الراحة الأبدية من أجل إيماننا بالمسيح ، ولكن لم يدخل شعب إسرائيل قديماً أرض الميعاد لعدم إيمانهم ، مع أنَّ الله قد أكمل خلقة كل شئ قبل أن يخلق الإنسان .
ع 4 : أول إعلان عن الراحة في الكتاب المقدس كان في اليوم السابع ( تك 2 : 2 ) حيث أكمل الله خلقة العالم . والراحة هنا ليس معناها الكف عن العمل ، بل فرح الله بما عمله لأنَّ المسيح يقول " أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل " ( يو 5 : 17 ) .
ع 5 : في هذا : أي في يوم السبت الذي كان رمزاً للراحة الأبدية . لم يتمتع اليهود بالراحة في يوم السبت لأنهم :
1. فهموا الراحة بمعنى الكف عن العمل وليس عمل الخير .
2. لم يؤمنوا بالمسيح المخلِّص الذي هو رب السبت ومُعطِي الراحة الحقيقية .
+ الإيمان بالمسيح يعطيك طمأنينة في كل خطواتك بل يشعرك بلذة عِشرته ويقودك إلى التمتع الدائم بالأبدية .
(2) الراحة لا تكمل في أرض الميعاد ( ع 6 - 10 ) :
ع 6 : فإذ بقى : يوجد شئ آخر غير راحة السبت وأرض كنعان وهو ملكوت السموات . قوماً يدخلونها : المؤمنون بالمسيح . الذين بُشِّروا أولاً : اليهود الذين دعاهم موسى لدخول أرض الميعاد ورفضوا لعدم إيمانهم بقوة الله التي تقهر الأعداء أمامهم . لم يدخلوا لسبب العصيان : لم يدخلوا أرض الميعاد بسبب عدم طاعتهم لله على يد موسى . يُفهم مما سبق أنَّ المؤمنين بالمسيح سيدخلون الملكوت السماوي ، أما بني إسرائيل الذين دعاهم الله لدخول أرض الميعاد رمزاً لدخول ملكوت السموات تذمروا ولم يطيعوا الله فلم يدخلوا .
ع 7 : يُعَيِّن أيضاً يوماً : يوماً يعِد فيه براحة الملكوت . قائلاً في داود : أي في سفر المزامير الذي كتب داود معظمه ( مز 95 : 7 ، 8 ) . اليوم بعد زمان هذا مقداره : اليوم هو أيام داود وهو بعد زمن حوالي 500 عام من دخول بني إسرائيل أرض الميعاد . فداود يتكلم بالطبع عن راحة أخرى غير أرض الميعاد التي سبق فدخلوها . كما قيل اليوم إن سمعتم صوته فلا تُقَسُّوا قلوبكم : يُنادي داود البشر جميعاً أنهم إن سمعوا البشارة بالمسيح المخلِّص ، فلا يقسوا قلوبهم ويرفضوها حتى لا يُحرَموا من دخول ملكوت السموات . لأنَّ الراحة الحقيقية هي في ملكوت السموات ، فداود الذي عاش بعد دخول أرض الميعاد بزمن طويل يُنادي البشر ليؤمنوا بالمسيح المخلِّص الذي يهبهم الحياة الأبدية .
ع 8 : يؤكد بولس أنَّه لو كانت الراحة الحقيقية في أرض كنعان على يد يشوع ، لما تكلَّم داود عن راحة أخرى ندخلها بالإيمان بالمسيح إن سمعنا البشارة به .
ع 9 : يُفهَم مما سبق أنَّ هناك راحة أخرى لشعب الله ، أي اليهود ، ليست هي السبت ولا أرض كنعان ، وهي الراحة الأبدية التي ينالها شعب الله الجديد أي المؤمنون بالمسيح المخلِّص .
ع 10 : لأنَّ الذي دخل راحته : المؤمن بالمسيح الذي دخل إلى الأبدية . إستراح هو أيضاً من أعماله : أعمال الجهاد الروحي وأتعاب هذه الحياة . كما الله من أعماله : كما استراح الله في اليوم السابع بعد إتمام خلقة العالم وفرح بما أتمه ، هكذا أيضاً المؤمنون عندما يدخلون السماء يفرحون بالوجود مع الله بعد جهادهم على الأرض . المؤمن بالمسيح الذي يدخل إلى الأبدية السعيدة يتمتع بالراحة الحقيقية كالراحة التي يشعر بها الله بعد إكمال خلقة العالم وهي الراحة الروحية .
+ لا تنشغل كثيراً براحة جسدك وتنعمه فهذا كله مؤقت وزائل . على قدر ما تستطيع أعطِ فرصة لنفسك أن تصلي وتخدم ولو على حساب راحة الجسد جزئياً فتتمتع بعِشرة الله .
(3) الجهاد لدخول الراحة ( ع 11 - 16 ) :
ع 11 : حيث تأكدنا أنَّ الراحة الحقيقية هي في المسيح المخلَّص الذي يعطيها لنا في السموات ، فلنجاهد روحياً لترك كل خطية والتمسك بالإيمان وحياة البر فيكون لنا مكان في السماء ، ولا نسقط في عدم طاعة وصايا الله كما عصى اليهود قديماً ، بل نتعظ من عدم إيمانهم .
ع 12 : ما يساعدنا على الجهاد أنَّ كلمات الله في الكتاب المقدس : حية وفعالة : لا تشيخ بل دائماً قوية وتؤثر في النفوس . أمضى من كل سيف ذي حدين : حادة جداً أكثر من السيف ذي الحدين الذي يقطع يميناً ويساراً ، فهي تكشف جميع الأخطاء . خارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته : عميقة في تأثيرها فتصل إلى أعماق نفس الإنسان وروحه كما يصل السيف الحاد إلى أعماق الجسد فتكشف خطايا الفكر والقلب وتدعو الإنسان للتوبة . كلمة الله خير سند للمجاهد الروحي في كشف خطاياه فيبعد عنها ويرجع إلى الله لينمو في كل عمل صالح .
ع 13 : يؤكد القديس بولس أنَّ الله خالق كل المخلوقات يعرف كل ما في داخلها لأنَّه خالقها ومدبرها ، وهذا يدعونا بالتالي إلى مخافة الله ورفض الخطية .
ع 14 : رئيس كهنة عظيم : كان هرون رئيس الكهنة هو الذي يدخل وحده إلى الأقداس ، أما المسيح كاهن العهد الجديد العظيم هو الذي يدخل وحده إلى السموات ليعد لنا مكاناً . قد اجتاز السموات : كان رئيس الكهنة قديماً يدخل بالدم ويجتاز إلى قدس الأقداس ليكفِّر عن الشعب وكان هذا رمزاً للمسيح . وعندما يقول السموات يقصد أنَّه اجتاز جميع السموات التي يعرفها البشر سواء سماء الطيور أو الكواكب أو السموات العليا ليصل إلى سماء السموات أي الملكوت . الإقرار : الإيمان بالمسيح . في جهادنا للوصول إلى السماء ، فلنتمسك بكلمة الله ومخافته وكذلك بالإيمان بالمسيح رئيس كهنتنا ومخلِّصنا الذي أعدَّ لنا مكاناً في السماء ويساعدنا حتى يوصلنا إليه .
ع 15 : الذي يشجِّعنا على التمسك بالإيمان أي مسيحنا ليس إلهاً بعيداً عنا ، بل تجسد واحتمل الآلام مثلنا ليشعرنا بقربه إلينا وإشفاقه على ضعفنا ، وفي نفس الوقت هو بلا خطية أي قادر أن يخلِّصنا منها .
ع 16 : يدفعنا بولس الرسول إلى الجرأة والثقة في التقدم إلى إلهنا العظيم ، ليس فقط الله الجالس على عرشه ، بل الذي يفيض نعمته علينا لأنَّه أحبنا ومات عنا ليسامحنا على خطايانا ويسندنا برحمته كل حين ويعطينا معونته في كل ضيقة نلتجئ إليه فيها .
+ ثق في محبة الله الفادي لك وتَقَدَّم نحوه مهما كانت خطاياك ومهما زادت الضيقات ، فهو قادر أن ينقذك لأنَّه يحبك ولن يتركك فيرفعك من أتعابك ويسندك في طريق حياتك حتى يوصلك إليه .. ثق في نصرتك به على كل الصعاب .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح