كلمة منفعة
إذا أردت أن تكون عادلًا في أحكامك على الناس. ينبغي باستمرار أن تستمع إلى الطرف الآخر، ولا تأخذ الحقائق من جانب واحد فقط.
— الطرف الآخر
الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
تيموثاوس الاولى - الاصحاح رقم 3
تيموثاوس الاولى
الإصحاح رقم 3
الأصحاح الثالث
سمات الرعاة وواجباتهم
بعد أن تحدث عن العبادة الكنسية العامة، مركزًا على الصلاة من أجل الجميع حتى الوثنيين، كما قدم السيد نفسه فدية عن الكل، مشتاقًا أن يدخل بالكل إلى خلاصه، موصيًا إيانا أن نكون رجالاً روحيين نبسط أيادي مقدسة طاهرة، تسند صلواتنا بالعمل الروحي، وأن تكون نفوسنا كامرأة مزينة لعريسها بالمجد الداخلي عوض الزينة الخارجية، يتحدث الآن عن الرعاة أنفسهم:
1. سمات الأسقف 1 - 7.
2. سمات الشماس 8 - 13.
3. نظرة الراعي للكنيسة 14 - 16.
1. سمات الأسقف
"صادقة هي الكلمة إن ابتغى أحد الأسقفية فيشتهي عملاً حسنًا" [1].
شهوة الأسقفية ليست شهوة للسلطة والكرامة، وإنما هي شهوة غسل أقدام الآخرين وبذل الذات من أجل كل أحد في المسيح يسوع. ففي الكنيسة الأولى كان الأسقف هو الأب الذي يتعرض للاضطهادات والعذابات والنفي من أجل الدخول بالبشرية إلى الحياة الإيمانية الحية، وحتى في فترات الهدوء النسبي لم يكن يشعر الأسقف أنه صاحب الكرامة والسلطان بالرغم من محبة أولاده له، إنما يشعر بالحري بالتزامه الأبوي نحو كل أحد.
+ إن كان لأحد هذه الرغبة فلا يشتهي السيطرة والسلطة، وإنما يرغب في حماية الكنيسة (روحيًا)، فأنا لا ألومه. فإنه حتى موسى اشتهى الوظيفة لا السلطة، فعرضته شهوته للتوبيخ الساخر: "من أقامك رئيسًا وقاضيًا علينا؟" (أع 7: 27، خر 2: 14). من يشتهي هذه الوظيفة بهذه الكيفية فليشتهيها، لأن الأسقفية دعيت هكذا (ابسكورس) بكونها "نظارة" على الكل.
القديس يوحنا الذهبي الفم
يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم في شيء من التفصيل عن "شهوة الأسقفية"، موضحًا الفرق بين شهوة الخدمة الباذلة ونوال الرتبة للسلطة، إذ يقول في كتابه "عن الكهنوت":
+ توجد صفات كثيرة يجب أن يتحلى بها الكاهن، فقبل كل شيء يجب أن يتطهر من شهوة الحصول على هذه الرتبة، لأنه إن اشتهى هذه الكرامة، حالما يصل إليها تزداد فيه شهوة حب الكرامة اضطرامًا، حتى إذا استعبد لها يتردى في شرور كثيرة مثل التملق والمداهنة ويخضع لأمورٍ كثيرة - وهذا هو سبب المذابح التي عمت الكنائس، والخراب الذي حلَّ بالمدن، بسبب التشاحن على الرئاسة. ولا يظن أحد إني أعارض القديس بولس الرسول حين يقول: "إن ابتغى أحد الأسقفية فليشتهي عملاً صالحًا"، فإني لا أقول إن اشتهاء الاسقفية أمر ردئ، لكن الردئ هو رغبة التسلط وحب الرئاسة.]
أما سمات الأسقف فهي:
أ. بلا لوم
+ كل فضيلة إنما تدخل في هذه الكلمة، فإن شعر أحد في نفسه بخطية ما، ليس له أن يشتهي العمل الذي لا تؤهله له صفاته. فإن مثل هذا الإنسان يليق به أن يكون تحت التدبير لا أن يدبر الآخرين. فمن يدبر يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير، تكون حياته بلا عيب، يتطلع الكل إليه، فيرون في حياته نموذجًا لهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ ليعرف الإنسان إذًا قدر نفسه، حتى لا يتجرأ أحد فيأخذ لنفسه منصب الرعاية بينما لا تزال الرذيلة تسيطر عليه وتتسبب في إدانته، فإن الذي أفسدته الآثام لا يجب أن يشفع من أجل آثام غيره.
البابا غريغوريوس (الكبير)
وقد فسر هذا الأب الكلمات الإلهية لموسى النبي عن الرجل الذي يتقدم ليقرب خبز إلهه ألا يكون فيه عيب (تث 21: 17- 21) بطريقة رمزية، فيها يُستعبد الإنسان الذي يحمل عيبًا روحيًا من الخدمة الكهنوتية والعمل الرعوي، إذ يقول الرب: "لأن كل رجل فيه عيب لا يتقدم، لا رجل أعمى ولا أعرج ولا أفطس ولا زوائدي ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد ولا أحدب ولا أكشم ولا من في عينه بياض ولا أجرب ولا أكف ولا مرضوض الخصي". فالكاهن (أيا كانت درجته) يلزم ألا يكون أعمى، بل يرى بهاء التأمل السماوي، ولا أعرج، بل يعرف أن يسير في طريق الحق، ولا أفطس، إنما قادر على التمييز الروحي، ولا يكون كالزوائدي الذي يتدخل في شئون الآخرين بإفراط ويفرضون أنفسهم عليهم ولا مكسور الرجل أو اليد أو عاجز عن الحركة والعمل الخ.
ب. بعل امرأة واحدة
+ لم يضع الرسول هذا الأمر قاعدة بأنه يجب أن يكون له امرأة واحدة، إنما يمنع أن تكون له أكثر من امرأة واحدة، إذ كان يُسمح لليهود بالزواج الثاني (بعد وفاة الأولى أو تطليقها) بل وأن يكون له زوجتان في وقتٍ واحد.
القديس يوحنا الذهبي الفم
بمعنى آخر لا يلزم الرسول الأسقف أن يكون متزوجًا لكنه يرفض سيامة من يتزوج للمرة الثانية حتى وإن كانت الأولى قد ماتت أو طُلقت. إنه يكتب في بدء انطلاق الكنيسة حيث كان تعدد الزوجات مباحًا وشائعًا عند الأمم، فإن دخل أحدهم الإيمان المسيحي لا يُقام أسقفًا إن كان قد سبق فتزوج أكثر من مرة. لقد أراد أن يختار الأسقف أكثر الناس عفة ونقاوة. أما وقد انفتح باب الرهبنة فقد وجد بيننا بتوليين لذلك صار الأسقف يُسام من بين البتوليين.
ج. صاحيًا
+ هذا يعني أن يكون حذرًا، له آلاف الأعين حوله، سريع النظر، أعين ذهنه غير مظلمة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
وكأن الأسقف بكونه الناظر على شعب الله يليق به أن يكون ذا بصيرة متقدة، صاحيًا وواعيًا على خلاص نفسه وخلاص إخوته وأولاده الروحيين، لا تربكه الأمور الإدارية ولا تلهيه المشاكل العامة أو الخاصة عن رسالته الروحية.
+ يليق به أن يكون ساهرًا، حارًا في الروح كمن يتنسم نارًا! يلزمه أن يعمل دومًا مؤديًا واجبه نهارًا وليلاً أكثر من قائد ملتزم نحو جيشه! يليق به أن يكون حريصًا يهتم بالجميع!"
القديس يوحنا الذهبي الفم
د. عاقلاً
أي رزينًا يتصرف بحكمة وتمييز، وفي اعتدال، لا يكون متطرفًا يمينًا أو يسارًا، يعرف كيف يوجه أولاده بحكمة واتزان. يهتم بالأمور الروحية لشعبه دون تجاهل لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والجسدية، يوجههم كل حسب موهبته الخاصة به، وليس حسب ميول الأسقف الشخصية.
في حديثنا عن الحب الرعوي رأينا التزام الكاهن، أيا كانت درجته، أن يكون حكيمًا في معاملته لأولاده يعرف كيف يعامل الأحداث والشيوخ والفقراء والأغنياء والمتزوجين والبتوليين والمتجاسرين الخ. كل حسب ظروفه وإمكانياته حتى لا يفقد أحدًا ولا يدلل أحدًا.
هـ. محتشمًا
يليق بالكاهن أن يكون محتشمًا في ملبسه كما في تصرفاته وكلماته، فالاحتشام صفة تمس القلب في الداخل وتنعكس على كل الأحاسيس والتصرفات، وقد سبق لنا الحديث في هذا الأمر. من أمثلة الاحتشام عدم استخدام الفكاهات غير اللائقة، والهزل المفسد للنفس، وعدم إعطاء اهتمام خاص ببعض النساء أو الفتيات الخ.
و. مضيفًا للغرباء
استضافة الغرباء علامة إتساع القلب بالحب العملي، لهذا يمدح الرسول أهل رومية، قائلاً: "مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء" (رو 12: 13)، كما يقول في الرسالة إلى العبرانيين: "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عب 13: 2). فمن لا يختبر الحب العملي قبل سيامته كيف يقدر أن يقدم حياته بالحب عن شعبه خلال اسقفيته؟
كان المؤمنون والخدام في الكنيسة الأولى يجولون كثيرًا بسبب الاضطهاد، لذا كانوا ينزلون على بيوت المؤمنين، خاصة بيت االأسقف. لهذا يقول هرماس في كتابه "الراعي": [يجب أن يكون الأسقف مضيفًا للغرباء، يرحب بسرور وفي كل وقت بخدام الله القادمين إلى بيته.]
ز. صالحًا للتعليم
لا يكفي أن يكون الأسقف بلا عيب، ذا معرفة روحية مستقيمة وغيرة متقدة، إنما يلزم أن تكون له موهبة التعليم، الأمر الذي لا يتوفر في الكثيرين.
+ هذه ليست مطلوبة فيمن هم تحت التدبير، لكنها أساسية فيمن يعهد إليه أمر التدبير.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ اهتم بالكلام أيها الأسقف، وإن كنت تقدر أن تفسر ففسر كلام الكتب، اشبع شعبك واروه من نور الناموس فيغتني بكثرة تعاليمك.
الدسقولية
ح. غير مدمن الخمر
كانت المسكرات ممنوعة على كهنة اليهود مدة خدمتهم (لا 1: 9)، هكذا يليق بالأسقف المسيحي ألا يكون محبًا للمسكرات علامة شبعه بالخمر الروحي الحقيقي، خمر الروح القدس المفرح للنفس.
+ الانغماس في الخمر هو من أخطاء الشرهين والمترفين، فعندما يسخن الجسد بالخمر للحال تثور فيه الشهوة. فشرب الخمر معناه التساهل مع النفس، وهذا يعني التنعم الحسي. والتنعم الحسي يعني كسر العفة. فالإنسان الذي يعيش متنعمًا يكون ميتًا وهو حيّ (1 تي 5: 6). وأما الذي يشرب الخمر فلا يكون ميتًا بل مدفونًا. إن ساعة واحدة من الخلاعة جعلت نوح يتعرى بعدما استتر ستين عامًا بوقارٍ (تك 9: 20-21).
القديس چيروم
ط. غير ضرّاب
في العهد القديم إضطر نحميا في غيرته المقدسة أن يضرب المتزوجين بوثنيات أجنبيات، إذ يقول: "فخاصمتهم... وضربت منهم أناسًا" (نح 13: 25). لكن المسيحية تطلب التقديس الداخلي للنفس فلا تستخدم وسائل العنف، حتى يتحقق الإصلاح الداخلي بكامل حرية الإنسان، وقد أمرت القوانين الرسولية بتجريد الأسقف أو الكاهن أو الشماس الذي يضرب مؤمنًا عندما يخطيء.
وقد استبعد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يوجد أسقف يفعل مثل هذه الحماقة التي لا تليق به، لهذا يرى في كلمات الرسول أنها لا تعني المفهوم الحرفي بل الرمزي، قائلاً: [هذه لا تعني أنه ضرّاب بيديه... فإن البعض يضرب ضمير الإخوة، هذا ما يبدو لي أن الرسول يقصده.]
ى. غير طامع بالربح القبيح ولا محب للمال
إن ارتبط قلب الإنسان بالربح ولو كان قليلاً؛ إن كان محبًا للمال، فإنه إذ يتسلم قيادة شعب لا يطلب ما لهم على حساب نفسه، أي لا يكون باذلاً يعرف أن ينفق كل ماله ويبذل حياته عنهم، إنما يطلب ما لنفسه، فيفسد كنيسة الله، ويغتنمها لحسابه الخاص.
ك. حليمًا غير مخاصم
يحمل روح سيده الذي "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت 12: 19). يملك السيد المسيح على القلوب بالحلم والوداعة، هكذا يليق بالأسقف أن يعيش بروح سيده ليقدم لشعب الله صورة حية للملك الوديع الذي يغلب الشر بالخير، ويقتل كل خصام بالحب!
ل. يدبر بيته حسنًا
له أولاد في الخضوع بكل وقار، وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟ من لا يعرف أن يدبر كنيسة بيته الصغيرة والتي تخضع له حسب قانون الطبيعة، تسنده في ذلك القوانين الوضعية والكنسية، فكيف يقدر أن يتسلم قيادة الكنيسة التي لا تُلزم القوانين أعضاءها بالخضوع له إلاَّ خلال سلطان الحب الروحي والإيمان؟
إن كان الأسقف يُختار من بين البتوليين، فإنه يلزم أن يكون له أولاد في الخضوع في الروح. فمن لا يعرف أن يقتني له في المسيح أولادًا خلال الإنجيل قبل سيامته، كيف يقدر أن يربح أولادًا لله وسط مسئوليات الأسقفية الضخمة؟!
م. غير حديث الإيمان
غير حديث الإيمان لئلا يتصلف، فيسقط في دينونة إبليس [6]. لم يقل غير حديث السن بل "غير حديث الإيمان"، فالقديس تيموثاوس كان حديث السن لكنه كان ناضجًا في الإيمان. حداثه الإيمان ربما تحمل غيرة متقدة نحو الخدمة، لكنها تحمل خطر الاعتداد بالذات والتصلف، فيخسر الإنسان نفسه بالكبرياء ويهلك من هم تحت تدبيره.
ن. له شهادة من الذين في الخارج
"ويجب أيضًا أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم خارج لئلا يسقط في تعيير وفخ إبليس" [7]. قد يشهد المؤمنون لعضوٍ من بينهم شهادة حسنة، لكن شهادة الأمم له هي ختم لهذه الشهادة، فإن النور لا يستطيع أحد أن ينكره حتى ون كان يرفضه، والحياة الصالحة مشهود لها حتى من الأعداء.
+ حسن للصالحين أن يكون لهم صيت حسن لدى أعدائهم... لماذا لم يتكلم أحد ضد الرسل مدعيًا أنهم زناة أو دنسون أو طماعون أو مخادعون، وإنما كانوا ضد كرازتهم فقط؟ أليس لأن حياتهم بلا غبار؟ لقد كان ذلك واضحًا! فلنحيا هكذا فلا يقدر عدو أو غير مؤمن أن ينطق بالشر ضدنا، فمن كانت حياته فاضلة يكرمه حتى هؤلاء. إن الحق يغلق أفواه الأعداء... كما لا يستطيع أحد أن يقول عن الشمس أنها مظلمة حتى وإن كان أعمى، إذ يخجل ويخشى أن يلومه الكل، هكذا من كان صلاحه واضحًا لا يلومه أحد.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يلزم أن يكون الأسقف المسيحي هكذا: إن الذين يكابرون معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابروا في حياته.
القديس چيروم
2. سمات الشماس
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد ناقش ما يخص الأساقفة ووصف سماتهم والمؤهلات التي يلزم توافرها فيهم، عابرًا على الكهنة ليتحدث عن الشمامسة. أما سبب عدم حديثه عنهم فهو عدم وجود فرق كبير بين الأساقفة والكهنة، فالكل يتعهد بوظيفة التعليم والرئاسة في الكنيسة، فما يقوله عن الأساقفة ينطبق على الكهنة، وإنما يمتازون عنهم بسلطان السيامة، ويبدو أنه لم يكن لهم أية ميزة أخرى.]
أما سمات الشمامسة فهي:
أ. أن يكونوا ذوي وقار: "كذلك يجب أن يكون الشمامسة ذوي وقار" [ 8]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [هذا يعني أنه يجب أن تكون لهم ذات سمات الأساقفة. ما هي هذه السمات؟ أن يكونوا بلا عيب، وقورين، محبين لاستضافة الغرباء، صبورين، غير مخاصمين ولا طماعين. يظهر ذلك من قوله "كذلك"، ويوضحه بقوله "يكونون ذوي وقار لا ذوي لسانين" أي غير فارغين ولا مخادعين. فإنه ليس من شيء يحط من شأن الإنسان مثل الخداع، وليس ما يضر الكنيسة مثل عدم الإخلاص.]
ب. غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح، ولهم سرّ الإيمان بضمير طاهر [9]. إنها ذات السمات التي سبق لنا الحديث عنها بخصوص الأساقفة. فإنه مع وجود اختلاف كبير في الدرجة الكهنوتية والمسئولية لكن كعاملين معًا في كرمٍ واحد يلزم أن يحملوا السمات التي تليق بصاحب الكرم، ويكون لهم روحه القدوس الواحد. وكما يقول الرسول بولس: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل" (1 كو 12: 4-7).
هذا ويلاحظ أن الأسقف يُختبر أولاً بكونه قد مارس العمل الكنسي في درجة كهنوتية أقل، أما الشماس وهو ينال أول درجة كهنوتية فإنه لا يتمتع بها قبل اختياره، لذلك يؤكد الرسول: "وإنما هؤلاء أيضًا ليختبروا أولاً".
ج. يكمل الرسول حديثه قائلاً: "كذلك يجب أن تكون النساء ذوات وقار غير ثالبات، صاحيات، أمينات في كل شيء" [11]. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الحديث هنا لا يخص النساء بوجه عام وإنما يخص "الشماسات"، إذ يقول: [ليُفهم هذا عن الشماسات، فإن نظام الشماسات ضروري ونافع ومكرم في الكنيسة]. ويرى البعض أن الحديث هنا عن زوجات الشمامسة.
د. "ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا" [12]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [أنظر كيف يطلب في الشمامسة ذات فضائل الأساقفة، وإن كانوا ليسوا في درجة مساوية لهم، لكن يلزم أن يكونوا (مثلهم) بلا لوم وطاهرين، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا.]
يختم الرسول حديثه عن الشمامسة بقوله: "لأن الذين تشمسوا حسنًا يقتنون لأنفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة في الإيمان الذي بالمسيح يسوع" [13]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول من يوجد صاحيًا في الدرجة الأقل يرتفع إلى درجة أعلى]، أي ينتقل من درجة الشموسية إلى القسيسية.
3. نظرة الراعي إلى الكنيسة
"هكذا أكتبه إليك راجيًا أن آتي إليك عن قريب، ولكن إن كنت أبطيء، فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته" [14]. ربما خشي الرسول أن يُصاب القديس تيموثاوس بشيء من الضيق، فقد وعده بالحضور إليه، لذلك يؤكد له أنه سيحضر فإن تأخر فلا يكتئب، فإن الروح القدس يسمح بهذا لأجل البنيان. إنها فرصة نادرة للقديس تيموثاوس أن يبذل مجهودًا أعظم كخادم لكنيسة الله الحيّ، عمود الحق وقاعدته، فينال إكليلاً أعظم. غياب الرسول بولس لا يكون بالنسبة له سرّ تحطيم أو تعب، إنما فرصة عمل أكثر ومجهود أعظم كخادم السيد المسيح.
لقد وجد الرسول فرصة ليكشف للقديس تيموثاوس كأسقف الكنيسة عن مفهوم الكنيسة التي يرعاها، إذ يقول: "وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى للملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد" [ 16].
ما هي كنيسة المسيح التي يرعاها الأسقف ويخدم فيها الشمامسة؟
أ. عمود الحق وقاعدته: يرى القديس بولس الكنيسة كلها كجماعة المؤمنين، يقومون على الحق كعمود يرتكزون عليه وكقاعدة بدونه ينهار كل البنيان. فإن كان الغنوسيون يهتمون بالمعرفة كأساس للخلاص، فالرسول يرى في الكنيسة أولاً وقبل كل شيء دخولاً إلى الحق، لكنه الحق المجاني الذي يقدمه الله للجميع ولا يخصه بفئة دون أخرى.
الكنيسة هي العمود الذي أقامه أبونا يعقوب، وصب زيتًا على رأسه (تك 28: 18) علامة تكريسه للرب بالروح القدس. إنها عمود الدخان الصاعد من البرية المعطّر بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر (نش 3: 6)، ترتفع خلال دخان الذبيحة الذي لا يفسد العينين، بل يفتحها لرؤية الحق السماوي، معطرة بآلام عريسها (المر) ورائحته الزكية (اللبان).
هذه هي رؤية الراعي الحقيقي لكنيسة المسيح، وكما يقول القديس چيروم: [لا تضم الكنيسة حوائط (ومباني) وإنما تضم حقائق تعاليمها. هي الإيمان الحق! في الحقيقة كانت المباني الكنسية منذ 15 و 20 عامًا في أيدي الهراطقة بأكملها، لكن الكنيسة الحقيقية كانت قائمة حيث يوجد الإيمان الحق.] بمعنى آخر الكنيسة بكونها الإيمان الحق لا يمكن أن تُغلب مهما كانت الظروف المحيطة بالمؤمنين!
ب. تمتع بسرّ التقوى: ليست الكنيسة مجرد معرفة عقلية للحق كما تخيل الغنوسيون، وإنما هي دخول عملي إلى الحق خلال الحياة التقوية التي صارت لنا بالتجسد الإلهي. لذا يقول الرسول: "عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر في الجسد".
إن كانت الكنيسة هي عمود الحق المرتكز على ذبيحة السيد المسيح الفريدة والمقبولة لدى الآب رائحة رضا، إنما هذا الحق يتحقق خلال تجسد كلمة الله كطريق لتقديم الذبيحة وقبول الصليب، وباب لدخولنا إلى الحياة الجديدة باتحادنا مع الله الآب في ابنه. لقد حلّ بيننا وحمل طبيعتنا حتى نوجد نحن فيه، ننعم بحياته وسماته وشركة أمجاده! هذا هو الحق العملي الذي قُدم لنا خلال الإنجيل في ربنا يسوع المسيح.
لقد أنكر الغنوسيون حقيقة التجسد برفضهم أن السيد يحمل جسدًا حقيقيًا، بهذا ينكرون الحياة التقوية التي صارت لنا فيه، ويحولون الحق إلى معرفة نظرية عقلانية بلا ورح ولا حياة! بمعنى آخر، التجسد الإلهي ليس عقيدة فلسفية تعتنقها الكنيسة للمجادلة، وإنما هي سرّ حياتها التقوية وأمجادها الداخلية!
ج. تبرر في الروح: ما هي الكنيسة إلاَّ قبول الروح القدس الذي وهبه لنا الله، هذا الذي يدخل بنا إلى الثبوت في المسيح يسوع ربنا، لا لنغتسل بدمه الكريم من خطايانا فحسب، إنما نحمل برّ المسيح فينا، فنُحسب في عيني الآب أبرارًا. يقول الرسول: "لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم، باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11). إن كانت الكنيسة في جوهرها هي ثبوت في المسيح، كأعضاء جسده، فإن هذه العطية تحمل من الجانب الآخر انطلاقها بالروح القدس إلى حضن الآب متبررة بالدم الكريم، حاملة سمات عريسها ورأسها!
د. تراءى لملائكة: انطلاق الكنيسة بالروح الناري، لتحيا ببرّ المسيح في حضن الآب، يجعل منها في الحقيقة "حياة سماوية" وتمتع بالطبيعة الملائكية، فتنعم برؤية الله، حيث يصير أعضاؤها أشبه بملائكة يُعلن لهم الله غير المنظور! بمعنى آخر، الكنيسة في العهد الجديد هي تجلي الابن الوحيد الجنس في وسط المؤمنين كملائكة ينعمون بحضرته ورؤيته وينعمون بسماته.
ربنا يقصد الرسول بقوله: "تراءى لملائكة" أن الملائكة الذين كانوا يرونه قبل التجسد قد أدركوه بمفهوم جديد خلال تجسده في كنيسته، رأوه في كمال حبه الفائق خلال الصليب، وعمله الإلهي العجيب في المؤمنين الذين كانوا قبلاً خطاة وأعداء، وقد تقدسوا فيه وتبرروا وصاروا أبناء أحياء وممجدين فيه!
هـ. كرز بين الأمم: إن كانت الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته الذي يهب لن سرّ التقوى في المسيح يسوع، وينطلق بنا بالروح القدس لنحيا ببرّ المسيح، ونشارك الملائكة طبيعتهم، فإن هذا كله إنما يقدم لكل البشرية خلال الكرازة بالمسيا المخلص بين الأمم، فينعم الكل بهذه النعم الإلهية بلا تمييز ولا محاباة لأمة على حساب أمة، أو جنس على حساب آخر. وكما يقول المرتل: "إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" (مز 49: 4). أما غاية هذه الكرازة فهي رفع البشرية إلى المجد السماوي.
في اختصار نقول أن الراعي الحقيقي يرى في الكنيسة تمتعًا بالحق العملي خلال سرّ التجسد الإلهي، ودخولاً إلى الحياة التقوية في المسيح يسوع، وتبريرًا في الروح، وشركة مع الملائكة. هي سرّ انفتاح البشرية كلها على الإيمان الجامع للدخول إلى المجد العلوي، فيحيا الكل في الأحضان السماوية.
بأسلوب آخر يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص، قائلاً: [حقًا عظيم هو السرّ: الله صار إنسانًا والإنسان إلها، صار الإنسان يُرى بلا خطية! صار (الإله المتأنس) مقبولاً في العالم، ومكروزًا به يراه الملائكة معنا! هذا بحق هو سرّ! ليتنا لا نحتقره... بل نحيا كما يليق بهذا السرّ.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
Tfseer
الإصحاح الثالث
آية (1):- "1صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا. "
المقصود ليس الأسقفية فقط بل أي درجة من درجات الخدمة، أن يشتهي الإنسان أن يخدم الله، أن يتشبه بالمسيح الذي أتي ليخدم لا ليخدم ويبذل نفسه فدية عن الآخرين، وكان الأسقف هو أول من يتعرض للإضطهاد وبهذا هي ليست شهوة للكرامة والسلطة والسيطرة بل هي شهوة خدمة وغسل أقدام، وبذل ذات وفيما يلي المواصفات المطلوبة للأسقف.
الآيات (2-7):- "2فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِيًا، عَاقِلاً، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، 3غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، 4يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا، لَهُ أَوْلاَدٌ فِي الْخُضُوعِ بِكُلِّ وَقَارٍ. 5وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟ 6غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ لِئَلاَّ يَتَصَلَّفَ فَيَسْقُطَ فِي دَيْنُونَةِ إِبْلِيسَ. 7وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ شَهَادَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ فِي تَعْيِيرٍ وَفَخِّ إِبْلِيسَ. "
بِلاَ لَوْمٍ = ليراه الناس ويرون في حياته نموذجاً لهم.
بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ = لا تعني أنه يجب أن يكون بعل إمرأة واحدة، بل أن لا يكون له أكثر من إمرأة واحدة، فاليهود كانوا يسمحون بالزواج من اكثر من إمرأة، وكان اليهودي إذا آمن بالمسيحية يظل محتفظاً بزوجتيه. أما الأسقف فلا يجب أن يكون له أكثر من زوجة وإن ماتت زوجته الأولى لا يكون متزوجاً بامرأة ثانية، الرسول يريد لمنصب الأسقفية أكثر الناس عفة. والكنيسة فضلت أن يكون منصب الأسقف للرهبان البتوليين بعد ذلك. وبولس نفسه كان بتولا غير متزوج.
صَاحِيًا = ساهراً يقظا فهو ناظر (ابيسكوبوس لغوياً تعني ناظر) فهو ينظر من أعلي ويري الأخطار المحدقة بشعبه وينذر ويعلم. والأسقف كراع له عصا يبعد بها غنمه عن الضلال. وصاحياً تعني له بصيرة متقدة ساهراً علي خلاص شعبه.
عَاقِلاً= ضابطاً لتصرفاته يتصرف بحكمة غير متطرف، يوازن بين الأمور الروحية والاحتياجات النفسية والاجتماعية والجسدية لشعبه.
مُحْتَشِمًا = في أقواله وأعماله، الاحتشام صفة ليست في الملبس فقط بل هي صفة تمس القلب ومن الأمثلة، الفكاهات غير اللائقة هى ضد الاحتشام.
مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ = في ذلك الزمان كان الهاربين من الاضطهاد يلجأون للأساقفة.
صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ = ليحمي كنيسته من الهراطقة.
غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ = الذي يشبع من خمر الروح القدس أي الفرح الروحي لن يبحث عن الخمر العالمي. إن ساعة واحدة من الخلاعة جعلت نوح يتعري بعد ما أستتر 600 عام بوقار.
لاَ ضَرَّابٍ = لا يستعمل العنف مع رعيته، حتي يتحقق الإصلاح الداخلي بكامل حرية الإنسان.
وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ = هذا يفسد الشعب ويجعله يهرب منه. بل عليه أن يكون باذلاً لنفسه وأمواله
حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ = يحمل روح سيده (مت 12 : 19) فالأسقف عليه أن يقدم صورة للمسيح أمام الناس.
يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا = هذا لمن هو متزوج، فعلي من يختار الأسقف أن يختار من عرف كيف يربي أولاداً حسنا.
غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ = لم يقل غيرحديث السن فتيموثاوس كان حديث السن لكنه كان ناضجاً في أيمانه، حداثة الإيمان ربما تحمل غيرة متقدة نحو الخدمة، لكنها تحمل خطر الإعتداد بالذات والتصلف خصوصاً لما يحيط به من مظاهر التكريم، وقد يظن أنه لولا أهميته للكنيسة وحاجة الكنيسة له لما اختاروه أسقفاً، فيسقط في الكبرياء ويَهلك ويُهلك معه الناس.
لَهُ شَهَادَةٌ مِن هُمْ مِنْ خَارِجٍ = لا يكفي شهادة المسيحيين عنه فقد يشهد المسيحيون لعضو بينهم شهادة حسنة، ولكن من المهم جداً شهادة الآخرين.
الآيات (8-10):- "8كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّمَامِسَةُ ذَوِي وَقَارٍ، لاَ ذَوِي لِسَانَيْنِ، غَيْرَ مُولَعِينَ بِالْخَمْرِ الْكَثِيرِ، وَلاَ طَامِعِينَ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، 9وَلَهُمْ سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ. 10وَإِنَّمَا هؤُلاَءِ أَيْضًا لِيُخْتَبَرُوا أَوَّلاً، ثُمَّ يَتَشَمَّسُوا إِنْ كَانُوا بِلاَ لَوْمٍ. "
هنا نسمع عن مواصفات الشماس ولم يذكر مواصفات القسيس، فلقب قسيس ولقب أسقف كان متبادلان في الكنيسة الأولي، راجع (تي1: 5، 7) (شيوخاً = قسوساً) + (أع 20:17، 28) فمواصفات الأسقف هي هي نفسها مواصفات القسيس. وعمل الشماس الأول هو الخدمة الاجتماعية ولكن رأينا أن اسطفانوس وفيلبس كان لهما عمل الكرازة.
لاَ ذَوِي لِسَانَيْنِ = يتكلمون مع واحد بلسان ويتكلمون مع الآخر بلسان ثان وهذا خداع ويحط من شأن الإنسان.
سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ = هو سر إذ كان الإيمان بالمسيح وعمل المسيح وفدائه وخلاصه للأمم، كل هذا كان غامضاً في العهد القديم ومازال غامضاً لغير المؤمنين. ولكن من يختار لكى يصير شماساً يجب أن يكون له دراية بهذا السر. وأن يكون إيمانه عن إخلاص لا رياء، وهو ما يظهر عملياً في تصرفاته، فهو لا يتاجر بالدين لينال مكسباً مادياً أو شهرة بين الناس
وَإِنَّمَا هؤُلاَءِ أَيْضًا لِيُخْتَبَرُوا أَوَّلاً = هذه لم تذكر عن الأسقف فالأسقف قد تم اختباره من قبل في درجة كهنوتية أقل.
آية (11):- "11كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ ذَوَاتِ وَقَارٍ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، صَاحِيَاتٍ، أَمِينَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ. "
يري القديس يوحنا ذهبي الفم أن الحديث هنا هو عن الشماسات ويري البعض أنه علي زوجات الشمامسة.
أَمِينَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ= من نحو الله ونحو أزواجهن ونحو الفقراء، ولا بد أن يكن أمينات فهم بحكم خدمتهن سيطلعن علي أسرار البيوت ولا بد أن يكن أمينات في توزيع الصدقات.
الآيات (12-13):- "12لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُل بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أَوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَنًا، 13لأَنَّ الَّذِينَ تَشَمَّسُوا حَسَنًا، يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً وَثِقَةً كَثِيرَةً فِي الإِيمَانِ الَّذِي بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. "
ما يشير لأن آية 11 هي علي الشماسات أنها دخلت وسط آيات تتكلم عن مواصفات الشمامسة.
يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً = من يجدونه صالحاً في رتبة الشموسية فليحصل علي درجة القسيسية وهكذا.
الآيات (14-15):- "14هذَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكَ رَاجِيًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَنْ قَرِيبٍ. 15وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. "
ربما خشي الرسول أن يصاب تيموثاوس بشئ من الضيق، فقد وعده بالحضور إليه، لذلك يطمئنه بأنه سيحضر. ولكن إلي أن يحضر علي تيموثاوس أن يعرف المبدأ الأساسي الذي به يقود الكنيسة، فمهمة الكنيسة أن تدعو للحق وتدافع عن الحق وتحامي عنه فهى
عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ = بالمسيح الحق الذي فيها. لقد أوضح الرسول فيما سبق نظام الخدمة في الكنيسة وإختيار الأساقفة والشمامسة، وهنا يظهر أن عملهم الأساسي أن يشهدوا بالحق. بَيْتِ اللهِ = هي (الكنيسة) مكرسة لخدمة الله وفيها تظهر صورة الله غير المنظور الحي = الله حي في الكنيسة يثبت وجوده (مت 28 : 20) لذلك لا تقوي عليها أبواب الجحيم (مت 16 : 18). العمود والقاعدة هما الأساس فى البناء. والحق أساس تمت عليه بناء الكنيسة، فالكنيسة مؤسسة علي المسيح الحق (1كو 3 : 11) + (يو 14 : 6).
آية (16):- "16وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ. "
في هذه الآية يظهر الرسول ترتيباً معيناً يبدأ في دائرة صغيرة وهي المسيح ظاهراً في الجسد أمام الناس، ثم دائرة أكبر وهم الملائكة الذين عرفوا حقيقته، ثم انتشار الإيمان به وسط الأمم ثم المسيح في مجده.
وَبِالإِجْمَاعِ = تعني بدون أي خلاف فقد ظهر أن :-
عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ = أي أن سر القداسة موجود في الكنيسة لأن سر القداسة هو المسيح والكنيسة جسد المسيح. ظن الغنوسيين أن الكنيسة أو أن الحياة المسيحية هي معرفة عقلانية للحق. والرسول يشرح هنا أن الحياة المسيحية هي دخول عملي إلي الحق خلال الحياة التقوية التي صارت لنا بالتجسد الإلهي، فسر التقوي هو سر التجسد، اتحادنا مع الله الآب في ابنه هو الذي يعطينا الحياة التقوية، هذا هو الحق الذي تدافع عنه الكنيسة، ولا طريق آخر للحياة التقوية سوي الاتحاد بالمسيح والثبات فيه (بالمعمودية والتناول والإعتراف أي بالأسرار والأسرار هي الكنيسة). لقد أنكر الغنوسيون حقيقة التجسد برفضهم أن المسيح يحمل جسداً حقيقياً، وبهذا ينكرون الحياة التقوية لتي صارت لنا فيه ويحولون الحق إلي معرفة نظرية عقلانية بلا حق ولا حياة، بمعني آخر فالتجسد الإلهي ليس عقيدة فلسفية تعتنقها الكنيسة للمجادلة وإنما سر حياتها التقوية وأمجادها الداخلية وأمجادها المستقبلية. صار المسيح حياة لنا باتحاده بنا بالأسرار. فهو أعطانا حياته (وكان هذا بالتجسد) وحياته هي سر التقوى. فالمسيحية ليست ديانة تعلم تابعيها الأخلاقيات فقط بل هي تعطى حياة المسيح لكل من يؤمن ويعتمد فيحيا في تقوى (غلا 2: 20) + (في 1: 21) "ليّ الحياة هي المسيح".
تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ = طالما اتهموا المسيح في حياته بالجسد باتهامات كثيرة، حقاً لقد ظهر بره في أعماله وأقواله ومعجزاته. ولكن بره بدا للجميع خاصة بعد موته إذ لم يجد فيه إبليس شيئاً يمسكه عليه " رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شئ (يو 14 : 30)، بل فتح الجحيم وهو في الروح، بل فتح الفردوس لمن أخرجهم من الجحيم. ثم قام من الأموات وصعد إلي السماوات، وأعطانا حياته وبره لتحيا بهما الكنيسة، لقد حمل خطايانا لنتبرر نحن فيه (2كو21:5). والكنيسة الآن مملوءة من الروح القدس الذي وهبه لنا الله باستحقاقات عمل المسيح والروح القدس هو الذي يدخل بنا إلي الثبوت في المسيح يسوع ، لا لنغتسل بدمه الكريم من خطايانا فحسب، إنما نحمل بر المسيح فنحسب في عيني الآب أبراراً (1كو 6 : 11) "كان روح المسيح الذي فتح الفرودس متحداً بروحه القدس أي لاهوته".
تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ = الملائكة كانوا يعرفون مجده قبل التجسد، والآن قد أدركوه بمفهوم جديد خلال تجسده في كنيسته، رأوه في كمال حبه الفائق خلال الصليب وعمله الإلهي العجيب في المؤمنين الذين كانوا قبلاً أعداء بسبب خطاياهم. وقد تقدسوا فيه وتبرروا وصاروا أبناء أحباء وممجدين فيه. رآه الملائكة بجسده البشرى ، وقد دخل به للسماء ، وتمجد به جالسا عن يمين الآب .
( مز 24 : 7 – 10 )
كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ = الكل صار ينعم بعطيته حتي الأمم الأشرار.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
الكنيسة وشروط الدرجات الكهنوتية
(1) شروط الأسقف ع 1 - 7 :
ع 1 : مسئوليات الأسقف كبيرة ، لأنه يتحمل مسئولية قيادة الكنيسة ، ويتعرض للإضطهادات والمشاكل من الخارج والداخل0 فيعلن بولس الرسول أنَّ من يحب الله ويشتهى تكريس حياته له فى خدمة الكهنوت ، فهذا أمر صالح يفرَّح قلب الله0 ويُلاحظ أنه ذكر شروط الأسقف ثم شروط الشماس ، لأنه يعنى بالأسقف الكهنوت عموماً ، أى الأسقف والكاهن0
ع 2 : يوضح بولس الرسول الصفات التى يجب أن تتوفر فيه وهى : بلا لوم : أى بلا خطايا واضحة مُعثرة للآخرين ، وليس المقصود أى خطية فى القلب لأنه لا يوجد إنسان بلا خطية0 بعل امرأة واحدة : تزوج مرة واحدة أو لم يتزوج بعد الترمل ، فهذا يُعلن عفته باكتفائه بزواج واحد0 صاحياً : متيقظاً ساهراً حذراً ، ذو بصيرة متقدة ، واعياً لخلاص نفسه ومن يرعاهم0 عاقلاً : رزيناً يتصرف بحِكمة واعتدال0 محتشماً : محتشماً فى مظهره وتصرفاته وكلامه ، مُبتعداً عن الهزل0 مُضيفاً للغرباء : إستضافة الغرباء علامة إتساع القلب0 ففى الأزمة المسيحية الأولى ، كان المؤمنون يتنقلون كثيراً بسبب الإضطهاد ، وعلى ذلك كان من اللازم أن يكون بيت الأسقف مفتوحاً لهم0 صالحاً للتعليم : تكون له موهبة التعليم المبنى على معرفة روحية مستقيمة0
ع 3 : غير مدمن للخمر : الخمر غير مُحرَّم ، لكن لا داع له0 ولكن الممنوع هو كثرة الشرب التى تؤدى إلى السُكر ، وهذا بالطبع صفة مرفوضة أن تكن فى الأسقف وتعنى عدم الإنهماك عموماً فى التلذذ بالطعام والشراب0 لا ضرَّاب : أى كثير الضرب ويُسرع إلى استخدامه كوسيلة لتقويم المنحرفين روحياً0 لا طامع بالربح القبيح : غير محب للمال وخاصة ما يحصل عليه من خلال تصرفات غير سليمة ، مثل التنازل عن الحق إرضاءً لبعض الأغنياء ، ولكن يكون المال وسيلة للخدمة فقط وإعالة المحتاجين ولا يهتم بوجوده أو عدمه0 حليماً : صبوراً مع أبنائه الروحيين ، لا يثور من أخطائهم بل يستعيدهم إلى الحق بكل صبر0 غير مخاصم : لا يقطع رباط الود والصلة مع أى أحد من أبنائه مهما كانت الأسباب0 لا محب للمال : محبة المال هى أصل كل الشرور ، فلا يليق أن تتملك على قلب الأسقف المفترض فيه أن يكون قدوة فى الصلاح0
ع 4 : يقود ويدير بيته بطريقة سليمة ويربى أولاده حسناً ، فيطيعونه ويخضعون للتعاليم والمبادئ المسيحية التى يُعلِّمها لهم0
ع 5 : من لا يستطيع أن ينتبه لأولاده ويرعاهم الرعاية الواجبة ، فلن يستطيع أن يفعل هذا فى الدائرة الأوسع التى هى كنيسة الله0
ع 6 : غير حديث الإيمان : لا يكون قد آمن منذ فترة قصيرة0 يتصلف : أى يتكبر0 دينونة إبليس : يسقط فى خطايا كثيرة يشتكى عليه الشيطان بسببها أمام الله0 ينبه الرسول إلى عدم التسرع فى سيامة شخص بدأ الإلتصاق بالكنيسة والخدمة منذ فترة قصيرة ، لأنه بهذا يتعرض للكبرياء إذ يظن نفسه أفضل ممن سبقوه فى الكنيسة ، وهذا يخلق مشاكل كثيرة0
ع 7 : يجب أن يكون للأسقف صيت حسن ، وأن يكون صلاحه واضحاً وسلوكه السابق لا غبار عليه ، فلا يستخدم الشيطان أعداءه أو غير المؤمنين فى إدانته ولومه0
+ هذه الشروط السابقة تُطبق على كل خادم وكل إنسان روحى ، فافحص نفسك على أساس هذه الصفات وجاهد لإقتناء أكثر صفة تجد نفسك محتاجاً إليها0
(2) شروط الشماس ع 8 - 13 :
ع 8 : الشمامسة : المقصود هنا الشماس الكامل ، أى الدياكون ، وليس الرتب التمهيدية مثل القارئ والمرتل ، وهى التى يُرسم فيها معظم الشمامسة حالياً0 كما حدَّد الرسول فى الأعداد السابقة الصفات الواجب توافرها فى الأسقف ، يحددها هنا بالنسبة للمرشحين للشماسية وهى : أن يكونوا ذوى وقار : أى ذوى سلوك مهذب متزن0 لا ذوى لسانين : لا يكونوا مخادعين0 غير مولعين بالخمر الكثير : وهى نفس الصفة المطلوبة فى الأسقف وذُكرت فى ع 3 0 لا طامعين بالربح القبيح : سبق ذكرها أيضاً فى ع 3 0
ع 9 : سر الإيمان : المسيح المُخلص للعالم كله يهود وأمم مهما كانت خطاياهم ، وسُمى سر لأنَّ محبة المسيح المُخلص تفوق الإدراك العقلى0 يجب أن يكون للشماس الإيمان القوى بضمير نقى ، أى إخلاص بدون غرض شخصى0
ع 10 : قبل أن يرسم الشمامسة ، يجب أن يُختبروا أولاً بممارسة الخدمة بأمانة وحب ، وكذلك يختبر سلوكهم فى حياتهم السابقة والحالية ، فإن كانت نتيجة الإختبار إيجابية وهو ما يُعبر عنه بولس الرسول بعبارة " بلا لوم " ، يكونوا حينئذٍ مؤهلين لدرجة الشماسية0
ع 11 : الحديث هنا لا يخص النساء بوجه عام ، وإنما يخص الشماسات أو المكرسات أو زوجات الشمامسة ، والصفات المطلوبة فيهن كالآتى : ذوات وقار : كما ذكر فى صفات الشمامسة والكهنة0 غير ثالبات : لا يتكلمن عن عيوب الآخرين0 صاحيات : واعيات لحياتهن الروحية0 أمينات فى كل شئ : مُخلصات ، فهن بحكم وضعهن مُطلعات على أسرار البيوت ، فيجب أن يكن أمينات على ما يستودعن من أسرار ، أمينات فى توزيع الصدقات ، أمينات فى الوصايا المقدسة0
ع 12 : كما ذكر فى ع 2 ، 4 0
ع 13 : يُظهر الرسول بركة خدمة الشماسية ، التى تساعد صاحبها على النمو فى الإيمان بالمسيح من خلال خدمته0
+ المكان والعمل والظروف التى وهبك الله إياها ، سواء كنت خادماً فى الكنيسة أو أباً أو أماً ، كن أميناً فيها واطلب معونة الله لتمجده من خلالها0
(3) الكنيسة ع 14 - 16 :
ع 14 : يعد الرسول بولس تيموثاوس بالحضور إليه ، وذلك لكى يطمئنه ويشجعه ويؤكد له أنه كما أرشده ووجهه برسالته هذه ، سيسانده بحضوره الشخصى إليه فى أفسس0
ع 15 : تتصرف : تدبر الكنيسة وتقود الخدمة فيها0 عمود الحق وقاعدته : مساندة الحق ، فالكنيسة بالإيمان القوى فيها بالمسيح تُعلن وتساند الحق فى العالم كله0 يؤكد الرسول لتلميذه تيموثاوس أنه سيحضر إليه ، ولكن إن تأخر فى الحضور فلا يتضايق لأنَّ هذا سيكون بسماح من الروح القدس ، ليكون لتيموثاوس فرصة عمل أكثر لبذل مزيد من الجهد كخادم لكنيسة الله الحى ، التى يسميها الرسول " بيت الله "0 وحدد ملامح الكنيسة بأنها ترتكز على الحق الذى هو أساس الإيمان ، ولا تعتمد على المعرفة كأساس للخلاص كما يدَّعى الهراطقة الغنوسيون0
ع 16 : ليست الكنيسة هى مجرد معرفة نظرية عن الله كما تخيل الغنوسيون مما أسقطهم فى معرفة خاطئة عنه ، وإنما هى إيمان عملى يظهر فى حياة مملوءة بالبر والصلاح وهى ما نسميه حياة التقوى التى هى سر عظيم ظهر عملياً فى حياة المسيح على الأرض وتبينه الآية فى المراحل الآتية :
(1) الله ظهر فى الجسد : تجسد الأقنوم الثانى صائراً فى شبه الناس0 وهى آية صريحة فى إثبات لاهوت المسيح0
(2) تبرر فى الروح : شهد الروح القدس ببره0
(3) تراءى لملائكة : شاهدته الملائكة معنا خلال تجسده0
(4) كُرز به بين الأمم : بُشر بالمسيا المُخلص بين الأمم وليس بين اليهود فقط0
(5) أُومن به فى العالم : ينعم الكل بالإيمان دون تمييز أمة على حساب أمة0
(6) رُفع فى المجد : صعد إلى المجد السماوى0
+ ثباتك فى الكنيسة هو ثباتك فى الحق ، فتحيا مطمئناً وتضمن أبديتك0 فاهتم بحضور الكنيسة والتمتع بأسرارها المقدسة ، واخضع لتعاليمها حتى لو تعارضت مع بعض أفكارك أو أغراضك الشخصية0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح