كلمة منفعة
الفرح الحقيقي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في القلب، إذ يقول الكتاب: أما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام (غل 5: 22).
— فرح حقيقي وفرح زائف
الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 6
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
تيموثاوس الاولى - الاصحاح رقم 6
تيموثاوس الاولى
الإصحاح رقم 6
الأصحاح السادس
العلاقات الاجتماعية
بعد أن تحدث عن التنظيمات الكنسية موضحًا علاقة الراعي بفئات الشعب من شيوخ وأحداث وعجائز، ومسئولية الكنيسة نحو الأرامل والكهنة، وسيامة الكهنة الخ. يقدم لنا الرسول صور حية عن العلاقات الاجتماعية خاصة بين العبيد والسادة في الرب.
1. وصايا للعبيد 1 - 2.
2. الاهتمام بالجانب العملي 2 - 5.
3. توجهيات للأغنياء 6 - 19.
4. وصية ختامية 20 - 22.
1. وصايا للعبيد
يقدم الرسول الخطوط العريضة لتلميذه في توجيهاته للعبيد كما للسادة الأغنياء لكي تكون خدمته عملية ومثمرة، بعيدة عن المماحكات الكلامية الباطلة. "جميع الذين هم عبيد تحت نير، فليحسبوا سادتهم مستحقين كل إكرام، لئلا يُفتري على اسم الله وتعليمه" [1].
اهتم الرسول في كتاباته بالعبيد الذين قبلوا الإيمان المسيحي، مقدمًا لهم وصايا يلتزمون بها كما قدم للسادة المسيحيين وصايا تجاه العبيد. إن كان الرسول لم يقم بثورة علنية ضد نظام العبيد، لكنه بالحب والإيمان كان يهدم النظام من جذره. لقد رفع من معنوية العبد، وقدم له رسالة إيمانية خلال حياته التقوية حتى تجاه سيده القاسي.
يوجه الرسول حديثه إلي العبيد الذين هم "تحت النير"، وكأنه يعلن لهم أنه يتحدث معهم كمن يشعر بآلامهم وأثقالهم، ويدرك أنهم تحت نير، يتحدث خلال الواقع العملي لا الفكر الفلسفي النظري. حقًا ليس في مقدوره أن يرفع عنهم هذا النير، لكنه إذ يقدم لهم إمكانية الحياة الجديدة في المسيح يسوع يرفع نفوسهم فوق كل ما هو مادي أو نفسي. فلا يتطلع العبد إلى نفسه وهو تحت نير العبودية كمن هو في مذلة ومرارة، لكنه إذ يحمل فيه "المسيح يسوع" يرتفع بقلبه وفكره وأحاسيسه فوق النير، ليعلن الحق الإنجيلي لسيده العنيف، لا خلال المماحكات الكلامية، ولا العنف، وإنما خلال الحياة الإنجيلية وسلوكه الإيماني المملوء حبًا. فيأسر سيده بالحب، ويجتذبه بالحياة العملية. بهذا يعيش العبد في طاعة لسيده العنيف، لا عن خوف أو قسر، إنما خلال إيمانه بالله في المسيح يسوع ربنا. وقد كشف لنا التاريخ عن عبيدٍ كثيرين استطاعوا أن يجتذبوا سادتهم إلى الإيمان، بل وخرج من السادة أنفسهم من ثار على هذا النظام الجائر.
بهذا المنظار الروحي يرفع الرسول الإنسان فوق كل الظروف المحيطة به، فيحقق غايته حتى وإن كان عبدًا لسيدٍ عنيفٍ. في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [مع أن يوسف جاء عن أسرة البطاركة الشرفاء لكنه لم يخجل من عبوديته الوضيعة، بل زينها بخدمته الحاضرة، وجعلها مجيدة بفضائله. لقد عرف كيف يتواضع، ذاك الذي صار سلعة في يدي المشتري والبائع، ودعاهما "سيدي". أنظر إلى تواضعه وهو يقول: "هوذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكل ما له قد دفعه إلى يدي، ليس هو في هذا البيت أعظم مني، ولم يمسك عني شيئًا غيرك لأنك امرأته، فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطىء إلى الله؟" (تك 39: 8-9). كلماته مملوءة تواضعًا وعفة، مملوءة تواضعًا، إذ كان مطيعًا لسيده بروحٍ كريمة يعترف بجميله، ومملوءة عفة، إذ حسبها خطية مرعبة أن يتدنس بجريمة عظيمة كهذه.]
لقد رفع السيد المسيح روح العبيد، فإنه وهو ابن الله الكلمة جذب إليه البشرية لا بالكشف عن أمجاده الإلهية، وإنما بقبوله "العبودية". فجاء يغسل الأقدام بيديه كعبدٍ والقلوب بدمه الطاهر! لهذا لم يستنكف الرسول بولس أن يعلن أنه قد استعبد نفسه لكثيرين، حتى يرفعهم من حالة العبودية للخطية إلى البنوة الحرة لله! إذن في حبنا للغير لا نستنكف من خدمهتم، بل بكل فرح نستعبد أنفسنا لهم في المسيح يسوع، نحبهم ونطيعهم ونخضع لهم في الرب، حتى نأسر عنفهم وقسوتهم وندخل بهم إلى حرية الحب الإلهي.
هذا بالنسبة للعبيد في علاقتهم بسادتهم غير المؤمنين أو المرؤوسين في معاملاتهم مع الرؤساء العنفاء، فما هو موقفهم مع المؤمنين اللطفاء؟ يقول الرسول: "والذين لهم سادة مؤمنون لا يستهينوا بهم لأنهم إخوة، بل ليخدموهم أكثر، لأن الذين يتشاركون في الفائدة هم مؤمنون ومحبون، علّم وعظ بهذا" [2].
إن كان العبد المؤمن يخضع بالطاعة للسيد غير المؤمن من أجل تمجيد الله وإعلان إنجيله حتى لا يجدف على الله، فإنه ملتزم أيضًا بالخضوع للسيد المؤمن من أجل الأخوة والحب. حقًا في الإيمان يدخل الكل في أخوة صادقة إذ "ليس عبد ولا حرّ في المسيح يسوع" (غل 3: 28، 1كو 3: 11). لكن هذه الأخوة لا تعني أن نسلب الكرامة ممن لهم الكرامة أو نهضم حق إخوتنا من نحونا. إيماننا في المسيح يسوع يهبنا المساواة في الروح والحق أمام الله والكنيسة، لكنه لا يعفينا من التزاماتنا الزمنية سواء الخاصة بالعمل أو القرابة، كخضوع الابن لأبيه، وأمانة العامل لحساب صاحب العمل. الأخوة لا تعني استهتارًا أو استحقاقًا بحقوق المؤمنين، إنما بالعكس تدفع المرؤوس للأمانة في تقديم واجباته نحو المؤمنين بجدية صادقة. يقول الرسول: "بل ليخدمونهم لأنهم مؤمنون ومحبوبون"، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول: إن كنتم تحسبونه نفعًا عظيمًا أن يكون سادتكم إخوة لكم، فعلى هذا الأساس يلزمكم بالأكثر أن تخضعوا لهم.]
إن كان هكذا يليق بالعبيد أن يطيعوا سادتهم ويحبونهم فكم بالحري يليق بنا أن نخضع لسيد البشرية كله ونحبه. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنخجل أيها الأحباء ولنخف! ليتنا نخدم سيدنا كما يخدمنا عبيدنا.] كما يقول عن العبيد: [خوف سادتهم أمام أعينهم، وخوف سيدنا ليس أمامنا على الإطلاق.]
2. الاهتمام بالجانب العملي
"علم وعظ بهذا. إن كان أحدًا يعلم تعليمًا آخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة والتعليم الذي هو حسب التقوى، فقد تصّلف، وهو لا يفهم شيئًا، بل هو متعلل بمباحثات ومماحكات الكلام التي فيها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية، ومنازعات أناس فاسدي الذهن وعادمي الحق يظنون أن التقوى تجارة. تجنب مثل هؤلاء" [2-5].
يوصي الرسول تلميذه أن يعلم ويعظ، لعله قصد بالتعليم تقديم الإيمان المستقيم والعقيدة المسيحية، وبالوعظ أي تحويل العقيدة إلى حياة عملية وتطبيقات سلوكية. كأن الرسول يوصيه أن يمزج العقيدة بالسلوك، والإيمان بالعمل! ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن امتزاج التعليم بالوعظ إنما يعني امتزاج السلطة كمعلم بالحنو كواعظ، قائلاً: [لا يحتاج المعلم إلى السلطان وحده وإنما إلى اللطف أيضًا، وليس إلى اللطف وحده وإنما إلى سلطان أيضًا.]
يقول الرسول: "علّم وعظ بهذا" ماذا يقصد "بهذا"؟ أي بما سبق فأعلنه بروح المسيح، روح التقوى العملية في المسيح يسوع ربنا. هذه التي إن انحرف عنها أحد ليتكلم من عنده حسب الحكمة البشرية وليس بما يعلمه الروح القدس (1كو 2: 13) يكون متصلفًا ومتكبرًا. فإن الكبرياء يحوّل الإيمان إلى مماحكات ومباحثات غبية تفسد حياة الإنسان الروحية، وتنزع منه روح التقوى، بل وتدفع الكنيسة كلها إلى الحسد والخصام والافتراءات والظنون الرديئة، فتنشأ منازعات فاسدة كلها خبث ودهاء واحتيال، ليس فيها شيء من الحق. بهذا تتحول التقوى إلى تجارة، إذ يعمل أصحاب المنازعات لا لحساب المسيح وبنيان الكنيسة، وإنما لحسابهم الخاص. لذا يؤكد الرسول: "تجنب مثل هؤلاء".
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات السابقة: [لا ينبع التصلف عن المعرفة، إنما عن عدم المعرفة، فمن يعرف تعاليم التقوى يميل بالأكثر إلي التواضع. من يعرف الكلمات المستقيمة لا يكون غير مستقيم]، كما يقول: [من يعرف ما لا يلزم معرفته فهو عديم المعرفة، والكبرياء تنشأ عن عدم المعرفة.]
يتحدث القديس كبريانوس عن خطورة هؤلاء الهراطقة المتصلفين الذين يقسمون الكنيسة ويفسدون الإيمان، قائلاً: [يقول الرسول: "لا يغركم أحد بكلام باطل، لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب الله على أبناء المعصية فلا تكونوا شركاءهم" (أف 5: 6-7). ليس هناك علة للانخداع بكلماته الباطلة والاشتراك معه في فساده. اهرب من مثل هذا. أتوسل إليك وأرجوك يا من تسكب صلوات يومية للرب، يا من ترغب في أن تنسحب إلى الكنيسة خلال رأفات الله، يا من تصلي من أجل سلام الله الكامل (الكنيسة) الأم وللأولاد (المؤمنين). لتلتحم طلباتك وصلواتك مع طلباتنا وصلواتنا، ولتختلط دموعك بنحيبنا. لنحذر الذئاب التي تفصل القطيع عن الراعي. تجنب لسان الشيطان السام، الذي هو مخادع وكذاب منذ بدء العالم، يكذب لكي يخدع، ويداهن لكي يضر، يعد بالحسنات لكي يبث شرورًا، يعد الحياة ليقدم موتًا... يعد بالسلام لكي لا يتحقق السلام، وبالخلاص حتى لا يبلغ الخاطيء للخلاص، ويعد بالكنيسة مع أنه يبذل كل الجهد لكي يدفع كل من يؤمن به إلى الهلاك تمامًا خارج الكنيسة.]
3. توجهيات للأغنياء
"وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" [6]. إذ يسقط أصحاب المناقشات الفاسدة والمماحكات في محبة الأرضيات، محولين التقوى إلى تجارة، مستغلين الروحيات لصالحهم الخاص، إذ بهم في الحقيقة يخسرون، لأن "التقوى مع القناعة هي تجارة عظيمة". كلما ترك الإنسان محبة العالم وراء ظهره أشبعه الله روحيًا ونفسيًا وماديًا أيضًا. كلما زهد الإنسان فيما هو للعالم يعطيه الله بالأكثر، إذ لا يخشى عليه من أمور العالم، وذلك كما حدث مع أبينا إبراهيم. بقدر ما ترك كان يأخذ، وعلى العكس بقدر ما طمع لوط في الأرضيات خرج فارغ اليدين حتى زوجته فقدها. لذلك يقول مار اسحق السرياني بأن من طلب الكرامة هربت منه، ومن تركها جرت وراءه وتعلقت به.
بروح التقوى يدرك المؤمن الحقيقي هذه الحقيقة: "لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء، فإن كانت لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما" [7-8]. إدراكه أنه يدخل العالم بلا شيء، وخروجه منه بلا شيء، يجعل قلبه مقتنعًا بالقليل جدًا، فيعيش لا للترف وإنما لمجرد الحياة. يريد ما يكفي قوت جسده وما يستره ليحيا بقوة الروح حتى يخرج. أما من يشتهي غنى هذا العالم، فيعيش في حالة فقر داخلي لا تقدر أمور العالم أن تشبعه، إذ يقول الرسول: "وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة، تغرق الناس في العطب والهلاك، لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرةٍ" [9-10].
وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق هام، [يقول الرسول: "الذين يريدون أن يكونوا أغنياء" ولم يقل "الذين هم أغنياء" بل الذين يشتهون الغنى. فالإنسان الذي له مال يستخدمه حسنًا دون أن يبالغ في تقييمه له، مقدمًا إياه للفقراء، مثل هذا لا يُلام، إنما يلام من كان طماعًا.] لقد اهتم القديس إكليمنضس السكندري بمعالجة هذا الأمر فكتب مقالاً تحت عنوان "هل يخلص الغني؟" موضوعه الرئيسي تأكيد أن الغنى ليس شرًا في ذاته، إنما شهوة الغنى هي الشر. بدون المال ما كان يمكن تقديم العون للفقراء والمرضى والغرباء الخ.
ليس الغنى وإنما الاستعباد للغنى هو الذي يدفع الإنسان إلى الدخول في تجارب وفخاخ وشهوات كثيرة غبية مضرة تغرق الناس في الهلاك. يثقل الإنسان فيحطمه في الأعماق، فلا يقدر أن يرتفع على مياه العالم. أما النفس التي تحررت من محبة الغنى وشهوته، فتقدر أن ترتفع لتطأ أمواجه تحت قدميها، وتعلو فوق كل تياراته. النفس المتحررة من حب العالم تعيش في حرية صادقة لا يقدر أحد أن يقتنصها.
"لأن محبة العالم أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة" [10]. هكذا يرى الرسول محبة المال أصل كل الشرور، إن أسر قلبًا ينحرف به عن الإيمان المستقيم، يطعن الإنسان الداخلي بآلام كثيرة. بسبب المال قد ينكر الإنسان إلهه، أو يعصى وصيته الإلهية، فيلجأ إلى السرقة أو القتل أو إثارة الانقسامات الخ.
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي هكذا:
[انزع محبة المال تنتهي الحروب والمعارك والعداوة والصراعات والنزاعات. لذا يجب طرد محبي المال من العالم، فإنهم كالذئاب والأوبئة. وكما أن الرياح العنيفة المضادة إذ تكتسح بحرًا هادئًا تثيره من أعماقه، فتجعل الرمال الراكدة في الأعماق مختلطة بالأمواج العالية، هكذا يربك محبو المال كل شيء، ويسببون اضطرابًا. الإنسان الطامع لا يعرف له صديقًا قط. ولماذا أقول صديقًا، فإنه لا يعرف حتى الله نفسه!...
إنه كالنار التي تمسك في الخشب فتدمر كل ما حولها. هكذا يحطم هذا الألم (محبة المال) العالم.
يتعرض لهذا الألم الملوك والعظماء، الشرفاء والفقراء، النساء والرجال والأطفال، مع أننا نسمع في الأماكن العامة والخاصة عظات عن الطمع، لكن ليس منهم من ينصلح حاله. إذن ماذا نفعل؟ كيف نطفيء هذا اللهيب؟ فإنه وإن كان قد ارتفع حتى السماء لكن يلزم إطفائه. لتكن لنا الإرادة، وعندئذ يمكننا السيطرة على الحريق الهائل!
كما أنه بإرادتنا التهب هكذا بإرادتنا يجب إخماده!... إذن لتكن لنا الإرادة. ولكن كيف تتولد هذه الإرادة؟ إن أدركنا بطلان الغنى وعدم نفعه، وعرفنا أنه لا يرحل معنا من هنا، بل سيتركنا حتى ونحن بعد هنا. إنه يتراجع وراءنا، تاركًا إيانا في جراحات ترافقنا عند رحيلنا.
إن أدركنا وجود غنى هناك (في السماء) إن قورن به غنى هذا العالم يظهر الأخير أكثر حقارة من الروث. إن أدركنا أنه محفوف بمخاطر لا حد لها، فمع ما فيه من لذة مؤقتة لكنه مرتبط بالحزن. إن تأملنا غنى الحياة الأبدية الحقيقية نقرر احتقار غنى العالم، إن تذكرنا أنه لا ينفع شيئًا سواء من مجد أو صحة أو شيء آخر، بل على العكس يغرق الناس ويدفع بهم إلى الهلاك والدمار.]
يربط الرسول بين محبة المال والانحراف عن الإيمان، إذ يقول: "الذي إذا ابتغاه قوم، ضلوا عن الإيمان". وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يجتذب الطمع أعينهم إليه، ويسرق أذهانهم، ولا يسمح لهم أن ينظروا طريقهم. وذلك كما لو أن إنسانًا يسير في طريق مستقيم غالبًا لا يعرفه، فيعبر على المدينة التي يسرع إليها وتتعب قدماه بطريقة عشوائية، إذ يسير بلا هدف. هذا هو ما يعمله الطمع.]
يتحدث القديس كبريانوس عن رباطات شهوة الغنى، إذ يقول: [كيف يقدرون أن يتبعوا المسيح من تثقلوا بأغلال غناهم؟ أو كيف يقدرون أن يطلبوا السماء، ويتسلقون المرتفعات السامية العالية، هؤلاء الذين تثقلوا بالشهوات الأرضية؟ يظنون أنهم يملكون مع أنهم مملوكون، إنهم عبيد لأرباحهم وليسوا سادة على ما لهم!]
ربما يتساءل البعض: لماذا تحسب محبة المال أصل لكل الشرور، مادمت لا أطلب مال الغير بل ما هو لي؟ يجيب العلامة ترتليان: [يعلن روح الرب بالرسول: "محبة المال أصل لكل الشرور". ليتنا لا نفسر "محبة المال" هذه بكونها مجرد اشتهاء ما للغير، وإنما محبة ما يبدو أنه ملك لنا، فإن هذا أيضًا هو ملك للغير، فإنه ليس شيء ملكًًا لنا مادام كل شيء هو لله، بل حتى أنفسنا هي ملك له.]
نختم حديثنا عن "محبة الغنى" بقول القديس إكليمنضس السكندري: [أفضل الغنى هو الافتقار في الشهوات.] لنطلب الغنى الحقيقي والأفضل حيث لا يكون في القلب شهوات، بل يكون في حالة فقرٍ فيها، ذلك إن كان القلب في حالة شبع حقيقي في المسيح يسوع مصدر الغنى الحقيقي، كقول الرسول لأهل كورنثوس: "إنكم في كل شيء استغنيتم فيه" (1كو 1: 5).
يقدم لنا الرسول بولس في الجانب الإيجابي للهروب من محبة الغنى الزمني بطلب الغنى فيما للمسيح، بل الغنى في المسيح نفسه، إذ يقول: "وأما أنت يا إنسان الله، فاهرب من هذا، واتبع البرّ والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة" [11].
إذ يريد تحريرنا من محبة الغنى الزمني يذكرنا بمركزنا الحقيقي، قائلاً: "يا إنسان الله" فإن رجل الله يطلب غناه فيما هو لله لا فيما هو زمني وزائل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا له من قلب عظيم الكرامة! إننا جميعًا نُحسب كأناس الله، لكن البار على وجه الخصوص هو "إنسان الله"... إن كنت إنسان الله فلا تطلب الأمور الكمالية التي لا تقودك لله، بل "اهرب من هذا واتبع البرّ". لا تكن طماعًا، بل اتبع "التقوى" أي سلامة التعليم، والإيمان الذي هو ضد المباحثات، والمحبة، والصبر، والوداعة.]
هكذا يعالج الرسول الطمع بكل وسيلة إيجابية وسلبية، فبعد أن أبرزه كأصل لكل الشرور وعلة الانحراف الإيماني كما السلوكي، أبرز مركز المؤمن كإنسان الله، تعلو نفسه فوق الزمنيات المؤقتة، ليطلب الأحضان الأبوية الأبدية. فإنه لن يقدر أن يهرب من الطمع مادامت نظرته ملتصقة بالسفليات، وقلبه يزحف على الأرض، أما إن أدرك مركزه يرتفع قلبه إلى حيث كنزه في حضن الآب. هذا والهروب من الطمع ومحبة الزمنيات ليست خسارة أو فقدان بل هي حالة امتلاء وشبع من المسيح يسوع نفسه بكونه "البرّ" الحقيقي، والحب الإلهي الخ. ففيه تختبر النفس حياة التقوى لتعيش في غنى داخلي خلال القناعة، ولا تشعر بالعوز إلى شيء. إذن عوض محبة الزمنيات ننعم بالحياة الجديدة في المسيح يسوع بواسطة روحه القدوس، لندخل في حضن الآب.
هذه الحياة الغنية والمجيدة، التي ترفعنا فوق الزمنيات تتطلب في المؤمن الجهاد المستمر، والتمسك بالوعود الأبدية، وإعلان اعترافنا أو شهادتنا الإيمانية أمام الجميع، إذ يكمل الرسول: "جاهد جهاد الإيمان الحسن، وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها دُعيت أيضًا، واعترف الاعتراف الحسن أمام شهود كثيرين" [12]. هكذا ينتقل الرسول بولس من حديثه عن محبة المال أو الطمع الذي يأسر محبي الغنى إلى ما هو أعمق، أي الدخول في آلام الجهاد، فلا يقف المؤمن عند عدم اشتهائه للزمنيات، وإنما يتقبل الآلام من أجل المكافأة السماوية الموعود بها. يضع أمامه الجعالة العليا التي هي الحياة الأبدية المدعو إليها حتى يقدر أن يجاهد جهاد الإيمان الحسن، ويعترف الاعتراف المستقيم عمليًا أمام شهودٍ كثيرين. بهذا نكون كالمشتركين في مباريات الألعاب الرياضية الذين من أجل نوالهم المكافأة يحرمون أنفسهم من الكثير من الملذات الجسدية لتهيئة أجسامهم وتدريبها على الألعاب.
هذه الوصية الخاصة بالجهاد الإيماني الحسن أمام الشهود لا تخص الشعب وحده، وإنما يلتزم بها الراعي نفسه أيضًا. إذ يقول الرسول: "أوصيك إمام الله الذي يحيي الكل والمسيح يسوع الذي شهد لدى بيلاطس بنطس الاعتراف الحسن أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح" [13-14].
إذ هي وصية خطيرة يشهد عليه الله الآب وابنه الوحيد يسوع المسيح لكي يحفظها بلا دنس حتى النهاية، أي حتى المجيء الأخير إلى ملاقاة السيد نفسه.
يوصيه لا بعدم الطمع فحسب، وإنما احتمال الآلام أيضًا، مشهدًا عليه الله الآب واهب الحياة ومعطي القيامة من الأموات، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يقدم له تعزية وسط المخاطر التي تنتظره، مذكرًا إياه بالقيامة التي تعمل فيه.]
يشهده أيضًا أمام السيد المسيح الذي قدم نفسه مثالاً لنا في الشهادة الحقيقية أمام بيلاطس بنطس. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تنبع الوصية عن مثال السيد، فيلزمكم أن تعملوا ما فعله السيد. لهذا السبب أشهد المسيح حتى تتبع خطواته (1بط 2: 21). يقول "الاعتراف الحسن"، متحدثًا مع تلميذه تيموثاوس ما قاله أيضًا في رسالته إلى العبرانيين: "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهينًا بالخزي، فجلس عن يمين عرش الله. فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلا تكلوا وتخوروا في أذهانكم (نفوسكم)" (عب 13: 2-3). وكأنه يقول: لا تخف الموت مادمت خادم الله واهب الحياة. ولكن أي اعتراف حسن يشير إليه الرسول؟ ذاك الذي صنعه عندما سأله بيلاطس: أفأنت إذن ملك؟ (يو 18: 38) قال: "لهذا قد ولدت"، كما قال: "ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. انظروا إنه يسمع لي". ربما قصد الرسول هذه الشهادة، أو قصد ما حدث عندما سأله: "أفأنت ابن الله؟" فأجاب: "أنت تقول" (لو 22: 70)، وشهادات أخرى كثيرة واعترافات قدمها.]
هذه الشهادة التي قدمها السيد المسيح أمام بيلاطس بقوة هي التي تدفع المؤمن - كاهنًا أو من الشعب - لحفظ الوصية، سواء من جهة التعليم أو السلوك، شاهدًا للحق سواء من جهة العقيدة الإيمانية أو العمل الروحي. هذه الشهادة التي يعلنها المؤمن هنا تتجلى عند ظهور السيد المسيح، إذ يقول الرسول: "الذي سيبينه في أوقاته، المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب" [15]. ففي الوقت المناسب يعلنه رب المجد، المبارك أي الذي نقدم له تسبحة البركة بكونه واهب البركات، والعزيز، أي صاحب العزة والقوة والسلطان، ملك الملوك ورب الأرباب. إنه صاحب السلطان الذي لا يعلو عليه سلطان، فإن كان يسمح لنا هنا بالآلام ذلك ليس عن ضعف، وإنما كطريق لدخولنا معه إلى أمجاده.
"الذي وحده له عدم الموت، ساكنًا في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين" [16].
مرة أخرى إذ قدم لنا السيد نفسه كمثالٍ للشهادة الحسنة فدخل إلى الآلام، ليس عن عجزٍ أو ضعفٍ، إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده لا يقدر الموت أن يغلبه، ولا الظلمة أن تقترب إليه، إذ هو وحده له عدم الموت وساكن في نورٍ لا يُدنى منه، بل هو فوق كل الإدراكات، لم يره أحد قط في جوهره ولا يقدر أن يراه. هذا الإله يحمل اعترافًا حسنًا أمام بيلاطس الضعيف، فكيف يخاف المؤمن من الشهادة الحسنة؟ لقد شهد بالحق حتى يسندنا، فنشهد نحن للحق خلال اتحادنا به. بهذا نقدم له الكرامة واالقدرة الأبدية، حينما نحمل اعترافه الحسن وتظهر سماته فينا.
ولعل الرسول في وصفه للسيد أن له وحده عدم الموت، وأنه ساكن في نورٍ لا يُدنى منه الخ. أراد أن يكشف عن شخص ذاك الذي ننعم به خلال شهادتنا الحسنة معه وبه ولحسابه. فإن كنا بالشهادة الحسنة نتقبل الألم حتى الموت، إنما لكي ننعم بذاك الذي له وحده عدم الموت، وندخل فيه حيث النور الذي لا يُدنى منه. وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ماذا يطلب الإنسان بعد أن ينال النور الذي لا يُدنى منه؟]
ولئلا يُفهم حديثه السابق أنه هجوم ضد الغنى والأغنياء، قدم الرسول وصايا للأغنياء المؤمنين، إذ يقول: "أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى، بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمالٍ صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية" [17-19].
يمكننا تلخيص الوصايا السابقة في النقاط التالية:
أ. عدم الاستكبار: يوصي أغنياء هذا الدهر ألا يستكبروا، مميزًا بين أغنياء الدهر الحاضر وأغنياء الدهر الآتي. فهو مطمئن من جهة الآخرين أنهم متواضعون إذ هم أغنياء بالسيد المسيح واهب التواضع، لكنه يخشى على أغنياء الدهر الحاضر من الكبرياء، حيث يسحبهم المال إلى الاعتداد بالذات. هذه هي أولى ضربات الأغنياء، إذ يتكلون على أموالهم، حاسبين أنهم قادرون على فعل كل شيء بالمال، فيسقطون في الكبرياء.
لقد تمتعت القديسة مريم بغنى الدهر الآتي في تواضع عجيب، حيث صار لها مسيحها كنزها الخفي، في أحشائها الجسدية والروحية. وكما يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح المتواضع لن يعلم أمه الكبرياء. إذن لنحمل مسيحنا في داخلنا كما فعلت القديسة مريم فيهبنا الغنى الحق دون كبرياء!
ب. يحذرهم من الاعتماد على ثروتهم، مؤكدًا ضرورة وضع الرجاء كله في الله لا المال.
ج. الغنى الحق هو التمتع بالأمور التي لا تفنى، لذا يليق بهم إن أرادوا أن يكونوا أغنياء، فليمارسوا أعمال الحب التي يبقى رصيدها سرّ غناهم الأبدي.
د. السخاء في العطاء، فالغنى وزنة مقدمة لهم لا لاكتنازها بل لإضرامها بالعطاء المستمر، حتى يتحول الكنز من الأرض إلى السماء. وقد سبق لنا عرض كثير من أقوال الآباء في العطاء.
4. وصية ختامية
"يا تيموثاوس احفظ الوديعة، معرضًا عن الكلام الباطل الدنس، ومخالفات العلم الكاذب الاسم، الذي إذا تظاهر به قوم زاغوا عن الإيمان. النعمة معك. آمين" [20-22].
يختم الرسول حديثه مع تلميذه مطالبًا إياه بحفظ الوديعة، الإيمان الحي، التي سُلمت مرة للقديسين. هذه الوديعة التي ندعوها "التقليد" أو "التسليم الرسولي".
أما علامة اهتمامنا بحفظ الوديعة فهو الإعراض عن الكلام الباطل الدنس، أي المباحثات الغبية تحت اسم "العلم" أو "المعرفة"، (الغنوسية)، فيتحول الإيمان الحي إلى تعبيرات وألفاظ لغوية بلا حياة ولا خبرة، هذا الذي يفقد الإنسان حياته. ولعله قصد بذلك الغنوسيين الذين كما سبق فقلنا، استبدلوا الإيمان بالمعرفة، فسقطوا في العلم الكاذب.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا يدعوها الرسول هكذا "العلم الكاذب الاسم"، فإنه حيث لا يوجد الإيمان لا توجد المعرفة (الحقة).]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح السادس
آية (1):- "1جَمِيعُ الَّذِينَ هُمْ عَبِيدٌ تَحْتَ نِيرٍ فَلْيَحْسِبُوا سَادَتَهُمْ مُسْتَحِقِّينَ كُلَّ إِكْرَامٍ، لِئَلاَّ يُفْتَرَى عَلَى اسْمِ اللهِ وَتَعْلِيمِهِ. "
نادت المسيحية بالمساواة بين جميع الناس المعمدين (غل 3 : 28) ولكنها لم تشأ أن تقحم نفسها في محاربة الأوضاع الاجتماعية السائدة، ومنها نظام الحكم أو نظام العبودية. وكانت رسالتها روحية لتحرير الإنسان من خطاياه وبناء شخصيته لحياة أبدية، فلم تطالب العبيد بالثورة طلباً للمساواة بل أن يكرموا سادتهم. لو تمرد العبيد بسبب المسيحية لكان في هذا سبباً للتجديف علي المسيحية. ولقد عالج بولس موضوع العبيد في (أف 6 : 5 – 9) + (كو 3 : 22) + (فل 8، 21) وهذه الآية. ونجده هنا في هذه الآية ينظر من وجهة نظر العبد وفي رسالة فليمون ينظر من وجهة نظر السيد وفي كلاً من كولوسى وأفسس يخاطب كلا السادة والعبيد دون أن يهاجم الرسول أحقية الأسياد في ملكيتهم للعبيد. فالثورة لا تلد إلا ثورة مضادة والعنف والدماء لا يجلبا سوي عنف ودماء أما المحبة فلا تسقط أبدا.
بل أن بولس إهتم بأن العبد عليه أن يلتزم بالخضوع لسيده، كما قدم للسادة وصايا بالحب لعبيدهم فكأنه كان يهدم النظام من جذوره، هذا الكلام كان موجهاً لنظام كان يسمح للسيد أن يقتل عبده وقتما شاء.
شعر الرسول بآلام العبيد وأنهم تحت نير رهيب وأنه لا يستطيع أن يعمل لهم شئ لرفع هذا النير، فقدم لهم السيد المسيح ليرفع عن نفوسهم كل نير مادي أو نفسي بحياتهم الجديدة في المسيح، إذ يشعرون أنهم محبوبين من المسيح وانه شريك آلامهم، بل هو بالمسيح الذي فيه وطاعته ومحبته لسيده سيعلن المسيح لسيده، ويجذب سيده للايمان بالمسيح بالحب، وتاريخياً إستطاع كثير من العبيد أن يجذبوا سادتهم للمسيحية، وهكذا سلك يوسف في بيت فوطيفار فأحبه فوطيفار. وكثير من السادة ثاروا علي هذا النظام الجائر.
آية (2):- "2وَالَّذِينَ لَهُمْ سَادَةٌ مُؤْمِنُونَ، لاَ يَسْتَهِينُوا بِهِمْ لأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ، بَلْ لِيَخْدِمُوهُمْ أَكْثَرَ، لأَنَّ الَّذِينَ يَتَشَارَكُونَ فِي الْفَائِدَةِ، هُمْ مُؤْمِنُونَ وَمَحْبُوبُونَ. عَلِّمْ وَعِظْ بِهذَا. "
كثير من السادة كانوا مؤمنين فما موقف العبيد المسيحيين منهم ؟ علي العبد طاعة سيده بأمانة والخضوع له بكل طاعة، حقاً المسيحية أعلنت الأخوة بين الجميع (غل 3 : 28) + (كو 3 : 11) ولكن علينا أن لا نسلب كرامة أحد، فالابن يخضع لأبيه، والعامل لرئيسه.
وإن كان يجب خضوع العبد لسيده هكذا، فكم ينبغي أن نخضع لله.
لأَنَّ الَّذِينَ يَتَشَارَكُونَ فِي الْفَائِدَةِ = لأن هؤلاء أى السادة الذين يستفيدون من خدمتك أيها العبد هم سادتك وهم مؤمنون وهم محبوبون منك لأنهم مؤمنون، فلماذا تعطل فائدتهم بتمردك. والترجمة في الإنجليزية هي " لأن هؤلاء الذين يستفيدون من خدمتكم هم أيضاً مؤمنون ومحبوبون".
عَلِّمْ وَعِظْ بِهذَا = بأن العبد يخضع لسيده، ويحيا حياة التقوى في المسيح.
الآيات (3-5):- "3إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، 4فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، 5وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ وَعَادِمِي الْحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ. تَجَنَّبْ مِثْلَ هؤُلاَءِ. "
غالباً كان قد انتشر في أفسس أفكار من بعض المعلمين المسيحيين عن ثورات ضد السادة، وكان هناك خطباء يثيرون العبيد، وكان هذا ضد ما يعلم به الرسول عن طريقة المسيح في تغيير النفوس، فالمسيح هو الذي علَّم أن نخضع في حب ونترك الرداء ونسير الميل الثاني. فخضوع العبيد هو التعليم الصحيح ومن يقول بغير ذلك فتعليمه مرفوض من الله وهو يعارض التقوى ويكون كلامه سفسطة وصلف أي هو معجب بأفكاره فيتسبب في منازعات ينتج عنها الخصام. أما الرسول فكان مهتماً أن كل إنسان يهتم بالتقوى وليس بالثورات مهما كان مركزه. وهذا ما قصده في الآية السابقة "علم وعظ بهذا" أن العقيدة المسيحية هي امتزاج العقيدة بالسلوك العملي، روح التقوى العملية. ومن ينحرف عن ذلك فهو يعلم من عنده ومن فلسفته وهذا يكون متكبراً وهو لا يعلم بأفكار الروح القدس. والكبرياء يحول الإيمان إلي مماحكات ومباحثات غبية تفسد حياة الإنسان الروحية وتنزع عنه روح التقوى وتدفع بالكنيسة إلي الخصام والإفتراءات والظنون الرديئة، وتنشأ نزاعات فاسدة كلها خبث ودهاء وإحتيال ليس فيها شئ من الحق. بهذا تتحول التقوى إلي تجارة إذ يعمل أصحاب المنازعات لا لحساب المسيح وبنيان الكنيسة وإنما لحسابهم الخاص.. لذا يؤكد الرسول تجنب مثل هؤلاء" ولا ينبع التصلف عن المعرفة إنما عن عدم المعرفة، فمن يعرف تعاليم التقوى يميل بالأكثر إلي الإتضاع " من أقوال يوحنا فم الذهب.
آية (6):- "6وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ. "
الرسول إذ تكلم عن من يحولون الحياة التقوية إلي تجارة كان المقصود هؤلاء المتكبرين الذين يريدون بأفكار فلسفاتهم إكتساب جماهير تؤيد آرائهم الخاصة وتزداد شعبيتهم وكان هذا من خلال مواقفهم الداعية للثورة ضد الأسياد، وهنا في هذه الآية يلمس الرسول طائفة أخري من المعلمين يكتسون بثياب الدين من أجل ربح مادي، هؤلاء يتاجرون بالدين، مثل من يدعو لتجارته عن طريق التبرع للكنيسة، أو أى طريق يبدو كأنه طريق روحى ولكن الهدف منه الكسب المادي. والرسول يقول إن التجارة الحقيقية العظيمة هي التقوى مع القناعة، فيها يربح الإنسان السلام علي الأرض والفرح الحقيقي وينعم بالمجد في السماء. يعيش علي الأرض في سلام يفوق كل عقل شاعراً بغني النفس، فمن هو قانع تجده شاكراً دائماً لا يظلم أحد. علي من يظن أن الدين تجارة عليه أن يعلم أنه تجارة فعلاً ولكنها ليست كسب ماديات بل تجارة نكسب بها السماء، هذا إن كان هناك تقوي وقناعة، ولنرى مثالاً فإن أبينا إبراهيم ترك للوط النصيب الأكبر ، فخسر لوط كل شئ وكسب أبينا إبراهيم كل شئ. فكلما ترك الإنسان محبة العالم وراء ظهره أشبعه الله روحياً ونفسياً ومادياً أيضاً، كلما زهد الإنسان فيما للعالم يعطيه الله بالأكثر إذ لا يخشي عليه من أمور العالم.
الآيات (7-8):- "7لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. 8فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا. "
ما يدعو للقناعة أننا لن نأخذ معنا شيئاً حين نغادر الدنيا والأجدر بنا أن نعمل للحياة الأخرى الأبدية، نعمل هنا لمجرد أن نعيش فنحن عابرون في هذه الحياة غير خالدين فيها، نريد منها ما يكفي قوت الجسد وما نلبسه فقط ولكن نحيا بقوة الروح حتي نخرج منها، أما من يشتهي غني هذا العالم فيعيش في فقر داخلي لا تقدر أمور العالم أن تشبعه.
الآيات (9-10):- "9وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ. 10لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. "
9وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ = ولم يقل الذين هم أغنياء فالغني ليس شراً إن:
1. إستخدم الغني ماله بطريقة صحيحة وخدم به من هم فقراء محتاجين.
2. لا يبالغ في تقييمه للمال.
3. لا يسعى بشراهة لزيادته فمن يحبون المال لذاته يدفعهم حب المال لارتكاب الشرور كالرشوة والسرقة والظلم والكراهية بل والقتل (مت 6 : 24) + (يع 4 : 4). وينطبق هذا على الفقير الذى يظل يحلم بالغنى ولا يقتنع بما هو فيه (مر10: 24، 25).
ليس الغني وإنما الاستعباد للغني هو الذي يدفع الإنسان إلى الدخول فى تجارب وفخاخ وشهوات كثيرة غبية مضرة تدفع الناس للهلاك. ومن وجد الشبع في يسوع حقاً سيدرك تفاهة كل العالم (في 3 : 8) + (1 كو 1 : 5).
آية (11):- "11وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ فَاهْرُبْ مِنْ هذَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ. "
هي دعوة لتيموثاوس أن يترك ويهرب من محبة الغني الزمني ويطلب الغني الذي في المسيح، فكل مؤمن حقيقي يكون مختلفاً عن العالم أما من يغرق في لذات العالم فليس إنسان الله، والرسول يذّكره أنه إِنْسَانَ اللهِ وليس إنسان العالم. ونحن كلنا إنسان الله فلنطلب غنانا فيما هو لله.
آية (12):- "12جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا، وَاعْتَرَفْتَ الاعْتِرَافَ الْحَسَنَ أَمَامَ شُهُودٍ كَثِيرِينَ. "
هذه الحياة الغنية والمجيدة في المسيح، التي ترفعنا فوق الزمنيات تتطلب في المؤمن الجهاد المستمر والتمسك بالوعود الأبدية وأعلان إعترافنا أو شهادتنا الإيمانية أمام الجميع. جاهد جهاد الإيمان الحسن إذاً هناك جهاد حسن وهو الصلاة والصوم والخدمة والتعليم، وهذا في مقابل جهاد الأغنياء للحصول علي المال، فهو بجهاده الحسن يحصل علي أكاليل لا تفنى، وهؤلاء الجشعين يحصلون على أكاليل تفنى.الجهاد الحسن هو مثل الرياضي الذي يحرم جسده من الأكل الكثير ومن الراحة حتي يفوز بإكليل.
وَاعْتَرَفْتَ الاعْتِرَافَ الْحَسَنَ = هذا كان يوم قبل المعمودية بجحد الشيطان وإعلان الإيمان بالمسيح. وعليه أن يظل شاهداً ومدافعاً عن إيمانه طول العمر.
الآيات (13-16):- "13أُوصِيكَ أَمَامَ اللهِ الَّذِي يُحْيِي الْكُلَّ، وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي شَهِدَ لَدَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ بِالاعْتِرَافِ الْحَسَنِ: 14أَنْ تَحْفَظَ الْوَصِيَّةَ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ لَوْمٍ إِلَى ظُهُورِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 15الَّذِي سَيُبَيِّنُهُ فِي أَوْقَاتِهِ الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، 16الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ. "
المعني إعترف وجاهر بالحق كما فعل المسيح نفسه. وإذ هي وصية خطيرة يشهد عليه الله الآب وإبنه المسيح لكي يحفظ إيمانه بلا دنس حتي النهاية، أي حتي المجيء الأخير، إلي ملاقاة السيد نفسه = الذي يحيي الكل إذاً أهمية حفظ هذه الوصايا أننا سنقوم مرة أخرى وندان على كل ما فعلناه، علينا أن نتمسك بإيماننا بالمسيح إلي يوم ظهوره
الَّذِي سَيُبَيِّنُهُ فِي أَوْقَاتِهِ = أي أن الآب سيظهر إبنه في مجده آتياً للدينونة في الوقت المحدد، فمن شهد له وإعترف به سيعترف به المسيح ويمجده معه.
بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ لَوْمٍ = أي يعترف إيمانياً بالمسيح ويحيا أيضاً بطهارة وبلا خطية، خصوصاً محبة المال وشهوته التي أشار إليها الرسول فيما سبق، ومجاهداً الجهاد الحسن منتظراً إكليله في السماء. والمسيح شهد أمام بيلاطس بالاعتراف الحسن حين قال ولهذا قد اتيت إلي العالم لأشهد للحق وأيضا حين سأله بيلاطس " أفأنت ملك " فأجاب أنت تقول" وهذا تعبير يهودى يعنى " نعم فالحقيقة كما تقول" ، فهو لم ينكر أنه ابن الله ولم يؤكد أيضاً حتي يظل السر مخفياً عن الشياطين حتي الصليب. وأيضاً قال يسوع إن مملكته ليست من هذا العالم وأنه لهذا ولد. فالمسيح لخص عمله الفدائي وتأسيس ملكوته في كلمات قليلة أمام بيلاطس وأنه أتي ليؤسس مملكة الحق في مقابل مملكة الباطل التي أسسها إبليس، راجع (يو 18 : 33 – 19 : 11). وعلي كل منا أن يشهد لهذا الحق الذي شهده المسيح. وكان المسيح يجيب على اسئلة بيلاطس او لا يجيب او يجيب باختصار ، وكل ذلك بحكمة عجيبة .
الْمُبَارَكُ = أي الذي نقدم له تسبحة البركة بكونه واهب البركات.
الْعَزِيز = أي صاحب العزة والقوة والسلطان الذي لا يعلو عليه سلطان فإن كان يسمح لنا هنا ببعض الآلام فذلك ليس عن ضعف و إنما كطريق لدخولنا معه إلي أمجاده. بل أننا نري في شهادة المسيح الإله الجبار والذي كان في صورة ضعف أمام بيلاطس الضعيف أمامه ، صورة نقتدي بها، فنحن بالمسيح الذى فينا أقوياء جداً لكننا نبدو أمام العالم في صورة ضعف. فلنشهد به أمام العالم بلا خوف، لقد شهد بالحق فنشهد نحن بالحق خلال إتحادنا به، بهذا نقدم له الكرامة حينما نحمل إعترافه الحسن وتظهر سماته فينا. له وحده عدم الموت = إذ نشهد له ، وهو وحده قادر أن يقيمنا ويعطينا حياة كلها مجد.
الآيات (17-19):- "17أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّعِ. 18وَأَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا، وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ، 19مُدَّخِرِينَ لأَنْفُسِهِمْ أَسَاسًا حَسَنًا لِلْمُسْتَقْبَل، لِكَيْ يُمْسِكُوا بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. "
لئلا يفهم من حديثة السابق أنه هجوم علي الأغنياء نجده هنا يقدم وصايا للأغنياء، وأن عليهم أن يفهموا أن لا يضعوا رجاءهم في أموالهم فهي زائلة = غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى بل يضعوا رجاءهم في الله الحي.
أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا = هذه سقطة يسقط فيها الأغنياء عادة إذ يشعرون بقوة أموالهم، أما الأغنياء روحياً فنجد أنهم متواضعين، هم أغنياء بالسيد المسيح واهب الإتضاع. أما أغنياء الدهر الحاضر بالأموال نجدهم في اعتدادهم بالذات وثقتهم في أموالهم يستكبرون وبالتالي فالنصيحة التي يقدمها الرسول للأغنياء هي أن يكونوا أسخياء في العطاء أي يمارسوا أعمال الحب التي يبقي رصيدها سر غناهم الأبدي، فالغني وزنة مقدمة لهم لا لاكتنازها بل لتحويلها إلي كنز في السماء.
الآيات (20-22):- "20يَا تِيمُوثَاوُسُ، احْفَظِ الْوَدِيعَةَ، مُعْرِضًا عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ، 21الَّذِي إِذْ تَظَاهَرَ بِهِ قَوْمٌ زَاغُوا مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ. 22اَلنِّعْمَةُ مَعَكَ. آمِينَ. "
احْفَظِ الْوَدِيعَةَ = أي :- 1) الإيمان الحي المسلم مرة للقديسين
2) حفظ نفسه.
3) حفظ نفوس رعيته الذين أقيم عليهم رقيباً ثابتين في الإيمان
4) والتقليد الذي سلمه له الرسول من قبل دون أن يتأثر هذا الإيمان بتشويش المعلمين الكذبة كالمتهودين أو الغنوسيين الذين كلامهم هو هرطقة وكلام باطل دنس = وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ = فالغنوسيون إستبدلوا الإيمان بالمعرفة، فسقطوا في العلم الكاذب فحيث لا يوجد إيمان لا توجد المعرفة الحقة، يتحول الإيمان الحي إلي تعبيرات وألفاظ لغوية بلا حياة أو خبرة، هذا الذي يفقد الإنسان حياته.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس
السلوك المسيحى
(1) إرشادات للعبيد ع 1 ، 2 :
ع 1 : نير : خشبة توضع على رقبتى الحيوانين الذين يجران الآلات الزراعية وترمز للعبودية ، أى أنَّ العبيد تحت سلطان سادتهم0 بدون أن يهاجم الرسول نظام العبودية ، عالج مشكلتها برفع معنوية العبيد وتقديم الإرشاد لهم لحياة تقوية ترفع نفوسهم فوق كل نير مادى أو نفسى فيعيشوا فى طاعة أسيادهم ، حتى لا يُعطى السادة فرصة ليلعنوا الدين الجديد والإله الذى يعبدونه0
ع 2 : فى العدد السابق تحدث الرسول عن علاقة العبيد بساداتهم غير المؤمنين ، وهنا يتحدث عن علاقة العبيد بساداتهم المؤمنين0 فيحث العبيد على تقديم الإكرام الكامل لهم ، لأنَّ الإخوَّة فى الإيمان لا تعنى أن نسلب الكرامة ممن لهم الكرامة ، بل علينا كعبيد أن نخدمهم بأكثر اجتهاد وأمانة ، لأنَّ الذين يشاركون فى بركات الخلاص وفى شرِكة الأسرار المقدسة هم مؤمنون محبوبون مستوجبون لكل محبة وتقدير من جانبنا0 وعلى تيموثاوس أن يُعلم ويعظ بهذه الأمور لتترجم العقيدة إلى حياة عملية وتطبيقات سلوكية0
+ إهتم أن تُكرم الرؤساء سواء المسيحيين أو غير المسيحيين ، حتى لو كانوا متسلطين ومُغرضين ، فبمحبتك وطول أناتك تكسب الكل0 كن أميناً فى عملك ، مُخلصاً فى علاقاتك من أجل الله مهما كانت أخطاء الآخرين ، فتقدم بذلك صورة حية للمسيحى الحقيقى وتمجد إسم الله0
(2) التقوى والقناعة ع 3 - 10 :
ع 3 - 5 : تصلف : تكبر0 مماحكات : الإستمرار فى النزاع0 يهاجم بولس الرسول المعلمين الكذبة الذين يتركون وصايا المسيح وتعاليم البر ويُنادون بتعاليم غريبة عن الكنيسة ، فهؤلاء قد سقطوا فى الكبرياء والجهل وأيضاً فى جدال ونزاع يولد خطايا كثيرة مثل الخصام والحسد والظنون الردية ، بل ويصل إلى الكذب والإفتراء على الآخرين ، أى يبعدون عن الحب ويقسَّمون الكنيسة0 وهؤلاء بمباحثاتهم المضلة الفاسدة يستخدمون التقوى ستاراً للمتاجرة بالناس وكسب المراكز والمال ويبعدون عن التقوى الحقيقية0 ولهذا يحذر بولس تيموثاوس من الإضطراب أو التعامل معهم0
ع 6 : التقوى من المنظار المسيحى هى الحياة مع الله ، وتستلزم القناعة فى الماديات أى الإكتفاء بما أنعم الله علينا به من ماديات0 هذه هى التجارة السليمة أى طلب خلاص النفس والبعد عن محبة المال0
ع 7 ، 8 : عندما يولد الإنسان ، لا يكون معه مال0 وعندما يموت لا يأخذ معه شيئاً مادياً كما قال أيوب اى 1 : 21 0 فهذا كله يدعونا لعدم التعلق بمحبة المال بل بالتقوى والإهتمام بالحياة الروحية0 فإن كان للإنسان إحتياجاته الضرورية من الطعام والملبس ، فهذا يكفيه لينشغل بهدفه أى بخلاص نفسه0
ع 9 : العطب : الفساد0 على الجانب الآخر ، يحذر المؤمنين من محبة المال واشتهاء الغِنى ، فهذا يعرضهم لتجارب كثيرة تؤدى بهم إلى الهلاك ، إذ فى سعيهم للغِنى يستخدمون طرق خاطئة ويتعرضون للكبرياء وخطايا مختلفة ، وأكثر من هذا يضعها الرسول من الخطايا الأمهات التى تولد شروراً كثيرة ، فيتنازل الإنسان عن إيمانه لأنَّ محبة المال أصبحت هدفه ، وبذلك تتعذب نفسه من كثرة الخطايا0
+ العالم كله تحت قدميك تستخدمه كما تشاء ، ولكن إحترس من أن يسيطر عليك ويصبح المال هو هدفك ، ولو تحت إسم رفع مستوى المعيشة أو إقتناء الأجهزة الحديثة ، لأنك بهذا تنشغل عن هدفك وهو الله وتتنازل تدريجياً عن وصاياه0
(3) جهاد أولاد الله ع 11 - 16 :
ع 11 : الإنسان الروحى يهرب من محبة المال ويسعى نحو القداسة والصلاح ، ويهتم باقتناء الفضائل المسيحية الأساسية وهى الإيمان بمراحم الرب والمحبة التى هى القاعدة الرئيسية للحياة المسيحية الحقيقية0 ويمارس الصبر فى احتمال التجارب والآلام ، ويتصف بوداعة القلب والمشاعر فى التصرف نحو الآخرين0
ع 12 : يدعو بولس تلميذه تيموثاوس للتمسك بالإيمان المسيحى الذى أعلنه أمام الكنيسة من خلال خدمته وتعاليمه ، ويُكمل جهاده الروحى لخلاص نفسه0
ع 13 ، 14 : الاعتراف الحسن : يُشير الرسول هنا إلى إجابة المسيح على بيلاطس عندما سأله : " أفأنت إذاً ملك " يو 18 : 37 قال : " لهذا قد وُلدت " ، كما قال : " ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق "0 كذلك عندما سأله : " أفأنت ابن الله ؟ " أجاب : " أنتم تقولون " لو 22 : 70 0 إذ يوصى بولس تلميذه وصية خطيرة ، فإنه يشهد عليه الله الآب واهب الحياة ومُعطى القيامة من الأموات ، وابنه الوحيد يسوع المسيح الذى قدم نفسه مثالاً لنا فى الشهادة للحق أمام بيلاطس البنطى0 والوصية التى يوصيه بها هى أن ينفذ وصايا الله ، وأن يعيش بلا دنس أو أخطاء تكون محل لوم يُوجه له من قِبَل الرعية أو من قِبَل الله يوم الدين0 ويوصيه أن ينفذ هذا حتى نهاية حياته فى العالم ، أو حتى حدوث المجئ الثانى إذا تم ذلك فى حياته0
ع 15 : مجئ المسيح الثانى سيبينه الله فى وقته المحدد ، الذى عينه بنفسه والمعروف لديه وحده ، الله المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب0 ويلاحظ أنَّ الألقاب المذكورة هنا هى نفسها ألقاب الله الإبن كما وردت فى رؤ 17 : 14 ، 19 : 16 والتى تظهر مجده وسلطانه على كل الخليقة0
ع 16 : المسيح له الخلود الذى لا يستمده من أحد ، ولا يقدر الموت أن يغلبه ، الساكن فى نور لا يُدنى منه حتى الملائكة ، لم يره أحد فى جوهره ولا يقدر أن يراه ، نقدم له الكرامة والإعتراف بقدرته الأبدية0
+ إهتم بهدفك وهو الأبدية حيث تتمتع برؤية الله وعِشرته التى لا يُعبر عنها0 فلا تتهاون فى جهادك لتحيا البر والقداسة والتوبة المستمرة لأنَّ عظمة الملكوت تستحق منك أن تتعب اليوم ، فكل تعب لا يُقاس بأمجاد السماء0
(4) نصائح للأغنياء ع 17 - 19 :
ع 17 : الدهر الحاضر : الحياة فى العالم0 على غير يقينية الغِنى : لا يثقوا أو يتكلوا على أموالهم0 أوصى الرسول الأغنياء فى الكنوز التى يهبها العالم ، ألا يغتروا بأنفسهم ويدفعهم إمتلاكهم للمال إلى الإعتداد الزائد بالذات ، ولا يتكلوا على أموالهم التى قد يفقدونها فى ساعة واحدة ، مؤكداً ضرورة وضع الرجاء كله فى الله لا المال ، الله الذى بيديه الخير الكثير ويفيض علينا من نعمه لنتمتع بعطاياه0
ع 18 : يليق بالأغنياء أن يمارسوا أعمال المحبة التى يبقى رصيدها إلى الأبد ، ويُكثروا من الأعمال الخيرة ، فتعطى أياديهم بسخاء للمحتاجين0
ع 19 : عطاء الأغنياء يكنز لهم كنزاً فى السماء يتمتعون به ، وأساساً يعتمدون عليه فى الدخول إلى الملكوت0
+ إن كان الله قد أعطاك مالاً أو قُدرات ، فأنت وكيل عليها لتستخدمها فى مساعدة من حولك ، فبأعمال الرحمة تستطيع الدخول إلى السماء0 فانتهز كل فرصة لعمل الخير0
(5) حفظ التسليم الرسولى ع 20 - 22 :
ع 20 : الوديعة : التعاليم الشفاهية التى علَّمها بولس لتيموثاوس وتُسمى التقليد الكنسى0 يختم الرسول رسالته إلى تلميذه ، مطالباً إياه بحفظ الإيمان الحى الذى سُلم للقديسين والبُعد عن المباحثات الغبية للمعلمين الكذبة ، الذين استبدلوا الإيمان بالمعرفة فسقطوا فى العِلم الكاذب0
ع 21 : إذ إدَّعى بعضهم مثل الغنوسيين حصولهم على المعرفة ، تاهوا فى متاهات هذه المعرفة الشيطانية المُضلة ، وبينما هم يبحثون عن الخلاص من خلال المعرفة ، فشلوا فشلاً ذريعاً وفقدوا عقيدة الإيمان السليم ومعرفة الله0
ع 22 : يختم الرسول رسالته بالبركة الرسولية وطلبة النعمة لتلميذه0
+ تمسك بما تسمعه من تعاليم فى الكنيسة لتحياة ، واهتم أن تعرف الله لتحبه ، وابتعد عن مناقشات العِلم التى لا توصلك إلى الله حتى لو كانت علوم روحية0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح