كلمة منفعة
في يوم الخميس الماضي، احتفلت الكنيسة بعيد الصعود المجيد، إذ صعد المسيح إلى السماء، وجلس عن يمين الآب.
— الصعود
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
تسالونيكى الثانيه - الاصحاح رقم 2 تسالونيكى الثانيه الإصحاح رقم 2 الأصحاح الثاني إنسان الخطية موضوع "إنسان الخطية" يعتبر إحدى النبوات الرئيسية في العهد الجديد، ومع هذا إذ كتب عنه الرسول لم يقصد به الكشف عن أحداث مستقبلية بقدر ما أراد تحقيق أهداف عملية، لذا ختمه بالحديث عن "الثبوت في الرب" ليدخل بعد ذلك في القسم الثالث من الرسالة الخاص بالوصايا العملية. 1. الارتداد أولاً 1-12. 2. ثباتهم في الرب 13-17. 1. الارتداد أولاً "ثم نسألكم أيها الإخوة من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه، أن لا تتزعزعوا سريعًا عن ذهنكم، ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا أي أن يوم المسيح قد حضر" [1-2]. يطلب الرسول بولس من أهل تسالونيكي ألا يكون ذهنهم مرتاعًا كسفينة تلعب بها الأمواج العنيفة، وذلك من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا فيه ومعه في ذلك اليوم العظيم، ظانين أن اليوم قد حضر. يلزمهم ألا ينحرفوا بروح أي بنبوات كاذبة أو إعلانات باطلة، ولا بكلمة أي بإساءة تفسير كلماته حين كان يكرز في وسطهم، ولا برسالة كأنها منه أي إساءة فهم رسالته السابقة، أو قبولهم رسالة مدسوسة ليست صادرة عنه، أو قبول الاثنين معًا، أي إساءة فهم رسالته وقبول رسالة مزيفة. إنه يوصي المؤمنين ألا يسيروا وراء الأمواج العنيفة التي تنادي بأن يوم المسيح قد حضر، فإنه يلزم أن يسبقه الارتداد، ويستعلن إنسان الخطية مثير الارتداد، إذ يقول: "لا يخدعنكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتي إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا، حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله" [3-4]. شغل موضوع "إنسان الخطية" كتابات الكنيسة الأولى والعصور الوسطى وأيضًا اللاهوتيين المحدثين، فقد قارنوا بينه وبين ما ورد في سفر دانيال عن الملك المتأله (ص 11)، وما جاء في سفر الرؤيا عن النبي الكذّاب والوحشين البرّي والبحري (رؤ20,19,16,13 )، وما تعرض له القديس يوحنا الحبيب في رسائله عن ضد المسيح. تحدث القديس يوستين الشهيد في القرن الثاني عن إنسان الخطية بكونه إنسان الارتداد الذي ينطق بما هو ضد العليّ، ويتجاسر بارتكاب أعمال شريرة ضد المسيحيين. ويقول القديس إيريناؤس: [مع كونه لصًا ومرتدًا يهتم أن يُعبد كإله، ومع كونه عبدًا مجردُا، يرغب في إقامة نفسه ملكًا. وإذ يحمل قوة إبليس يأتي لا كملك بار خاضع لله وإنما كإنسان مقاوم، فيه يتركز كل ارتداد شيطاني، مخادعًا الناس بأنه الله.] وقد ساد في القرون الأولى اعتقاد أن هذا الإنسان يظهر بعد زوال الدولة الرومانية، فيتطلّعون إلى الإمبراطورية كقوة مقاومة لظهوره. لهذا يقول العلامة ترتليان: [أي عائق له إلا الدولة الرومانية، فإنه سيظهر الارتداد كمقاوم للمسيح.] كما يقول: [نلتزم نحن المسيحيون بالصلاة من أجل الأباطرة واستقرار الإمبراطورية استقرارًا كاملاً، فإننا نعرف أن القوة المرعبة التي تهدد العالم يعوقها وجود الإمبراطورية الرومانية، هذه القوة التي لا نريدها فنصلي أن يؤجل اللَّه ظهورها. بهذا تظهر إرادتنا الصالحة لدوام الدولة الرومانية.] ويفترض القديس هيبوليتس أن ضد المسيح سيكون يهوديًا، ويحدد أنه من سبط دان، ويشترك القديس إيريناؤس معه في ذات الرأي. ورأى فريق من الآباء أنه يظهر بعض الأشخاص مقاومين للحق، ضد المسيح يكونون مثالاً ورمزًا لضد المسيح الحقيقي الذي يظهر في أواخر الدهور، فيتطلع القديس كبريانوس إلى أنطيخوس أبيفانيوس كمثال لضد المسيح، بينما يتطلع القديس يوحنا الذهبي الفم إلى نيرون هكذا بكونه حسب نفسه إلهًا. وإن كان الأب فيكتوريانوس رأى نيرون هو نفسه الوحش الخارج من البحر. أما القديس جيروم فيرى أن كثيرين يقومون كرموز لضد المسيح، إذ يقول: [كما كان سليمان وقديسون آخرون رموزًا للمخلص هكذا نؤمن بظهور رموز لضد المسيح مثل أنطيخوس أكثر الملوك شرًا، مضطهد القديسين ومدنس الهيكل.] أما في القرون الوسطى فقد اهتم كثير من اللاهوتيين الغربيين بموضوع "ضد المسيح"، فتطلع بعض مقاومي السلطان الكنسي في أوربا إلى الكرسي البابوي كضد المسيح. يقول الأب برنارد: [صار خدام المسيح خدامًا لضد المسيح، وجلس وحش الرؤيا على كرسي القديس بطرس.] غير أن كثير من اللاهوتيين البروتستانت رفضوا هذا الرأي، مؤكدين أن ضد المسيح ليس نظامًا معينًا بل هو إنسان معين يظهر في أواخر الدهور قبل مجيء السيد المسيح الأخير. وكما اتهم بعض المتطرفين من البروتستانت الباباوية، فإنه من الجانب الآخر قام بعض المتطرفين الكاثوليك يتهمون "الحركة البروتستانتية" كضد المسيح، ورفض بعض اللاهوتيين من الكاثوليك ذلك. أما في العصر الحاضر فيوجد في الغرب أربعة اتجاهات في تفسير إنسان الخطية: 1. ما ورد في هذا الأصحاح لا يقصد به نبوة خاصة بالمستقبل. 2. أما ورد هنا هو نبوة تحققت فعلاً وانتهت. 3. حدث مستمر مع الزمن، تحققت ولا تزال تتحقق في الحاضر وستتحقق في المستقبل. 4. نبوة خاصة بالمستقبل, تتحقق في فترة ما قبل مجيء السيد المسيح مباشرة. بين السيد المسيح وضد المسيح أولاً: يقول الرسول "يستعلن إنسان الخطية" [3]. فكما جاء السيد المسيح بكونه كلمة الله المتجسد، الذي فيه يتشخص كمال البرّ الإلهي، من يقتنيه إنما يقتني برّ الله فيه، هكذا يأتي إنسان الخطية تتشخص فيه الخطية، يبث روح الشر في أتباعه ويقاوم كل برِّّ حقيقيٍ. ثانيًا: يدعى "ابن الهلاك" [3]. إن كان الشيطان قد هلك باعتزاله الله سرّ حياة الخليقة كلها، ويتم كمال هلاكه في يوم الرب العظيم، فإن عمله الرئيسي هو إفساد خليقة الله وإهلاكها، بل ويبث فيها سمته، فيصيرون محبين لهلاك الآخرين، وكأن أتباعه يحملون صورته ويكونون على مثاله، كما يحمل المؤمنون صورة الله ويسلكون على مثاله. لقد حمل يهوذا الخائن هذا اللقب "ابن الهلاك" (يو 17: 12)، الذي ملك عليه الشيطان، ونحن نحمل لقب "أبناء الله" إذ يملك الله فينا وعلينا، مخلصًا إيّانا من الهلاك. ثالثًا: إنسان الخطية هو إنسان حقيقي لبسه الشيطان ليعمل فيه بكل طاقته حتى إن أمكن أن يضل حتى المختارين (مت 24: 24)، والسيد المسيح هو ابن الله الذي صار إنسانًا حقيقيًا بتجسده، يحمل طبيعتنا لكي يفديها، فيرد الضالين حاسبًا إيًاهم إخوة أصاغر له خلال ذبيحة الصليب التي قدمها عنا. لقد صار واحدًا منا ليقدم الفدية باسمنا ولحسابنا. رابعًا: دُعي "المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا" [4]. إذ يقيم نفسه إلهًا يقاوم الله ويثير البشرية ضد ملكوته، بقدر ما يظهر إنسان الخطية في كبرياء، ناسبًا لنفسه ما ليس له نجد السيد المسيح، الواحد مع الآب في تواضع يخضع بالطاعة الكاملة للآب حتى الموت موت الصليب. إنه يخلي ذاته محققًا في نفسه كل طاعة (عب5: 8) وكل تسليم للإرادة، لنحسب نحن فيه أبناء الطاعة ونسترد ما خسرناه خلال كبريائنا وعصياننا. لقد لاحظ القديس إيريناؤس أن ضد المسيح في كبريائه لا يقدر أن يرتفع على اللَّه، وإنما على كل ما يدعى إلهًا، مع أنه بالحقيقة ليس هكذا. والعجيب أن اليهود يرفضون السيد المسيح الذي جاء يتحدث عن الآب طالبًا مجده مع أنه واحد مع الآب ويقبلون ضد المسيح الذي يأتي ليتحدث عن نفسه طالبًا ما لذاته لا ما لله، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إذ يعلن الرب عن ذاك الذي يطلب مجد نفسه لا مجد الآب (يو 7: 18) يقول لليهود: "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه" (يو 5: 43) لقد أعلن لهم أنهم سيقبلون ضد المسيح الذي يطلب مجد نفسه منتفخًا، وهو ليس بصادق ولا ثابت، وإنما بالتأكيد هالك. أما ربنا يسوع المسيح فأظهر لنا نفسه مثالاً عظيمًا للتواضع، فمع كونه بلا شك مساويًا للآب... لكنه يطلب مجد الآب لا مجد نفسه.] أما سرً قبول اليهود لضد المسيح فهو تفكيرهم المادي وتفسيرهم الحرفي للنبوات. وكما يقول القديس أغسطينوس: [يبدو لي أن الشعب الإسرائيلي الجسداني سيظن أن النبوة تتحقق (في ضد المسيح)، القائلة: "خلصنا أيها الرب إلهنا واجمعنا من بين الأمم" (مز 106: 47). تتحقق تحت قيادته وأمام أعين أعدائهم المنظورين هؤلاء الذين سيأسرهم بطريقة منظورة ويقدم المجد المنظور.] خامسًا: يحدد الرسول بولس "هيكل الله" كمركز عمل المقاوم، حيث يجلس فيه مظهرًا نفسه إلهًا [4]. ماذا يقصد بالهيكل؟ يرى القديسان إيريناؤس وكيرلس الكبير أن ضد المسيح يقوم بتجديد الهيكل اليهودي في أورشليم كمركز لعمله. ويرى القديسون الذهبي الفم وأغسطينوس وجيروم والأب ثيؤدوث أنه يتربع في هيكل الكنيسة المسيحية. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يجلس في هيكل الرب ليس فقط في أورشليم، وإنما في كل كنيسة.] على أي الأحوال إن كان السيد المسيح قد جاء إلى العالم ليكرس كل قلب كهيكلٍ مقدس للثالوث القدوس، وخلال هذا التقديس يعود للهيكل الإلهي قدسيته، فإن ضد المسيح يأتي ليهدم القلوب، ويفسد الهيكل القائم فيها، مغتصبًا إيّاها لحسابه، كما يفسد كنائس الرب ويضطهدها. سادسًا: يقول الرسول عنه: "الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا" [9-10]. كأن الشيطان يعلن مملكته ببث طاقاته فيه للتضليل والانحراف عن الحق حتى يدخل بالبشرية إلى مملكة ظلمة الباطل. أما السيد المسيح فقد جاء ليعمل بقوة لاهوته ليدخل بهم إليه فينعمون بنور الحق. إنه يقدم لهم روحه القدوس الذي يرشد إلى كل الحق وينطلق بالمؤمنين إلى الأسرار السماوية. سيحاول إنسان الخطية التشبه بالسيد المسيح فيعمل "بكل قوة وبآيات وعجائب" [9]، لكن جميعها "كاذبة"، لأنها من صنع إبليس المخادع، الذي يدعى "الكذّاب وأبو الكذّاب"، أما السيد فكان يصنعها بروح الحق خلال حبه لبني البشر وترفقه بهم. الأول في كبرياء يبرز قوته الوهمية والمؤقتة، أما السيد المسيح فيعمل بروح التواضع ليحملنا بالحب إلى مملكته النورانية. استخدام ابن الخطية للقوات والآيات، وأيضًا ممارسة الأشرار لها، يجعل منها ليست هدفًا يبحث عنه المؤمن، ولا معيارًا لصلاح الإنسان أو سلوكه بالحق. فالإيمان المسيحي لم يقم على القوات والآيات، فإن كان السيد المسيح قد قدّم آيات بلا حصر وقوات لم يسبق أن يسمع عنها بني البشر، لكنه قدّمها مجرد علامة حب وتحنن نحو البشر، مقدمًا نفسه آية لهم وسرّ حياة وقوة قيامة! عندما سُئل السيد أن يصنع آية أعلن أنه يقدم موته ودفنه وقيامته الأمور التي أعلنت رمزيًا في يونان النبي آية للبشرية. عمله الخلاصي للبشرية هو الآية التي يلزم أن تشغل كل الفكر وتمتص كل المشاعر والأحاسيس! في القرن الثاني تكلم العلامة أوريجينوس عن الآيات الشيطانية، غير منكر وجودها، لكنها آيات خادعة وعاجزة، إذ لا تقدر أن تغير طبيعتنا الفاسدة إلى طبيعة مقدسة، ولا أن تهب نموًا في الحياة الفُضلى، بل أن الممارسين لها أنفسهم لا يسلكون في نقاوة. ويقدم لنا بستان الرهبان الكثير من تحذيرات الآباء النساك من صنع الآيات خلال خداعات الشيطان لكي تشغلنا عن الاهتمام بأبديتنا والانشغال بالسيد المسيح. وكثيرًا ما يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الاهتمام بالحياة الفاضلة في الرب لا بعمل الآيات، فإن الله لا يحاسبنا أننا لم نصنع آيات، إنما يديننا على إهمالنا في جهادنا الروحي. بين إنسان الخطية والملك المضطهد لكي تبرز صورة إنسان الخطية كما سجلها لنا الرسول بولس نقارن بينه وبين ما ورد في سفر دانيال عن الملك المضطهد: أولاً: عمل إنسان الخطية هو إثارة حركة الارتداد عن الإيمان، فلا يترك المؤمنون الإيمان فحسب وإنما يقاومون الحق، ويقفون ضد اللَّه نفسه، ويعلن دانيال النبي عمل الملك المضطهد ككاسر العهد المقدس، إذ يقول: "فييأس ويرجع ويغتاظ على العهد المقدس ويعمل ويرجع ويصغي إلى الذين تركوا العهد المقدس" (دا 11: 30). ثانيًا: يجلس إنسان الخطية في هيكل الله كإله، ويقوم الملك المضطهد بتدنيس الموضع المقدس: "تقوم منه أذرع وتنجس المقدس الحصين" (دا 11: 31). ثالثًا: يقاوم إنسان الخطية كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا [4]، ويقف الملك المضطهد ضد الله، أو كما يقول دانيال النبي: "ويفعل الملك كإرادته، ويرتفع ويتعظم على كل إله، ويتكلم بأمورٍ عجيبة على إله الآلهة" (دا 11: 36). هكذا يظهر أن ما ورد في سفر دانيال (ص 11) عن الملك المضطهد إنما يعني "إنسان الخطية" الذي يتحدث عنه الرسول بولس في أكثر وضوح. إنسان الخطية كما أعلنه الرسول لعل الصورة الخاصة بإنسان الخطية قد وضحت الآن، فظهر أنه إنسان حقيقي يظهر قبيل مجيء السيد المسيح، ليقيم نفسه إلهًا، فيقاوم الكنيسة المسيحية، كضربة نهائية من قبل الشيطان قبل أن يحتضر بإعلان ملكوت الله الأبدي. والآن نشرح عبارات الرسول بولس عنه فيما عدا ما تعرضنا له في الصفحات السابقة: لقد طالبهم الرسول ألا ينخدعوا على طريقة ما، فلا يظنوا أن مجيء السيد المسيح الأخير قد حضر، وإنما يلزم أولاً أن يأتي الارتداد [3]، وقد دعاه بالارتداد، إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم، المرتفع [3-4] الأثيم [8]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دعاه الارتداد لأنه سيهلك كثيرين ويجعلهم يرتدون، إن أمكن حتى المختارين أن يضلوا (مت 24: 24). ودعاه إنسان الخطية، لأنه يصنع شرورًا بلا حصر، ويثير الآخرين لفعل ذلك ودعاه ابن الهلاك لأنه هو نفسه أيضًا يهلك]، يدعى المقاوم لأنه يقف ضد اللَّه، والمرتفع إذ يقيم نفسه إلهًا، والأثيم لأنه ما يثيره الشيطان من إثم عبر العصور يتجلى علانية في إنسان الخطية. يقول الرسول: "أما تذكرون إني وأنا بعد عندكم، كنت أقول لكم هذا" [5]. يظهر من هذا القول أن الرسول سبق فحدثهم عن إنسان الخطية حين كان حاضرًا عندهم يكرز بالإنجيل، مع أن فترة كرازته كانت قليلة للغاية، ربما عدة أسابيع أو على الأكثر بعض الأشهر. وكأن الحديث عن مجيء إنسان الخطية المقاوم يمثل جزءًا لا يتجزأ من كلمة الكرازة. ففي الوقت الذي فيه يعلن الكارز عن بركة التمتع بالخلاص في استحقاقات الدم المقدس يلهب شوق السامعين لمجيء المخلص بقصد التمتع بشركة الأمجاد معه وفيه. لكن هذه العطية ليست بدون أتعاب أو آلام، وإنما يوجد الشيطان المضلل عبر العصور والذي يكتِّل كل طاقاته في الأيام الأخيرة بقصد إفساد النفوس. إذن، الحديث عن إنسان الخطية مرتبط بالإنجيل المقدس، تحدث عنه السيد المسيح نفسه، قائلاً: "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدّقوا، لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا. ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" (مت 24: 23 -25). ورأينا القديس يوحنا يتحدث في رسائله عن ضد المسيح، وفي سفر الرؤيا عن الوحشين البحري والبرّي (رؤ 13) وعن النبي الكذّاب (رؤ 16: 13؛ 19: 20؛ 20: 10). "والآن تعلمون ما يحجز حتى يستعلن في وقته، لأن سرّ الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن" [6-7]. كأنه يقول لهم بأنه إذ كان حاضرًا عندهم أخبرهم عنه موضحًا أن الإعلان عنه محتجز، أي أن ظهوره يتأخر إلى الوقت المناسب. إن سرّ الإثم يعمل الآن بطريقة خفيّة، لكنه حين يأتي زمان إنسان الخطية يُنزع الحاجز ليظهر الشيطان بكل طاقاته مجاوبًا الحق علانية. بظهور إنسان الخطية وإثارة الحرب ضد الحق تحسب كل مقاومة سابقة مهما اشتدت أنها مقاومة خفية! إن بشاعة ما يفعله ضد المسيح علانية تتضاءل أمامه كل أعمال الشيطان السابقة. شدة الهجوم الذي يشنّه إنسان الخطية تجعل البعض ينظر إليه أنه الشيطان بعينه، لذلك يتدارك القديس يوحنا الذهبي الفم ذلك بقوله: [هل هو الشيطان؟ لا، إنما هو إنسان يبث فيه الشيطان كل أعماله.] ربما تثير فينا كلمات الرسول بولس السابقة [6-7] التساؤلات التالية: ما هو هذا الحاجز الذي يعوق استعلان إنسان الخطية؟ ولماذا كتب الرسول بأسلوب غامض؟ وكيف يرفع من الوسط؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم بأن في عصره ساد رأيان: الرأي الأول: الحاجز هو الروح القدس الذي يعوق قيام إنسان الخطية حتى يحل الوقت المحدد. هذا الرأي يرفضه القديس يوحنا الذهبي الفم. الرأي الثاني: أن الحاجز هو "الدولة الرومانية" التي تقف عائقًا عن ظهوره. وقد قبل القديس هذا الرأي متطلعًا إلى نبوة دانيال التي يفسرها هكذا: أن الدولة البابلية قامت على أنقاض بني مادي، وقام الفرس على أنقاض بابل، والمكدونيون (الدولة اليونانية) على أنقاض سابقتها، والرومانية على أنقاض اليونانية، وأخيرًا يأتي ضد المسيح ليملك على العالم عوض الدولة الرومانية، ويكون ذلك قبل مجيء المسيح يسوع ربنا ليملك على كنيسته في السماوات إلى الأبد. ففي رأيه أن الرسول أخفى ما هو الحاجز لكي لا يثير الإمبراطور الروماني ضد الكنيسة بكونها تتنبأ عن نهاية الدولة الرومانية وحلول ضد المسيح مكانها. إن أخذنا بروح التفسير لا حرفه يمكننا القول أن إنسان الخطية محتجز الآن بأمر إلهي، إذ الشيطان مقيد حيث يملك السيد المسيح على قلوب مؤمنيه. ويبقى محتجزًا حتى تنمو كنيسة السيد المسيح وتتشدد، وقبيل مجيء السيد المسيح الأخير يفك الشيطان من قيوده فيصب كل جامات غضبه، كمن هو يحتضر بظهور إنسان الخطية أو النبي الكذّاب أو ضد المسيح. هذا الذي يجند قوات بعض الأمم لحسابه، ويقيم نفسه إلهًا في أورشليم، ويحارب الكنيسة علانية، فيهرب المؤمنون أمام شدة الضيقة، وإن أمكن حتى المختارون أن يضلّوا (مت 24: 24). هكذا يعلن الشيطان حربة العلانية لمدة ثلاث سنوات ونصف. وفي النهاية يرسل اللَّه نبييه إيليا وأخنوخ اللذين يستشهدان، ويقيمهما الرب من الموت لمقاومة إنسان الخطية، فيبيدا مملكته وينقذا الكثيرين. عندئذ يأتي السيد المسيح على السحاب لترتفع كنيسته إلى الأمجاد الأبدية. إنها المعركة الأخيرة التي فيها يسمح اللَّه للشيطان أن يدخل فيها ضد كنيسته حتى لا يحتج بعد، محددًا له مدة المعركة، وفي نفس الوقت يسند الكنيسة بنبييه إيليا وأخنوخ، وبهزيمة إنسان الخطية تنهزم مملكة الشيطان تمامًا. إذن الحاجز المؤقت إنما هو "الأمر الإلهي" الذي يحدد الأزمنة. يمكننا أن نشبّهه بما يحدث في الطبيعة كأن يقتنص الأسد غزالاً حيًا ويأتي به وسط أشباله الصغار، فلو ترك الأسد الغزال لقتل الأشبال، لكنه يقف كحاجز له لا يسمح له أن يضرب الأشبال ضربات قاتلة، تاركًا الفرصة لصغاره أن تتعلم الافتراس. وإذ تنمو الأشبال وتتعلم الهجوم يطمئن عليها ويتركها للغزال. هكذا يهتم الله بكنيسته، حافظًا إيّاها من ظهور إنسان الخطية، تاركًا الإثم ليعمل بطريقة خفية، لكن في الوقت المناسب إذ يطمئن الرب على مؤمنيه يرفع أمره من الوسط، فيظهر إنسان الخطية على الحلبة واضحًا. نستطيع تطبيق ذلك عمليًا في حياة المؤمن العادي. فإن المسيحي في بداية توبته يكون، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، كطفل يتعلم المشي، يحتاج إلى يديّ مربيته لتسنده، لكن يلزمها بعد فترة معينة أن تسحب يديها من يديه فجأة لتتركه يمشي، معتمدًا على نفسه ولو إلى ثوانٍ. وتكون عيناها محدقتين نحوه، وقلبها يحوط به. هكذا يعاملنا الله في بداية حياتنا الروحية، مقدمًا لنا تعزيات كثيرة، ويحوّط حولنا، حافظًا إيّانا من التجارب، ولكن إذ يتشدد ساعدنا الروحي يسمح لنا بالضيقات والحروب الروحية كمن قد رُفع عنه الحاجز لكي نتشدد ونتزكى بعمل نعمته الخفيّة فينا. يمكننا أيضًا تفسير "إنسان الخطية" هنا بالأفكار الإلحادية والفلسفات المضادة للحق، فإنه إذ يسمح الله بها في العالم، تدخل هذه الأفكار والفلسفات في حرب ضد الحق الإنجيلي لكي تحتل القلب "هيكل الله" وتتربع فيه عوض الإيمان. هذه هي سمة العصر الحديث، حيث تقوم هذه الأفكار المتشامخة كإله يسيطر على القلب. والأمر الذي لا يمكن تجاهله هو ظهور شاب هندي يدَّعي الألوهية. ففي عام 1977 جاءتني سيدة مصرية مثقفة، حين كنت أخدم في أستراليا، وصارت تحدثني عن هذا الشاب. لقد روت لي أنها اعتادت على الحضور في الاجتماعات التابعة له، وكيف كانت في البداية تستهزئ بتعبدهم له، وكانت أحاديثهم عن القوة الداخلية المشرقة في القلب والعاملة فيه. وبعد عدة اجتماعات، كما قالت لي، وجدت نفسها بين جماعة المتعبدين قد ركعت أمام صورته لتقول بالإنجليزية "It is my Lord"، وظنت أن إشراقة نورانية قد ملأت قلبها. وبعد مناقشات معها سألتها أن تركع أمام اللَّه كل يوم تسأله أن يعلن لها الحق، وبالفعل عادت إلى بيتها وبدأت تصلي، وبعد الصلاة فتحت إنجيلها لتقرأ الفصل الذي بين أيدينا. رَجَعت إليّ في اليوم التالي لتقول لي في ندامة صادقة: لقد أحسست بحق أنه إنسان الخطية الذي سيطر على قلبي، هيكل الله، وأقام نفسه إلهًا في أعماقي!" في توبة حقيقية عادت السيدة إلى مسيحها ليملك من جديد في هيكله. يمكننا أن نقول أن "إنسان الخطية" يظهر في أكثر من صورة ليغتصب الهيكل المقدس بحيلٍ كثيرة. لذلك أكد السيد المسيح أنه سيظهر مسحاء كذبة كثيرون (مت 24). أخيرًا، يليق بنا أن نعرض أحد الآراء اللاهوتية الخاصة حيث ينظر إلى المحتجز هنا على أنه كنيسة الأمم التي تحجز حتى تكمل، أما رفع الحاجز من الوسط فيعني عند أصحاب هذا الرأي اختطاف كنيسة الأمم مع عريسها لكي يأتي الارتداد ويستعلن إنسان الخطية. عندئذ يقبل اليهود الإيمان في آخر الأزمنة كقول الرسول بولس: "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" (رو 11: 25-26). يؤكد أصحاب هذا الرأي اختطاف كنيسة الأمم قبل الارتداد مستندين على قول السيد المسيح: "حينئذ يكون اثنان في الحقل، يؤخذ الواحد ويترك الآخر، اثنتان تطحنان على الرحى، تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى" (مت 24: 40-41). لكن هذا الرأي لا يقبله كثير من اللاهوتيين، للأسباب التالية: أولاً: القول بأن الاختطاف يتحقق قبل مجيء السيد المسيح الأخير، بل وقبل ظهور إنسان الخطية إنما يعني ظهور السيد ثلاث دفعات: أولاً عند تجسده لتتميم الخلاص على الصليب، والثاني قبل ظهور إنسان الخطية لاختطاف كنيسة الأمم، والثالث للدينونة. لقد اهتم البعض بهذه العقيدة حتى لقّبوا أنفسهم بالأدفنتست أي المجيئيين، مع أنه يليق ألا تقوم عقيدة أساسية هكذا على مجرد تفسير شخصي لنص أو نصّين من الكتاب المقدس، بينما في عشرات المرات يتحدث الكتاب المقدس عن مجيء السيد المسيح بكونه المجيء الأخير، وللدينونة العامة النهائية. ثانيًا: إن كان اليهود يقبلون الإيمان بالسيد المسيح عند دخول ملء الأمم، فهذا لا يعني انعزالهم ككنيسة مستقلة أو جماعة مستقلة، إنما يصيرون أعضاء متفاعلة معًا في الجسد الواحد. هذا ولا يمكننا أن نقول بأن الكنيسة كما هي الآن كنيسة الأمم. فإن كان كثيرون من اليهود قد رفضوا الإيمان، لكن كثيرين منهم أيضًا قبلوه وكرزوا به، واندمج المسيحيون سواء من أصل أممي أو يهودي معًا كقول الرسول: "لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح، ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 26-28). ثالثًا: إن كان الاختطاف لكنيسة الأمم يتحقق قبل ظهور إنسان الخطية، فمن هم الذين يقاومهم إنسان الخطية؟ هل اليهود؟ وكيف يقبلون الإيمان والكنيسة مختطفة؟ إن سفر الرؤيا يروي لنا الحرب المريرة التي ستعانيها الكنيسة في أيام ضد المسيح، هذه التي سبق فأنبأ بها حزقيال النبي. رابعًا: لو أن كنيسة الأمم تُختطف قبل يوم الدينونة، فهل تعود مرة أخرى في اليوم الأخير؟ إن كان الكتاب يروي لنا اليوم الأخير حيث يظهر فيه فئتان: جماعة الراقدين في الرب الذين يقومون، وجماعة الأحياء الذين يختطفون في ذلك الحين (1 تس 4: 13-18)، فمن أي فئة تكون كنيسة الأمم المختطفة؟ إنهم بلا شك ليسوا براقدين لأنهم اختطفوا أحياء، ولا هم بالأحياء في ذلك الحين إذ يكون الأحياء هم اليهود الذين قبلوا الإيمان بعد اختطاف كنيسة الأمم! فلو صح تفسيرهم لظهرت فئات ثلاث: الراقدون في الرب، المختطفون أي كنيسة الأمم المختطفة، الأحياء من كنيسة اليهود، وهذا أمر لا يتفق والفكر الإنجيلي. خامسًا: إن كان أصحاب هذا الرأي يعتمدون على قول السيد أنه يؤخذ الواحد ويترك الآخر (مت 24: 40-41)، فهذا حديث رمزي يكشف عن تمتع الإنسان الروحي بالانطلاق إلى السيد المسيح في مجده ليكون معه في الميراث، بينما يبقى الآخر كمن في مكانه أي في حرمانه من التمتع بالمجد الأبدي. هذا هو أسلوب السيد نفسه حين يلتقي مع البشرية. فإنه يقول للأشرار "إني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 23)، مؤكداً ذلك في أكثر من موضع (لو 13: 25-27؛ مت 25: 12). فهل يختفي هؤلاء عن معرفة الله؟ يستحيل لكنه لا يعرفهم كأولاد له أو أحباء وورثة للمجد! لقد أراد السيد بقوله يؤخذ الواحد ويترك الآخر تأكيد عنصر المفاجأة في الدينونة، فينعم الواحد بالميراث، ويحرم الآخر منه، دون أن تكون له بعد فرصة لاستدراك الأمر، وذلك كعرضه لهذا اليوم في مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، فإنه لا يوجد باب حقيقي يُغلق ولا مصابيح أو زيت مادي وإنما هي رموز يقدمها الرب ليثير فينا حياة الاستعداد لملاقاته. لهذا بعدما تحدث عن أخذ الواحد وترك الآخر، قال: "اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 24: 41). وواضح أن حديث السيد في هذا المجال كله هو عن اليوم الأخير والدينونة، وليس عن اختطاف يسبق مجيء ضد المسيح. لقد جاء حديثه عن ظهور ضد المسيح سابقًا لأخذ الواحد وترك الآخر (مت 24: 23- 24، 40). حديثه الختامي عن إنسان الخطية يختم الرسول بولس حديثه عن إنسان الخطية بقوله: "حينئذ سيستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه، الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا، ولأجل هذا سيرسل إليهم اللَّه عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب، لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سُرّوا بالإثم" [8-11]. ويلاحظ في كلمات الرسول الختامية عن إنسان الخطية الآتي: أولاً: يقول "حينئذ سيستعلن الأثيم"، وكأن إنسان الخطية الذي يدعى بالأثيم. إذ يثير البشر لارتكاب الإثم وإلى دفع الغير أيضًا لارتكاب ذات الفعل، هذا الأثيم يستعلن. كأنه كان قائمًا في ذهن الشيطان قبل ظهوره، وهو يبذل كل الجهد ويستخدم كل الحيل لظهوره، لكن لا يستعلن إلا حين يسمح الله بظهوره، حين يرفع الحاجز. يمكننا إن صح لنا أن نقول بأن الشيطان قد أدرك ما كان مخفيًا عنه، إذ أدرك أن تجسد الكلمة وعماد السيد وصلبه وموته وقيامته وصعوده، هذه الأمور جميعها إنما تمثل عمل إلهي متكامل كان في ذهن الله منذ الأزل لخلاص البشرية. وأن الله أعد البشرية لقبول هذا العمل الخلاصي خلال الآباء والأنبياء خلال الشريعة والطقوس، خلال الأحداث والرموز. حتى يقدر البشر أن تتقبل خلاصها بالمسيح يسوع في ملء الزمان. إذ أدرك الشيطان ذلك أعد من جانبه خطة مضادة بطلها "ضد المسيح"، لقد أعد له منذ بدء الكرازة بالإنجيل خلال الهرطقات والبدع والفلسفات الإلحادية والأفكار المادية وكل صنوف التشكك لظهور ضد المسيح. لكن الله لم يسمح به ولن يسمح إلا في الوقت المحدد كفرصةٍ نهائيةٍ لعدو الخير إنه يبقى حاميًا للكنيسة من ظهوره إلى ما قبل مجيئه الأخير حتى يكمل الشيطان كأسه، وتتكلل كنيسته التي تذوق الأمرّين منه. ثانيًا: ظهور "ضد المسيح" يمثل رعبًا شديدًا وخطرًا على الكنيسة حتى إن أمكن المختارون أن يضلّوا، وقد رأينا ذلك بوضوح أثناء دراستنا لسفر الرؤيا، ومع ذلك يقول الرسول: "الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه". ماذا يعني الرسول بنفخة فمه التي تبيد ضد المسيح؟ والتي يقول عنها إشعياء النبي: "يضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه" (إش 11: 4). بلا شك يقصد الرسول بنفخة فم السيد "الروح القدس" الذي هو روحه ونفخة فمه، لا يوهب له كنعمة وعطية، إنما هو واحد معه في الجوهر. يقول القديس أمبروسيوس: أن السيد المسيح يبيد "ضد المسيح" بروحه القدوس... [هنا لا ينال نعمة توهب له، إنما يمثل الوحدة التي بلا انقسام، حيث لا يمكن أن يوجد المسيح بدون الروح، ولا الروح بدون المسيح، إذ وحدة اللاهوت لا تقسم.] هذا الروح الإلهي، الذي هو روح المسيح قد قدمه السيد لكنيسته بكونه نفخة فمه، القادر وحده أن يبدد الظلمة وكل أعمال الشيطان، محطمًا قوة إنسان الخطية. لقد نفخ السيد المسيح في وجه تلاميذه وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 22-23). لقد وهب كنيسته خلال خدامها الروح القدس غافر الخطية ومبددها، حتى يستطيع المؤمن أن يقول بكل قوة: "أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية..." (1 كو 15: 55-56). إن كان ربنا يسوع المسيح قد غلب الموت وحطّم الخطية، فإنه وهبنا روحه القدوس الذي يدخل بنا إلى دائرة الصليب، ويثبتنا في المسيح يسوع المخلص، واهبًا إيّانا مغفرة الخطايا، فلا يقدر الشيطان العدو بكل طاقاته أن يقف أمامنا. إن عمل الروح القدس الأساسي في حياتنا هو أن يدخل بنا إلى الشركة مع الآب في ابنه، إذ يخفينا في الابن الوحيد كأعضاء في الجسد المقدس ويثبتنا فيه، فنوجد غالبين ومنتصرين بالمسيح الذي خرج غالبًا ولكي يغلب (رؤ 6: 2). ثالثًا: يقول الرسول: "يبطله بظهور مجيئه". يرى العلامة أوريجينوس أن إنسان الخطية وهو يحمل أعمال الشيطان بكل عنفها وخداعاتها يمثل الكذب الذي لا يمكن أن يكون له وجود بإعلان ظهور مجيء المسيح، أي ظهور الحق. فظهور المسيح يسوع شمس البرّ في أواخر الدهور يقضي تمامًا على ظلمة عدو الخير، ويدفع بها إلى العذاب الأبدي، وإعلان الحق يحطم الكذب. نستطيع أن نقول أن ما يحدث في أواخر الدهور إنما هو امتداد لما يتحقق يوميًا في حياة الكنيسة، فبقدر ما يتجلّى العريس السماوي في حياتها ويعلن بهاؤه، لا يقدر عدو الخير عليها ولا تستطيع الخطية أن تجد لها مكانًا فيها. وكأن عمل الكنيسة كجماعة وكأعضاء هو الاختفاء في المسيح الحق ليتجلّى فيها، فتباد أعمال الظلمة، وتنتهي الجهالة. هذا هو سرّ غلبتنا ونصرتنا، لذا يقول الرسول "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني" (في 4: 13)، كما يقول السيد نفسه: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). رابعًا: يقدم الرسول بولس تعليلاً لظهور إنسان الخطية قبل مجيء السيد الأخير. إذ يقول: "وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا، لأجل هذا سيرسل إليهم اللَّه عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يصدقوا الحق، بل سرّوا بالإثم" [10، 11]. لقد سبق فجاء الحق متجسدًا ولم يعد للإنسان عذر في جهالته، ومع ذلك فقد وُجد أناس لا يصدقوا بل يفرحوا بالإثم. هؤلاء أسلموا أنفسهم للجهل والظلمة، فيسمح اللَّه بإرسال المضلل لا ليضلهم، وإنما ليفضح أعماقهم الشريرة، ويمتلئ كأسهم. وكما يقول الرسول بولس: "وكما لم يستحسنوا أن يبقوا اللَّه في معرفتهم أسلمهم اللَّه إلى ذهن مرفوض" (رو 1: 28). وكأن مجيء إنسان الخطية لا يحطم مجيء الحق إنما يزيدهم تزكية وبهاء. إنه يحطم من حطموا أنفسهم برفضهم الحق وسرورهم بالإثم. بهذا يتحقق قول السيد: "لأن كل من له يعطى فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه" (مت 25: 29). 2. ثباتهم في الرب "وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب أن الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق" [13]. ربما خشي الرسول بولس أن يرتعب السامعون عند سماعهم عن إنسان الخطية، وما يحمله من أعمال شيطانية وخداعات، لهذا أراد أن يبعث فيهم روح الرجاء، معلنًا التزامه بتقديم ذبيحة شكر لله غير منقطعة من أجل خطته الأزلية نحونا، وحبه الإلهي، واختياره لنا، وتقديسنا بروحه القدوس، وتقديم الحق (المسيح) فنقبله! هذا هو دور الراعي الواعي، إذ يبعث الرجاء في حياة المخدومين، فلا ترعبهم حروب الشيطان، ولا هجمات الخطية، ولا كثرة الضيقات القاسية، متطلعين بالحق إلى الله الذي أحبهم فاختارهم مقدمًا الخلاص لهم، ومقدسًا إيّاهم بروحه القدوس ليصدقوا الحق فيهمّ! وكأن الرسول قد سحب بصيرتهم الداخلية من التطلع إلى مرارة الحرب الروحية إلى اكتشاف خطة الثالوث القدوس نحو المؤمنين، مؤكدًا الآتي: أنهم محبوبون من الرب يسوع الذي قدم لهم الخلاص، وأن الآب اختارهم منذ البدء لهذا الخلاص، وأن الروح القدس يقوم بتقديس أرواحهم فتتقبل الحق فيها. لا أريد الدخول في تفاصيل لاهوتية، لكنني أود تأكيد أن عمل كل أقنوم ليس منفردًا ولا منعزلاً عن الأقنومين الآخرين، ولتوضيح ذلك أقول: أولاً: إن كنا محبوبين من الرب يسوع الذي أسلم نفسه لأجلنا (غل 2: 20) فإن الآب "أحبنا وأرسل ابنه كفّارة لخطايانا" (1 يو 4: 10). محبة الله الفاقة جعلته يقدم ابنه مبذولاً عنا، وبذات الحب قدم الابن نفسه طاعة للآب (عب 5: 8) وتحقيقًا لإرادته التي هي واحدة معه. ثانيًا: اختارنا الآب إذ وجدنا أبناء له خلال اتحادنا معه في ابنه الوحيد، فرآنا مقدسين باختفائنا فيه، وبلا لوم قدامه، وكما يقول الرسول: "اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين، وبلا لوم قدامه في المحبة" (أف 1: 14). إن كان الآب بحبه اختارنا في ابنه، فإن الابن أيضًا بذات الحب الإلهي اختارنا أبناء لأبيه. يقول السيد نفسه: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم" (يو 15: 16). هنا يتحدث عن الاختيار للعمل الكرازي الخاص بتلاميذه ورسله، لكنه ينطبق بالأولى على المؤمنين في اختيارهم للبنوة لله والتمتع بخلاصه المجاني. ثالثًا: تحدثنا في الرسالة السابقة عن تقديس الروح، بكونه خاص بأقنوم الروح القدس، لكن دون انفصال عن الأقنومين الآخرين. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [الآب يقدس (1 تس 5: 23، يو 17: 17)، والابن أيضًا يقدس (1 كو 1: 30)، والروح القدس يقدس. لكن التقديس واحد، فإن المعمودية واحدة ونعمة السر واحدة.] يكمل الرسول حديثه عن عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين كمختارين للخلاص ومقدسين في بالروح القدس، قائلاً: "الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح" [14] لقد قدم لنا الوسيلة كما الغاية. فليس من طريق لتحقيق هذا الهدف الإلهي فينا كمختاري الرب المقدسين إلا الإنجيل، أي الكرازة بالخلاص خلال الصليب. ويدعوه الرسول "إنجيلنا"، مع أنه لم يكتب أي سفر من الأناجيل الأربعة. لكنه يعتبر كلمة الكرازة التي ينطق بها ويعيشها في حياته إنما هي إنجيله الحيّ الذي ينعم به. أما الغاية فهي اقتناء مجد ربنا يسوع المسيح الذي ننعم بعربونه خلال جهادنا الروحي، لكي ندخل إلى كماله عند مجيئه الأخير. إن كان الله لم يبخل علينا بشيء، فقد أحبنا واختارنا ووهبنا تقديس الروح مقدمًا لنا "الحق" ذاته يسكن فينا، واهبًا إيّانا إنجيل الخلاص كطريقٍ للتمتع بمجد ربنا يسوع المسيح، فان هذا كله إنما يدفعنا للجهاد متمسكين بالتقاليد الحيّة التي قدمت لنا خلال الرسل، إذ يقول الرسول: "فاثبتوا إذن أيها الإخوة، وتمسكوا بالتعاليم (التقاليد) التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا" [15]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بقوله: [ليتنا نفكر في تقليد الكنيسة أنه مستحق كل تقدير، إنه تقليد فلا نفكر في شيء آخر.] لنتمسك بالتقاليد الشفوية والكتابية التي تسلمها الرسول وسلّمها لهم، ليعيشوا إنجيل ربنا يسوع كحياة إيمانية عملية تترجم خلال العبادة والسلوك. التقليد أو التسليم الذي تسلمناه ليس "محاكاة للماضي" لمجرد أنه ماضٍ. لكنه هو وديعة الإيمان الحيّ المعلن خلال "الاتحاد مع الله الآب في ابنه يسوع المسيح خلال الروح القدس". هذا الإيمان يترجم عمليًا خلال القوانين الكنسية غير الجامدة وطقس العبادة الروحية والسلوك الداخلي والتصرف مع الآخرين. إنه يُترجم عمليًا في أعماق النفس وأفكار الذهن وتصرفات الجسد. يختم الرسول وصيته لهم بالثبات في الرب والتقليد الكنسي بصلاة قصيرة يقدمها عنهم لكي تسندهم، إذ يقول: "ربنا يسوع المسيح والله أبونا الذي أحبنا، وأعطانا عزاء أبديًا، ورجاء صالحًا، بالنعمة يعزي قلوبكم، ويثبتكم في كل كلام وعمل صالح" [16-17]. إنه يرفع قلوبنا إلى الآب أبينا وربنا يسوع المسيح الذي يعمل في القلب كما في الفم وفي التصرف، لنحيا كما يليق بإنجيل السيد المسيح الذي ننعم به خلال التقليد، مقدسين في الفكر والأحاسيس، كما في الكلام والعمل. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثانى موضوع هذا الإصحاح هو إنسان الخطية الذي يعتبر إحدي النبوات الرئيسية في العهد الجديد. وأن مجيئه يسبق مجئ المسيح. الآيات (1-2):- "1ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، 2أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ. " توهم التسالونيكيين أن يوم الرب أقترب وذلك: 1. بفهم خاطئ للرسالة الأولي. 2. لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ = إدعى المعلمين الكذبة أن عندهم وحى بهذا. 3. وَلاَ بِرِسَالَةٍ = زوروا رسالة ونسبوها إلي بولس الرسول بأن اليوم قريب. فارتاعوا بسب ذلك. فأرسل لهم هذه الرسالة وأعطاهم علامة علي الرسائل الحقيقية التي يرسلها هو (راجع 2 تس 3 : 17، 18). الآيات (3-4):- "3لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، 4الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ. " كلمة ارْتِدَادُ في اليونانية تعني ثورة عسكرية وتمرد عسكري سياسي وعصيان، والمقصود ثورة علي المسيح. عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا = يبطل كل عبادة سواه. وهذا نص ما ذكره دانيال النبي في (دا 11 : 36) عن الملك المتأله وغالباً هو الوحش فى سفر الرؤيا (ص 13، 16، 19، 20) وهو ضد المسيح في رسائل معلمنا يوحنا الحبيب. الْمُقَاوِمُ = فهو سينطق بما هو ضد العلي ويتجاسر بإرتكاب أعمال شريرة ضد المسيحيين. يتركز فيه كل ارتداد شيطاني، ويخادع الناس بأنه إله، وفي كبرياء يثير الناس ضد الله. وقد ساد في القرون الأولي إعتقاد أن هذا الإنسان يظهر بعد زوال الدولة الرومانية، وأن الإمبراطور الروماني هو القوة المقاومة لظهوره لذلك صلوا ليستقر الإمبراطور علي كرسيه وتبقي الدولة الرومانية. وحدد بعض الآباء أنه سيكون يهودياً ومن سبط دان. وقال البعض من الآباء أن كثيرين من المقاومين لله وللمسيح كانوا رمزاً له مثل أنطيوخس أبيفانيوس آخر الملوك اليونان الذين حكموا اليهود، ونيرون الذي حسب نفسه إلهاً. إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ : هو عكس المسيح فالمسيح هو استعلان للبر، فيه تشخيص كمال البر الإلهي، من يقتنيه إنما يقتنى بر الله فيه، أما هذا فتتشخص فيه الخطية ببث روح الشر في أتباعه، وفي أنه يقاوم كل بر حقيقي. ابْنُ الْهَلاَكِ = هو هالك ويسعي لاهلاك البشر، ففيه كل قدرة الشيطان (رؤ 13 : 2)، هو ابن لإبليس يعمل أعمال أبيه (يو 8 : 44) + (1 يو 3 : 10). والشيطان هلك لاعتزاله الله، من يسير وراء الشيطان يهلك فهو سيعتزل الله، أتباع الشيطان يحملون صورته ويكونون علي مثاله محبين لهلاك الناس، كما يحمل أبناء الله صورة الله. وإنسان الخطية هو إنسان حقيقي يلبسه الشيطان ليعمل فيه بكل طاقته حتي إن أمكن يضل حتي المختارين (مت 24 : 24) + (رو 13 : 2). ولاحظ أن المسيح أخلي ذاته في إتضاع عكس هذا المتكبر الذي يدعي الألوهية. وهناك من فسر عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا = أنه سيحتقر كل المراكز العالمية والقضاء فالمزمور والذي استخدمه السيد المسيح الم اقل انكم آلهة قيل عن الملوك والقضاة. ويقول القديس أغسطينوس أن اليهود سيقبلون هذا الإنسان علي أنه المسيح "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني، إن أتي أخر باسم نفسه (إنسان الخطية) فذلك تقبلونه" (يو 5 : 43)، وباسم نفسه أي يطلب مجد نفسه في كبرياء. وهم سيقبلونه إذ يظنون أنه في كبريائه وعظمته قادر أن يعطيهم مجد العالم وحكم العالم. هَيْكَلِ اللهِ: يري بعض الأباء ومنهم كيرلس الكبير أن ضد المسيح يقوم بتجديد الهيكل اليهودي في أورشليم كمركز لعمله. ويري ذهبي الفم وأغسطينوس وغيرهم أنه يتربع في هيكل الكنيسة المسيحية. وهناك رأي أن المؤمن هو هيكل لله، تقدس بالمعمودية، أما هذا فسيفسد قلوب الناس ويملأها شر لحسابه. إذاً إنسان الخطيئة هو إنسان حقيقي يظهر قبيل مجيء المسيح، ليقيم نفسه إلهاً ويقاوم الكنيسة المسيحية كضربة نهائية من قبل الشيطان قبل أن يحتضر بأعلان ملكوت الله الأبدى، وهو سيثير حركة إرتداد عن الإيمان ويقاوم هو وأتباعه كل حق ويقفون ضد الله ويدنس المواضع المقدسة دا 11 : 30، 31 والرسول يطلب من التسالونيكيين أن لا يظنوا أن يوم الله أتي قبل أن يظهر هذا الإنسان، ويرتد الكثيرين وسماه إنسان الخطية لأنه يصنع شروراً لا حصر لها ويثير الآخرين لفعل ذلك، وهو إبن الهلاك فهو سيَهلك بل سيُهلك معه كل من تبعه ويكون سبباً في هلاك كثيرين. ويدعي المقاوم لأنه يقف ضد الله والمرتفع إذ يقيم نفسه إلهاً. آية (5):- "5أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ، كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هذَا؟ " يظهر من هذا القول أن الرسول سبق فحدثهم عن إنسان الخطية حين كان حاضراً عندهم يكرز بالإنجيل، فعلي من يؤمن أن يفهم أنه عبر العصور سيقاوم إبليس الله وكنيسته، بل هذا سيحدث حتي النهاية. وهذا ما نبه له السيد المسيح بأن هناك مسحاء كذبة يقومون (مت 24 : 23 – 25). الآيات (6-7):- "6وَالآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ. 7لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ. " وَالآنَ تَعْلَمُونَ = مما كنت شرحته لكم وأنا عندكم. مَا يَحْجِزُ = الرسول كتب بطريقة غامضة عن قوة ستظهر أو ظهرت في التاريخ ستكون مانعة لظهور هذا الأثيم، ولكنها حينما تنتهي سيظهر ضد المسيح. لذلك فهم الآباء أنها الدولة الرومانية، ولكنها أى قوة ؟ لا نعلم، لكن يبدو أن الرسول في تعليمه لأهل تسالونيكي كان أكثر وضوحاً. وأصحاب رأي الدولة الرومانية يقولون أنه كما أن مملكة الفرس قامت علي أنقاض مملكة بابل ومملكة اليونان قامت علي أنقاض مملكة الفرس ومملكة الرومان قامت علي أنقاض مملكة اليونان هكذا ستقوم مملكة ضد المسيح علي أنقاض دولة الرومان، ويكون ذلك قبل مجئ المسيح ليملك علي كنيسته للابد. وأصحاب هذا الرأي يقولون أن بولس أخفي اسم الدولة الرومانية كحاجز حتي لا يثير الإمبراطور الروماني بقوله ان دولته ستنتهى. ولكن الدولة الرومانية إنتهت منذ زمن بعيد ولم يأتي ضد المسيح هذا، لذلك نفهم أن قوة أخري أو هرطقة أخري غالباً هي بدعة أريوس التي أنكرت الوهية المسيح هي ما يقصدها الرسول ولم يشأ توضيح الآمر. وما علينا أن نسكت حتي يستعلن في وقته كما يقول الرسول، فإن كان الله أراد إخفاء شيئاً ما، فعلينا أن نصمت و نراقب. ولكن ما نفهمه أن إنسان الخطية هو محتجز الأن بأمر إلهى، إذ الشيطان مقيد الآن ولكن في الأيام الأخيرة يطلق الشيطان، فيعطي كل قوته وقدرته لضد المسيح ليصب الشيطان كل جامات غضبه على الكنيسة، وسيقيم نفسه فى أورشليم (رؤ 11) ولكن الله لن يترك شعبه دون تدخل بل يرسل نبييه إيليا وأخنوخ ويمكننا أن نري الآن مقدمة لذلك في إنتشار الأفكار الإلحادية والفلسفات المقاومة للحق، تحتل قلوب بعض المؤمنين بدلاً من أن تكون هيكلاً لله. وبمقارنة هذا مع (رؤ 17 : 7 – 11) نفهم أن ضد المسيح سيكون ثامناً لسبعة ممالك، كل مملكة قامت علي أنقاض الأخرى وهي مصر / أشور / بابل / الفرس / اليونان / الرومان وكلها قاومت شعب الله أما ضد المسيح فسيخرج بعد القوة السابعة وهي غالباً. الهرطقات التي خرجت بعد الدولة الرومانية. لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ = منذ بداية المسيحية هاج الشيطان وبدأ فى العمل علي هدم ملكوت الله سواء بتشكيك أو بهرطقات أو إثارة شهوات وخطايا، ولكن في نهاية الأيام ستكون الحرب علناً. فكلمة سر هي في مقابل استعلان أو يستعلن، فالشر يعمل الأن ولكن خفية، أما حين يظهر ضد المسيح فسيكون علانية. ما قبل ضد المسيح كان المسحاء الكذبة يعملون العداء للمسيحيين سراً وبالخديعة، وأما أعمال الدجال فستظهر علانية (1يو 2 : 18). الخلاصة أن هناك أضداد كثيرين للمسيح يعملون الآن سراً ولكن سيأتي الوقت المناسب حين ينزع حاجز ما (لا نعلمه) فيظهر ضد المسيح علناً ولكن بشاعة ما يفعله ضد المسيح علانية تتضاءل أمامه كل أعمال الشيطان السابقة. الاختطاف أحد الآراء والتى ترفضها كنيستنا تقول أن المحتجز هنا هو كنيسة الأمم التي تحجز حتي تكمل أما رفع الحاجز من الوسط فيعني عند اصحاب هذا الرأي إختطاف كنيسة الأمم مع عريسها لكي يأتي الارتداد ويستعلن إنسان الخطية، عندئذ يقبل اليهود الإيمان في آخر الازمنة (رو 11 : 25، 26). ويستند هؤلاء علي قول المسيح حينئذ يكون إثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر (مت 24 : 40، 41). ويقولون أن كنيسة الأمم ستختطف قبل الارتداد. وترفض كنيستنا هذا الرأي للأسباب الآتية:- 1. القول بأن الإختطاف يتحقق قبل مجئ السيد المسيح الأخير، بل وقبل ظهور إنسان الخطية إنما يعني ظهور السيد 3 مرات: أ‌. عند تجسده. ب‌. قبل ظهور الخطية لاختطاف كنيسة الامم. ت‌. للدينونة. ومن أصحاب هذا الرأي الأدفنتست أي المجيئيين. ولكن السيد المسيح كما نفهم من باقي الكتاب المقدس سيأتي مرة واحدة للدينونة العامة. 2. إن كان اليهود يقبلون الإيمان بالسيد المسيح عند دخول ملء الأمم، فهذا لا يعني انعزالهم ككنيسة مستقلة، إنما يصيرون أعضاء متفاعلة معاً في الجسد الواحد، فالكنيسة الآن ليست كنيسة الأمم، بل هي كنيسة واحدة جمعت الأمم واليهود واندمج الجميع (غل 3 : 26 : 28). 3. إن كان الاختطاف لكنيسة الأمم يتحقق قبل ظهور إنسان الخطية فمن هم الذين يقاومهم إنسان الخطية، هل اليهود ؟ وكيف يقبلون الإيمان والكنيسة مختطفة ؟ إن سفر الرؤيا يروي لنا الحرب المريرة التي ستعانيها الكنيسة فى أيام ضد المسيح. 4. حدد بولس الرسول فئتان عند مجئ المسيح: أ‌. الراقدين. ب‌. الأحياء وذلك في (1تس 4 : 13 – 18). فمن أي فئة تكون كنيسة الأمم المختطفة، هم ليسوا بأحياء فالأحياء بحسب نظرية الإختطاف هم اليهود الذين آمنوا، وهم ليسوا براقدين لأنهم اختطفوا أحياء. نحن الآن أمام 3 فئات وهذا ضد ما قاله الرسول. 5. حديث المسيح عن "يكون إثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر" معناه أن الإنسان الروحي ينطلق إلي السيد المسيح في مجده ليكون معه في الميراث بينما يبقى الآخر كمن فى مكانه أى فى حرمانه من المجد الأبدى. ولكن كلام السيد معناه أنه يكون فى مجئ المسيح عنصر المفاجأة ، فينعم الواحد بالميراث ويحرم الآخر منه، أحاديث المسيح رمزية عن هذا اليوم فزيت العذاري ليس زيتا حقيقياً ولا هناك مصابيح حقيقية للعذاري. 6. قال السيد صلوا لئلا يكون هربكم فى سبت فهل الأشرار سيصلون وهل تقبل صلواتهم وصلاة الأشرار مكرهة للرب. 7. يقول الكتاب: أ‌. يضل ولو أمكن المختارين (مت 24 : 24). ب‌. من أجل المختارين تقصر تلك الأيام (مت 22 : 24) إذاً المختارين سيكونون موجودين وقت الضيقة. 8. صورة النهاية كما نراها فى (يو 5 : 28، 29) يقوم الصالحين إلى قيامة الحياة والذين صنعوا السيئات إلى قيامة الدينونة. إذاً هناك فئتين فقط وإتجاهين للناس: أ‌. إما قيامة الحياة. ب‌. أو قيامة الدينونة ولا مكان للإختطاف. آية (8):- "8وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ. " حِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ= أى حينما تختفى هذه القوة الغامضة التي كانت تقاوم مملكة المسيح سراً. ويسميه الأثيم لأن ما يثيره الشيطان من إثم عبر العصور يتجلى علانية في إنسان الخطية، لقد ظل إبليس منذ بدأت الكرازة يثير كل أصناف التشكيك والهرطقات ويريد ان يستعلن ضد المسيح هذا، ولكن كان الله يمنعه إلي أن تزول هذه القوة فيستعلن ضد المسيح، الله لن يسمح به إلا في الوقت المحدد ولكن سيظهر قليلاً ثم الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ = هكذا تحول تمثال نبوخذ نصر إلي عصافة حملتها الريح فلم يوجد لها مكان، والتمثال إشارة لممالك هذا العالم، إذاً نهاية هذا الأثيم هي نهاية لهذا العالم بصورته الحالية تمهيداً لظهور ملكوت الله. راجع (دا 2) + (أش 11 : 4) + (رؤ 19 : 15). يُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ= كل أعمال الشيطان وخداعات لا تثبت حين يظهر الله. الآيات (9-10):- "9الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، 10وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. " الشيطان يعلن مملكته ببث طاقاته فيه (في إنسان الخطية) فيضلل الناس وينحرف بهم عن الحق إلى مملكة الظلم. هو فى خداعه سيحاول أن يتشبه بالمسيح، فيصنع ما يسمي معجزات وعجائب لكنها كاذبة لأنها من صنع إبليس المخادع الذي يدعي الكذاب وأبو الكذاب، هو يصنعها في كبرياء وليس في محبة كالمسيح، والشيطان قادر أن يصنع أعاجيب، بل ان يظهر في هيئة ملاك نور (2 كو 11 : 14). وسفر الرؤيا يحدثنا أنه يشفي جرح أحد تابعيه ويجعل ناراً تنزل من السماء ويجعل صورة تتكلم (رؤ 13 : 12 – 15). لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ = هؤلاء يحبون الكذب، ولهم الاستعداد لقبول الكذب، هؤلاء يتركهم الله حتي يصدقوا الكذب، ومن يسرون بالضلال يسر الله بأن يسلمهم للضلال، لضلالهم. فالمسيح حين جاء جذب إليه محبى الحق، وضد المسيح حين يجئ بجذب إليه محبي الضلال. الآيات (11-12):- "11وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ، 12لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ. " لماذا يسمح الله بفك الشيطان من أسره وظهور هذا الأثيم ؟ لسبب واحد، أن الناس سيكونون رافضين لله طالبين الشر والخطية والرب يعطيك حسب قلبك ويتمم مشورتك (مز20: 24)، والناس الآن صاروا لا يريدون المسيح بل يريدون الشر فسيعطيهم الله بحسب قلبهم سيرسل إليهم الله عمل الضلال حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِابَ = والله بهذا يفضح أعماقهم الشريرة ويمتلئ كأسهم = لِكَيْ يُدَانَ هذا الأثيم سيحطم من حطموا أنفسهم بأنفسهم بسرورهم بالاثم ورفضهم للحق (رو 1: 28) + (مت 25 : 29). آية (13):- "13وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ. " حتي لا يرتاعوا من هذه الأخبار، فهو يطمئنهم ويشكر الله لأجلهم أن الله أختارهم للخلاص بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ = تقديسنا أي تخصيصنا أو تكريسنا لله بروحه القدوس. وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ = أي تقديم الحق (المسيح) ليقبلوه. الآب قدم لهم الابن الحق فقبلوه وصدقوه. لاحظ عمل الثالوث فالله الآب يختار للخلاص والإبن يخلص بدمه، والروح القدس يقدس أرواحنا فتقبل الحق (الابن) فتدخل إلي حضن الآب بالمسيح. آية (14):- "14الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. " الإنجيل وكرازة بولس كانت هي إنجيل الخلاص، كان دعوة لمن قد إختاره الآب وليخلصه الابن ويقدسه الروح القدس فيتمجد مع الإبن. آية (15):- "15فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا. " الله لم يبخل علينا بشيء، فقد أحبنا و اختارنا وخلصنا ووهبنا تقديس الروح مقدماً لنا الحق ذاته يسكن فينا، واهباً إيانا إنجيل الخلاص كطريق للتمتع بمجد ربنا يسوع المسيح، فماذا نقدم لله مقابل هذا ؟ فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (التقاليد) = فلنتمسك بتقاليد الكنيسة سواء شفوية أو كتابية هذه التي سلمها بولس الرسول لأهل تسالونيكي لنعيش إنجيل ربنا يسوع كحياة إيمانية عملية تترجم خلال العبادة و السلوك. التقليد الذي تسلمناه ليس محاكاة للماضي لمجرد أنه ماضي، لكنه هو وديعة الإيمان الحي. الآيات (16-17):- "16وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ، 17يُعَزِّي قُلُوبَكُمْ وَيُثَبِّتُكُمْ فِي كُلِّ كَلاَمٍ وَعَمَل صَالِحٍ. " نلاحظ هنا أن الرب يسوع يأتي ذكره قبل الله الآب وهذا يدل علي المساواة التامة. والرسول هنا يختم وصيته لهم بالثبات في الرب والتقليد الكنسي بصلاة قصيرة يقدمها عنهم لكي تسندهم. كما يصلي عنهم نجده في بداية الأصحاح الثالث يطلب صلواتهم عنه، هنا نري دور العلمانيين ومشاركتهم في الخدمة بصلواتهم عن الخدام.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى إنسان الخطية والثبات فى الإيمان (1) إنسان الخطية وتأجيل ظهوره ع 1 - 8 : ع 2 ، 1 : روح : إنسان يحدد ميعاد المجئ الثانى0 كلمة : خبر يصل إليكم0 رسالة كأنها منا : خطاب مكتوب من معلمين كذبة وليس من الرسل0 بخصوص يوم المجئ الثانى واجتماع البشر أمام المسيح ، ينبه بولس أهل تسالونيكى إلى عدم تصديق الإشاعات والتعاليم الكاذبة التى تحدد الميعاد0 ويقصد بهذا تثبيتهم فى الإيمان وإبعاد الرعب عنهم ليتفرغوا للعبادة والقيام بمسئولياتهم بهدوء ، لأنَّ بعض المعلمين الكذبة استغلوا كلام بولس فى الرسالة الأولى عن الإستعداد للمجئ الثانى فحددوا ميعاداً له0 + ليتنا لا ننشغل بميعاد المجئ الثانى فقد يسبقه انتهاء عمرنا بالموت وهذا يمكن أن يحدث فى أى وقت0 فلنهتم إذاً بالإستعداد للأبدية بالتوبة وعمل الخير خاصة مع من يسيئون إلينا0 ع 3 : يؤكد بولس تحذيره من خداع المعلمين الكذبة عن تحديد ميعاد للمجئ الثانى ، ويُعطى علامتين واضحتين تحدثان قبل مجئ المسيح وهما : 1- إرتداد عام ، أى أنَّ كثير من المؤمنين يُنكرون ويرجعون عن إيمانهم بالمسيح وليس نفر قليل كما يحدث فى جميع العصور0 2- ظهور إنسان الخطية ويقصد به ضد المسيح الذى يلقبه بابن الهلاك الذى ينتظره عذاب أبدى فظيع لأنه يُعثر ويبعد الكثيرين عن الإيمان0 ع 4 : من صفات إنسان الخطية أنه يُقاوم الله ويتعالى على كل ما يدعى إلهاً أو معبوداً ، هذا الشخص الأثيم يجلس فى هيكل الله ويمنع عبادته ، ويدَّعى أنه إله وأنَّ مقامه فوق مقام الإله الحقيقى مطالباً لنفسه بالكرامة والطاعة الخاصة بالله وحده0 ع 5 : قد سبق الرسول بولس وأخبرهم بهذا الكلام عندما كان عندهم ، فيحثهم على تذكر ما قيل لهم من قبل0 ع 6 : ما يحجز : العوائق التى يضعها الله لمنع ظهور إنسان الخطية0 الله لا يسمح لإنسان الخطية ، أى ضد المسيح ، أن يظهر حتى يأتى الوقت المحدد فى فكر الله ، وذلك ليعطينا فرصة للإستعداد والثبات فيه وانتشار الإيمان فى العالم كله ؛ حتى إذا قام إنسان الخطية وأعلن نفسه أنه هو الله وانتشر خبره فى العالم كله لا يهتز المؤمنون بالمسيح أو ينساقون وراءه0 ع 7 : سر الإثم : الشيطان الذى يعمل فى الخفاء فى قلوب الناس ليبعدهم عن الله0 يُرفع من الوسط الذى يحجز الآن : يزيل الله ما يمنع ضد المسيح من الظهور أى يسمح له بالظهور0 يُعلن القديس بولس أنه وإن كان إنسان الخطية يمنعه الله من الظهور الآن ، ولكن سمح الله للشيطان أن يعمل محاولاً إبعاد أولاده عنه بالشرور المختلفة ولكن فى نفس الوقت قوة الله تسندهم وتُثبتهم0 فالآن فرصة لاكتشاف حيل إبليس ومقاومتها حتى إذا ظهر ضد المسيح الذى سيعطيه الشيطان كل قوته نكون أقوياء ولا نضل وراءه0 ع 8 : الأثيم : إنسان الخطية أى ضد المسيح0 بعد ظهور ضد المسيح ليضل الناس ، سيظهر المسيح فى مجيئه الثانى ويلقيه فى العذاب الأبدى0 (2) الشيطان يعمل من خلال الأثيم ع 9 - 12 : ع 9 : يُرسل الشيطان عملاءه لمساعدة الأثيم أى " ضد المسيح " بكل قوة ، فيعمل معجزات مدهشة ولكنها كاذبة ، مثل التى قام بها سحرة فرعون0 ع 10 : سيحاول ضد المسيح أن يغرى بالشر أولئك الذين مصيرهم الهلاك ، الذين ينجذبون إلى تعاليم ذلك الأثيم بعد أن رفضوا التعليم الحق الآتى من عند الله0 ع 11 ، 12 : سيسمح الله للشيطان أن ينشر الضلال والخداع ، فيصدقه الأشرار والغير ثابتين فى الإيمان أو السطحيون فى علاقتهم مع الله ويتبعوا ضد المسيح0 أمَّا أى إنسان مهما كان ضعيفاً وتمسك بالكنيسة والتوبة فسيخلصه الله ويدين كل من صدَّق تعاليم ضد المسيح وفرح بها0 + تمسَّك بتعاليم الكنيسة وخضوعك لأب اعترافك حتى لا يبهرك الشر أو يخدعك أى تعليم غريب0 وعلى قدر اهتمامك بالصلاة سيكشف لك الله الشر ويبعدك عنه0 (3) الثبات فى الإيمان ع 13 - 17 : ع 13 : تقديس الروح : تخصيص الحياة بواسطة الروح القدس لتكون لله0 تصديق الحق : الإيمان بالمسيح0 يشكر الرسول الله على إيمان أهل تسالونيكى ويطمئنهم أنهم مختارون من الله وعرفوا الإيمان حتى لا ينزعجوا من أخبار إنسان الخطية0 ع 14 : الأمر الذى دعاكم إليه : الإيمان بالمسيح وتقديس الحياة له0 إنجيلنا : بشارتنا لكم0 مجد ربنا : البركة فى الحياة على الأرض ثم الملكوت الأبدى0 يوضح أهمية الخلاص الذى دعاهم إليه ببشارته حتى ينالوا ملكوت السموات0 ع 15 : يحثهم الرسول على الثبات والتمسك بالتعاليم التى تسلموها وعدم التزعزع عند سماع التعليم الذى أدخله المعلمون الكذبة وأزعجهم وهو أنَّ يوم الرب قد حضر0 وفى الترجمة الأصلية للإنجيل " تمسكوا بالتقاليد التى تسلمتموها " ، وهذا يدل على أهمية التقليد الشفاهى الذى تتمسك به الكنيسة ، ويتضح ذلك أيضاً من قول الرسول فى نفس العدد " سواء كان بالكلام أم برسالتنا "0 و " الكلام " هو غير المكتوب ، أى التقليد الشفاهى والذى يُضاف إلى ما هو مكتوب فى رسالته0 ع 16 ، 17 : هنا يأتى إسم الرب يسوع أولاً ، مما يدل على ألوهية المسيح وتساوى الأقانيم0 يُعلن القديس بولس أنَّ الله الذى ساند أهل تسالونيكى فى الضيقات وأعطاهم رجاء فى الملكوت الذى سيكافئهم فيه على احتمالهم ، سيظل معهم يفرَّح قلوبهم ويُثبتهم فى الإيمان أمام التعاليم الكاذبة المحيطة بهم ويُنميهم فى عمل الخير0 + اُنظر إلى عمل الله ومساندته لك حتى يتقوى قلبك بالشكر له وتنمو فى محبتك وخدمتك لمن حولك ، وبهذا تكون محصناً أمام الشرور والأفكار الغريبة التى يُنادى بها الشيطان0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح