كلمة منفعة
ما أكثر تأثير الإنسان بِمَنْ يعاشرهم..وما أسهل أن يمتص طباعهم وأفكارهم وحالتهم النفسية.
— من تأثر المعاشرة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
العبرانيين - الاصحاح رقم 1 العبرانيين الإصحاح رقم 1 الإصحاح الأول المسيح والأنبياء بين الأنبياء والسيد المسيح 1-3. 1. الابن 2. 2. الذي جعله وارثًا للكل شيء 2. 3. الذي به أيضًا عمل العالمين 2. 4. بهاء مجده ورسم جوهره 3. 5. حامل كل الأشياء بكلمة قدرته 3. 6. صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا 3. 7. جلس عن يمين العظمة 3. المسيح والملائكة 4-14. 1.عظمته في البنوة 4-5. 2. خضوعهم له 6-8. 3. مسحه للعمل الخلاصي 9. 4. أبديته 10-14. مقدمة افتتح معلمنا بولس الرسول رسالته بإعلان حديث الله مع الآباء، أي مع رجال العهد القديم بواسطة الأنبياء، مؤكدًا أولاً التزامه بالحب والخضوع لرجال العهد القديم؛ وثانيًا بإعلان وحدة العهدين. فإن الله الذي تحدث قديمًا مع رجال العهد القديم هو بعينه الذي يحدثنا نحن في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. يتحدث مع الأولين عن الحق الإلهي خلال الظلال، أما الآن فيعلن الحق في كماله. بهذا لم يقلل الرسول بولس من شأن الأنبياء ولا من عظمة مجد العهد القديم، لكن ما هو أعظم منه هو مجد العهد الجديد، بكونه امتدادًا للعمل القديم، ودخولاً إلى أعماقه، وتحقيقًا لغايته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا له من أمر عظيم أن يرسل الأنبياء إلى آبائنا، أما بالنسبة لنا فقد أرسل ابنه الوحيد نفسه... لم يرَ أحد منهم (من الأنبياء) الله، أما الابن الوحيد فيراه.] [يا للعجب! لقد تنازل واختار ألاَّ يتحدث (الله) معنا بواسطة عبيده بل بفمه... كان لهم موسى معلمًا، أما نحن فلنا رب موسى؛ إذن فلنظهر الحكمة (الفلسفة) السماوية التي تليق بهذه الكرامة ولا نطلب أمرًا أرضيًا.] لماذا بدأ الرسول مقارنته بالأنبياء؟ لأنه في بدء انطلاق الأمة اليهودية كان القائد هو موسى النبي وكان أخوه هرون رئيس كهنة. موسى يمثل إعلان الحق الإلهي خاصة خلال الشريعة، وهرون يمثل الجانب العملي الذبيحي والتعبدي الذي يقوم بالمصالحة بين الله والإنسان. العملان متلازمان ومتكاملان، فالإنسان ليحيا كمؤمنٍ حقيقيٍ وعضو في الجماعة المقدسة عليه أن يتقبل الحق ويتعرف عليه ليس فقط خلال الشريعة أو الوصية أو النبوة وإنما أيضًا خلال الحياة التعبدية الحقيقية، أي خلال ذبيحة المصالحة بين الله والمؤمن. هذا التلازم بين النبوة والكهنوت، أو بين الوصية والعبادة لم يدم كثيرًا، فسرعان ما انحرف كهنة اليهود عن رسالتهم، وتحولوا إلى الشكل دون الروح، وضاع الحق من بين أيديهم، فصارت هناك عداوة بين الكهنة الشكليين والأنبياء الحقيقيين، الأمر الذي برز بصورة صارخة في أيام إرميا النبي وحزقيال النبي، حيث لم يكن ممكنًا المصالحة بين الطرفين. أما السيد المسيح فهو وحده "الحق" في كماله، يعلنه لنا خلال ذبيحته الفريدة على الصليب، وفي نفس الوقت هو رئيس الكهنة السماوي القادر أن يصنع تطهيرًا لخطايانا، جالسًا عن يمين الآب في الأعالي. في هذا السفر يقارن بين السيد المسيح والأنبياء، ليعود فيقارن في النهاية بينه وبين الكهنوت اللاوي، لكي يعلن في شخصه التحام الحق مع العمل الذبيحي أو التحام النبوة مع الكهنوت في صورة فريدة فائقة. لقد أبلغ الأنبياء الصوت الإلهي للآباء بكونهم قنوات، لا فضل لهم سوى تبليغ الرسالة كما هي، إذ "استؤمنوا على أقوال الله" (رو 3: 2)، ويشهد السيد المسيح نفسه أن موسى والأنبياء تحدثوا عنه؛ أما السيد فهو الكلمة عينه، أو هو الحق بذاته، يعلن عن الآب بكونه واحدًا معه في الألوهية، لهذا يقول: "ليس أحد يعرف الابن إلاَّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 37). الله يكلمنا في القديم كلم الله الآباء بالأنبياء، أما الآن فيكلمنا في ابنه. ماذا يعني الرسول بهذا؟ الله دائم الحديث معنا، يتحرك نحونا بحركة الإعلان عن حبه. يريد أن يتعامل معنا، فهو وإن كان مطلقًا فوق كل إدراك لكنه ليس ببعيدٍ عنا، ولا بمنعزلٍ عن الإنسان، يود إتحاد الإنسان معه لينعم بشركة أمجاده الأبدية. كلام الله معنا ليس ألفاظًا تقف عند سماع الأذن لها، إنما هو حياة فعّالة، يشبهه الله بالمطر العامل في الأرض: "أنزل عليهم المطر في وقته فتكون أمطار بركة، وتعطي شجرة الحقل ثمرتها، وتعطي الأرض غلتها" (حز 34: 26، 27). ويؤكد الرسول في نفس الرسالة: "لأن كلمة الله حية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه" (4: 12, 13). والسيد المسيح نفسه يقول: "كلامي روح وحياة". يكلمنا بطرق وأنواع كثيرة منذ بدء الخليقة الإنسان والله في حبه يتحرك نحونا ليتكلم معنا، وكما يقول القديس أغسطينوس: [أليس الله هو الذي تكلم في بدء البشرية مع آدم (تك 3: 17)؟ أليس هو بنفسه الذي تكلم مع قايين ونوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وكل الأنبياء وموسى؟ انظر فإنه يتحدث حتى مع الشخص الواحد ليس فقط مرة بل مرات كثيرة.] إنه يتحدث منذ بدء البشرية بأنواعٍ وطرق كثيرة، مستخدمًا كل وسيلة، لعلنا نسمع صوته، ونتقبله فينا، ونتجاوب معه. يقول الوحي الإلهي: "كلمت الأنبياء وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً" (هو 12: 10)، وجاء في المزمور: "إله الآلهة تكلم" (مز 50 (49): 1). ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً: [تكلم بطرق كثيرة، فتكلم بنفسه بواسطة ملائكة، ونفسه أيضًا تكلم بواسطة الأنبياء، وتكلم بفمه، وهو يتكلم بنفسه بواسطة مؤمنيه خلال ضعفنا عندما ننطق بشيء من الحق. انظر إذن فإنه يتكلم بطرق متنوعة، وبأوانٍ كثيرة، مستخدمًا آلات كثيرة، لكنه هو بنفسه الذي ينطق في كل موضع بالتلامس أو الصور أو الإيحاء!] بين الأنبياء والسيد المسيح "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي" [1-3]. إن كان الله الآب تكلم خلال الأنبياء، لكن الأمر يختلف عن حديثه في الأيام الأخيرة معنا في ابنه. وقبل أن نتعرف على الاختلاف نذكر السبب لدعوة العهد الجديد بالأيام الأخيرة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا قال "الأيام الأخيرة"، فإنه بهذا يثيرهم ويشجعهم على الاهتمام بالمستقبل. في موضع آخر يقول: "الرب قريب لا تهتموا بشيء" (في 4: 5، 6)، وأيضًا: "فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنًا" (رو 13: 11)، هكذا هنا أيضًا. إذن، ما هذا الذي يقوله؟ الذي يعيش في صراع إذ يسمع كلمة "الأخيرة" يسترد أنفاسه قليلاً عالمًا بحق أن الوقت حان لنهاية أتعابه وبداية راحته.] كما يعلق ذات القديس على نفس النص، قائلاً أن الإنسان يتوقع في الأيام الأخيرة أن العقاب يقترب، والعطايا تقل، والخلاص غير متوقع، لكن ما حدث هو على نقيض ذلك إذ جاءت النعم فائقة. نعود إلى حديث الآب، فإنه يتحدث بالأنبياء كآلات يستخدمها، أما في الأيام الأخيرة فيحدثنا في ابنه، ليس كآلة خارجة عنه تعلن صوته، إنما هو ذات كلمة الله، الواحد مع الآب. تجسد الابن لكي نقبل الالتقاء معه، حمل الصليب ليهبنا حق الدخول فيه، نازعًا العداوة، وبقيامته صرنا كأبرارٍ، فيه نلتقي مع أبيه أبًا لنا، فلا نسمع في الابن صوتًا أو كلمات مجردة، إنما نتقبله فينا ونحن فيه، فنصير واحدًا مع كلمة الله، وأعضاء جسده. لم يعد كلام الله مجرد وصايا نتقبلها لنطيعه، وإنما بالأكثر قبول للكلمة الإلهي وثبوت فيه، الذي وحده موضع سرور أبيه، كامل في طاعته له، فنحسب فيه موضع سرور وصايا مرعبة نخشى نيرها لكنها صارت تمتعًا بالكلمة، الذي يهبنا الحياة السماوية وشركة الأبديات في داخلنا. هذا ما قصده بكلماته: "ملكوت الله في داخلكم". حين تحدث الأنبياء مع الآباء قدموا رسائل إلهية مجيدة، أما وقد تحدث الآب إلينا في ابنه فإنه قدم لنا ابنه ذاته سرّ حياة وخلاص وقيامة! فمن هو هذا الابن الكلمة الذي يقدمه الآب في هذه الأيام الأخيرة؟ 1. الابن يقول الرسول: "كلمنا في ابنه" ولم يقل "كلمنا في الأنبياء". فالابن إذ هو واحد مع أبيه يحمل فيه الآب على مستوى فريد ويحوينا نحن أيضًا داخله بتقديسنا بدمه، فنلتقي مع الآب فيه، نتعرف عليه وندخل إلى حالة إتحاد معه وشركة فائقة. حقًا لقد كان الروح القدس يهيء الأنبياء لقبول الرسالة الإلهية وتبليغها، لكن لم يكن ممكنًا للآب أن يستقر فيهم على مستوى الإتحاد، ولا أن يدخلوا بالبشر إلى أعماقهم ليلتقوا بالآب. الابن الوحيد الجنس هو القادر وحده أن يصالحنا مع أبيه فينا لنبقى معه وبه إلى الأبد. في دراستنا لرسائل معلمنا بولس الرسول أدركنا الحقيقة اللاهوتية البارزة للإيمان المسيحي، ملخصها "في المسيح". ففيه يعلن لنا الآب ذاته ويحدثنا، وفيه صرنا مؤمنين (أف 1: 1)، وفيه تمتعنا بالاختيار الإلهي (أف 1: 4)، وفيه نلنا الفداء (أف 1: 7)، وفيه يجمع السمائيين والأرضيين (أف 1: 10)، وفيه نستغنى في كل شيء (1 كو 1: 5) الخ. 2. الذي جعله وارثًا للكل شيء يتحدث هنا عن دور التجسد الإلهي، والابن خالق كل شيء أخلى ذاته وصار في شكل العبد حاملاً إيانا فيه، حتى إذا ما ورث كل شيء ببره الذاتي نرث نحن معه وفيه. من أجلنا أخلى ذاته عن أمجاده، تاركًا كل شيء حتى تعرى ودُفن في قبر لغريب، لكي يجد كل واحد منا له موضعًا فيه. هذا هو دور الابن إذ وهبنا الميراث فيه، أما الأنبياء فكانوا مجرد متحدثين عن الميراث الذي يعده الله لنا، يشيرون إليه دون أن يقدموه ولا حتى نالوه، حتى ينعمون معنا بالمسيح ميراثنا الحق. 3. الذي به أيضًا عمل العالمين هنا يحدثنا الرسول بوحي من الروح القدس عن سمو المسيح عن الأنبياء دون أن يشير إليهم صراحة، فالأنبياء بشر قبلوا الرسالة الإلهية، وكرسوا حياتهم ليحققها الله بواسطتهم. أما السيد المسيح فهو الخالق، صانع السماء والأرض، وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3). به تمت الخليقة السماوية والأرضية، وبه أيضًا تتحقق الخلقة الجديدة فينا، فيقيم فينا سماءً جديدة وأرضًا جديدة. وكما يرى القديس أغسطينوس أن السماء إنما تشير إلى النفس، والأرض إلى الجسد، فإن السيد المسيح يجدد نفوسنا وأجسادنا، أي يعيد خلقتها، وذلك بروحه القدوس في مياه المعمودية. 4. بهاء مجده ورسم جوهره يرتفع بهم الرسول إلى درجة أعلى ليروا الابن الكلمة الذي به كان كل شيء هو بعينه بهاء مجد الأب ورسم جوهره، ليقدوهم إلي البهاء الذي لا يُقترب إليه. هل تعبير " بهاء مجده ورسم جوهره " يقلل من مساواة الابن للآب أو يسيء إلى وحدانيتهما الأزلية؟ يشير تعبير "بهاء مجده" إلى الولادة الأزلية، فلا يمكن أن يقوم النور الأزلي بدون بهائه، فالابن هو النور من النور، أو البهاء الأزلي غير المنفصل عن النور، بل واحد معه. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [من ذا الذي تجرد من العقل حتى يشك في أزلية الابن؟ لأنه من ذا الذي يرى نورًا بغير بهاء أو إشراق!] كما يقول: [إنه غير منفصل عن الآب كما أن البهاء غير منفصل عن النور.] ويقول: [من الذي لا يرى أن البهاء لا يمكن أن يفصل عن النور وإنما بالطبيعة يكون هكذا، شريكًا معه في الوجود، لا يأتي بعده؟!] وأيضًا: [كيف يكون الابن غير مشابه للآب في الجوهر، وهو صورة الآب الكاملة وبهاؤه، والقائل: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)؟ إن كان الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن موجودًا؟!] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ بأي وقار يفهم هذا، وعندئذ نتقبله، فإنه (مولود) منه بلا ألم، ليس بأعظم ولا أقل منه.] كما يقول: [إذ يدعو الآب بهذا الاسم (النور) في العهدين القديم والجديد، استخدم المسيح نفس الاسم أيضًا (يو 12: 46)، لذا دعاه بولس أيضًا "بهاء" مُظهرًا أنه منه، شريكه في السرمدية.] ويقول: [اسمع أيضًا المسيح نفسه يقول: "أنا نور العالم" (يو 8: 12) لهذا استخدم كلمة بهاء بمعنى أنه نور من نور؛ لا يعني هذا فقط، وإنما قصد أيضًا أنه ينير نفوسنا ويعلن لنا الآب والابن معًا (أي وحدتهما كوحدة النور بالبهاء).] إن عدنا إلى المقارنة بين السيد المسيح والأنبياء، نذكر أن موسى النبي في لقائه مع الله انعكس على وجهه بهاء خارجي ومجد حتى لم يقدر الشعب أن يتفرس فيه، فاضطر إلى وضع برقع على وجهه عند الحديث معهم، يرفعه عندما يدخل إلى الحديث مع الله. وكان ذلك رمزًا للسيد المسيح "بهاء الآب" الذي لا يحمل بهاءً خارجيًا منعكسًا عليه، إنما هو البهاء بعينه غير المنفصل عن الآب، لبس جسدنا كبرقع موسى حتى يمكننا أن نتفرس فيه، فنتعرف على إسرار أبيه، قائلين مع المرتل: "بنورك يا رب نقدر أن نعاين النور"، أي بابنك الوحيد الذي هو بهاؤك نقدر أن نعاين أسرارك وندخل إلي أمجادك السرمدية. أما دعوته "رسم جوهره"، فكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تشهد لشخصه أنه منتسب لذات جوهره.] 5. حامل كل الأشياء بكلمة قدرته يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الروح القدس يتدرج بالقارئ ليرتفع به على الجبال الشاهقة، جبال معرفة المسيح غير المدركة، فيحدثهم تارة عن الأمور الخاصة بتجسده، ثم يرتفع بهم إلى معرفته كخالق، ويعلو بهم، ليتعرفوا على طبيعته، بكونه بهاء مجد الآب، ليعود فينزل بهم ليدركوا رعايته لهم بقوله "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته"، وهكذا يعلو ويهبط بهم ليدركوا أسرار المسيح وسماته وأعماله. هنا يحدثهم الوحي الإلهي عن السيد بكونه حاملاً كل الأشياء، أي ضابط الكل فلا يفلت شيء من تحت رعايته واهتمامه، قريب جدًا إلى خليقته يدبر حتى صغائر أمورها. فإن كان الابن هو البهاء الذي لا يُقترب إليه، فإنه في محبته حملنا إليه لنكون فيه، تحت حمايته. رأيناه الوارث لكل شيء، يرث الأمم جميعها لا ليسيطر بالأمر والنهي، وإنما ليسكب حبه ويمسك بيد كل أحد، لكي يقدس الجميع بروحه القدوس مهيئًا إيانا للتمتع بشركة ميراثه، هو يورثنا ونحن نملكه فينا يقتنينا ونحن نقتنيه! هذه هي قدرته الفريدة التي بحق تعلن سلطان الحب وقوة الرعاية وإمكانية الخلاص الفائق! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عنايته لا تُفسَر، وحنانه غير مُدرَك، وصلاحه يا يُحَد، وحبه لا يُستقصى.] 6. صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا كحامل الأشياء بكلمة قدرته تتجلى إمكانياته الإلهية ليس فقط في خلقته إيانا من العدم وتقديم العالم كله لخدمتنا، لكن ما هو أعظم أنه بعد أن فسدت طبيعتنا وتركنا فردوسنا وهربنا من وجه الآب دخل إلينا واقتنصنا بحبه، مقدمًا ثمن خطايانا على الصليب، ليدخل بنا إلى ملكوت محبته، ويردنا إلى بيت أبيه وأحضانه الإلهية حاملين صورة خالقنا... إنه يجلس الآن عن يمين العظمة كرئيس كهنة عنا، يشفع فينا لا خلال وساطة الكلام والطلبة الشفوية، وإنما خلال ذبيحة نفسه التي قدمها عنا مرة، وحملنا فيه أعضاء جسده. إنه يشفع بالدم المقدس المبذول لتطهيرنا. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على رعايته الخلاصية بقوله: [اذكر أن راحته بخلاصك وسروره أعظم من سرورك وأنت هارب من الخطر والموت!] ويعلق أيضًا على قول الرسول: "صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا"، قائلاً: [يليق بنا أن نستمر طاهرين ولا نتقبل أي دنس، بل نحتفظ بالجمال الذي أوجده فينا وكماله غير الدنس الطاهر، إذ "لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك" (أف 5: 27). فإن أصغر الخطايا هي دنس أو غضن، أقصد حتى كلمة الانتهار أو الشتيمة أو الكلمة الباطلة.] 7. جلس عن يمين العظمة لقد جلس في الأعالي عن يمين العظمة، لا ليبقى فوق إدراكنا، وإنما لأنه إذ نزل إلينا كواحد منا وصنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا صار لنا فيه موضع، ومعه شركة إتحاد، حتى إذ يرتفع نرتفع معه وبه وفيه؛ نجلس حيث هو جالس، متمتعين بشركة المجد الأبدي. ارتفع الرأس حتى لا يبقى الجسد على الأرض إنما يبقى بروحه وقلبه هناك إلى يوم الرب العظيم، فيرتفع الجسد أيضًا لينعم بالمجد! يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من أجلك يا إنسان هيأ الملكوت! ولأجلك أعد خيرات لا توصف، ونصيبًا معدًا في السماء، وحياة لا مثيل لها، وفرحًا لا يُنطق به.] المسيح والملائكة بعد أن عرض الرسول في اختصار شديد وبقوة عن حديت الآب مع البشرية في ابنه الوحيد في ملء الزمان، والذي لا يُقارن بحديثه مع الآباء العبرانيين خلال أنبياء العهد القديم، انتقل إلى المقارنة بينه وبين الملائكة. فقد افتخر العبرانيون على الأمم بأنهم تسلموا الناموس بيد ملائكةٍ. هذا ما أعلنه التقليد اليهودي، وأكده العهد الجديد، إذ يقول الشماس اسطفانوس: "أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه" (أع 7: 53)، ويقول الرسول: "فقد وُعد له مرتبا بالملائكة في يد وسيط" (غل 3: 9). أما شريعة بالعهد الجديد فقدمها السيد المسيح للجموع حين تقدم إليه تلاميذه وحدثهم دون أن تظهر ملائكة ولا رافقته علامات فائقة للطبيعة كما حدث عندما تسلم موسى النبي الشريعة على جبل سيناء. يقارن الرسول بولس بين السيد والملائكة في النقاط التالية: 1.عظمته في البنوة "صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟ وَأَيْضًا: أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا؟" [4- 5]. لا يوجد مجال للمقارنة بين السيد وملائكته الذين هم عمل يديه وخدامه، لكنه إذ قبل التجسد وظهر في تواضعه كواحدٍ منا أقل من الملائكة أراد الرسول توضيح مركزه: إنه الابن الوحيد الجنس له اسم أفضل منهم. جاء في سفر الرؤيا: "له اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلاَّ هو" (رؤ 19: 12). هذه العبارة تكشف عن عجز اللغة البشرية، أي حتى اللغة السماوية عن التعبير عن طبيعة الابن أو علاقته بالآب، فإن دعاه الكتاب "الابن"، فذلك لأن هذه الكلمة هي أقرب الكلمات في التعبير، وإن عجزت عن التعبير كما ينبغي. بالتجسد نزل الابن إلينا كواحد منا، فصار هناك مجال للمقارنة بينه وبين الملائكة، وإن كان في جوهره يبقى فوق كل مقارنة، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان دائمًا أعظم منهم، وفوق كل مقارنة، إنما قيل هذا عنه من جهة الجسد.] كما يقول: [لو كان ابنًا بالنعمة فقط لما كان أفضل من الملائكة بل بالحري أقل منهم. كيف؟ لأن الأبرار أيضًا يدعون أبناء... ولكي يشير إلى الفارق بين المخلوقات وصانعها اسمع ما يقول: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني وأنا اليوم ولدتك"، وأيضًا "أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا".] ماذا يعني بكلمة "اليوم" إلاَّ كتعبير عن أزليته حيث لا بداية له، فإنه لم يكن هناك زمان لم يكن فيه الابن، إذ هو مولود من الآب قبل الدهور. 2. خضوعهم له لا مجال للمقارنة بين الابن الجالس على العرش وخدامه الملائكة الساجدين له، وإن كانوا لهيب نار. "وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ. وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِك" [6 - 8]. يدعو الرسول تجسد الابن الكلمة "دخولاً Eisodus" إلى العالم، وقد تحقق ذلك خلال خروجه Exodus كقول السيد: "خرجت من عند الأب، وقد أتيت إلي العالم" ( يو 16: 28) كما يقول: "خرج الزارع ليزرع" (مت 13: 3). إنه بحق خروج ودخول، خروج إرادي من أمجاده، ودخول إلى حياتنا لكي يضم إليه طبيعتنا وحياتنا، فيخرج بنا من عالمنا ويدخل بنا إلى حضن أبيه. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا العمل بالإنسان الهارب من القصر الملوكي وأُلقى القبض عليه واقتيد إلى السجن، فخرج إلينا الابن من قصره ودخل إلى سجن جسدنا ليتحدث معنا في أمر المصالحة مقدمًا ثمن خطايانا، عندئذ ينطلق بنا من السجن ليدخل بنا إلى القصر من جديد. إذن حركة الدخول والخروج التي قام بها الابن الوحيد الجنس خلال تجسده وصعوده، أي خلال أعماله الخلاصية إنما هي حركة حب متدفقة نحو الإنسان، غايتها خروجه مما تقوقع فيه ودخوله إلى حضن الآب خلال ثبوته في الابن. إن كان اليهود يفتخرون بالملائكة، لأن الناموس قد أسلم إليهم بيد ملائكة، لكن لم يكن ممكنًا لملاك أن يحقق هذا الدخول إلى العالم ليهب الإنسان دخولاً إلى الأحضان الإلهية. لقد خدم ملائكة مؤمنين وقدموا لهم رسائل إلهية مفرحة، لكنها تعجز عن أن تحقق الخلاص. وكما جاء في القداس الاغريغوري: "لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا كاروبًا ولا نبيًا ائتمنته على خلاصنا، بل أنت وحدك تجسدت وتأنست". حبه الإلهي الذي أدخله إلينا كواحد منا لم يقلل من كرامته أمام الملائكة، إذ يقول الرسول: " وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ" الملائكة الذين قدموا لرجال العهد القديم إمكانية السجود لله، إذ جاءوا إليهم برسائل إلهية تسندهم هؤلاء أنفسهم يسجدون للابن. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [بينما كان الآباء البطاركة يسجدون له، فعن الملائكة كُتب: "ولتسجد له كل ملائكة الله".] دخوله إلى العالم لم يمس لاهوته ولا نزع سجود الملائكة له، وإنما أعطى الإنسان كرامة، إذ لم يقل الرسول "متى أدخل الابن"، بل يقول "متى أدخل البكر". دخل إلى العالم بكرًا لنا، يعمل لحسابنا وباسمنا، يراه الملائكة حاملاً طبيعتنا فيه، بل حاملاً مؤمنيه كأعضاء جسده فيندهشون. يسجدون له بكونه خالقهم ويسبحون متهللين من أجل عمله معنا! يرون في بكوريته بالنسبة لنا إعلان حب فائق نحو خليقته. تجسده وصلبه وقيامته وصعوده فتح مجالاً جديدًا لسجود الملائكة، إذ كشف لهم عن أعماق حب لم تكن بالنسبة لهم مدركة هكذا. أعطاهم معرفة جديدة عن أسراره سحبتهم للسجود والتسبيح! ولئلا يظن السامعون أن الرسول يقلل من شأن الملائكة أكد: "وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار"... هذا عن سمو الملائكة، أما عن الابن فلا وجه للمقارنة: "وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ". هؤلاء خدام لكنهم لهيب نار سماوي، أما هو فملك صاحب سلطان. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر كيف يميز بوضوح عظيم بين الخليقة والخالق، الخدام والرب، الابن حقيقي الوارث والعبيد.] يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لاحظ هنا أن كلمة "الصانع" تخص أمورًا أصيلة (الخلقة). يدعو الملائكة خليقة، أما عن الابن فلا يتحدث عنه كخليقة أو كائن جاء إلى الوجود، وإنما يتحدث عن سرمديته وملوكيته ووظيفته التدبيرية.] كما يقول: [لقد أظهر أنه آخر غير كل ما قد خلق، فإن كان هو آخر ومختلف عنهم تمامًا في الجوهر عن طبيعتهم، فأية مقارنة لجوهره يمكن إقامتها، وأي شبه له فيهم؟!] 3. مسحه للعمل الخلاصي السيد المسيح الجالس على الكرسي إلى الأبد، والمسجود له من القوات الملائكية، يملك على الشعب بالحب. إنه البار وحده، الذي بلا خطية، قد مُسح منذ الأزل من قبل الآب لتحقيق الخلاص خلال تجسده وحياته بيننا وتقديم نفسه ذبيحة حب عنا. هنا تلتحم إرادته الإلهية مع تقواه الشخصية لتحقيق غايته فينا: "أَحْبَبْتَ الْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ, مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ" [9]. إذ نادت بعض البدع الغنوسية بقسوة إله العهد القديم خالق الجسد، ولطف إله العهد الجديد الذي أراد تخليص البشرية من يد الأول لهذا أكد الرسول بولس دور الآب في الخلاص بكونه قد مسح ابنه الوحيد لهذا العمل الخلاصي. أكد وحدانية العمل بين الآب والابن، ودورهما الإيجابي في الخلاص. ففي أكثر من موضع يؤكد أن الآب يحبنا كما الابن، وأنه أرسل ابنه الوحيد، وهو الذي بذله عنا، وأقامه ليقيمنا فيه. ليته لا يتعثر أحد حين يسمع الرسول يؤكد هذا، ظانًا أن في الابن عجزًا في الحب أو في التجسد أو القيامة... إنما أراد الرسول تأكيد دور الآب في عمل الابن الخلاصي. مسحه بزيت الابتهاج أي تكرس الابن لهذا العمل المبهج للآب والبشرية أيضًا. حقًا لقد صار بتأنسه شريكًا لنا في طبيعتنا، لكنه كان ولا يزال الفريد في برِّه وبغضه للإثم، إذ لم يعرف الخطية، لهذا فهو وحده القادر أن يتمم عمل الخلاص المبهج. في الابن ابتهج الآب إذ رآنا أولادًا له متبررين ومقدسين فيه، وفيه أيضًا نبتهج نحن إذ نرى الآب أبانا القدوس فاتحًا أحضانه الأبوية لنا! 4. أبديته في مقارنته بين السيد المسيح وملائكته أوضح الرسول أن السيد هو الخالق الأبدي، فالعالم المنظور يزول وينتهي أما هو فيبقى إلى الأبد: "وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ, هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى", وكرداء تطويها فتتغير, ولكن أنت أنت وسنوك لن تفني. ثمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟!" [10-14]. إنه خالق السماء والأرض، موجد الكائنات السمائية والأرضية، فلا وجه للمقارنة بين الخالق وخليقته حتى الملائكة. الابن الخالق مولود من الآب قبل الدهور من الأزل، لم يكن هناك زمان ليس فيه الابن، هو موجد الكل فلا يتغير، أما الخليقة إذ وُجدت من العدم قابلة للتغير. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [صارت (الخليقة) إلى الوجود بعد العدم، لها طبيعة متغيرة؛ أما الابن إذ هو من الآب، فعدم التغير أو التبديل يليق بطبيعته كما الآب نفسه.] إنه مؤسس الأرض وخالق السماء، الذي لا يتغير، يغير الآخرين ويبقى هو إلى الأبد. طبيعته هذه تسندنا من جانبين: أولاً أنه قادر أن يحقق مواعيده لنا بكونه الوحيد غير المتغير. ومن الجانب الآخر نحن نتغير إن سلمنا حياتنا بين يديه. كإله يجدد ولا يتجدد، لأنه لا يشيخ ولا يقدم، ونحن كبشرٍ نرتمي بين يديه فيجدد طبيعتنا وحياتنا. إنه الأبدي الغالب لأعدائه، إبليس وجنوده، إذ يقول: "ثمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟" لا تنعم طغمة سماوية بهذه الغلبة الأبدية، إنما السيد المسيح يُخضع قوات الظلمة تحت قدميه، ويتحقق كمال ذلك بخضوعها تحت قدمي عروسه، فقد أعطانا نحن أيضًا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو، حتى كل نصرة تتحقق في حياتنا إنما هي لمجد اسمه القدوس. وإذ نملك مع ملكنا تتحطم مملكة إبليس تمامًا! كان هذا الوعد الذي يقدمه الآب لابنه إنما قدمه له كممثل لنا، وكرأس، فيه ينعم الجسد بإمكانيات فائقة. هذه الغلبة التي لنا في المسيح يسوع، وهذه النصرة الأبدية تثير فرح الملائكة وبهجتهم بنا كعروسٍ مقدسة، لذا يشتهون خدمتنا، ويفرحون بيوم خلاصنا. خدمتهم لنا ليست خدمة من هم أقل منا، إنما هي خدمة الحب، خدمة الخليقة السماوية التي تفرح بالأرضيين حين ينعمون بالشركة معهم في حياتهم السماوية. هذا ما عناه الرسول بقوله: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟" [14]. هنا لا يتجاهل الرسول تقديرنا لرسالة الملائكة ودورهم كخدام مرسلين للعمل لحسابنا، نحن الذين دُعينا لنرث الخلاص. إن كان السيد المسيح هو مخلصنا، فالملائكة خدامه يخدموننا من أجل مسرته ومسرتهم بنا. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه: [إنهم خدام ابن الله، مرسلون بطرق كثيرة من أجلنا، ويخدمون خلاصنا. هكذا هم شركاء في الخدمة معنا.] كما يقول: [حسنا، لقد أرسل الابن أيضًا، لكنه ليس بكونه عبدًا ولا خادمًا إنما هو الابن الوحيد له ذات مشيئة الآب. لم يُرسل بكونه قد عبر من موضع إلى آخر، إنما بكونه أخذ جسدًا، أما هؤلاء فيغيرون مواضعهم، يتركون المواضع التي كانوا فيها ليرسلوا إلى مواضع أخرى لم يكونوا فيها.] تحدث العلامة أوريجينوس كثيرًا عن الملائكة وعملهم معنا، فمن كلماته: [خلال فترة عدم الإيمان يكون الإنسان تحت سيطرة ملائكة الشياطين، أما بعد التجديد (في الجرن) فيعيّن لنا ذاك الذي يخلصنا بدمه ملاكًا مقدسًا ينظر وجه الله بطهارته]، كما يقول: [لكل نفس بشرية ملاك يقودها كأخ.] يقول البابا أثناسيوس الرسولي عن الملائكة: [إنهم ينشرون هبات الله خلال الكلمة للذين يقبلونهم.] من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الأول آية (1):- "1اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَبِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ. " كَلَّمَ = كلمة الله لها قوة فعالة (إش10:55، 11). وكانت أقوال الأنبياء تتم فى الحال (1مل1:13-5) + (2مل23:2، 24) + (2مل9:1، 10) فالنبوة كانت كلمة الله المنطوقة. بالأَنْبِيَاءِ= الأنبياء شهدوا للمسيح وأعلنوا شخصه وعمله بل إن شهادة يسوع هى روح النبوة (رؤ10:19) والنبى هو من يسمع قول الرب بأذنه المفتوحة ويرى رؤيا القدير بعينه المكشوفة ويخبر بما يسمع ورأى ولأنه يسمع ويتكلم يسمى نبى ولأنه يرى ويخبر يسمى رائى. والأنبياء أعدوا الطريق للمسيح فجعلوا الشعب ينتظر مجيئه والنبوات أعلنت كل شىء عن المسيح ولكن ظل شخص المسيح غامضا (2بط19:1) + (لو25:24-27) حتى جاء المسيح ورأينا فيه تحقيق كل النبوات فمثلا من كان يدرى أن رجل الأوجاع هو المسيح أو أن ملاك العهد هو المسيح أو أن الصخرة هى المسيح (1كو4:10). بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ = الله كلم آدم وقايين ونوح وإبراهيم وموسى وكلم أنبياء مرات عديدة. كلمهم بالرؤى والأحلام، بالأوريم والتميم، بالأمثال على يد الأنبياء وبواسطة الملائكة. بل تكلم مع موسى فما لفم. وكان الله يعلن جزء من الحقيقة لكل واحد بقدر ما يحتمل. ولكن فى المسيح ظهر إستعلان الله بالكامل. فخروف الفصح وعمود السحاب وعمود النار والصخرة والمن والحية النحاسية... الخ هذه كلها إعلانات تحققت وظهرت فى المسيح الذى قال أنا هو النور، أنا هو الخبز. الأباء والأنبياء نقلوا من الله لشعوبهم كلمة. أما المسيح الإبن فنقل لنا من الله ذاته. فالمسيح هو الله متكلما فى إبنه. وهذا هو الإستعلان الكلى والكامل لله فى ذاته وصفاته الجوهرية. في محبة المسيح وغفرانه وتواضعه ووداعته رأينا صورة محبة الله وغفرانه وتواضعه.. في معجزات السيد المسيح رأينا إرادة الآب من نحو البشرية ففي إقامة الموتى رأينا إرادة الله في أن تكون لنا حياة أبدية. وفي تفتيح عيون العمى رأينا إرادة الله أن تكون لنا رؤية له ولأمجاد السماء وهكذا. آية (2):- "2كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَة فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ. " فِي ابْنِهِ = الله يتحرك نحونا دائما بحركة الإعلان عن حبه وهو دائم الحديث معنا. الله ليس فى معزل عن الإنسان بل يود أن يتحد معه لينعم بشركة أمجاده الأبدية وكلام المسيح روح وحياة (يو63:6) وليس مجرد ألفاظ بل هو حياة فعالة (عب 12:4، 13). والله كان يتكلم عن طريق الأنبياء كآلات تعلن صوته ولكنه الآن يحدثنا فى إبنه الذى هو كلمته الواحد مع الآب وبفدائه وهبنا حق الدخول فيه نازعا العداوة وصرنا واحدا مع كلمة الله وأعضاء جسده لم يعد كلام الله مجرد وصايا نتقبلها لنطيعه، إنما بالأكثر قبول للكلمة الإلهى وثبوت فيه. فيه نلتقى مع الآب كآب لنا. الإبن واحد مع أبيه يحمل فيه الآب، والإبن يحوينا داخله أيضا بتقديسنا بدمه فنلتقى مع الآب فيه ونتعرف عليه. الفارق الهائل بين إستعلان الله بالكلمة على فم الأنبياء وبين إستعلانه فى المسيح كالفرق بين أن نعرف شيئا عن الله وبين أن نراه ونسمعه ونلمسه وإن كان كلام الله بالأنبياء لا يزول بل كلام الأنبياء يتحقق فى الحال فبالأولى كلمة المسيح التى تخلق. ونرى هنا وحدة العهدين فالله الذى كلمنا فى الأنبياء هو هو نفسه الذى كلمنا فى إبنه ولكن الآن أكمل الإستعلان. فى العهد القديم رأينا ظلال الحقائق أما الآن فنرى الحق عينه بل أعطانا الله الروح القدس الذى به نعرف عقل الله وفكر الله ونرى صورة للمجد (1كو9:2-11). الأَيَّامِ الأَخِيرَة = هو لفظ يشير لنهاية النظام اليهودى وبدء المسيحية. وفى المفهوم اليهودى يشير لعمل مقارنة بين الحاضر الزمنى والنظام فى المستقبل (تك1:49) + (أر20:23) + (أش2:2). وبهذا تشير الكلمة لأيام المسيا وهكذا يفهمها سفر العبرانيين. والتعبير أيضا يشير للمجىء الثانى والدينونة وبذلك نفهم أنه بإقامة الكنيسة على الأرض بدأ ملكوت الله الذى سيكمل بعد القيامة. وفى (عد14:24-19) تشير للأيام التى تسبق مجىء المخلص وإعلان الإنجيل يمثل الأيام الأخيرة فإعلان الإنجيل هو آخر ما إنتظرناه من إعلانات الله. فالإعلان الأول كان الإعلان الطبيعى وتلاه الإعلان للآباء البطاركة سواء بالأحلام أو الرؤى أما أخيرا فكان الإنجيل. وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ = الإبن أخلى ذاته وصار فى شكل العبد حاملا إيانا فيه حتى إذا ما ورث كل شىء ببره الذاتى نرث نحن معه وفيه. الإبن لن يزداد شيئا فكل ما هو للآب هو للإبن ولكن نحن سنربح فيه الميراث حين يردنا له (رؤ15:11). والله مهد لميراث السماوات بوعوده لليهود بأن يرثوا الأرض الجيدة ولكنهم كانوا سيفقدونها إن أخطأوا فالبر طريق الميراث. وقوله وارثا هى للجسد (ناسوت المسيح) فاللاهوت لن يرث شيئا جديدا فهو لم يخسر شيئا أصلا. وما ناله الجسد من مجد بجلوسه عن يمين الآب كان لصالح البشر. لذلك هو تجسد فهو لم يكن في حاجة لمجد فهو بلاهوته الأزلى له كل المجد. بل أخذ الجسد ليتمجد به ويعطينا هذا المجد. وهذا ما قاله في (يو5:17، 22). ففي (يو5:17) الآن مجدني (بالناسوت) بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم (مجد لاهوته الأزلي). أما في (يو22:17) وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني. فهو تمجد بجسده البشري لنتمجد نحن فيه. عَمِلَ الْعَالَمِينَ = THE WORLDS فالمسيح هو خالق السماء والأرض (يو3:1). خالق الخليقة السمائية والأرضية. المنظور وغير المنظور، الزمنى والأبدى. هو اللوغوس هو قوة الله وحكمته. آية (3):- "3الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي. " بَهَاءُ مَجْدِهِ = فى آية 3 نرى طبيعة الإبن وعلاقته بالآب وطبيعة عمله الذى أتى ليعمله حين تجسد.وقوله بهاء مجده فلأن المسيح الإبن هو الإشعاع البهى لطبيعة الله المجيدة، الإبن هو نور من نور كان مع الآب منذ الأزل لأن الله على الدوام يشع الضياء ولم يوجد أبدا كشمس منطفئة. إذا هذا التعبير يشير لأزلية الإبن. فالآب نور ولا يوجد نور بدون بهائه وإشراقه. بهاء النور لا ينفصل عن النور، بل هو واحد معه. ومن هنا فهم الأباء إصطلاح نور من نور ووضعوه فى قانون الإيمان وكون طبيعة الله نورانية فهذا يظهر من لمعان وجه موسى حين رأى جزء يسير من مجد الله. ولكن مع موسى فلقد إنعكس على وجهه بهاء خارجى، أما المسيح فهو البهاء بعينه غير منفصل عن الآب هو نور من مجد الله مرتبط بالله ومتحدا به ونابع منه. المجد : أول مرة نسمع فيها عن المجد فى الكتاب المقدس كانت فى (تك1:31) حينما إعتبر أولاد لابان أن قطيعا من الغنم هو مجد أبيهم ولكن الله عبر الكتاب المقدس إرتفع بالفكر الإنسانى حتى سمعنا هذه الآية فى (زك5:2) ومن هنا فهمنا أن المجد هو شىء خاص بالله فقط ونحن نكون فى مجد إذا كان الله معنا وفى وسطنا وللأسف فإن كثيرين للآن مازالوا يفكرون بعقلية أبناء لابان متصورين أن المجد هو فى النقود والثروات والقصور... الخ. ونحن لن نفهم طالما نحن على الأرض معنى كلمة مجد. فربما كانت تعنى النور أو تعنى العظمة أو تعنى الروعة أو تعنى القدرات والقوة وقد تعنى هذا كله. وما يظهر من النور هو اللمعان. وما يظهر من المجد هو البهاء. ولا يوجد نور بدون لمعان ولا لمعان بدون نور. ولا يوجد مجد بدون بهاء ولا بهاء بدون مجد. ولأننا لا نستطيع أن نرى الآب فلقد ظهر لنا بهاءه فكان المسيح هو إستعلان للآب لذلك قال المسيح من رآنى فقد رآى الآب (يو9:14). وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ = هو الرسم الدقيق والصورة الحية لجوهر الآب أى أنه مساو للآب يحمل خصائص جوهر الآب ويحمل سماته بكل دقة وكمال. هو ليس مشابه للآب فى جوهره بل هو صورة الآب الكاملة وبهاؤه. الإبن هو حكمة الآب (1كو24:1) فكيف يوجد زمان يكون فيه الآب بدون حكمته. لذلك فحين تجسد الإبن رأينا فيه الآب على قدر ما نحتمل. الذى رآنى فقد رأى الآب (يو9:14). نحن لا يمكننا أن نرى الآب ولكن رأينا رسم جوهره متجسدا لذلك أدركنا الله فى شخص المسيح وفى أعماله. وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ = هنا نرى المسيح ضابط الكل لا يفلت منه شىء هو خلق العالم ومازال يضبطه ويتحكم فيه ولكننا نراه كراعى يحملنا فيه لنكون فيه تحت حمايته، يحملنا كما يحمل الراعى خروفه وكما تحمل الأم طفلها تغذيه وتتعهده برعايتها. يحمل أحزاننا وأفراحنا، يحملنا ليدخلنا إلى أفراحه. بعد ما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا = لأنه حامل كل الأشياء بكلمة قدرته تجلت إمكانياته الإلهية ليس فقط فى خلقته إيانا من العدم، ولكن بعد أن فسدت طبيعتنا وهربنا من وجه الآب نزل لعمق الإنسان وحمل خطايانا مقدما ثمنها عل الصليب ليردنا إلى بيت الآب، وهو الآن يشفع فينا خلال ذبيحة نفسه. والتطهير شمل التقديس والتبرير والتبنى لله الآب والميراث (1كو9:6-11). جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ = (مز6:45) + (مز1:110) + (عب2:12). المسيح بعد صعوده جلس عن يمين الآب. وكلمة اليمين لا تفيد معنى المكان (ونلاحظ فى نفس المزمور أن الآب عن يمين الإبن (مز1:110، 5) إذا اليمين ليس مكان) فالله فى كل مكان ولكنها بمعنى المجد والكرامة. وجلوس الإبن عن يمين الآب يشير للمساواة مع الآب فلا يتساوى مع الله غير الله ولنلاحظ أن الملائكة تقف أمام الله تغطى وجوهها (اش2:6). هذه قيلت بعد أن أخلى ذاته أخذاً صورة عبد. فهو بناسوته أخذ صورة عبد، وأخذ ناسوته وتمجد به وهذه تساوي جلس في يمين العظمة. وقوله العظمة هو تعبير يميز جلال الله ومجده فوق كل شىء وكل مجد دنيوى. ولنلاحظ أن المسيح نزل وبعد أن نزل صعد، نزل إلينا وصعد ليصعدنا معه، إرتفع ليرفعنا معه وفيه وبه نجلس حيث هو جالس، إرتفع الراس ليرفع معه الجسد. آية (4):- "4صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. " إبتداء من هنا دخل الرسول فى موضوع الرسالة مباشرة وبدأ يشرح كيف أن المسيح أعظم من الملائكة، ولأن التقليد اليهودى يقول أن موسى إستلم الناموس بيد ملائكة بدأ الرسول بأفضلية المسيح عنهم ثم يتبع بأفضلية المسيح عن موسى وغيره. أما شريعة العهد الجديد فسلمها المسيح مباشرة بدون ملائكة ولا نار ولا زلازل. أَعْظَمَ = كان المسيح بالجسد يبدو فى حالة إتضاعه أنه أقل من الملائكة. ولكن الرسول هنا يظهر عظمته بالنسبة للملائكة كإبن وحيد الجنس. وكلمة أعظم هى فى الكرامة والإستحقاق. ونلاحظ فى الرسالة تكرار كلمتى أفضل وأعظم فى جمال المقارنة بين العهد القديم والعهد الجديد. ونلاحظ أن المسيح بلاهوته هو فوق كل مقارنة ولكن هذه المقارنات هى للمسيح بالجسد أى فى حالة إتضاعه ومع هذا فهو يفوق الجميع فى المقام والقوة والكرامة. وَرِثَ = قارن مع (فى9:2، 10) وراجع تفسير (2:1) فالميراث لحسابنا فالملائكة خدام الله أما المسيح فهو إبن الله الوحيد. أَفْضَلَ = الملائكة لهم إسما فاضلا ولكن الإبن أفضل. آية (5):- "5لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:«أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضًا:«أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا»؟ " أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ = هذه الاية من المزمور الثانى لداود. أَنْتَ ابْنِي = هذه تشير لولادة المسيح الأزلية من الآب "نور من نور إله حق من إله حق". أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ = هذه تشير ليوم ولادة المسيح بالجسد من العذراء مريم. ونلاحظ أن قوله أنت إبنى يسبق قوله أنا اليوم ولدتك لأن ولادته بالأزل تسبق ولادته بالجسد. ولكننا كنيسة المسيح نحن أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه (أف30:5) لذلك فقوله أنا اليوم ولدتك تشير لميلاد الكنيسة. هنا الاب يخاطب البشرية التى حملها المسيح فيه ولذلك فكلمة اليوم يتسع معناها لتشمل الآتى بالإضافة ليوم ميلاد المسيح بالجسد. 1. يوم عماد المسيح : فعماد المسيح كان لحسابنا فنحن أيضا سنولد من الماء والروح وفيه حلول الروح على جسد المسيح لذلك قال الآب هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت. وسيحل علينا الروح فى المعمودية. نموت مع المسيح لنقوم معه. ويوم عماد المسيح كان هو البداية لذلك فالمسيح رسم فى هذا اليوم المعمودية لتكون موتا معه وقيامة معه. نزول المسيح للماء كان يشير لقبوله الموت عنا، وكل من سينزل الماء فى المعمودية سيموت معه. وخروج المسيح من الماء كان يشير لقيامته وقيامة كل معمد معه. يوم العماد، عماد المسيح سمعنا الآب يقول "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت" (مت17:3) + (مر11:1) + (لو 22:3) فهو فرحة الآب برجوع أولاده (أى الكنيسة) إليه. أما يوم التجلى فالآب قال "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت له إسمعوا" (مت5:17) + (مز7:9) + (لو35:9). والفرق أن فى التجلى زيد قوله له إسمعوا لأن التجلى كان فيه إستعلان لمجد المسيح وطبيعته، والآب يدعونا أن نسمع له. أما يوم العماد فلم نسمع قول الآب له إسمعوا والسبب أن الآب يوم العماد كان ينظر للكنيسة التى تولد وشعبه الذين سيصيرون له أبناء بواسطة المعمودية. هو يوم فرحة الآب برجوع الإبن الضال إلى أحضانه. 2. يوم قيامة المسيح: راجع (رو4:1). فيوم قيامة المسيح من الأموات تمجد الإبن ومجد الإبن الآب. فى هذا اليوم إستعلنت بنوة الإبن للآب وأنه الحى الذى لا يموت بل هو الذى داس الموت. وبالقيامة صار للبشر أن يقوموا أيضا ويكونوا أبناء فى الميراث السماوى. 3. يوم حلول الروح القدس وميلاد الكنيسة وتأسيسها. أنا أكون له أبا وهو يكون لى إبنا = راجع (2صم13:7، 14)+ (1أى12:17، 13) هنا بولس الرسول يقتبس وبإقتدار عجيب هذه الآية التى قالها الله لداود النبى عن إبنه ويفهم من المعنى المباشر أنه يتكلم عن سليمان، ولكن بالتدقيق نفهم أنه يتكلم عن المسيح إبن داود بالجسد الذى كان سليمان رمزاً له. وسليمان هو الذى بنى الهيكل، كما أن المسيح بنى هيكل جسده أى الكنيسة (يو21:2) وبهذا يتفق النصف الثانى من الآية مع النصف الأول فى أن الحديث عن بنوة الكنيسة للآب بواسطة المسيح. ولكن المعنى المباشر للآية يأتى فى مجال المقارنة بين المسيح والملائكة، فمن من الملائكة قال له الله مثل هذا، من من الملائكة مجده الله هكذا. آية (6):- "6وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:«وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ». " أَدْخَلَ = المسيح يقول خرجت من عند الآب (يو28:16). والرسول يسمى تجسد المسيح دخول إلى العالم. فهو خرج خروجا إرادياً من أمجاده ليدخل إلى حياتنا لكى يضم إليه طبيعتنا وحياتنا ويخرج بنا من عالمنا ويدخل بنا إلى حضن أبيه. دخوله إلى العالم لم يمس لاهوته ولكنه قدم للإنسان كرامة. الْبِكْر = يسميه البكر لأنه صار بكرا بين إخوة كثيرين (رو29:8) فهذه البكورية هى لحسابنا لقد صار آدم الثانى، رأس الخليقة الجديدة. وهو أيضا البكر فى القيامة. وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ = فى (مز7:97) نجد داود يقول "اسجدوا له يا جميع الآلهة" والذين ترجموا الآية من العبرية فهموا أن الآلهة هم الملائكة وهكذا ترجموها ومنهم أخذ بولس الرسول ولكننا نجد هذا هو ما حدث ليلة الميلاد ليلة دخول المسيح بالجسد إلى العالم أن الملائكة سبحوا وهللوا أى قدموا عبادة والعبادة يشير لها كلمة سجود. لذلك فهذه الآية تتفق مع ما حدث ليلة الميلاد (لو9:2-14) ونلاحظ أن الآية (5) السابقة كانت تحدثنا عن الميلاد. آية (7):- "7وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ:«الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». " رِيَاحًا = من حيث السرعة والشفافية وعدم رؤيتنا لها راجع (مز4:104). وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ = من حيث قوة الضياء ورهبتها وقوتها وقوة تأثيرها. والرسول يكتب هذا عن الملائكة حتى لا يفهم أحد أنه يقلل من شأنهم. ولكن بالرغم من قوتهم فهم خليقة الله = الصانع ملائكته ومزمور 104 يحدثنا عن الخليقة بينما أن المسيح هو الخالق = الذى به أيضا عمل العالمين. أى هو الذى خلق الملائكة. (عب2:1). آية (8):- "8وَأَمَّا عَنْ الابْنِ:«كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. " نلاحظ هنا بوضوح أن الإبن هو الله. راجع (مز 7،6:45). فنجد أن الملائكة خدام مخلوقين وأما الإبن فهو الله وكرسيه للأبد. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ = القضيب هو الصولجان = وهو قضيب إستقامة فالله عادل ونلاحظ أن المزمور الذى إقتبس منه الرسول هو مزمور نشيد زفاف إبن الملك. وإبن الملك هو المسيح الذى ملك على شعبه بالحب وإتخذهم عروسا له. آية (9):- "9أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». " أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ = الله يحب البر ويبغض الإثم لدرجة إحتماله للصلب الذى به حمل خطايانا ومات ليعطينا أن نتبرر. وهو وحده بلا خطية. مَسَحَكَ إِلهُكَ = كلمة مسحك تعنى كرسك وخصصك لهذا العمل المبهج للآب وللبشرية ولأنه عمل مبهج فأسماه بزيت الإبتهاج. هو مسح منذ الأزل أى تحدد أن عمل الخلاص سيكون عمل الإبن ووظيفته منذ الأزل وذلك فى خطة الله لخلاص البشرية وذلك بأنه سيتجسد ويقدم نفسه ذبيحة. فالآب يريد خلاصنا والإبن يحقق هذا الخلاص فالآب يحبنا كما الإبن. ولكن قوله مسحك بزيت تشير أيضا لحلول الروح القدس على المسيح يوم العماد (أش1:61) + (أع27:4) + (أع38:10) وحلول الروح القدس يحمل السرور والإبتهاج إلى من يعطى له = زيت الإبتهاج + (غل22:5) وقوله مَسَحَكَ إِلهُكَ = مسحك أبيك الذى هو من ناحية الناسوت إلهك. أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ = حلول الروح القدس على المسيح كان لحساب الكنيسة فبعد صعوده وفى يوم الخمسين حل الروح القدس على كل الشعب. ولكن هل حلول الروح القدس على المسيح سيكون بنفس القدر مثل باقى الشعب؟ طبعا لا. فالمسيح حل عليه الروح القدس بالكامل، لم يوهب الروح بقدر معين. أما بالنسبة لنا فالروح القدس يعطى لنا بقدر معين، وبقدر ما نجاهد نمتلىء لذلك يقول الرسول "إمتلئوا بالروح ويقول لتلميذه تيموثاوس "أذكرك أن تضرم أيضا موهبة الله التى فيك بوضع يدى (2تى6:1) ولذلك رأينا فى حلول الروح القدس على المسيح أنه حل على هيئة حمامة (هيئة كاملة) أما فى حلوله على التلاميذ فكان على هيئة ألسنة نار منقسمة كل واحد حسب ما يحتمل. آية (10):- "10وَ «أَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. " قارن مع (مز25:102-27) + (يو1:1) + (تك1:1) نجد مفهوم الرسول أن الإبن هو الخالق، المسيح هو الله الخالق الذى يخلق من البدء ولا وجه للمقارنة بين الخالق والمخلوق فالخليقة تتغير والخالق لا يتغير. هو الذى خلق السماء والأرض. آية (11):- "11هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى. " قارن مع (مز25:102-27) + (أش6:40-8) + (أش6:51) + (أش4:34) تَبِيدُ = يفهم من الكلمة الإنحلال وعدم الديمومة. تَبْلَى = تقدم وتتهرأ. فالخالق لا يتغير ولكن الخليقة تتغير لأنها وجدت من العدم. ومن له سلطان على كل شىء يغير ولا يتغير. قادر أن يغيرنا من طبيعتنا الخاطئة لنكون قديسين. آية (12):- "12وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى». " كَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ= الخليقة كرداء يلبسه الإنسان يمكن أن يطويه فيتغير شكله (أش4:34) فالسماء والأرض مهما بدا أنهما ثابتتان إلا أنهما غير ذلك. ويقال أن الهند كانت ملتصقة بساحل إفريقيا الشرقى والأمريكتين كانتا ملتصقتان بأوربا وبإفريقيا. ويقال أنه كانت هناك قارة إسمها أطلانتس إبتلعها البحر بعد زلزال عنيف وكم من جزر تظهر وجزر تختفى. بل إن السماء والأرض تزولان (رؤ1:21). أَنْتَ أَنْت سِنُوكَ لَنْ تَفْنَى = أنت تظل على الدوام ولن تتعرض سنيك للإنتهاء والفناء. آية (13):- "13ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:«اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟. " راجع (مز1:110). هذا المزمور إستخدمه المسيح عن نفسه لإثبات لاهوته (راجع مت44:22) وإستخدمه العهد الجديد كثيرا عن المسيح وأخذه قانون الإيمان "وجلس عن يمين أبيه". حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ = أعداء المسيح هم الخطية والموت وإبليس بل أن المسيح أعطى للمؤمنين هذا السلطان أن يدوسوا الحيات والعقارب فكل نصرة لنا هى لمجد إسمه القدوس (لو19:10) وكأن هذا الوعد للإبن أن الآب يضع أعداؤه موطئا لقدميه هو مقدم لجسد إبنه أى الكنيسة والمعنى المباشر للآية هل قيل لأحد من الملائكة مثل هذا الوعد؟!! آية (14):- "14أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ! . " الملائكة خدام لا يعملون بمقتضى مشيئتهم الذاتية ولكن يرسلون من قبل الله لخدمة أولئك العتيدين أن يرثوا الحياة الأبدية. ورأينا ملاكا يخدم إيليا (1مل4:19-8). وملاك يبشر العذراء (لو19:1) وملاك ينقذ بطرس من السجن (أع7:12). ولنلاحظ أن الغلبة التى أعطاها الله للبشر على إبليس تفرح الملائكة لذلك هم يفرحون بأن يكلفهم الله بخدمة البشر ومساعدتهم ليغلبوا. هى خدمة للبشر الذين سيشتركون معهم فى حياتهم السمائية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول مقارنة بين المسيح والأنبياء والملائكة (1) المسيح والأنبياء ( ع 1 - 3 ) : ع 1 : يتكلم بولس الرسول كيهودي مع إخوته اليهود العبرانيين عن آباء الشعب اليهودي في العهد القديم وكيف كان كلام الله إليهم عن طريق الأنبياء . بأنواع وطرق كثيرة : الرؤى ، الأحلام ، الظهورات والرموز بأنواعها من ذبائح وخلافه والناموس بوصاياه . وفي هذا يبين وحدة العهدين ، فالله هو المتكلم في العهد القديم بالأنبياء ، أما في العهد الجديد فبالمسيح المتجسد . ولكيما يظهر تفوق المسيح عن الأنبياء فيثبِّت المتنصرين من اليهود على إيمانهم أمام تشكيكات إخوتهم اليهود لهم وحرمانهم إياهم من دخول الهيكل ، فيبين أنَّ العهد القديم كان تمهيداً للعهد الجديد والرموز تبطل بمجئ المرموز إليه ، الذي هو أعظم من كل وسائل العهد القديم لإظهار الله . ع 2 : هذه الأيام الأخيرة : أي العهد الجديد . جعله وارثاً لكل شئ : أعلن أنه مالك لكل شئ فهو الخالق والفادي الذي إشترانا بدمه وببره الكامل صار صورة كاملة للإنسان كما ينبغي أن يكون ، وملكية الإبن مساوية لملكية الآب وهو ما صرَّح به المسيح نفسه عندما قال " كل ما للآب هو لي " ( يو 16 : 15 ) . عمل العالمين : يظهر أزلية الإبن الذي في الوقت المحدد خلق العالمين ، عالم السماء وعالم الأرض . يظهر تفوق وتميز العهد الجديد ، إذ أصبحت وسيلة التكلم مع البشر ليست هي الأنبياء بل الله نفسه المتجسد ، الذي خلق كل المخلوقات ثم تجسد في ملء الزمان وببره وفدائه أصبحت كل الخليقة خاضعة له كما كان الله يريد أن يكون آدم متسلطاً على كل الخليقة في الجنة . ع 3 : الذي وهو : أي المسيح . بهاء مجده : المسيح نور الآب ، فهو نور من نور . فهذا إثبات للاهوت المسيح لأنه لا يوجد مجد بدون بهاء ، فهو أزلي مثل أزلية المجد وليس تالياً له في الزمن كما يدَّعي بعض المتشككين في لاهوت المسيح . رسم جوهره : إثبات آخر للاهوت المسيح ، فجوهر الله قد ظهر رسمه وشكله في المسيح المتجسد ، فهو ذات جوهر الله ظهر بشكل منظور للبشر في ملء الزمان . فالرسم ليس شيئاً آخر أو منفصلاً أو أقل ، كما يدَّعي الذين يستخدمون هذه الآية للتشكيك في لاهوت المسيح ، بل هو إظهار جوهر الله للبشر ، فكما يقول الكتاب " الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر " ( يو 1 : 18 ) . حامل كل الأشياء : أي أنَّ السيد المسيح هو ضابط كل الأشياء والمعتني بها ، فهو يحملها بين يديه ويدبرها ، لأنه ليس فقط خالقها بل مدبرها أيضاً . بكلمة قدرته : حكمته التي خلقت كل المخلوقات ، فهي قادرة على كل شئ وتدبر الكل . صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا : تمَّم الفداء بنفسه ليطهر كل المؤمنين به من خطاياهم ، فهو العامل بنفسه في العهد الجديد وليس بواسطة أخرى كما في العهد القديم . جلس في يمين العظمة في الأعالي : اليمين تمثل البركة والقوة ، وليست اليمين بمعنى إتجاه معين ، لأنَّ الله غير محدود فليس له يمين أو يسار والمقصود أنَّ المسيح بعد قيامته صعد إلى السماوات ليكون في مجده الذي له منذ الأزل وأخفاه بتجسده واتضاعه ليتمم فداءنا ، أي صارت له العظمة الإلهية معلنة للبشر في الأعالي أي السماوات ، وهي كل ما يسمو عن ذهننا وأفكارنا المادية . يتابع بولس الرسول حديثه عن المسيح ، الذي هو الله خالق ومدبر كل الموجودات ، والذي تجسد وأخلى ذاته حتى يتمم فداء البشرية ثم صعد إلى السماء . وبهذا تظهر عظمة المسيح والمسيحية عن اليهودية التي ترمز وتمهد لها . + إنَّ الله يشتهي أن يتكلم معك دائماً ، وفي حكمته يبحث عن الطريقة التي تستجيب بها إن كانت بأحداث حولك أو أشخاص قريبين منك أو صوته في الكتاب المقدس ، لكي تتوب وترجع إليه ، ومن فرط حبه يعطيك نفسه في جسده ودمه على المذبح . فهل تتمتع أيها الحبيب بهذه الإعلانات التي تدعوك لأحضانه ، أم مازلت تظن الله إلهاً مبهماً غير مفهوم ، بعيداً عنك منفصلاً في سماه ؟ (2) المسيح والملائكة ( ع 4 - 14 ) : ع 4 : صائراً : لا تعني التغير ، بل أنَّ المسيح بعد إتمام الفداء إستردَّ مجده الذي كان قد تنازل عنه بإرادته . ورث : تفيد أنَّ السيد المسيح يمتلك كل السلطان الذي لله الآب ( يو 3 : 35 ) . اسماً : مكانة . بصعود المسيح ظهر مجده الإلهي الأزلي وهو أعظم من مجد الملائكة الذين خلقهم في السماء ، لأنه هو الله مالك كل المخلوقات ، أما الملائكة فيملكون قدرات متفوقة في الفهم والحركة والعمل وهبها الله لهم . ع 5 : لمن من : أسلوب ينفي بكل تأكيد عن كل الملائكة مساواتها بالسيد المسيح له المجد ، وهذا يدحض عقيدة الأدفنتست أو شهود يهوه ، بأنَّ السيد المسيح هو الملاك ميخائيل . اليوم : المقصود بها قبل كل الدهور . يتكلم هنا عن أزلية الإبن المولود من الآب قبل كل الدهور مقتبساً ذلك من ( مز 2 : 7 ) وكذلك ( مز 89 : 26 ، 27 ) ، فهو مساوٍ للآب في الجوهر ، أما الملائكة فمخلوقات خلقهم الله في وقت معين مثلما خلق باقي البشر ، وطبعاً بنوتنا لله بالتبني غير بنوة الإبن للآب في الجوهر . ع 6 : متى أدخل : الآب أرسل وأدخل الإبن إلى العالم بالتجسد ، وهذا ليس معناه إنفصال الآب عن الإبن بل هما واحد في الجوهر وهذه حركة داخل الذات الإلهية ، كما يصدر الإنسان من عقله إشارة إلى أحد أعضائه مثل يده أو رجله لتتحرك فهو ليس إثنين بل إنساناً واحداً . البكر : قصد الوحي على لسان القديس بولس ، أنه متى تجسد الإبن ودخل إلى العالم فهو تخلى عن المجد الذي كان له ، لذلك إستعمل كلمة البكر التي تفيد أنَّ المسيح كإنسان هو بكر لكل المؤمنين به ، فهو الإله المتأنس الذي قدَّم لنا الإنسان الجديد بدلاً من آدم الساقط ، وهي بالطبع لا تعني أنه مجرد إنسان مخلوق بل هو باتضاعه تجسد ليصير بكراً بطبيعته الإنسانية النقية لكل من يؤمن به ، وهو بكر الخليقة أي رأسها وليس أول مخلوق . لتسجد له : أتى الوحي الإلهي بهذا الشاهد من ( سفر التثنية 32 : 43 ) حسب الترجمة السبعينية للكتاب المقدس تأكيداً أنَّ الملائكة تسجد للإبن ، فالبديهي أنَّ المسجود له أعظم من الذي يقدم السجود . يظهر تميز المسيح عن الملائكة ، أنه عندما تجسد سجدت له الملائكة لأنها تعرف أنه الله خالقها وخالق كل الموجودات . ع 7 : رياحاً : كتشبيه أنها أداة في يد الله يستعملها لإرادته وليست هي نفسها ( الملائكة ) مجرد ريح ( يون 1 : 4 ) . لهيب نار : لأنهم أرواح ملتهبة بنار الحب الإلهي يشبههم بلهيب نار والمقصود هو ما ذكره أنهم خدام وأدوات في يده الإلهية . أتى القديس بولس بتشبيهات للملائكة أخذها من ( مز 104 : 4 ) وهي الرياح ولهيب النار ليعلن أنَّ كليهما مخلوقات خلقها الإبن مثل الملائكة ، ليؤكد أنَّ الملائكة مخلوقة وليست مثل الإبن الذي يقول عنه " كرسيك يا الله ... " . ع 8 : كرسيك : عرشك ، ومعنى الآية أنَّ ملكك دائم إلى الأبد . قضيب : صولجان الحكم ، والمعنى أنَّ نظام ملكك هو الإستقامة . يبين على الجانب للآخر أنَّ المسيح هو الله ملك الملوك الذي يحكم العالم كله إلى الأبد والملائكة مجرد خدام له كما ذكر ( مز 45 : 6 ) . ع 9 : أحببت البر وأبغضت الإثم : البر صفة ثابتة في السيد المسيح لا تتغير فيه ولا يفقدها بأي سبب ، لأنها ليست معطاة له من آخر مثل الملائكة الذين برَّهم مُعطَى من الله ، والدليل على ذلك سقوط عدد من الملائكة الذين صاروا شياطين ( يه 6 ) . مسحك الله : معناها خصصك لإتمام الفداء . إلهك : من ناحية الناسوت . أكثر من شركائك : كل الملوك والأنبياء الممسوحين ، ويقصد عموماً كل الخلائق الذين تجسد ليشبههم في كل شئ ما خلا الخطية . كان الملوك يُمسَحون بزيت ويطلق على كل من مُسِحَ فيهم " مسيح الرب " . وكلمة " أكثر من شركائك " هنا تعني تميز ربنا يسوع المسيح عن كل الملوك والأنبياء الذين جاءوا قبله كما ذكر ( مز 45 : 7 ) ، فهم شركاء له من جهة رسالة التبشير والتحذير وإعلان صوت الله ، أما مسحة المسيح الخاصة فمتعلقة بفدائه وخلاصه لنا وهو ما لا يستطيعه غيره ، لأنه متميز عن كل البشر والملائكة بالبر الكامل والفرح الكامل فهو مصدر كل فرح في العالم لكل الخلائق سواء الملائكة أو البشر . + هل تحب البر فتسعى لإقتناء الفضائل ؟ ليتك أيضاً تهتم بعمل الرحمة فتنتهز كل فرصة لعمل الخير . إنَّ هذا سيبعدك تدريجياً عن أفكارك الشريرة وكل خطية ، بل كلما تمتعت بالحياة مع الله ستبغض الخطية . ع 10 : في البدء : زمن بداية خلق العالم . أكَّد الوحي الإلهي في ( مز 102 : 25 - 27 ) على صفة الخلق في السيد المسيح ، وهذا دليل على وحدانية الآب والإبن ، لأنَّ الله وحده هو الخالق ، وناداه داود " يارب " مؤكداً لاهوته ، فهو في هذا المزمور يتكلم عن المسيح مخلص البشرية وهو خالق العالم كله ، السماء بكل ما فيها من ملائكة ومخلوقات والأرض بكل ما عليها من بشر وكائنات . ع 11 ، 12 : يعلن المزمور أنَّ كل الخلائق ستزول في اليوم الأخير ، ويشبهها بالثوب الذي من طبيعته إذا مر عليه وقت يبلى ويتهالك . ويشبه أيضاً المخلوقات برداء يطويه الله فيصبح قطعة من القماش لا تستعمل ؛ أما المسيح على الجانب الآخر فلا يصيبه تغيير ، فهو أزلي وخلق كل هذه المخلوقات في وقت معين هو وقت خلقه العالم ويحيا إلى الأبد . وهكذا يظهر تفوق المسيح على الملائكة وكل المخلوقات . ع 13 : يميني : ترمز للقوة والمجد الإلهي الكامل ، فالله ليس له يمين أو يسار . أعداءك : كل من يرفضون الإيمان بك ويصبحون ضدك . يعلن المزمور ( 110 : 1 ) كلام الآب للإبن بعد أن أتمَّ الفداء إذ يقول : " قال الرب لربي اجلس عن يميني " ، أي لك كل القدرة وأنت مستقر فيها ويخضع لك كل من يعاديك . وهذا ينفرد به المسيح فقط ولا يمكن أن يقال عن أي ملاك ، لأنه مخلوق أما المسيح فهو الله كليّ القوة والقدرة . ع 14 : لأنَّ السيد المسيح جالس على العرش ، فهو له السلطان على جميع الملائكة لإرسالها كأرواح مخلوقة لكي تخدم وتباشر إحتياج البشر الذين عقدوا العزم على الحياة معه والتمتع بميراث الحياة الأبدية . فالمسيح هو الله أما الملائكة فخدامه . + نعم أيها الحب السمائي ، الإله الذي لم يأتمن أي أحد على خلاصي أنا الخاطئ ، سوى إبنه الوحيد . أي حب يا إلهي أحببتني به حتى تخصَّص نفسك لأجلي ، تملك في قلبي بالإستقامة والبر وبغض الإثم ، تؤسس وتثبّت الأرض لأمشي عليها ، ثم تعلن لي لا تلتصق ولا تتعلق بها لأنها تبيد وتفنى . ترسل ملائكتك لخدمتي أنا الذي أشتهي خلاصك . أيها الحبيب فلتعطني قلباً يفيض بالشكر على نعمك التي لا تُحَدّ في شخص إبنك ربنا يسوع المسيح ، فأحيا متهللاً فرحاً بك هنا على الأرض إلى أن أصل إلى التهليل الكامل في السماء . مقارنة بين المسيح والملائكة كما جاء في ( عب 1 ) وجه المقارنة السيد المسيح الملائكة الطبيعة واحد مع الآب في الجوهر : + " أنت ابني وأنا اليوم ولدتك " ع5 + " أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً " ع5 أرواح نورانية " الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار " ع7 " أرواحاً خادمة " ع14 السجود المسيح هو المسجود له من الملائكة + " تسجد له كل ملائكة الله " ع6 الملائكة تقدم السجود لله الخالق المسيح هو الخالق + " به عمل العالمين " ع2 + " أنت يارب ( الإبن ) في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك " ع10 أرواح مخلوقة مثل باقي الطبيعة " الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار " ع7 " أرواحاً خادمة " ع14 الأزلية المسيح أزلي مولود من الآب قبل كل الدهور . " أنت ابني أنا اليوم ولدتك " ع5 الملائكة مخلوقة لها بداية زمنية " الصانع ملائكته " ع7 البر المسيح هو الله البار المُنَزَّه عن كل خطأ من ذاته . " أحببت البر وأبغضت الإثم " ع9 مخلوقات معرضة للخطأ بدليل سقوط بعضهم الذين هم الشياطين . السلطان المسيح له كل السلطان الذي لله . " لمن من الملائكة قال قط إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك " ع13 الملائكة تُرسَل من قِبل الله للخدمة . " أليس جميعهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة " ع14 الثبات والأبدية المسيح له كل المجد ، ثابت لا يتغير من ذاته وأبدي من ذاته . " هي تبيد ولكن أنت تبقى " ع11 " أنت أنت وسنوك لن تفنى " ع12 الملائكة ثباتها من الله وحياتها الخالدة هبة من الله .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح