كلمة منفعة
1- هناك أحلام من الله:مثل الأحلام التي ظهرت ليوسف النجار، وللمجوس، قيل له في حلم أن يأخذ الطفل وأمه ويمضى إلى مصر. وقيل لهم في حلم أن يرجعوا من طريق آخر. وكذلك الأحلام التي رآها والتي فسرها يوسف الصديق ودانيال النبي: وكلها أحلام موجهة، ومنبئة بشيء يحدث في المستقبل.
— الأحلام
الرسالة إلى العبرانيين 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 3
العبرانيين
الإصحاح رقم 3
الأصحاح الثالث
المسيح وموسى
في مقارنته بين السيد المسيح وأنبياء العهد القديم أوضح الرسول الجوانب الفائقة للسيد دون أن يقلل من شأن الأنبياء، وهكذا في عرضه للمقارنة بينه وبين الملائكة. هنا أيضًا يقارن بينه وبين موسى النبي بكونه أول قائد للشعب، أخرج إسرائيل من أرض العبودية وعبر بهم إلى البرية ووقف بهم عند جبل موآب ليسلمهم ليشوع قائدهم إلى أرض الموعد. لم يقلل الرسول من شأن هذا الرجل العظيم في الأنبياء بل أكد أمانته في العمل، وإنما أبرز شخص السيد المسيح القائد الحقيقي القادر على الانطلاق بنا من العبودية المرة الداخلية إلى حرية مجد أولاد الله، وقد تحدث هنا عن:
1. السيد المسيح وموسى 1 - 6.
2. قسوة القلب 7 - 19.
1. السيد المسيح وموسى
"مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ، حَالَ كَوْنِهِ أَمِينًا لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ" [1-2].
وجه الرسول الحديث إلى المسيحيين من العبرانيين ودعاهم "الإخوة القديسين". فإذ كان حديثه السابق في المقارنة بين السيد المسيح وملائكته قد دفعه للحديث عن تواضع السيد بتجسده فصار أخًا بكرًا لنا، فإن الرسول يرى في المؤمنين "إخوة قديسين" بكونهم أعضاء معه في جسد المسيح القدوس، وشركاء معه في الدعوة السمائية. ففي المسيح السماوي يتمتع المؤمنون بحياته المقدسة السمائية ليحيوا فيه على المستوى القدسي السماوي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إن كنتم تؤمنون أنه جلس عن يمين الآب في السماوات يليق بكم أن تؤمنوا أنه لم يعد مكانكم في الأرضيات بل في المنظر السماوي.]
طالبهم الرسول وهو يقارن بين السيد المسيح وموسى النبي أن ينظروا إلى السيد ويتأملوه من جانبين:
أ. رسول اعترافنا
بالتجسد أعلن الابن كرسولٍ، أرسله الآب إلينا ليعلن الحب الإلهي عمليًا على الصليب ويهبنا إمكانية القيامة بقيامته ويدخل بنا إلى سمواته بجلوسه عن يمين الآب. في هذا يختلف السيد المسيح عن الأنبياء والملائكة، فهو لم يُرسل بمعنى تركه موضع ليذهب إلى آخر، وإنما بمعنى ظهوره في الجسد وحلوله بيننا هذا الذي يبقى بلاهوته غير منفصلٍ عن أبيه، يملأ السماء والأرض.
غاية رسالته هو إعلان إيماننا أو اعترافنا بالحق. قدم لنا ذاته بكونه الحق الإلهي غير المتغير، نقبله فنتعرف على أسرار الآب أيضًا، وكما يقول السيد: "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه... الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 7، 9).
إذن، فإرساليته فريدة، خلالها يحملنا فيه ليدخل بنا إلى حضن أبيه، نتعرف عليه معرفة الإتحاد والشركة والتلامس الحق، نرى في الآب ما لا يُرى، ونتمتع بما لا يمكن للحواس الجسدية أن تعبر عنه!
ب. رئيس كهنته
إن كان العبرانيون إذ قبلوا الإيمان بالمسيح حرموا من الكهنوت اللاوي، ومن التمتع بأعمال رئيس الكهنة خليفة هرون، لكنهم تمتعوا برئيس كهنة أعظم على مستوى إلهي، يعمل في السماء بلا توقف إلى الأبد. الأمر الذي يناقشه الرسول فيما بعد عند حديثه عن السيد كرئيس كهنة على رتبة ملكي صادق، وكشفيع عنا في المقادس السماوية لدى أبيه.
قلنا في دراستنا لأسفار الأنبياء أن اليهود رأوا النزاع المرّ بين الأنبياء الحقيقيين والكهنة الشكليين في عبادتهم، أما السيد المسيح فقد جاء يفوق الكل، فيه لا تقدم النبوة كمعرفة جزئية إنما هو "الحق عينه" و "المعرفة الكاملة"، في نفس الوقت هو رئيس الكهنة لا على مستوى تقديم ذبائح دموية إنما بالحب الإلهي يقدم حياته فدية عن شعبه، فيه تلتحم النبوة مع الكهنوت بطريقة فريدة فائقة، بها يفوق موسى العظيم في الأنبياء وهرون رئيس الكهنة المدعو من الله.
هذه مقدمة عن السيد المسيح للمقارنة بينه وبين موسى النبي والتي تتلخص في النقاط التالية:
أولاً: يبدأ الرسول ممتدحًا موسى النبي بكونه الأمين في كل بيته [2]، ولم يبدأ بالكشف عن سمو السيد المسيح عنه ذلك بسبب شدة ارتباط اليهود بموسى، فقد خشي [لئلا يهرب السامع ويسد أذنيه عنه. فمع كونهم مؤمنين، لكنهم كانوا لا يزالون يحملون مشاعر عميقة في ضمائرهم بصورة خاصة نحو موسى.] أما عبارته "في كل بيته"، فقصد بها "وسط شعبه"، فقد كان موسى أمينًا في رعايته للشعب كحارس ومدبر لهم.
لقد رفع الرسول بولس من شأن موسى إذ أعلن أنه أمين في كل بيته وأن السيد المسيح الذي أقامه الآب أمين أيضًا... وقد حاول الأريوسيون التركيز على هذه العبارة ليعثروا المؤمنين في شخص السيد المسيح، خاصة في قوله "أقامه"، معلنين أن هذا التعبير يجعل من السيد مخلوقًا أقامه الخالق على بيته أي كنيسته. وقد تصدى القديس أثناسيوس الرسولي لهم في شرح هذه العبارة الرسولية، مؤكدًا أننا نتطلع إلى السيد المسيح من جانبين، الجانب الأول بكونه كلمة الله الأزلي، وقد أقام لنفسه بيتًا في أحشاء البتول حيث صار واحدًا مع ناسوتنا. هذا هو الذي يتحدث عنه سليمان الحكيم قائلاً: "بنت الحكمة بيتها" (أم 9: 1). فكلمة الله هو بعينه الحكمة الذي بنى له بيتًا هو ناسوتنا الذي اتحد به.
يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على هذه العبارة الرسولية، قائلاً: [هذا أنت ترى أن ما دعاه الرسول مخلوقًا إنما ما أخذه لنفسه من نسل إبراهيم، مؤكدًا بوضوح بدء الجسد، إذ كيف يطهر خطايا الشعب إلاَّ في جسده؟ أي شيء تألم فيه إلاَّ جسده، إذ نقول أن المسيح تألم في الجسد؟ وفي أي شيء هو كاهن إلاَّ لأنه أخذ لنفسه ما هو من الشعب الكهنوتي؟]
ثانيًا: إن كان موسى أمينًا في عمله الرعوي، لكي شتان ما بين أمانته وأمانة السيد المسيح، إذ يقول: "فَإِنَّ هَذَاْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ" [3-4]. شتان ما بين السيد المسيح الخالق الذي هو باني البيت أي جابلنا والقادر على تجديد خلقتنا وبين العظيم موسى، فهو بحق أمين لكنه يشترك في كونه البيت عينه الذي يقوم السيد المسيح ببنائه!
ثالثًا: كان موسى أمينًا كخادم شهادة، يشهد لرعاية الله ومحبته ويعلن ناموسه وشرائعه، لذا كان يخلع نعليه عند دخوله المقدسات (خر 3: 5) كخادم أمين يود أن يكون مقدسًا لكي يلتقي بالقدوس. أما السيد المسيح فهو الابن الوارث كل شيء، إذ يقول الرسول: "وَمُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ" [5-6]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [الواحد (موسى) يهتم بممتلكات غيره، أما هذا فيهتم بممتلكاته الخاصة]، أي يهتم بنا نحن بيته، هيكله المقدس وموضوع ملكوته.
رابعًا: النتيجة العملية لهذه المقارنة هي: "وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" [6]. يلزمنا أن نبقى نحن كبيت الله الذي سبق فخدمه موسى كنبيٍ أمين، ويقيم فيه الابن كصاحب بيت يقدسنا بروحه القدوس، كمسكنٍ أبديٍ له لا يهلك إن تمسكنا بثقة فيه ووضعناه كرجاء لنا نفتخر به.
نختم هذه المقارنة بكلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: [تراه يتحدث لا عن الهيكل بل الشعب كله... أتدرك كيف يفصل الرسول بين الشيء المصنوع (بيت الله) والصانع، بين الخادم والابن؟ أضف إلى هذا أنه بحق يدخل إلى ممتلكات أبيه كسيد بينما يدخل الآخر كخادم.]
2. قسوة القلب
ينتقل الرسول في حديثه عن السيد المسيح مقارنًا إياه بنبيه موسى إلى الشعب نفسه، فإن كان العبرانيون يفتخرون بقائدهم العظيم، لكن الشعب الخارج من مصر لم يدخل إلى الراحة الموعود بها، لا عن ضعف في القائد وإنما بسبب العصيان في البرية. موسى كان أمينًا، لكن الشعب بعصيانه وعدم إيمانه فقد ما وعدهم به الله خلال موسى. لهذا كان يليق بهم لا أن يفتخروا بموسى، بل يتطلعوا إلى أنفسهم لئلا يحرموا هم أيضًا من الراحة الحقيقية والتمتع بالمواعيد الإلهية كآبائهم بسبب قسوة قلوبهم الناتجة عن عدم الإيمان.
"لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ. حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً..." [7-9].
هنا يقتبس الرسول النصف الأخير من المزمور الخامس والتسعين، فبعدما قارن بين أمانة السيد المسيح بكونه الابن الخالق لبيت الله والمهتم به، وبين أمانة موسى النبي بكونه الخادم الأمين والذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من البيت نفسه، عاد ليكشف لهم كيف حُرم آباؤهم من التمتع بالمواعيد الإلهية، إذ هلكوا في البرية، ولم يدخلوا أرض الموعد، بالرغم من أمانة موسى قائدهم. لقد هلك ذاك الجيل ليس عن نقص في الرعاية الإلهية ولا عن عدم أمانة القائد والخادم الأمين موسى، وإنما بسبب قسوة قلب الشعب وعدم إيمانهم. لقد كان الله يرعاهم أربعين عامًا، لما سبق وتحدثنا في أكثر من موضع أن رقم 40 يشير إلى حياتنا الزمنية، فإن يد الله المترفقة لا تتوقف عن رعايتنا كل أيام حياتنا، مشتهيًا الدخول بنا إلى راحته، لكن عدم الإيمان يحرمنا من هذه الرعاية، أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقوم عدم الإيمان على القسوة، وكما في الجسد الأعضاء اليابسة القاسية لا تخضع ليديّ الطبيب، هكذا لا تخضع النفوس القاسية لكلمة الله.] مادام القلب قاسيًا لا يتقبل عمل الكلمة الإلهي فيه، إنما يسلك في عدم إيمان، حارمًا نفسه من رعاية الله الفائقة!
ضرب لنا الرسول مثلاً عمليًا بالخارجين من أرض مصر الذين فقدوا تمتعهم بمواعيد الله بسبب عدم إيمانهم النابع عن قسوة القلب، فعاشوا في حالة سخط وتذمر بلا انقطاع. فقبيل عبورهم البحر الأحمر وهم بعد في دائرة مصر، قالوا لموسى: "هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا نموت في البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر!... كف عنا فنخدم المصريين" (خر 14: 11). وبعد خروجهم عندما عبروا البحر الأحمر وترنموا للرب سرعان ما تذمروا على موسى إذ وجدوا المياه مرّة (خر 15: 11). وفي إيليم تذمروا مرة ثالثة، قائلين: "ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع" (خر 16: 3). وفي عدم إيمان إذ أرسل الله لهم المن لم يطيعوا محتفظين بالمن للصباح التالي (خر 16: 19). وفي يوم السبت خرجوا، خلافًا للوصية، ليلتقطوا مَنًا فلم يجدوا (خر 16: 27). ولما أبطأ موسى عن النزول من الجبل أصروا أن يقيم لهم هرون عجلاً ذهبيًا يسير أمامهم عوض الله (خر 32). وفي عدم إيمان اشتهوا القثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم، قائلين عن المن: "والآن قد يبست أنفسنا، ليس شيء غير أعيننا إلى هذا المن" (عد 11: 6). وحين أرسل الله الجواسيس إلى كنعان ورجعوا، تذمرت الجماعة على موسى وهرون، قائلين: "ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف، تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة؟ أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر!" (عد 14: 2، 3). هكذا صارت حياتهم سلسلة من التذمر المستمر، وكأن طبيعتهم نفسها قد صارت هكذا، لهذا أعلن الله رفضه هذا الجيل ولم يدخل منه أرض الموعد غير يشوع وكالب. هذه التجربة الجماعية يلزم ألاَّ تفارق أعيننا، حتى لا نفقد مواعيد الله بسبب قسوة قلوبنا.
هنا يركز على القلب الذي هو المنبع، فيمكن أن يكون هيكلاً مقدسًا للرب خلاله يتقدس الجسد كله بكل طاقاته، ويمكن أن يكون مصدرًا للشرور متى كان قاسيًا يرفض عمل النعمة فيه. أما العلاج فهو "التوبة" التي في جوهرها التجاء القلب إلى الله نفسه كسرّ حياته وخلاصه وتقديسه. كلمة الله تجتذب القلب للتوبة، لذا يقول الرسول: "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم". أما تأكيد الرسول لكلمة "اليوم"، ذلك لأن حياتنا بالأمس لا تشفع فينا إن كنا نعيش اليوم في قسوة القلب، والمستقبل ليس في أيدينا مادمنا لا نسمع صوت الله اليوم. أما إن عشنا اليوم في التوبة مصغين لصوته، فإننا ننتفع بالماضي ببركاته وضعفاته، وينفتح قلبنا بالرجاء من جهة المستقبل. يصير الزمن كله مكسبًا لنا مادامت حياتنا خاضعة للرب، لهذا يكمل الرسول هكذا:
"بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَادَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ" [13].
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [فليعلم الواحد الآخر، تيقظوا لئلا يحل بكم ما حلَّ بهم، "لكي لا يقسي أحد منكم بغرور الخطية"، أنظر كيف تلد الخطية عدم الإيمان؟ فكما أن عدم الإيمان يجلب حياة شريرة هكذا إذ تدخل النفس إلى عمق الشر تصير حمقى (أم 18: 3)، وإذ تصير هكذا حمقى لا تقبل حتى أن تؤمن لكي تتحرر من المخافة.]
تخدع الخطية النفس فتجلبها إلى عدم الإيمان، وعدم الإيمان يدفعها إلى الخطية، وهكذا يدور الإنسان في دوامة عدم الإيمان والسقوط في الشر.
يكمل الرسول: "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" [14]. ينتقل بنا الرسول من المقال الذي اقتبسه عن العهد القديم إلى حديث يخص العهد الجديد، فإن كان رجال العهد القديم قد سقطوا في قسوة القلب، فإن السيد المسيح قدم لنا الشركة معه كإمكانية جديدة حتى لا نسقط فيما سقط فيه الآباء. قدم لنا نفسه رأسًا، وصرنا نحن من لحمه وعظامه (أف 3: 6؛ رو 12: 5) إن تمسكنا ببداءة الثقة، أي تمسكنا بأساس الإيمان به كخالقنا ومجدد طبيعتنا.
يعود فيؤكد الرسول دورنا الإيجابي في التمتع بالراحة الموعود بها خلال الطاعة، قائلاً:
"إِذْ قِيلَ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ. فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟ وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ" [15-19].
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك القول الرسولي: [هم أيضًا سمعوا كما نسمع نحن، لكنهم لم ينتفعوا من السماع. فلا تظن أن الانتفاع هو بالسماع، فإنهم سمعوا ولم ينتفعوا شيئًا لأنهم لم يؤمنوا.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثالث
ص 3، 4 هما مقارنة بين خطة التدبير الإلهي التي نفذها الله على يد موسى ويشوع وبين خطة التدبير الإلهى التى نفذها المسيح.
آية (1):- "1مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ. "
ترجمة توضيحية للآية "لاحظوا يسوع رسول ورئيس كهنة اعترافنا".
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ = أليسوا هم أخوة للمسيح وأعضاء جسده وهو أشترك فى لحمنا ودمنا ولكن ليس معنى هذا أن الكل صاروا قديسين، فالسيد المسيح قال لتلاميذه "والآن كلكم طاهرين ولكن ليس كلكم" (فيهوذا كان فى وسطهم).
شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ = هى دعوة سماوية نتمتع فيها بالمسيح السماوى ولتكون حياتنا الأبدية مع الله ومع شركة القديسين فى تسبيح يدوم للأبد فى السماء. هى دعوة لنرث الخيرات السماوية. ولكن هى دعوة وهناك من يرفضها.
رَسُولَ وَرَئِيسَ كَهَنَهِ = رسول هذه تشير للتجسد ورئيس كهنة تشير لذبيحة الصليب هنا المسيح يجمع وظيفتين رسول "مثل موسى" ورئيس كهنة (مثل هارون) (راجع مت15: 24)+ (يو17 :3). هنا نرى المسيح مرسلاً بالجسد.
رئيس كهنة اعترافنا = اعترافنا أى إيماننا. فغاية رسالة المسيح هى إعلان إيماننا. وهو رئيس كهنة هذا الإيمان الجديد. فإن كان العبرانيون قد حرموا من الكهنوت اللاوى ورئيس الكهنة اليهودى فهم يتمتعون الآن برئيس كهنة سماوى على مستوى إلهى يقدم حياته فدية عن شعبه، وهو ليس رئيس كهنة على ناموس موسى بل رئيس كهنة سماوى حسب الإيمان الجديد. ويسمى الإيمان هنا اعتراف لأن الإيمان مرتبط جوهرياً بالاعتراف بالله وبابنه.
لاَحِظُوا = أى انتبهوا ذهنياً لتعرفوا المسيح رئيس الكهنة معرفة حسنة.
آية (2):- "2حَالَ كَوْنِهِ أَمِينًا لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ. "
بولس الرسول يتكلم عن موسى بكل إحترام ولا يقلل من شأنه. ولقد ذكر فى (عد12: 7) أن موسى كان أميناً على بيت الله أى وسط شعبه. وهكذا كان المسيح أميناً فى رسالته.
لِلَّذِي أَقَامَهُ = الروح القدس هيأ جسد المسيح فى بطن العذراء والآب أرسله للعذراء.
آية (3):- "3فَإِنَّ هذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. "
المسيح كان أميناً وموسى كان أميناً. ولكن عليكم أن تعرفوا أن المسيح إستحق مجداً أعظم من مجد موسى. فموسى جزء من بيت الله الذى خلقه المسيح. فالمسيح هو الخالق لكل البيت الذى من ضمنه موسى. هو خلقنا وجدد خلقتنا. فمجد الخالق بانى البيت أعظم من مجد البيت نفسه. بَانِي الْبَيْتِ = الخالق وصانع التدبير بأكمله.
آية (4):- "4لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ. "
فالمسيح هو الذى أعطى الناموس لموسى ليدبر به الشعب اليهودى. وصار موسى مدبراً لبيت إسرائيل ولكن مدبر الكل (إسرائيل والشعب المسيحى وموسى نفسه) هو الله. وبهذه الآية يطمئن الرسول العبرانيين أنهم ما زالوا فى بيت الله.
آية (5):- "5وَمُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ. "
موسى كان أميناً على بيت الله لكى يخدمه ويشهد لهذا الذى سوف يتكلم به الله إلى الشعب الإسرائيلي. أى موسى كان يشهد للمسيح.
آية (6):- "6وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ. "
الرسول يخرج بنتيجة روحية بعد المناقشة النظرية فى سمو المسيح عن موسى فهو توصل أننا البيت الذى بناه المسيح ولكن حتى نبقى نحن كبيت الله الذى خدمه موسى لفترة ويقيم فيه الآن الإبن كصاحب بيت يقدسنا كمسكن أبدى له، يجب أن نتمسك بثقة بإيماننا به ونضع فيه رجاؤنا الذى نفتخر به. افْتِخَارِهِ = الإفتخار بالرجاء بالمسيح يشير للمجاهرة بإيماننا هذا بلا خوف. والثقة بالرجاء هى الإيمان (عب11). وَبَيْتُهُ نَحْنُ = ألسنا أحجاراً حية يبنى بها هذا البيت الذي هو هيكل الله ونحن هيكل الله (1بط5:2+ 1كو16:3)
الآيات (7-8):- "7لِذلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ:«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ 8فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْر. "
لكى نكون بيت الله يتوقف هذا على أن نتمسك بالرجاء حتى النهاية. ثم إقتبس الرسول من مزمور95 ونسب هذا القول للروح القدس الذى كان يتكلم على لسان داود (2صم23: 2) + (أع1: 16). ولنلاحظ أنه بالرغم من أمانة موسى هلك كثيرين من الشعب فى البرية بسبب عصيانهم ولم يدخلوا أرض الراحة. والآن لو تقست قلوبنا وتذمرنا وأنكرنا الإيمان كما فعلوا لن ندخل راحة المسيح وسنحرم من رعاية الله الفائقة. وكانت خطايا الشعب وقسوة قلبه قد ظهرت فى المواقف التالية:
1. عدم الثقة أن الله فى وسطهم فتذمروا بسبب الماء وتذمروا على المن...
2. الإرتداد عن الله الحى وعبادة الهة أخرى (كما حدث فى موضوع العجل).
3. إهانة الرب بعدم تصديق وعوده (فى موضوع تجسس الأرض).
والآن إن كانت قلوبنا قاسية لا تتقبل عمل الكلمة الإلهى فيها سنحرم من الراحة المنتظرة.
الْيَوْمَ = أى الحياة الحاضرة. ولنعلم أن حياتنا السابقة لا تشفع لنا والمستقبل ليس فى أيدينا.
صَوْتَهُ = من يسمع صوت إبن الله يحيا (يو5: 25) فمن لا يسمع سيهلك كما هلك اليهود إذ رفضوه.
آية (9):- "9حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. "
بالرغم أنهم أبصروا أعمالى العجيبة معهم إلا أن قلوبهم كانت قاسية.
آية (10):- "10لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. "
يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ = أى يخدعون بإرادتهم بقلوبهم. فالشر والخير أمام الإنسان وهو بحريته ينحاز لأي منهم وإذا أنحاز القلب لعمل الخير يرتاح الضمير وإن أختار الشر أشتكى الضمير وأحتج وتألم. فالضمير هو مرآة صوت الله فى قلب الإنسان ويظل الضمير معذباً إلى أن تسعفه أعمال الإيمان وغسل وتطهير الضمير بروح الله ودم المسيح الذى يطهر الضمائر من الأعمال الميتة (عب9: 14) ويعيد إليه فرحته وراحته. وعلامة رضى الله أن الإنسان يطلب التوبة فى قلبه وعلامة غضب الله أن الإنسان يهرب من التوبة ولا يسعى للمغفرة ويكره الاعتراف بالخطية.
لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي = الله عمل معهم أعمال خيره ومعجزات باهرة، وأنذرهم وأدبهم حين أخطأوا. ولكنهم لم يفهموا ولم يروا يد الله لآن قلوبهم كانت منشغلة بشرورهم لذلك يقول لا تقسوا قلوبكم " فالخطية تقسى القلب وتغلق الأذن والعين فلا نتعرف على أعمال الله. والله يعطى الإنسان بحسب اشتياقه فمن يطلب الأذن المفتوحة يعطيه الله أذناً مفتوحة ويسكب من روحه فى قلبه ويكشف له أسرار حكمته ونعمته.
آية (11):- "11حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي». "
وصلوا فى قساوة قلوبهم إلى أن الله أقسم أن لا يدخلوا راحته. ولكن أية راحة التى يتكلم عنها المزمور. فالمرنم يطلب من شعبه أن لا يقسوا قلوبهم مثل الشعب فى البرية فيخسروا الراحة. ولاحظ أن المرنم وشعبه الآن فى أرض كنعان أرض الراحة. لذلك فالراحة التى ينتظرها هى المكان الذى يهرب منه الحزن والكآبة والتنهد ويكون القلب فى فرح وسلام بلا تعب حيث يمسح الله كل دمعة من العيون.
آية (12):- "12اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الارْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ. "
التذمر على موسى حرمهم من أرض الميعاد أما التذمر على المسيح سيحرمنا من السماء.
آية (13):- "13بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ. "
عِظُوا أَنْفُسَكُمْ = الرسول يدعو لنهضة روحية لا يكف فيها الوعظ والتوجيه حتى تنكشف القلوب أمام كلمات المسيح فلا تهرب للضلال. فكلمة الرب تفضح الخطية.
كُلَّ يَوْمٍ = باستمرار. غرُور = فالخطية تلبس ثوباً مخادعاً لتبدو جذابة وهى بشعة هكذا بدا لآدم أن الشجرة جيدة وهى قاتلة.
آية (14):- "14لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ. "
صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ = فى الجسد والدم، فى حياته، فى عطاياه بل سنرث معه نرث الله. ولكن كيف تستمر هذه الشركة ؟ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ = أى نحتفظ بالإيمان الذى بدأنا به ثابت حتى نهاية حياتنا. ونحن صرنا شركاء المسيح أولاً فى المعمودية ثم الإفخارستيا. على أننا نلاحظ من آية 13 أن الخطية تسبب قساوة القلب ومن آية 14 نرى أن شرط الشركة مع المسيح هو الإيمان. فالخطية تلد عدم الإيمان، وعدم الإيمان يجلب حياة شريرة. الخطية تخدع النفس وتجلبها إلى عدم الإيمان وعدم الإيمان يدفع للخطية وهكذا تدور الدائرة ليصل القلب إلى حالة قساوة.
آية (15):- "15إِذْ قِيلَ:«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ»."
نجد هذه الآية تكرار للآية 7. وكأن الرسول فى الآيات 8–14 يعلق على آية 7 ثم يذكرها ثانية للتشديد فى آية 15 ثم يعلق عليها ثانية فى الآيات 16–19.
آية (16):- "16فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟."
فى الآيات 16–19 نستنتج أن عدم الإيمان وعدم الطاعة هو سر محنة الشعب الخارج من مصر. وبالتالى فنحن المسيحيين الذين أخرجهم المسيح من عبودية إبليس معرضين لنفس المصير إن تركنا الإيمان ولم نطيع الوصايا. والإرتداد عن المسيحية مثلما أراد اليهود المتذمرين أن يرتدوا إلى مصر.
آية (17):- "17وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ "
راجع (عد32:14–34) ومنه نفهم أن سبب آلامنا هو إبتعاد الله. والله يبتعد عنا بسبب الخطية. ونلاحظ أن مدة التجسس كانت 40 يوماً والله مقتهم 40 سنة أى أن كل يوم قابله سنة عقاب. ومن هنا نرى حجم العقاب الزمنى.
آية (18):- "18وَلِمَنْ أَقْسَمَ: «لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ»، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ "
الله أقسم أن من خالفه ولم يطيعه لن يدخل راحته. وعند العبرانيين فإن الله لو أقسم فالأمر قد وصل للذروة إما فى هبة ستعطى لهم أو حرمان سيقع حتماً لا محالة (راجع عب13:6، 14). لاحظ أن هذه الآيات موجهة للعبرانيين أى المؤمنين الذين يفكرون فى الارتداد بسبب قسوة إضطهاد اليهود لهم.
آية (19):- "19فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ. "
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
مقارنة بين المسيح وموسى
(1) المسيح وموسى ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : من ثمَّ : بُناء على ما سبق ذكره في الأصحاح الثاني . الإخوة : يشعر بُولس بشركته مع اليهود المتنصرين في جسد المسيح . القديسون : المسيحيون ، لأنهم مخصَّصون للمسيح . الدعوة السماوية : دعوة المسيح يصفها بالسماوية لأنَّه نزل من السماء وسيرفعنا إليه في السماء في الفردوس والملكوت ، وكذلك لأنَّ وصاياه سامية وروحانية . لاحظوا : أي تأملوا وتفهموا عمل المسيح الخلاصي . رسول اعترافنا : المسيح المُرسل من الآب إلينا بتجسده لنرى الله أمامنا ونعترف ونؤمن به ، وقد أعلن المسيح قائلاً أنَّ " من رآني فقد رأى الآب " ( يو 14 : 9 ) . وإرسال الإبن ليس معناه إنفصاله عن الآب ولكنه معه في كل حين ويملأ كل مكان رغم تجسده . رئيس كهنته : المسيح رئيس كهنة العهد الجديد الذي قدَّم ذبيحة نفسه على الصليب كفَّارة عن خطايانا بدلاً من رئيس الكهنة في العهد القديم الذي كان يُقدَّم يوم واحد في السنة ، هو يوم الكفَّارة ، دم الحيوانات ويرشه على تابوت العهد رمزاً لدم المسيح الفادي . لأنَّ السيد المسيح يقدر أن يعين المُجَرَّبين ، لذا أيها الإخوة في المسيح يسوع ، الذي جعلنا جميعاً إخوة فيه ، أنتم يا من دُعيتم للتمتع بالفرح السماوي ، إمعنوا النظر وتأملوا في ربنا يسوع المسيح هذا الذي جاء ليصل بيننا وبين السماء ، جاء ليأخذ إعترافنا بالإيمان الحق ويدخل به إلى قدس أقداس السماء عينها وليس مثل رئيس الكهنة في العهد القديم الذي كان في الكهنوت الهاروني ( تث 26 : 3 ) .
ع 2 : أقامه : الآب أرسل الإبن إلى العالم ليفديه ، وليس معنى هذا إنفصال الإبن عن الآب لأنهما واحد في الجوهر وإرساله معناه تجسد وليس إنتقاله من مكان لآخر لأنَّه رغم تجسده مازال يملأ كل مكان بلاهوته . بيته : شعبه الذي كان يرعاه ويقوده في البرية 40 سنة . كان الرب يسوع أميناً لله في المهمة التي جاء من أجلها ، مثلما كان موسى أميناً لدى شعب بني إسرائيل . ويُلاحظ أنَّ بولس الرسول لم يبدأ بتفضيل المسيح عن موسى لأنَّ موسى هو أعظم أنبياء بني إسرائيل فبدأ بالتحدث عن تشابه المسيح في الأمانة مثل موسى ، فالمسيح أتمَّ الفداء على الصليب مثلما أتمَّ موسى رعاية شعبه ، وفي الآيات التالية أظهر تفوق المسيح على موسى .
ع 3 : هذا : المسيح . البيت : شعب إسرائيل الذي كان موسى أحد أعضائه . هذا الشخص الكريم ، أي ربنا يسوع المسيح ، مستحق لمجد أكثر جداً من موسى بنفس فرق المجد بين الله باني البيت وبين البيت .
ع 4 : البيت : خيمة الإجتماع أي هيكل العهد القديم . إنَّ عظمة موسى تأتي من بنائه لخيمة الإجتماع ، ولكن المسيح هو خالق كل البشر ومنهم موسى ، وهو المسئول عن فداء البشرية كلها وليس شعب إسرائيل فقط . فموسى خادم أمين لله أما المسيح فهو الله نفسه خالق الكل وفادي الكل .
ع 5 ، 6 : كخادم ، شهادةً : يتمِّم خدمته التي تمهد وتشهد للمسيح الآتي بعده . العتيد أن يتكلَّم به : لتعاليم المسيح . كابن على بيته : صاحب ومالك كل شئ لأنَّه هو الخالق والفادي وهو رأس الكنيسة ومخلصها . أمانة موسى كانت أمانة موكلة إليه كخادم في خيمة الإجتماع ولرعاية بني إسرائيل ، لكن أمانة السيد المسيح على نفوس البشر ، التي هي نحن ، هي أمانة المالك لكل شئ لأنه هو الله الخالق والفادي . ونحن المسيحيون سنتمتع ببركات أمانته وعمله الفدائي العظيم من أجلنا إن ثبتنا في الثقة بشخصه وتشبثنا بالرجاء الذي يعطيه لنا الرب يسوع . إذاً عندما قارن القديس بولس في فروق المجد بين ربنا يسوع المسيح وبين موسى النبي ، نستطيع القول أنَّه قارن في شقَّين أساسيين :
أ- إتساع أمانة شخص ربنا يسوع المسيح ( باني الكل ) عن موسى وأمانته على بيت إسرائيل .
ب- سلطان الرب يسوع كإبن في بيته ( الكل ) وعمل موسى كخادم في بيت إسرائيل .
+ ليتك تتمسك برجائك في الله مهما أحاطت بك المشاكل أو زادت عليك حروب إبليس أو كثرت سقطاتك ، فالمسيح قادر أن يقيمك من هذه كلها ، وإن تألَّمت واحتملت فارفع عينيك إلى رجاء الأبدية التي سيعوّضك فيها مسيحك بما لا يعبر عنه من أفراح وأمجاد .
(2) قساوة القلب ( ع 7 - 11 ) :
ع 7 ، 8 : لذلك : لأنكم أولاد الله المؤمنون به كما تشير الآية السابقة . الروح القدس : على لسان داود في ( مز 95 : 7 - 11 ) . اليوم : يقصد به المعنى الحرفي ، أي اليوم بالنسبة للسامع حين يكلمه الله في الكتاب المقدس أو بأي وسيلة ينبهه ، فلا يهمله أو يعصاه . تقسُّوا : القلب مقصود به مركز العواطف ، فلا يجعل الإنسان قلبه جامداً خالياً من المشاعر نحو كلام الله فيرفضه . الإسخاط : التذمر والغضب الشديد . يوم التجربة : اليوم الذي تذمّر فيه بنو إسرائيل على موسى لعدم وجود ماء وضرب الصخرة أمامهم فأخرجت ماء وسمى المكان مريبة أو مسة ( خر 17 : 1 - 7 ) . ومزمور ( 95 ) يذكر إسم مريبة ليوضح معنى يوم التجربة . وليس المقصود هنا تذمر بني إسرائيل في مريبة فقط بل تذمرهم المتكرر في برية سيناء وقبل العبور إليها . القفر : برية سيناء . ينتقل بولس الرسول من علاقة المسيح بموسى إلى علاقته بشعبه اليهود المتنصرين ، فيدعوهم إلى طاعته والإيمان بتعاليمه وعدم التشكك والتذمر بسبب أفكار اليهود الغير مؤمنين ، ولا يتشبهوا بأجدادهم عندما تذمروا على الله قبل عبورهم البحر الأحمر وأثناء تجوالهم في برية سيناء عندما عطشوا أو وجدوا ماء مراً أو سئموا من المن ... إلخ ( خر 14 : 11 ، خر 16 : 3 ) .
ع 9 : جرَّبني : إمتحنني . اختبروني : رأوا رعايتي واهتمامي بهم وقدرتي على عمل المعجزات لهم . كان بنو إسرائيل يؤمنون بالله إله آبائهم ، ولكن في برية سيناء تعرفوا على الله من خلال رعايته وتدبيره إحتياجاتهم وقيادته لهم ، وكان ذلك لمدة طويلة وهي أربعون سنة ، ولكن للأسف طوال هذه المدة كانوا يمتحنون الله ويغضبون عليه ويتذمرون مرات كثيرة وهو يتمهَّل ويفيض من بركاته عليهم .
ع 10 : لذلك : لأجل إمتحانهم لي وتذمرهم وتشككهم في قدرتي . مقتّ : كرهت . هذا الجيل : شعب إسرائيل في برية سيناء ، والمقصود خطاياهم وليس أشخاصهم إذ ظلّ يرعاهم لعلهم يتوبون . يضلون في قلوبهم : يتشككون ويتذمرون فتبتعد قلوبهم عني ويفكرون في الماديات . لم يعرفوا سبلي : لم يؤمنوا ويسلكوا سلوكاً روحياً بطاعة واتكال . غضبَ الله لأجل تذمر الشعب عليه وانشغالهم عنه بالماديات فلم يحيوا معه ، مع أنَّ الغرض من تخصيصهم شعب له وإخراجهم من مصر هو التفرغ لعبادة الله والتمتع بعِشرته بعيداً عن تشويش العبادات الوثنية في مصر .
ع 11 : أقسمت : يشبه داود النبي في المزمور الله بالإنسان في القَسم أي الكلمة التي لا يرجع فيها ، وذلك لتوضيح ضرورة إتمام كلام الله . راحتي : أرض الميعاد . من أجل إصرار بني إسرائيل على التذمر وعدم الإيمان ، قرَّر الله حرمانهم من دخول أرض الميعاد ، فأتاههم في برية سيناء أربعين سنة حتى مات كل الكبار الذين تعلقوا بأرض مصر وبقى الأطفال الذين ترَّبوا في البرية وتعلَّموا عبادة الله واحتملوا آلام القفر وعاينوا رعاية الله وآمنوا به ، فاستحقوا التمتع بخيراته في أرض الميعاد . ولم يدخل معهم إلاَّ إثنان من الكبار اللذان تميزا بالإيمان وهما يشوع وكالب .
+ إنَّ الله يناديك بوسائل مختلفة ، سواء بخيراته وعطاياه لتشكره أو بضيقات لتلتجئ إليه أو بوصاياه المكتوبة أو المسموعة لتنتبه وتحيا معه ، فلا تهمل صوته بل ليكن لك اليوم فرصة للتوبة وتجديد عهودك معه فيفيض عليك ببركات لا تتخيلها وتتلذَّذ باختبار عِشرته .
(3) الإيمان ( ع 12 - 19 ) :
ع 12 : ينتقل القديس بولس من كلامه عن قساوة قلوب بني إسرائيل وتذمرهم في البرية إلى غرضه وهو تثبيت إيمان اليهود المتنصرين ، فينبههم ألاَّ يحتفظ إنسان بالشر في قلبه بتشككه في الإيمان المسيحي أو قبول كلام اليهود الذين يشعرونهم بحرمانهم من العبادة اليهودية كأنهم خسروا العلاقة مع الله ، فلا يرجع أحد بسبب هذه الشكوك إلى اليهودية بل يثبت في إيمانه بالمسيح .
ع 13 : عظوا أنفسكم : نبهِّوا بعضكم بعضاً . كل يوم : إنتهاز كل فرصة لتثبيت إيمان بعضكم البعض . ما دامَ الوقت يُدعى اليوم : ما دامت هناك فرصة للتوبة والحياة مع الله . غرور الخطية : شهوات الخطية والكبرياء الذي قد ينتج عنها . ينبه بولس الرسول المؤمنين أن يشجعوا بعضهم بعضاً حتى يثبتوا في الإيمان بالمسيح ، منتهزين كل فرصة للتعليم والوعظ حتى لا يفقدوا مشاعرهم الروحية نحو الله ويسقطوا في الشهوات الشريرة والكبرياء الذي وقع فيه اليهود بسبب إعتزازهم بأنهم الشعب المختار وأفضل من كل البشر حتى أنهم رفضوا المسيح والإيمان به .
ع 14 : شُركاء المسيح : إشتراكنا في الإيمان وبركاته بعضويتنا في الكنيسة . بداءة الثقة : الإيمان الذي بدأنا به . يوضح عظمة البركات التي يتمتع بها المؤمنون في الكنيسة إذ صاروا أعضاءً في جسد المسيح وينالون الأسرار المقدسة ويتمتعون بوسائط النعمة مثل الصلوات والأصوام . كل هذا إن ثبتوا حتى نهاية حياتهم في الإيمان المستقيم الذي بدأوا به ولم يصغوا لتشكيكات اليهود .
ع 15 : يذكِّرهم أيضاً بالإِستمرار في حياتهم الروحية ومشاعرهم الحية نحو الله حتى لا يسقطوا في التذمر والغضب من الله بسبب الشهوات المادية .
ع 16 : أسخطوا : أغضبوا الله أو جعلوه يغضب عليهم . رغم أنَّ الله أخرج بني إسرائيل بمعجزات عظيمة من أرض مصر ، وهي الضربات العشر ، وشق البحر الأحمر أمامهم ، ولكن مع هذا عادوا فأغضبوه بسبب تذمراتهم وعدم طاعتهم في دخول أرض الميعاد .
ع 17 : كره الله تذمرات بني إسرائيل وعدم إيمانهم وطاعتهم له في دخول أرض الميعاد فأتاههم في البرية أربعين سنة ، مات فيها جميع الكبار ودُفِنَت جثثهم في برية سيناء ولم يدخلوا أرض الميعاد ما عدا يشوع وكالب .
ع 18 : لم يطيعوا : لم يطيعوا كلام الله ، أي لم يؤمنوا به فيطيعوه . بسبب عدم إيمان بني إسرائيل وتذمرهم ، قرر الله حرمانهم من دخول أرض الميعاد .
ع 19 : يلخص القديس بولس ويحدد أنَّ عدم الإيمان هو سبب حرمان بني إسرائيل من التمتع بمواعيد الله في دخول أرض الميعاد ، والتي تعني تمتعهم بعشرته وترمز لكنعان السماوية .
+ علاقتك المستمرة مع الله في صلوات وقراءات كل يوم تُثبِّت إيمانك به فيسهل عليك طاعة وصاياه . فانتهز كل فرصة للوجود مع الله في الكنيسة وفي مخدعك فتتمتع بعِشرته على الأرض وفي السماء .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح