كلمة منفعة
* الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، والله غير محدود، لذلك فالإنسان -مع أنه محدود- يحمل في داخله اشتياقًا إلى اللامحدود.
— الطموح
الرساله الثانيه ألى تيموثاؤس 4
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
تيموثاوس الثانيه - الاصحاح رقم 4
تيموثاوس الثانيه
الإصحاح رقم 4
الأصحاح الرابع
وصايا وداعية
يختم الرسول رسالته بوصايا وداعية:
1. المثابرة على الكرازة 1 - 5.
2. توقع الرسول رحيله 6 - 8.
3. أخباره الختامية 9 - 21.
4. البركة الرسولية 22.
1. المثابرة على الكرازة
إذ يختم الرسول حديثه مع ابنه الخاص يقدم له وصايا وداعية تتركز على وجه الخصوص في الكرازة بالكلمة، إذ يقول له: "أنا أُناشِدك إذًا أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته اكرز بالكلمة" [1-2]. يوصيه بالكرازة بالكلمة في حضرة الآب والابن العتيد أن يدين الأحياء والأموات. فإذ يكتب الرسول في أيامه الأخيرة منتظرًا لحظات استشهاده يتطلع إلى ربنا يسوع المسيح بكونه الديان الذي يدين الأحياء أي الأبرار، مكافئًا إياهم بشركة أمجاده الأبديّة ويدين الأموات أي الأشرار المُصرِّين على عدم التوبة والحياة معه. أو لعله كان في أيامه الأخيرة كما في كل أيام كرازته منشغلاً بمجيء المسيح ليلتقي بالأحياء في لحظات مجيئه والذين سبقوا فرقدوا، أنه يلتقي بالكل ليدينهم. هذا المنظر هو الباعث الحقيقي للكرازة بالكلمة الإلهيّة، فغاية خادم الكلمة هو انتشال النفوس من حالة الموت الداخلية للتمتع بالحياة في الرب حتى تنعم بظهور السيد المسيح وشركة أمجاده.
يناشده بالديان القادم أن يكرز بغير توقف، قائلاً له: "اكرز بالكلمة، اعكف على ذلك، في وقت مناسب وغير مناسب" [2]، فيليق بالراعي أن يتكلم في المسيح (2كو 2: 17) بلا توقف، فقد يتوقف في وقت ما فلا يجد فرصة أخرى للنفس التي التقى معها، فيخسرها إلى الأبد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: "في وقت مناسب وغير مناسب"؟ هذا يعني أنه لا يوجد وقت محدد، إنما ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في وقت السلام والأمان أثناء جلوسك في الكنيسة، وإنما حينما تكون في خطر أو سجن أو في سلاسل، وأنت ذاهب أيضًا إلى الموت.]
يكمل الرسول: "وبخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم" [23]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يكون توبيخك مناسبًا جدًا عندما يكون ناجحًا، وعندما تتزكى الحقيقة. إنه يقول: انتهر، أي كن على مثال الأطباء الذين إذ يرون الجرح يشقونه ويضمدونه. فإن حذفت شيئًا من هذا يكون عملك بلا نفع. إن انتهرت الآخرين دون أن تقنعهم تكون كمن هو متهور، ولا يحتمل أحد تصرفك هذا. لكن إن كنت تبرهن على انتهارك بإقناع منطقي يقبلون منك الانتهار... وإن أقنعت إنسانًا ووبخته لكن في شدة دون أن تستخدم الكلمة الطيبة يضيع تعبك باطلاً.] كأن القديس يطلب في الراعي عندما يوبخ أو ينتهر أن يقنع وفي نفس الوقت أن يبرز طول أناته... بهذا يأتي انتهاره بالثمر المطلوب. فالراعي كالطبيب الذي يبرز للمريض حقيقة مرضه ويكشف له خطورته ما لم تُجرَ له العملية، وإذ يقتنع المريض يقبل ضربات المشرط من يد الطبيب الذي وهو يجرح يلاطف ويضمد.
يقول القديس أمبروسيوس: [لا يليق بالراعي أن يكون قاسيًا وعنيفًا، ولا يكون متساهلاً جدًا، لئلا يكون في الحالة الأولى كمن هو صاحب سلطان جائر، وفي الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التي نالها.]
ويقول القديس يوحنا الدرجي: [من يرعى الخراف لا ينبغي أن يكون أسدًا ولا نعجة.]
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم معلقًا على كلمات الرسول "بكل أناة وتعليم": [لأن من يوبخ يلزمه أن يكون طويل الأناة، فلا يصدق بسرعة كل كلمة تُقال، ولأن التوبيخ يحتاج إلى تعزية حتى يمكن قبوله. لماذا أضاف "وتعليم" إلى "كل أناة"؟ إنه لا يوبخ كمن في غضب أو كراهية، ولا كمن يسب أو من أمسك عدوًا، فإن هذه الأمور بعيدة عنك تمامًا، وإنما كشخصٍ محبٍ، يتعاطف معه ويتألم معه في حزنه، وينصهر معه في مشقاته!]
"لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح،بل حسب شهواتهم الخاصة، يجمعون لهم معلمين مُستَحِكَّة مسامعهم، فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات" [3-4].
كأنه يقول يلزم الكرازة بروح القوة في كل حين، في وقت مناسب وغير مناسب، في حزمٍ لكن مع طول أناة ولطف... لماذا؟ لأنه يأتي وقت فيه تتصلف القلوب وتصير العنق متشامخة وعنيدة، فلا يحتمل الناس الاستماع للتعليم الصحيح. وكأن الرسول ينصحه أن يسرع بالعمل الروحي، لأن كل تأخير في الكرازة إنما يعني دخول الناس إلى حالة أكثر تصلفًا. كأن الزمن ليس في صالحنا إن أهملنا الخدمة! فالقلب المستعد الآن لقبول الكلمة قد يرفضها غدًا ما لم نخدمه اليوم! اليوم قد يقبل الناس المعلمين الحقيقيّين، لكن إن أهمل المعلمون في رعايتهم يسقط الناس في شهوات كثيرة، وعندئذ يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم. يطلبون ويجدون جماهير من المعلمين المنحرفين عن الحق، مملوءين فسادًا، تستريح لهم قلوبهم.
لم يقصد الرسول بهذا تحطيم تلميذه بروح اليأس، وإنما تشجيعه على السرعة في العمل الروحي وتقديم كلمة الحق حتى لا تهلك هذه النفوس، لهذا يكمل قائلاً: "وأما أنت فَاصْحُ في كل شيء، احتمل المشقات، اعمل عمل المبشر، تمم خدمتك" [5].
سأله أن يكون صاحيًا متيقظًا حتى لا تدخل الذئاب بين الحملان فتفترسهم. حقًا في السهر على الرعاية يتحمل الراعي الكثير من المشقات، لكن تهون هذه كلها من أجل خلاص الخراف العاقلة. هذا هو عمل المبشر أن يحمل الصليب مع مخلصه المصلوب لأجل الدخول بكل نفس إلى رعية السيد المسيح ربنا. بهذا يتمم خدمته ويكمل رسالته.
يحدثنا القديس غريغوريوس النزينزي عن المشقات التي احتملها الرسول بولس لتتميم رسالته فيقول: [لكي نعرف ذلك، نترك بولس يحدثنا بنفسه. لا أقول شيئًا عن أتعابه وسهره وتحمله الجوع والعطش، في برد وعري، أعداء من الخارج ومخاصمون في الداخل (2كو 11: 23 الخ). سأعبر عن الاضطهادات التي تحملها والمجامع التي عُقدت ضده والسجون والقيود والمفترين عليه، ومحاكماته، وموته يوميًا وفي كل ساعة، ووضعه في زنبيل هاربًا خلف السور، ورجمه بالحجارة وضربه بالعصي، وأسفاره، والمخاطر التي صادفها في البر والبحر، وغرقه في العمق وانكسار السفينة به، ومخاطر في أنهار، مخاطر من لصوص، مخاطر من حكام، مخاطر من إخوة كذبة، معيشته بعمل يديه، التبشير بلا نفقة (1كو 4: 12؛ 9: 8)، كونه قد صار منظرًا للملائكة والناس (1كو 4: 9)، وقوفه مناضلاً بين الناس والله لكي يوحدهم معه (بنعمة المسيح) فيصيروا شعبه الخاص (تي 2: 4)... من يقدر أن يذكر كل هذه الأمور بالتفصيل؟ الآلام اليومية والاهتمام الفردي، والعناية بكل كنيسة، والمودة الجامعة والحب الأخوي؟ هل أحد يعثر وبولس لأجله لا يضعف؟ أو أحد يشتكي وبولس لا يحترق؟... لقد حارب لأجل الكل، صلى من أجل الكل، وتعطف على الكل، سواء الذين بلا ناموس أو تحت الناموس... كان مستعدًا هو أيضًا وراء المسيح أن يحتمل كل شيء من أجل خلاص الأشرار.]
2. توقع الرسول رحيله
إذ يشجع الرسول تلميذه على الجهاد بقوة الروح من أجل الكرازة بالحق، متممًا خدمته حتى النهاية، قدم نفسه مثالاً، إذ جاهد حتى النفس الأخير. حقًا ما أروع كلماته: "فإني أسكب سكيبًا، ووقت إنحلالي قد حضر" [6] إذ أدرك الرسول أن حياته على الأرض تبذل للنهاية بقبوله الاستشهاد يقول: "الآن أسكب سكيبًا". كأن الرسول قد عاد بذاكرته إلى أب الأسباط كلها يعقوب، وقد أقام عمودًا وسكب عليه سكيبًا ودهنه بالزيت (تك 35: 14)، غالبًا ما كان هذا السكيب من الخمر، قدمه على العمود كتدشين لأول بيت يُقام لله في تاريخ الخلاص، إشارة إلى عطية فرح الروح القدس التي تملأ بيت الله أي شعبه. كأن الرسول يرى وسط آلامه داخل السجن منطلقًا نحو ساحة الاستشهاد أن روح الفرح الإلهي يملأ حياة الكنيسة خلال آلام الرسول. فلا فرح للكنيسة بدون ألم، ولا مجد لها خارج المشقات. لقد رأى القديس بطرس المؤمنين يدخلون تحت الآلام ويقبلون التعيير من أجل المسيح وإذا بروح المجد والله نفسه يحل عليهم، ليتقبل الله الألم في داخلهم تقدمة حب منهم واهبًا فرحه الإلهي ومجده الداخلي فيهم، إذ يقول: "كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين، إن عُيِّرْتم باسم المسيح فطوبى لكم، لأن روح المجد والله يحل عليكم" (1بط 4: 13-14).
لقد حسب آلام المؤمنين شركة في آلام السيد المسيح... والعجيب أن الرسول يأمرهم: "افرحوا" كعربون لنوالهم الفرح الأبدي عند استعلان مجده. ما أمر به الرسول لم يكن وصية بقدر ما هي عطية، فإنه يأمرهم لينالوا العطية ويدركوها ويمارسوها، أما علة هذه العطية فهو "روح المجد والله يحل عليكم". يفرح الله بحب المؤمنين العملي، والمعلن خلال الآلام والمشقات من أجله، فيعلن ذاته سرّ مجدهم وفرحهم الذي لا يُنطق به.
ولعل الرسول وهو يتحدث عن نفسه كسكيبٍ يُسكب يذكر ما ألزمت به الشريعة من تقديم خروفين كل يوم، الواحد في الصباح والآخر في العشية، أثناء تقديمه يُصنع له سكيب من الخمر (حز 29: 40-41). وكأن ذبيحة الصليب قد ارتبطت بفرح الروح القدس الذي ينسكب على الكنيسة خلال الحمل الإلهي الذبيح. هذه هي خبرتنا المستمرة، ففي ليتورچيا الأفخارستيا إذ تقدم الكنيسة للآب بالروح القدس تقدمة الابن الوحيد، جسده المبذول، يسكب عليها وفيها فرحه الإلهي بحلول روحه القدوس الفائق! هذا ما رفع الكنيسة إلى التغني بليتورچيا الأفخارستيا كتسبحة فرح فائق، هي من صنع الروح القدس واهب الفرح الحقيقي!
أقول في اختصار أن الرسول بولس وهو يكتب لتلميذه المتألم بسبب مضايقات نيرون الظالم أراد أن يعلن له عن استشهاده في أروع صورة لكي يسنده ويشجعه لتكملة جهاده في الكرازة حتى النهاية. إنه يعلن بأن حياته كلها تُقدم - في المسيح يسوع - ذبيحة حب لله، وأن السيد المسيح نفسه الساكن فيه يحل بمجده عليه في لحظات الاستشهاد ليتقبل الألم واهبًا إياه روح المجد والقوة والفرح، لا بل نقول أن بسبب آلامه يهب الكنيسة كلها فرحًا وتعزية داخلية، فيصير الرسول نفسه كسكيب خمرٍ مفرحٍ يُسكب على بقية جسد الكنيسة المتألم! ما أبدعها لحظات حين يتقبل الرب آلام الراعي بكونها آلامه، واهبًا لأولاده الروحيين تعزية وفرحًا مجيدًا، الأمر الذي جعل من الاستشهاد للآباء أعيادًا تفرح بها الكنيسة وتُسَبِّح متهللة.
في اختصار يمكننا القول أن ما تتقبله النفس بل ومن هم حولها من تعزيات خلال لحظات الألم لا يُمكن اقتنائها خلال أصوام وصلوات ومطانيات وتعبدات لسنوات طويلة. الألم في المسيح يسوع ينبوع فرح الكنيسة لا ينضب!
يقول الرسول: "فإني الآن أسكب سكيبًا، ووقت إنحلالي قد حضر" [6]. إنه كعصفور في قفص، حتى وإن كان ذهبيًا، يود أن ينطلق!
أما سرّ فرحه فهو إدراكه أن الرب قد أنجح رسالته وقبل جهاده الحسن القانوني، إذ يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" [7-8].
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:
[غالبًا إذ أضع الرسول بين يدي، وأتأمل هذه العبارة أشعر أنني قد فقدت الفهم...
بأي هدف كان الرسول يتحدث هكذا؟ لقد كان مشتاقًا أن يعزي تلميذه وينزع عنه كآبته، موصيًا إياه أن يبتهج، لأنه ذاهب إلى حيث يوجد إكليله، بعد أن أنهى كل عمله ونال نهاية مجيدة.
إنه يقول له: يليق بك أن تفرح لا أن تحزن؛ لماذا؟ لأنني "جاهدت الجهاد الحسن".
إنه كأب يجلس بجوار ابنه الذي يندب حال يتمه ليعزيه، قائلاً له: "لا تبكِ، فإننا نعيش حياة حسنة وقد بلغت الشيخوخة، وها أنا أتركك. حياتنا هنا بلا عيب، وها نحن نرحل في مجدٍ، يلزمك بالحري أن تُعجب بأعمالنا، فقد صار ملكنا كأنه مدين لنا. أو كأنه يقول: لقد رفعنا علامات النصرة، هزمنا الأعداء!"
يقول هذا ليس افتخارًا بنفسه! وإنما ليرفع من نفسية ابنه المغموم، ويشجعه على احتمال ما يحدث (رحيله) بثبات، باعثًا فيه الرجاء الصالح، بكونه لا يفكر في الرحيل كأمرٍ محزن. إن كان مجرد الانفصال يُحسب أمرًا محزنًا، بل ومحزن بحق، إذ يقول بولس نفسه: "قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب"؛ (1تس 2: 17)؛ وإن كان قد شعر بهذا عندما انفصل هو عن تلميذه، فماذا بالحري تكون مشاعر تيموثاوس نفسه؟ إن كان مجرد ترك الرسول له وهو بعد حيّ جعله يبكي، إذ يقول بولس: "ذاكرًا دموعك لكي أمتليء فرحًا" (2تي 1: 4)، فماذا يكون الأمر عند موته؟
إذن كتب الرسول هذا ليعزيه... يقول: "جاهدت الجهاد الحسن"... هل هذا الجهاد حسن وقد وجد فيه سجن وقيود وموت؟ نعم، لأنه جهاد من أجل المسيح خلاله ننعم بأكاليل عظيمة!... ليس جهاد أسمى من هذا! إكليله بلا نهاية؛ إكليله ليس من أوراق الزيتون، والحكم فيه ليس بشريًا، والمشاهدون ليسوا بشرًا، إنما سيكون المسرح مزدحمًا بالملائكة!
هناك (في حلقات المصارعة) يجاهد الناس أيامًا كثيرة ويحتملون المصاعب لأجل ساعة ينالون فيها الإكليل، وعندئذ تنتهي كل بهجة في الحال. أما هنا فالحال مختلف تمامًا: الإكليل أبدي له بهاؤه ومجده وكرامته، لهدا يجب أن نفرح.
ها أنا أدخل راحتي تاركًا السباق. لقد سبق أن سمعت مني أنه خير لي أن أنطلق وأكون مع المسيح. لقد "أكملت السعي"؛ فإنه يليق بنا أن نجاهد ونجري، نجاهد محتملين الآلام بثبات، ونجري ليس باطلاً وإنما لأجل غاية صالحة. حقًا إنه جهاد حسن، ليس فقط يبهج ناظره وإنما يفيده، فلا ينتهي السباق إلى لا شيء. إنه ليس مشهدًا مجردًا لإبراز القوة والمنافسة وإنما هو رفع إلى السماء!
كيف أكمل السعي؟... لقد عبر الأرض كطائر، بل بالحري أسرع من طائر، لأن الطائر مجرد يحلق فوقها، لكن (بولس) إذ كان له جناح الروح وجد طريقًا خلال العوائق التي بلا عدد، والمخاطر والميتات والكوارث. كان أكثر خفة من الطائر، فلو كان طائرًا مجردًا لسقط... لكنه إذ هو محمول بالروح انطلق يرفرف فوق كل الفخاخ كطائر ذي جناح من نار!
يقول: "حفظت الإيمان"، فقد وُجدت أمور كثيرة كانت تود سرقة الإيمان... من تهديدات وميتات ومخاطر أخرى بلا حصر. لكنه وقف ضد هذا كله بثبات. كيف؟ بكونه صاحيًا ساهرًا...
كان هذا كافيًا لتعزية تلميذه، لكه أضاف المكافآت؛ ما هي؟ "وأخيرًا وضع لي إكليل البرّ". مرة أخرى يدعو الفضيلة هنا بمعنى عام: "البرّ". لا تحزن لأني راحل. فإنني سأُقَلد بذلك الإكليل الذي يضعه المسيح على رأسي، لو كنت سأستمر هنا لكان من حقك أن تحزن وتخاف عليَّ لئلا أسقط وأهلك. يقول: "الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" [8]. بهدا أيضًا رفع ذهنه، فإن كان الله يهب الإكليل للجميع، فبالأولى يهبه لتيموثاوس.]
إن انتظار الرسول لرحيله أو مجيء السيد، أي التلاقي مع ربنا يسوع ليس مجرد اشتياقات داخله أو كلمات يُنطق بها، لكنها حياة إيمانيّة مملوءة جهادًا وأتعابًا بفرح. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يوجد فينا ما هو غير مستحق لمجيئه، عندئذ يجعل له مسكنًا فينا.] بمعنى أن انتظار ظهوره يتحقق بتهيئة نفوسنا الداخلية بعمل روحه القدوس لنكون بحق العروس اللائقة بعريسها الأبدي، أو الأبناء المشابهين لأبيهم، يرونه فينجذبون إليه ويوجد معه وفيه إلى الأبد.
كلمات الرسول بولس في أيامه الأخيرة لم تكن لتعزية تيموثاوس وحده وإنما لتعزية الكنيسة كلها في جهادها الروحي سواء في أيام الضيق (الاستشهاد) أو السلام. يقول القديس كبريانوس: [ليتهم يتقبلون الأكاليل، إما بيضاء بسبب الجهاد أو أرجوانية بسبب الآلام، ففي معسكر السماء توجد زهور خاصة بالسلام وأخرى خاصة بالصراع، بها يتكلل جنود المسيح للمجد.]
وقد راعى انتباه القديس أمبروسيوس في حديثه عن واجبات الكهنة أن الرسول يقول عن نوال الإكليل أنه "في ذلك اليوم" يهبه له وليس هنا؛ [هنا حارب في أتعاب ومخاطر وانكسار السفينة به كمصارع جاهد عالمًا أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات.]
لقد استخدم أتباع بيلاجيوس كلمات الرسول بولس هذه لتأكيد فكرهم أن المكافأة هي ثمر جهادنا الذاتي، متجاهلين نعمة الله الغنية، وقد ردّ عليهم القديس أغسطينوس، قائلاً:
[لنتأمل استحقاقات الرسول بولس عينها، الذي قال أن الديان العادل سيجازيه بإكليل البرّ، لنرى ما إذا كانت استحقاقاته حقيقة نابعة عنه، أقصد أنه حصل عليها بمجهوده الذاتي، أم هي عطايا إلهيّة! إنه يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2تي 4: 7). أولاً: هذه الأعمال الصالحة لا تُحسب شيئًا ما لم يسبقها أفكار صالحة. لاحظ ماذا يقول عن هذه الأفكار؟ "ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله" (2كو 3: 5). ثانيًا: لنتطلع إلى كل استحقاق على حدة:
أ. جاهدت (حاربت) الجهاد الحسن: أريد أن أعرف بأية قوة كان يحارب؟ هل بقوة ذاتية، أم بقوة أُعطيت له من فوق؟ يستحيل أن نظن أن معلمًا عظيمًا مثل الرسول كان جاهلاً بشريعة الله التي تعلن في سفر التثنية: "لئلا تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي صنعت لي هذه الثروة، بل اذكر الرب إلهك أنه هو الذي يعطيك القوة" (تث 8: 17). وأي نفع للمحاربة الحسنة ما لم يتبعها نصرة؟ ومن يهب النصرة إلاَّ الذي يقول عنه الرسول نفسه: "شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1كو 15: 57)؟ وفي عبارة أخرى اقتبسها من المزمور يقول: "لأننا من أجلك نُمات اليوم كله، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (مز 44: 22)، مُكملاً القول: "ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"، أي أنه ليس بأنفسنا نحقق الغلبة بل بذاك الذي أحبنا.
ب. أكملت السعى: كيف يقول هذا، وهو يعلن في عبارة أخرى: "فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم" (رو 9: 16). هذه العبارة لا يمكن استبدالها فنقول أنه ليس من الله الذي يظهر الرحمة بل الإنسان هو الذي يشاء ويسعى. فمن يتجاسر ويفسر الأمر هكذا يكون من الواضح أنه مناقض للرسول.
ج. حفظت الإيمان: الذي يقول هذا يعلن في عبارة أخرى: "أعطى رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا" (1كو 7 : 25). إنه لا يقول: "كمن رحمه الرب لأنني كنت أمينًا"، بل "رحمه أن يكون أمينًا"، مُظهرًا أنه حتى الإيمان نفسه لا يمكن نواله بدون رحمة الله، إنه عطية الله! هذا يؤكده لنا عندما يقول: "لأنكم بالنعمة أنتم مخلصون، بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله" (أف 2: 8). ربما تقولون: "نحن تقبلنا النعمة لأننا آمنا"، ناسبين الإيمان إلى أنفسهم والنعمة لله، لذلك فإن الرسول بعد قوله: "لأنكم بالنعمة مخصلون بالإيمان"، أضاف: "وذلك ليس منكم، هو عطية الله". ولئلا يقولوا إنهم استحقوا هذه العطية العظيمة بأعمالهم (الذاتيّة) أضاف للحال: "ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحن عمله" (أف 2: 9). لا بمعنى أنه يُدحِض الأعمال الصالحة أو يسلبها قيمتها، إذ يقول أن الله يجازي كل واحد حسب أعماله (رو 2: 6)، إنما لأن الأعمال هي ثمر الإيمان وليس الإيمان ثمر الأعمال، لذلك فأعمال البرّ التي لنا هي من الله ومنه نصل إلى الإيمان ذاته الذي قيل عنه "البار بالإيمان يحيا".]
3. أخباره الختامية
قدم الرسول لتلميذه الحبيب بعضًا من أخباره:
أ. استدعاء تلميذه: أدرك الرسول أن وقت رحيله قد اقترب، فأرسل يستدعيه، قائلاً له: "بادر أن تجيء إلىّ سريعًا" [9]، وإن كان للأسف لم يستطع أن يحضر قبل استشهاده. وقد كان الرسول لطيفًا وحكيمًا في استدعائه، إذ لم يقل له "لكي أراك قبل رحيلي"، لئلا إذا لم يتحقق الأمر يحزن القديس تيموثاوس ويكتئب، وإنما أعلن له إن حاجته إليه في هذه اللحظات إنما بسبب ترك الكثيرين له.
ب. ترك البعض له: "لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي" [10]. إذ تركه ديماس طلب تيموثاوس لكي يخدمه عوضًا عنه. ولكن لماذا تركه ديماس؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أحب الطريق السهل والآمن، بعيدًا عن المخاطر. حقًا لقد اختار أن يعيش في بيته في ترفٍ عن أن يعاني معي المصاعب، ويشاركني المخاطر الحاضرة. لقد لامه لا لأجل اللوم في ذاته، وإنما لكي يثبتنا نحن فلا نسلك بتدليل مبتعدين عن الأتعاب والمخاطر، فهذا يُحسب حبًا للعالم الحاضر، ومن ناحية أخرى أراد بهذا أن يجتذب تلميذه إليه.]
يكمل الرسول: "وكِرِيسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دَلْماطية، لوقا وحده معي" [10-11]. هذان لم يتركاه من أجل محبة العالم وإنما لأجل ضرورة الخدمة.
ج. طلب مرقس الرسول: "خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة" [11]. في رحلته التبشيريّة الثانية رفض الرسول أن يأخذ مرقس معه لأنه سبق وتركه في رحلته الأولى عند بمفيلية، ربما بسبب حمى أصابته هناك. وبسبب رفض الرسول أخذ مرقس معه انفصل عنه برنابا الذي انطلق مع مرقس إلى الخدمة في طريق آخر، إلى جزيرة كريت حيث انتقل برنابا هناك، أما مرقس الرسول فجال في إفريقيا يخدم، وكانت الإسكندرية مركز خدمته. هنا الرسول يشهد للقديس مرقس أنه نافع له في الخدمة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه، قائلاً: [إنه لم يطلب ذلك لأجل راحته الخاصة، وإنما لأجل خدمة الإنجيل. فإنه وإن كان سجينًا لكنه لا يتوقف عن الكرازة. لذات السبب أيضًا أرسل يطلب تيموثاوس، ليس لأجل نفسه، وإنما لأجل الإنجيل، فلا يكون موته مجالاً لحدوث اضطراب بين المؤمنين، إنما وجود بعض من تلاميذه ينزع عنهم ضيقهم.]
د. طلب الرداء: "الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربُس احضره متى جئت، والكتب أيضًا، ولاسيما الرقوق" [13]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكلمة المترجمة هنا "رداء" تعني ثوبًا أو كما يقول البعض تعني حقيبة تحوي الكتب.] لقد طلب رداءه ربما لكي لا يضطر في أيامه الأخيرة أن يستعير رداء أحد، إذ لا يريد أن يثقل على أحد. أما طلبه الكتب فربما لكي يسلمها للمؤمنين في روما الذين يعاصرون استشهاده فتكون سبب تعزية لهم... حقًا إنه حتى في اللحظات الأخيرة لا يهتم بما لنفسه بل ما هو لراحة الغير.
هـ. شر إسكندر النحاس: "إسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، ليُجازِهِ الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا" [14-15]. لقد كتب عن إسكندر النحاس لا ليدينه أو يتهمه، ولا ليطلب الانتقام منه، وإنما أراد أن يعد تلميذه للصراعات حتى النهاية، لكي يحتملها بثباتٍ. لقد صنع إسكندر ببولس الرسول شرورًا كثيرة، وها هو يخشى على تلميذه منه. أما قوله: "ليجازه الرب حسب أعماله"، فلا تحمل شهوة انتقام خاصة وأن الرسول يدرك أن يوم رحيله قد قرب جدًا، إنما يُهيء نفس تلميذه الذي سيتعرض لمضايقات إسكندر وأمثاله لكي لا يضطرب، تاركًا الأمر في يدي الله الذي لا يترك الأشرار بلا تأديب أو عقوبة.
يظهر حنو الرسول حتى نحو مضطهده الشرير، فإنه لم يطلب من تلميذه أن ينتقم منه أو يعاقبه أو يطرده، لكن كل ما فعله حذره منه حتى لا يفسد خدمته، لأنه مقاوم للكلمة.
و. ترك الكل له في احتجاجه الأول: "في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني. لا يُحسَب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني، لكي تتم بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقِذت من فم الأسد. وسينقذني الرب من كل عمل رديء، ويخلصني لملكوته، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين" [16- 18].
إذ وقف أمام نيرون في دفاعه الأول لم يقف بجواره أحد، حتى الأصدقاء، وهو أمر صعب على النفس. على أي الأحوال طلب الرسول لأصدقائه من الرب السماح من جهة إهمالهم في اللحظات العصيبة. والعجيب أنه إذ فشلت كل الأذرع البشرية، وأدرك الرسول أن الجميع قد تركوه، ليس من يسند ولا من يعين، تجلى الرب في هذه اللحظات: "الرب وقف معي وقواني". حين تتحطم كل الأذرع البشريّة لمساندة المؤمن في ضيقته تبقى ذراع الرب القوية ممتدة، قادرة على الإنقاذ من فم الأسد، وتتمم الشهادة له بنجاح.
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هكذا:
[إن كان الناس قد هجروه، لكن الله لم يسمح له بضرر، بل قواه، أي وهبه الجرأة على الكلام، ولم يسمح له أن يغرق...
"لاحظ عظم تواضعه! فإنه لم يقل أن الله قواه لاستحقاقه هذه العطية، إنما من أجل الكرازة التي أُؤتمن عليها لكي تتم.
"انظر كيف اقترب من الموت! لقد سقط بين أنياب الأسد ذاته، فقد دعا نيرون أسدًا بسبب شراسته وعنف حكومته...
يقول: "أُنقذت من فم الأسد وسينقذني الرب من كل عمل رديء". لم يقل سينقذني من فم الأسد، بل سينقذني من كل عمل رديء، فإن كان الرب قد أنقذه من الخطر (نيرون) فسينقذه من الخطية، فلا يسمح له بالرحيل وهو مدان.]
كأن الله أنقذه من نيرون من أجل الكرازة والشهادة له حتى يتمم رسالته، أما وقد تحققت رسالته لا يعود يطلب الخلاص من يد نيرون، بل من حكم الخطية، بانطلاقه من العالم محفوظًا من الدينونة. لقد خلص من دينونة نيرون المؤقتة، لكن ما هو أعظم إن الله يخلصه من الدينونة الرهيبة حيث يدخل به إلى شركة أمجاده الأبديّة، قائلاً: "يخلصني لملكوته".
ز. إهداء السلام لأحبائه: "سلِّم على فرسكلا (بريسكلا) وأكيلا وبيت أُنيسيفورس" [19]. وقد سبق لنا الحديث عن أنيسيفورس الذي أراح الرسول مرارًا كثيرة أثناء سجنه (1: 16)، أما بريسكلا وزوجها أكيلا فقد ارتبطا بالرسول بدالة محبة قوية، إذ آمنا على يديه، وكانا خيامين يقضيان بعضًا من الوقت معه يعملان معه في صنع الخيام. لقد عملا معه في خدمته، إذ يقول الرسول: "سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما بل أيضًا جميع كنائس الأمم" (رو 16: 3-4). والعجيب أن الرسول - وهو في القرن الأول الميلادي - يذكر اسم الزوجة قبل الزوج في الرسالتين، هنا والرسالة إلى أهل رومية، في وقت لم يكن للمرأة - حسب القانون الروماني - أية حقوق. لقد ذكرها الرسول أولاً ليؤكد أنه في الإيمان لا تحيز لجنس على آخر إلاَّ حسبما يقدم الإنسان من إيمان حيّ عامل. لقد كانت بريسكلا في عيني الرسول أكثر غيرة وإيمانًا من رجلها.
س. "أراستس بقي في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضًا" [20]. بهذا يوضح الرسول احتياجه إلى تلميذه، فقد بقي أراستس في كورنثوس، بينما ترك تروفيموس مريضًا في ميليتس. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: لماذا لم يشفِ الرسول بولس تروفيموس؟ إن كان الرسول قد وُهب عطية شفاء المرضى، لكن الله سمح أن يوجد من بين أحبائه من هو مريض ولا يشفيه حتى يشعر الرسول بضعفه، فإن راوده فكر كبرياء من جهة المعجزات التي تتم على يديه يرى أحباءه مرضى وهو في عجزٍ عن تقديم شيءٍ ما لهم. هذا ومن ناحية أخرى، لكي لا يتحول هدف المؤمنين في الكرازة إلى الأمور الماديّة. بقاء المرض حتى بين الخدام الأمناء يعني أن غاية الكرازة أولاً خلاص الإنسان أبديًا وتمتعه بالملكوت، أما الأمور الأخرى فتُعطى للإنسان أو يحرم منها حسبما يرى الله فيه من خير.
ما نقوله هنا نردده بخصوص أَبَفْرودِتُس العامل مع الرسول والمتجند معه (في 2: 25) إذ كان مريضًا قريبًا من الموت، بل ونقوله بخصوص الرسول نفسه الذي صرخ إلى الرب ليشفيه لكن الرب أعلن له: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل".
ش. يكرر الرسول الدعوة: "بادر أن تجيء قبل الشتاء" [21]. في لطف لم يقل: "قبل أن أرحل" بل قال "قبل الشتاء" حتى لا يثير فيه مشاعر الحزن متى جاء ووجده قد رحل.
ص. تقديم سلام أحبائه الذين في روما: "يسلم عليك أَفْبولس وبوديس ولينُس وكَلافَدِيَّة والإخوة جميعًا" [21]، من بينهم لينس الذي أُقيم أسقفًا على روما وكَلافَدِيَّة المملوءة غيرة على الشهادة لله.
4. البركة الرسوليّة:
"الرب يسوع المسيح مع روحك. النعمة معكم. آمين". إنها بركة ختاميّة تليق بما جاء في الرسالة، فإنه إذ يتحدث عن روح القوة، يؤكد أن سرّها هو المعية مع الرب يسوع. وإن كان الرسول يود أن يسند تلميذه ويعزيه، فليس من معزٍ سوى نعمة ربنا يسوع المسيح التي ترافق الإنسان وتعينه!
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الرابع
الآيات (1-2):- "1أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ: 2اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ. "
يقدم الرسول وصايا وداعية لتلميذه، ويستحلفه ويناشده أمام الله والمسيح أن لا يتقاعس، وهو كأنه يقيم الآب والإبن شاهدين علي تيموثاوس حتي يهتم بالكرازة .أَمَامَ اللهِ = الرقيب علي كل الناس وعلي ضمائرهم الْمَسِيحِ الْعَتِيدِ أَنْ = فهو يذكره بالدينونة الرهيبة، فهو كأسقف مسئول أمام الله عن خدمته وسيحاسبه الله علي أمانته فيها يوم الدينونة. الأَحْيَاءَ = هم الذين سيكونون أحياء وقت مجيء المسيح .الأَمْوَاتَ = هم الذين سبقوا فرقدوا. وهناك تفسير آخر الأَحْيَاءَ هم الأبرار الذين خلصوا وَالأَمْوَاتَ هم الأشرار الذين هلكوا إذاً يا خادم الله جاهد حتي تكون رعيتك أحياء في ذلك اليوم. 2اكْرِزْ = المناداة بالإنجيل. اعْكُف= الإقامة في الأمر وملازمته والإقبال عليه وعدم الإنصراف عنه وَبِّخِ، = النهي عن أمر مكروه. عِظْ = التذكير بما يحمل علي التوبة إلي الله وإصلاح السيرة تَعْلِيمٍ = نقل معرفة. فالتوبيخ دون تعليم وإقناع يجعل الناس تنفر. فالتوبيخ لا يكون بغضب أو إحتقار أو كراهية بل بتعليم وتشجيع كمن يتعاطف مع المخطئ
فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ = حتي في الوقت الذي يظن أو يظن الناس أنه غير مناسب، أخلق الفرصة في كل وقت. في الوقت الذي تظن أن الوعظ لن يأتـي بثمار، لا تكف فلربما كان هذا الوقت هو الذى سيعمل فيه الله ويأتى بثمار، وربما تكون هذه آخر فرصة لهذه النفس.
الآيات (3-4):- "3لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، 4فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ. "
انتهز الفرصة الآن، وعلم فإنه سيأتي أيام يرفضون التعليم ولا يحتمل الناس سماع التعليم الصحيح وتتصلف القلوب، إذاً الزمن ليس في صالحنا إن أهملنا الخدمة، فالقلب المستعد الآن لقبول الكلمة قد لا تجده مستعداً غداً. مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ = أي يطلبون لهم معلمين يسمعونهم بحسب أهوائهم، يعظونهم بما يسر قلوبهم ويدغدغ مشاعرهم فيزدادون ضلالاً. مستحكة = أذان أصابتها الحكة (أكلان) لا تطيق التعليم الصحيح، بل ترغب في سماع كل ما هو غريب وجديد وما يرضي غرورهم وكبريائهم. ويوجد ايضا معلمين لا يهتمون بما هو حق بل بما يرضي الناس ليكسبوا جماهير كثيرة.
آية (5):- "5وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ. "
هنا يشجعه حتي لا ييأس مما قاله له، فما عليه إلا أن يكون صاحياً متيقظاً حتي لا تدخل الذئاب بين الحملان فتفترسهم فَاصْحُ =هذه أول صفة للأسقف كحارس للإيمان والثانية احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ.
آية (6):- "6فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. "
وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ = كلمة إنحلال في اليونانية تعني حل ربط السفينة من مرساها لتغادر الميناء، وهي إشارة أيضاً لحل أوتاد الخيمة استعداداً للرحيل. والمعني التحرر من قيود الجسد بالموت.
أُسْكَبُ سَكِيبًا = هو تعبير يعنى الموت والإستشهاد فما يسكب لا يمكن جمعه ثانية، كانوا يسكبون خمراً مع تقديم الذبائح (خر 29 : 40، 41) والخمر رمز للفرح في الكتاب المقدس وكأن الرسول ينظر لنفسه علي أنه ذبيحة ودمه الذي سيسفك في سبيل ايمانه بالمسيح هو السكيب الذي يراق علي الذبيحة، ومن يبذل نفسه في ثباته علي الإيمان بالمسيح يفرح الله . بل سيكون أيضاً فرح لهذا الذى يسكب نفسه وهذا معني سكيب الخمر أنه فرح حينما يسكب بولس نفسه. فهذا يمنح بولس فرحاً عجيباً وتعزية داخلية. ولاحظ أن الرسول يحث تلميذه علي إحتمال الآلام فيقدم آلامه هو في أروع صوره، والسكب هو أكثر من تقديم النفس ذبيحة فالذبيحة جزء منها يكون للذبح وجزء للآخرين، أما السكيب فكله لله، هو بذل النفس بالكلية لله.
الآيات (7-8):- "7قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، 8وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا. "
يليق بك أن تفرح يا تيموثاوس. لأنني جَاهَدْتُ وأكملت السعي هذه الآية ليست للفخر بل لتعزية تيموثاوس. ومن يجاهد لأجل المسيح يعطيه المسيح إكليل. أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، = يليق بنا أن نجاهد محتملين الآلام بثبات. فأكملت السعي تشير لمن يجري ويسعي لأدراك شئ. حَفِظْتُ الإِيمَانَ، = ضد كل محاولات الهراطقة.
8وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِر = الإكليل الذي يعطي لمن تبرر (عاش في الفضيلة، كانت له حياته هي حياة المسيح البار (في 1 : 21)) وهذا يعنى أن من فى السماء لن يخطئ بل سيحيا فى بر ولا يخطر على باله فكر الخطية بل ينساها تماما فهناك فى أورشليم السمائية لا يدخل شيئا نجس ( رؤ21 : 27) .
وهذا وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ = إذاً هو لك يا تيموثاوس ونفهم من باقي رسائل بولس الرسول أن جهاده وسعيه كانا بقوة المسيح (2 كو 3 : 5) + (1كو 15 : 57) + (رو 9 : 16) + (1كو 7 : 25) + (أف 2 : 9).
آية (9):- "9بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا. "
الرسول يعلن حاجته لتلميذه إذ تخلي عنه الكثيرون، وربما لأنه أدرك أن وقت رحيله قد إقترب ويريد أن يوصيه الوصايا الأخيرة.
آية (10):- "10لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالُونِيكِي، وَكِرِيسْكِيسَ إِلَى غَلاَطِيَّةَ، وَتِيطُسَ إِلَى دَلْمَاطِيَّةَ. "
ديماس واحد من الذين تركوا بولس إذ احب الطريق السهل البعيد عن المخاطر، وتعلق بمحبة الدنيا وأباطيلها، أما كريسكيس وتيطس فقد تركاه بخصوص أمور خاصة بالخدمة.
الآيات (11-12):- "11لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ. 12أَمَّا تِيخِيكُسُ فَقَدْ أَرْسَلْتُهُ إِلَى أَفَسُسَ. "
حدث خلافا من قبل بين بولس من ناحية وبرنابا ومرقس من ناحية ولم يقبل بولس أن يستمر في خدمته مع مرقس فإنفصل برنابا ومرقس عنه وكان هذا لصالح كنيسة الإسكندرية، فبعد هذا الإنفصال أتي مارمرقس لمصر ليصبح كاروز ديارنا المصرية، وبعد هذا كما نري في هذه الآية يكتشف بولس الرسول أن مَرْقُسَ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ
آية (13):- "13اَلرِّدَاءَ الَّذِي تَرَكْتُهُ فِي تَرُواسَ عِنْدَ كَارْبُسَ، أَحْضِرْهُ مَتَى جِئْتَ، وَالْكُتُبَ أَيْضًا وَلاَ سِيَّمَا الرُّقُوقَ. "
ربما ترك ترواس في الصيف والآن شتاء فطلب الرداء حتي لا يثقل علي أحد ويطلب منه رداء. وربما أراد منح الكتب لمؤمني روما لتعزيتهم.
الآيات (14-15):- "14إِسْكَنْدَرُ النَّحَّاسُ أَظْهَرَ لِي شُرُورًا كَثِيرَةً. لِيُجَازِهِ الرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. 15فَاحْتَفِظْ مِنْهُ أَنْتَ أَيْضًا، لأَنَّهُ قَاوَمَ أَقْوَالَنَا جِدًّا. "
سبق وأسلم بولس هذا الإسكندر للشيطان ليؤدبه (1تي 1 : 20) ولكنه لم يستفد من التأديب، والآن يتركه بولس لله ليعاقبه، وينبه تيموثاوس أن ينتظر منه أو من غيره مضايقات لكن عليه أن يسلم الأمر لله كما فعل هو.
الآيات (16-18):- "16فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ. 17وَلكِنَّ الرَّبَّ وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي، لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ، وَيَسْمَعَ جَمِيعُ الأُمَمِ، فَأُنْقِذْتُ مِنْ فَمِ الأَسَدِ. 18وَسَيُنْقِذُنِي الرَّبُّ مِنْ كُلِّ عَمَل رَدِيءٍ وَيُخَلِّصُنِي لِمَلَكُوتِهِ السَّمَاوِيِّ. الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ. "
فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ = حين وقف أمام نيرون لأول مرة ليدافع عن نفسه تخلي عنه الكثيرين وهو هنا يسامحهم . لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ =مع ما تركه هذا في نفسه من مرارة. ولكنه يشهد لله أنه وقف معه وقواه، وهذا وعد السيد لا تخافوا إذ تقفون أمام ولاة وملوك (مت 10: 16-20) بل هو كرز حتى أمام نيرون . لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ، وَيَسْمَعَ جَمِيعُ الأُمَمِ =وهو هنا يسمي نيرون أسداً = فَأُنْقِذْتُ مِنْ فَمِ الأَسَدِ.= الله نجاه في احتجاجه الأول إذ كان ما زال له عمل وكرازة يؤديها. وبعد أن يتممها ينطلق للسماء وَيُخَلِّصُنِي لِمَلَكُوتِهِ السَّمَاوِيِّ=. وكان وقوفه أمام نيرون تتميماً لما قاله الرب (أع 9: 15). َسَيُنْقِذُنِي= هو لا يري الخلاص فقط في نجاته من الموت، بل أن الله سيحفظه من كل أمر ردئ أي من كل خطية حتي ينطلق للسماء مستعداً.
آية (19):- "19سَلِّمْ عَلَى فِرِسْكَا وَأَكِيلاَ وَبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ. "
فِرِسْكَا = من إرتباط اسمها مع أكيلا نفهم أنها اسم شهرة لبريسكلا زوجة أكيلآ، ويذكر إسمها قبل زوجها فلا فرق بين رجل وإمراة في المسيح، وهذا وسط جيل لا يعطي حقوقاً للمرأة. ولأن بريسكلا أقوي إيمانياً من زوجها أكيلا في نظر الرسول. وَبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ. = لأنه هو نفسه قد مات.
آية (20):- "20أَرَاسْتُسُ بَقِيَ فِي كُورِنْثُوسَ. وَأَمَّا تُرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا. "
بولس لم يستطع شفاء تلميذه تروفيموس:
1. حتي لا يسعي المؤمنون ليعرفوا المسيح بسبب مطالب مادية كالشفاء.
2. شفاؤه لن يفيد روحياً ولن يكون له فائدة لحساب مجد الله.
3. حتي لا يدخل بولس في كبرياء إذا شفي كل إنسان وعلي المؤمنين أن يحتملوا المرض شاكرين (في 2 : 27) + (1تي 5 : 23) إذاً هو أيضا لم يستطع شفاء تيموثاوس نفسه ولا ابفرودتس.
آية (21):- "21بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ قَبْلَ الشِّتَاءِ. يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَفْبُولُسُ وَبُودِيسُ وَلِينُسُ وَكَلاَفِدِيَّةُ وَالإِخْوَةُ جَمِيعًا. "
قَبْلَ الشِّتَاءِ = هو يريد أن يقول قبل أن أرحل ولكن لا يريد أن يحزنه لِينُسُ = أول أسقف يقام علي روما بعد استشهاد بطرس وبولس.
آية (22):- "22اَلرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ مَعَ رُوحِكَ. اَلنِّعْمَةُ مَعَكُمْ. آمِينَ. "
الروح هى تسكن فى الجسد وتحركه وسر قوة الروح أن يكون المسيح معها فالروح هي الجوهر العاقل المريد والمسئول، لذلك يطلب أن النعمة تشمل الروح أولاً وبالتالي الإنسان كله. إذاً هو يهتم بأن تكون له معونة روحية بالأولى.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع
قرب انتقال بولس وأخباره الختامية
(1) الكرازة ع 1 - 5 :
ع 1 : أُناشدك : أشدد على الطلب منك0 فى نهاية آخر رسائل بولس الرسول وهو ينتظر نهاية حياته على الأرض ، يؤكد الطلب من تلميذه الحبيب أمام الله الذى يراهما وهو الذى سيدينهما مع كل البشر وأعدَّ لهما ملكوته ليسعدا معه0 فهذا يُظهر أهمية الوصايا التالية0
ع 2 : أعكف : ثابر0 وقت مناسب وغير مناسب : بالنسبة للخادم ، فلا يعتذر عن الخدمة بسبب متاعبه ويستغل كل فرصة لجذب النفوس للمسيح مع مراعاة أن يقدم الكلمة فى أحسن وقت بالنسبة للسامع حتى يقبلها0 وبخ : المخطئين على شرورهم حتى يتوبوا0 انتهر : القساة والظالمين ليرجعوا عن أخطائهم ويوقفوا الشر0 عظ : بعدما ينبه الظالمين والمُستبيحين ، تُصبح قلوبهم مستعدة لسماع الوعظ أى التعاليم التى تستهدف خلاص نفوسهم0 بكل أناة : إحتمل المخطئين وأعطهم فرص متتالية للتوبة واصبر على مناقشاتهم ورفضهم وإساءاتهم لك وللآخرين0 وتعليم : إقرن طول الأناة بتوضيح الحق وإظهار أخطائهم حتى يتوبوا0 يطلب الرسول منه المثابرة فى الكرازة والتبشير مهما كانت ظروفه والصعوبات التى تقابله ، فلا يعتذر عن الخدمة من أجل أى معطلات بل يحاول التغلب عليها ، كما كرز بولس رغم مرضه وحتى وهو يُحاكم أما فيلكس وأثناء وجوده بالسجن فى روما ، ويدعو الكل للإيمان ، وإن احتاج الأمر لتوبيخ الأشرار المُستبيحين ، فليكن حازماً وقوياً فى كلامه معهم وفى نفس الوقت إذا تجاوبوا يُعلمهم بطول أناة ، كما أطال المسيح أناته على الكتبة والفريسيين ولكن فى نفس الوقت وبخهم وهددهم بالويلات مت 23 ، وكما وبخ يوحنا المعمدان هيرودس ، ويوحنا ذهبى الفم الإمبراطورة على ظلمها0
ع 3 ، 4 : مُستحكة مسامعهم : إحتكاك الآذان تعبير عن آذان الأشرار التى لا تريد سماع إلا ما تهواه لإصرارهم على الشر0 يشجع تلميذه على انتهاز فرص الكرازة ودعوة النفوس قبل أن تزداد فى شرها فترفض سماع كلمات الوعظ ، وبسبب إنهماكهم فى شهواتهم يبحثون عن مُعلمين لا يوبخونهم بل يقولون لهم ما يرضيهم ليستمروا فى شرهم ، وبهذا يزداد إنحرافهم عن المسيح ، بل يوهمونهم هؤلاء المعلمون الكذبة أنهم يسيرون فى الطريق السليم ويخترعون أفكاراً غريبة ليست إلا خُرافات ولا علاقة لها بالحق0
ع 5 : إن كان الأشرار يرفضون الحق ويصرون على عدم سماعه ، فيطالب تلميذه فى رعايته وخدمته بما يلى : إصح : تيقظ للمنحرفين والمُعلمين الكذبة حتى توبخهم ليتوبوا وتُعلم الباقين كيف يثبتون فى الإيمان0 إحتمل المشقات : من أجل المسيح فى الخدمة مهما تعرَّضت لآلام ، كما احتمل بولس الرسول ضيقات كثيرة حتى الموت0 إعمل عمل المبشر : وهو الإهتمام بكل النفوس والمثابرة فى تعليمهم وانتهاز كل فرصة للخدمة0 تمم خدمتك : سواء بالكرازة لمن لم يسمعوا وافتقاد البعيدين أو بتثبيت المؤمنين0
+ إن إلتهب قلبك بمحبة الله فستهتم بخدمة من حولك وتشجيعهم على الإرتباط بالمسيح والكنيسة ، ولو رفضوا تظل تصلى من أجلهم حتى يعطيك الله فرص جديدة وفى النهاية تكسبهم للمسيح0 فلا تتهاون فى مسئولياتك خاصة إن طالبك من حولك بها وقدم رعايتك وحبك فى كل وقت0
(2) توقع بولس موته ع 6 - 8 :
ع 6 : أُسكب سكيباً : فى شريعة موسى ، عندما يقدمون الذبائح لله كانوا يسكبون عليها خمراً ، فبولس يشبه نفسه بخمر تُسكب على ذبيحة الخدمة ، أى أنَّ حياته تُسكب وتنتهى من أجل خدمة الله0 وقت انحلالى : يشبه حياته على الأرض بسفينة مربوطة فى الشاطئ ، وقد إقترب وقت حلها من أربطتها أى إنه يتوقع قرب استشهاده وتحرره من رباط الجسد المادى وانطلاق روحه إلى الله0 يشعر بولس أنَّ حياته المبذولة فى الخدمة تكاد تنتهى واقترب من الإستشهاد لينحل من رباطات الجسد ويرتفع إلى الله0
ع 7 ، 8 : يشعر بولس بمشاعر تلميذه الرقيقة ، الذى تدمع عيناه عندما يفارقه 2تى 1 : 4 ، فكيف يحتمل خبر انتقاله من العالم ؟ لذا يطمئنه بأنه قد جاهد وعاش مع المسيح ويتوقع نوال الإكليل السماوى0 وهذا الإكليل مُعد لبولس ولكل المؤمنين ، أى لتيموثاوس وكل شعبه المتمسكين بالله0 فبولس لا يتكبر ولا يتباهى هنا بجهاده ، بل فى آخر حياته يطمئن ويشجع تلميذه0 جاهدت الجهاد الحسن : يُظهر أهمية الجهاد الروحى الذى سار فيه بحسب تعاليم الكنيسة وبالطبع كان هذا بمساندة نعمة الله0 أكملت السعى : يبين أهمية استكمال الجهاد والسعى نحو الملكوت والمثابرة فى احتمال أتعاب العبادة والخدمة0 حفظت الإيمان : تمسَّك بولس بالإيمان المستقيم رغم كثرة الهرطقات المحيطة وضغوط المضطهدين وسلَّم هذا الإيمان بأمانة لكل من كرز لهم0 وُضع لى إكليل البر : المكافأة التى أعدها الله لأولاده المتمسكين بالإيمان والمجاهدين ضد الخطية0 ويقول " وُضع " وليست " نلت " ، فلابد أن يواصل جهاده حتى آخر لحظة من حياته0 يهبه : هذا الإكليل هو نعمة من الله وليس استحقاقاً لأحد ، فالنعمة هى التى تسند المجاهد وتهبه مكافأة حب من الله وهى الحياة الأبدية فى الملكوت0 ذلك اليوم : يوم الدينونة0 الديان العادل : الله عادل حتى يُكافئ أولاده المجاهدين المتمسكين به بالسعادة السمائية ويرفض الأشرار ويلقيهم عنه فى العذاب الأبدى0 يحبون ظهوره : المؤمنين المجاهدين المنتظرين باشتياق مجئ المسيح ليحيوا معه إلى الأبد0
+ تشجع فى جهادك ضد الخطية وعندما تقابلك ضيقات الحياة ، لأنَّ إلهك قد أعدَّ لك الملكوت الذى سيعوضك فيه عن كل أتعاب الأرض ، بل لأجل عظمة أمجاد الملكوت ليتك تنتهز كل فرصة للحياة معه وتُسرع إلى التوبة إذا سقطت0
(3) أخبار بولس الختامية ع 9 - 22 :
ع 9 : كان بولس مشتاقاً أن يرى تيموثاوس قبل انتقاله إلى السماء ، لأنه تلميذه الحبيب ولكيما يوصيه توصياته الأخيرة ، وأيضاً ليثبت المؤمنين فى روما بعد انتقاله0 ولكن نلاحظ رقة مشاعر بولس أنه لم يذكر قرب انتقاله حتى لا يتعب مشاعر تلميذه الحبيب ، وذكر فى الآيات التالية سبباً آخر وهو ترك الكثيرين له0
ع 10 : ديماس : أحد تلاميذ بولس وذكر فى كو 4 : 14 ، فل 24 ، ولكن بسبب حرق نيرون لروما واتهامه المسيحيين بذلك ، قُبض على بولس وكل من كان يتصل به يتعرَّض لخطر القبض عليه ، ففضل ديماس أن يترك بولس حفاظاً على حياته0 وقد يكون السبب أيضاً إنشغاله بأمور مادية تخصه هو وأسرته عبَّر عنها بولس الرسول بالعالم الحاضر ، لذا ترك بولس فى روما وذهب إلى تسالونيكى0 كريسكيس : لم يُذكر إلا فى هذا المكان وهو أيضاً أحد تلاميذ بولس ، وتركه غالباً لأجل خدمة أرسله فيها بولس إلى غلاطية وهى منطقة فى آسيا الصغرى0 تيطس : من التلاميذ المقربين إلى بولس والذى أرسل إليه إحدى رسائله وهو أسقف كريت0 وأرسله بولس فى خدمة إلى مدينة دلماطية وتقع شمال غرب مكدونية أى المنطقة الشمالية من بلاد اليونان وهذه المدينة على الشاطئ الشرقى من بحر أدريا وهو خليج البندقية0
ع 11 : لوقا : هو كاتب الإنجيل المُسمى باسمه وكذلك سفر أعمال الرسل ، ومن تلاميذ بولس الذين رافقوه فى معظم رحلاته ، وبقى معه رغم خطورة الموقف يخدمه فى سجنه الأخير بروما0 مرقس : رافق بولس فى رحلته التبشيرية الأولى ، ولكن بسبب تركه لبولس عند مدينة بيمفيلية ، وغالباً كان بسبب مرض أصابه ، فضَّل بولس ألا يصحبه فى رحلته الثانية اع 15 : 38 ، واختلف برنابا مع بولس فى هذا الأمر ، فأخذ برنابا مرقس وذهب للكرازة فى جزيرة كريت وبعد انتقال برنابا إلى السماء ذهب مرقس للكرازة فى شمال أفريقيا ومصر0 وقد شعر بولس بحاجته إلى مرقس ، فطلب من تيموثاوس أن يحضره معه0 وهذا يُظهر محبته وثقته فى مرقس ، إذ كان يريد تثبيت المؤمنين فى روما بعد انتقاله ، فاعتمد فى ذلك على تيموثاوس ومرقس ولوقا0
ع 12 : تيخيكس : أحد تلاميذ بولس اع 20 : 4 ، تى 3 : 12 وكان مع بولس فى سجنه الأول بروما كو 4 : 7 ، اف 6 : 21 0 وقد أرسله بولس إلى أفسس ليقود الكنيسة مكان تيموثاوس أسقفها الذى طلبه للحضور إليه فى روما0
ع 13 : ترواس : ميناء ميسيا على خليج البوسفور0 الرداء : يبدو أنّ بولس كان متعجلاً فى سفره من ترواس عندما كان مقيماً عند أحد تلاميذه ويُدعى كاربس ، ولعل التعجل كان بسبب اضطهاد تعرض له هناك0 وهذا يبين فقره الشديد ، فلم يكن له رداء يلبسه فاحتاج لهذا الرداء0 ويُظهر أيضاً عفة بولس ورقة مشاعره إذ لا يريد التثقيل على من حوله بطلب رداء منهم ، لأنه كان محتاجاً إليه بسبب كبر سِنه وضعفه الجسدى وآلام السجن0 الكتب ولا سيما الرقوق : وهى من ورق الحلفا وبعضها جلود حيوانات كانت تُسمى الرقوق0 وهى تحوى إما بعض أسفار الكتاب المقدس أو بعض كتابات بولس ، وقد طلبها غالباً لحاجة الكنيسة فى روما إليها خاصة بعد انتقاله0
ع 14 : إسكندر النحاس : قاوم بولس الرسول وأثار عليه الكثيرين ، واحتمل بولس هذا بصبر ولم يحاول الإنتقام منه بل ترك الأمر لله0 ليجازه الرب : ظل بولس فى محبته للإسكندر وترك المجازاة لله0 ولا تعنى هذه الكلمات طلب الإنتقام من الإسكندر ، بل الإتكال على الله وتركه يُعلمه ويؤدبه لخلاص نفسه بالطريقة التى يراها0
ع 15 : هذا هو السبب من ذكر شرور إسكندر ، أى تحذير تيموثاوس منه ، لأنه يقاوم كل من يكرز بالمسيح ، فبالطبع سيقاوم تلميذ بولس وهو تيموثاوس فى كرازته0
ع 16 : إحتجاجى الأول : تعرض بولس لسلسلة محاكمات فى سجنه الثانى بروما عام 67م ، ولأجل خطورة الإتهام له بالإشتراك فى حرق روما ، خاف كل تلاميذه وابتعدوا عنه0 لا يُحسب عليهم : تظهر هنا أبوة بولس الذى يلتمس لهم العذر فى ضعف إيمانهم ومحبتهم ، ويطلب من الله أن يسامحهم ولا يحسب عليهم هذا الضعف0 يُعلن بولس بحزن تفرق تلاميذه عنه أثناء محاكماته ولكنه يسامحهم على ذلك0
ع 17 : تتم بى الكرازة : كان هدف بولس هو استمرار كرازته فى روما ، فبقاؤه فى السجن كان فرصة أن يبشر كل من يأتى إليه فى السجن حتى انتشرت الكرازة بالمسيح فى كل روما0 فم الأسد : يقصد به نيرون أو الشيطان0 الروح القدس سند بولس وتكلم على لسانه ، فدافع عن نفسه فاكتفوا بسجنه بدلاً من قتله فى هذا الوقت وإن كانوا قد أمروا بقتله بعد فترة0
ع 18 : يثق بولس أنَّ الله قادر أن يحفظه وسط كل هذه المخاطر ، بل ويحفظ حياته من الخطية وهى التى يقصدها بعبارة " كل شئ ردئ " حتى يصل إلى الملكوت الأبدى0
ع 19 : فرسكا وأكيلا : فرسكا إسم ثانٍ لبريسكلا وهى زوجة أكيلا وقد إرتبطا ببولس فى خدمته خاصة وأنهما يعملان نفس الحرفة التى يجيدها بولس وهى صنع الخيام ، فكانا يقضيان وقتاً طويلاً معه ، فكانت فرصة للتلمذة الروحية وارتباط المحبة0 ويظهر أنَّ بريسكلا كانت متميزة عن زوجها فى الإيمان والخدمة ، فلم يخجل بولس أن يقدمها عن زوجها فى إرسال السلام لهما رغم أنَّ هذا كان عكس المعتاد فى ذلك الوقت بتقدم الرجل واحتقار المرأة0 بيت أنيسيفورس : من تلاميذ بولس الذين ساعدوه فى الخدمة وقد إنتقل إلى السماء فيطلب من تيموثاوس أن يسلم على أفراد أسرته المرتبطين بالكنيسة ، وغالباً كانوا يخدمون مكملين خدمة رب الأسرة الذى إنتقل0
ع 20 : أراستس : من تلاميذ بولس ، وكان يشغل وظيفة خازن مدينة كورنثوس رو 16 : 23 ، واستمر يقيم ويخدم فيها0 تروفيمس : أحد تلاميذ بولس ، رافقه فى رحلته التبشيرية الثانية وكان معه فى أورشليم واتُهم بولس بأنه أدخله إلى هيكل اليهود وقبضوا عليه لهذا السبب0 وقد أصابه بعض المرض فى مدينة ميليتس ، وهى ميناء أفسس اع 20 : 15 ، فأرسل له بولس السلام مع تيموثاوس0
ع 21 : يكرر بولس على تيموثاوس أن يحضر سريعاً قبل فصل الشتاء الذى يمكن أن يعطل سفره بسبب الرياح والأمطار0 وتظهر هنا أيضاً رقة مشاعر بولس الذى لم يذكر سبب إصراره على الإسراع فى الحضور وهو قرب انتقاله ، حتى لا يجرح مشاعر تلميذه الحبيب0 ويذكر سلام بعض المؤمنين من كنيسة روما إلى تيموثاوس ومنهم " لينس " الذى صار فيما بعد أسقفاً لروما0
ع 22 : يختم الرسالة بطلب نعمة الله ومعية المسيح لتلميذه الحبيب ، وهى أعظم شئ فى الوجود أن يصحب الله حياة أولاده فيسندهم ويقويهم0
+ كن رقيقاً فى كلامك عن الآخرين ومعهم ، فلا تدين أحداً وامتدحهم على فضائلهم وراعى مشاعرهم قدر ما تستطيع ، ناظراً إلى رحمة الله عليك لكى تكون حنوناً على الكل0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح