كلمة منفعة
الشخص الروحي يدرك أن حياته على الأرض مسئولية.حياته رسالة. وسيسأله الله كيف كانت حياته مثمرة، ومنتجة، ونافعة لكل من أتصل بها سيسأله الله عما فعل، وعما كان بإمكانه أن يفعله ولم يفعله..
— الإحساس بالمسئولية
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
فيلبى - الاصحاح رقم 2 فيلبى الإصحاح رقم 2 الإصحاح الثاني فرح في الخدمة الباذلة تكلفة الخدمة المفرحة: "أخلى نفسه" لم يشغل السجن ولا القيود فكر القديس بولس، إنما إذ حمل في أعماقه السيد المسيح، واهب الحياة، أشع بروح الفرح على مخدوميه وسط آلامه وآلامهم. لذا تحدث عما اقتناه في داخله من حياة شكرٍ وحبٍ وفرحٍ وشعورٍ بالنصرة وتمتعٍ بالحياة الجديدة مع إدراكه لسرّ القوة، وتحديه لقوات الظلمة. وقد جاء هذا الأصحاح يكشف عن الفرح الذي تمتع به الرسول بالخدمة والبذل بروح الحب والوحدة لحساب ملكوت المسيح، بالرغم من وجود مقاومات ومتاعب كثيرة. يا له من تخطيط إلهي فائق! من أجل البشرية أخلى الابن الوحيد الجنس ذاته وأخذ شكل الإنسان. احتل رب الكل مركز العبد وتواضع بالأكثر إذ وهو واهب الحياة أطاع حتى الموت. واجه موتًا مشينًا هو موت الصليب، كثمنٍ إلهيٍ لحياتنا الجديدة المفرحة فيه. خلال هذه الخبرة اقتبس القديس بولس في داخل السجن تسبحة كنسية [1-11] ليتغنى بتواضع المسيح كطريقٍ ملوكي لبلوغ المجد، ويٌحتمل أنه هو واضع هذه التسبحة. تضم هذه التسبحة ثلاثة عناصر بدائية تشير إلى استخدامها في الليتورجيا الخاصة بالعماد: * الاعتراف بالإيمان القائم على القيامة. * سمو اسم يسوع الذي هو رب الكل. * تشكيلنا على شبه ربنا يسوع الذي هو صورة الآب. 1. حياة جماعية متهللة 1-4. 2. المسيح القائد والمثل الأعلى 5-11. 3. أضيئوا في العالم 12-15. 4. حب وفرح للراعي والرعية 16-30. 1. حياة جماعية متهللة ختم الرسول بولس الأصحاح السابق بالحث على الجهاد المشترك بروح الحب والوحدة. الآن يقدم لهم السيد المسيح نفسه، خادم كل البشرية مثالاً فريدًا في التواضع والحب الفائق، الذي تمجد ومجد الآب بتواضعه وبذله. وهو في هذا يحث الشعب على الحب العملي المشترك. "فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبّة، إن كانت شركة ما في الروح، إن كانت أحشاء ورأفة" [1]. بقوله: "فإن" تعني أن الحديث هنا هو امتداد للحديث السابق. وبقوله: "إن كان" لا يعني هنا الشك، إنما بالعكس جاء يحمل اليقين أنه ليست "تعزية" أو "كلمة وعظ" إلا في المسيح. وكأنه طالما يوجد وعظ، يجب أن يكون في المسيح. ويقصد بالوعظ هنا التشجيع والإقناع العقلي, ليهذب نفوسنا ويثبتنا في الإيمان. + ليس شيء أفضل ولا أكثر رقة من المعلم الروحي، مثل هذا يفوق حنو أي أبٍ طبيعيٍ (حسب الجسد)! تأملوا كيف يتعامل هذا الطوباوي مع أهل فيلبي فيما هو لصالحهم. أنظروا كيف يتحدث بغيرةٍ متقدةٍ وعاطفةٍ شديدةٍ! "إن كانت راحة ما في المسيح" وكأنه يقول إن فعلتم أي شيء لحسابي، وإن أظهرتم لي أي اهتمام، إن كنتم تتقبلون أي صلاح من يدي، افعلوا هذا (في المسيح)... إنه لا يذكرنا بمنافع جسدية بل روحية. بمعنى إن أردتم أن تقدموا لي راحة في تجاربي وتشجيعًا في المسيح، وأية تعزية للمحبة، إن أردتم إظهار أية شركة في الروح، إن كانت لكم أحشاء ورأفة، فإنكم بهذا تحققون فرحي. القديس يوحنا الذهبي الفم "تسلية ما للمحبة" يقصد الرسول بالتسلية التعزية والمواساة. فإن مخلصنا الصالح عندما يعزينا ينزع آلامنا الخفية مهما كانت قوتها, ويهبنا الراحة الحقيقية التي ما بعدها راحة. "شركة ما في الروح" تجمع الشركة المسيحية أبناء الله، وتربطهم بربط المحبة والبذل. إن كانت شركة بين المؤمنين فهي في الروح القدس. "إن كانت أحشاء ورأفة"... المقصود بالأحشاء والرأفة المشاعر الداخلية الدقيقة والأحاسيس المرهفة النابعة عن المحبة واللطف والوداعة والشفقة والعطف. إن كنتم تتوقعون رأفة الله ومراحمه، فلتقدموا رحمة ورأفة لبعضكم البعض. "فتمّموا فرحي حتى تفتكروا فكرًا واحدًا، ولكم محبّة واحدة بنفس واحدة، مفتكرين شيئًا واحدًا" [2]. + انظروا إنه لم يقل "اجعلوني فرحًا" بل قال: "تمموا فرحي" حتى لا تبدو الوصية كأنها مقدمة لأشخاص معيبين. إنه يقول: لقد بدأتم تغرسون هذا فيٌ، لقد قدمتم لي بالفعل نصيبًا من السلام، لكنني أود البلوغ إلى كماله. القديس يوحنا الذهبي الفم يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أهل فيلبي يودون أن يقدموا للرسول راحة وتعزية وشركة في الروح وحنوًا ورأفة. هنا يوجههم أن يمارسوا كل هذه الأمور أولاً كما يليق في المسيح يسوع بطريقة روحية، ثانيًا أن يحملوا وحدة الروح والحب المتبادل فيما بينهم بهذا يتحقق فرحه، وينال كل ما يبغونه له. يسألهم أن يحققوا له فرحه، الذي لن يتحقق إلا بوحدتهم وحبهم لبعضهم البعض. وكأنه يقول لهم إن كنت أكرز لكم بإنجيل المسيح لخلاصكم، فلتكونوا مصدر فرحٍ كاملٍ لي. حقًا إني مسرور بكم، لكنني محتاج إلى البلوغ إلى كمال الفرح الذي لن يتحقق إلا بأن يكون لكم الفكر الواحد، ولكم ذات الحب. هذه الرسالة هي رسالة فرح, والفرح يمثل الخط الذهبي الذي جُدلت به كلمات الرسالة، لكن كيف نتمم فرح الرسول؟ 1- بالفكر الواحد: بأن يفكر كل واحد فينا فيما هو لأخيه، ونكون مستعدين للتنازل عن أفكارنا الخاصة الخاطئة، عندئذ نصل إلى الفكر الواحد. يتحدث بولس الرسول عن اتفاق تلاميذه معًا بأنه يُحسب حنوًا يُقدم له شخصيًا، مظهرًا بهذا مدى الخطورة العظيةم جدًا متى كانوا ليسوا بفكرٍ واحدٍ. 2- بمحبةٍ واحدةٍ: المحبة تستر كثرة من الخطايا، وهي رباط الكمال. عندما نحب الآخرين عندئذ نكون محبوبين منهم وتكتمل صوره المحبة التي أرادها الله لنا. كأنه يقول إن أردتم أن أنال راحة منكم، وتعزية من محبتكم وشركة في الروح معكم، وشركة معكم في الرب، وأجد رحمة ورأفة لديكم فانظروا إلى حبكم بعضكم لبعض. فإنني اقتني هذا كله أن أحببتم بعضكم بعضًا. + "ولكم ذات المحبة"، بمعني لا تكون الوحدة في الإيمان وحده، بل وفي كل الأمور الأخرى، فإن هذا يختلف عن أن يكون لهم الفكر الواحد وليس لهم المحبة. القديس يوحنا الذهبي الفم 3- بنفسٍ واحدةٍ: النفس هي مركز المشاعر والأحاسيس. وعندما يكون لنا الفكر الواحد والمحبة الواحدة سيكون لنا المشاعر الواحدة، وبهذا تكتمل فينا صورة الملكوت. + صلى الرب للآب عن الذين له أن يكونوا واحدًا كما هم واحد (يو 17: 22)... الثلاثة ليسوا ثلاثة آلهة، ولا ثلاثة قديرين، بل إله واحد قدير. الثالوث كلّه هو الله الواحد، فالحاجة إلى واحد. ليس ما يحضرنا إلى هذا الواحد إلا إن كنّا نحن الكثيرون قلبًا واحدًا. القديس أغسطينوس "لا شيئًا بتحزّب أو بعجب، بل بتواضعٍ، حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم" [3]. جاءت الآيتان 3 و4 مقابل 1 و2 فبعد أن حثهم بوصايا إيجابية خاصة بالتواضع والحب وشركة الروح والحنو والوحدة، حثهم على الوصايا السلبية المضادة ليتجنبوا التحزب أو الانشقاق والكبرياء والأنانية. "لا شيء بتحزب" ينشأ التحزب في الجماعة النشطة حيث يكون لكل عضوٍ طموحاته وخططه. تنشأ من اعتزاز الإنسان بذاته وبرأيه الخاص, ثم التمسك بهذا الرأي، ومحاولة فرضه على الجماعة، وينتهي التحزب بالانقسام، وقد ينتهي بالبدع والهرطقات. "أو بعُجب"... العُجب هو الخيلاء، والكبرياء هو العمل لمجد الذات، هو تجسيم وتجسيد لكلمة "أنا". + "لا شيئًا بتحزبٍ أو عجبٍِ". هذا كما أقول دومًا هو علة كل الشرور. منه تصدر المحاربات والخصومات. بهذا تبرد المحبة عندما نحب مديح الناس، عندما نصير عبيدًا للكرامة التي يقدمها الكثيرون لنا. فإنه يستحيل أن يصير الإنسان عبدًا لحب المديح، ويكون عبدًا حقيقيًا لله. + ليس شيء غريب عن المسيحي مثل التعالي. أقول التعالي، وليس الجرأة ولا الشجاعة، لأن الأخيران يتناسبان مع المسيحي. التعالي شيء، والجرأة والشجاعة شيء أخر. هكذا التواضع شيء، والخسة والمداهنة والتملق شيء أخر. القديس يوحنا الذهبي الفم + "حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم" [3]... لم يقل أفضل من أنفسكم بل أفضل من أنفسهم... فماذا يقصد الرسول من هذا؟ إنه يقصد أن نعطي لكل واحد كرامة وتقديرًا واعتبارًا أكثر مما يستحق... نقدر الناس بأكثر مما يستحقون... "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح"... إنه فكر التواضع. "فليكن فيكم" أي ضرورة وجود هذا الفكر في حياتنا، لأنه هو العمود الفقري لكافة الأفكار المستقيمة, وهو الضمان الوحيد الهروب من التحزب والانقسام والخصام والعجب والكبرياء والمجد الباطل وتمجيد الذات... لا تظن فيه أنه مجرد أعظم منك، بل هو "أفضل" منك، أي له سمو أعظم جدًا، فلا تستغرب ولا تتألم إن رأيته يُكرم. نعم، حتى وإن عاملك باستخفافٍ، احتمل هذا بنبلٍ، إذ تحسبه أعظم منك. وإن شتمك، تخضع له. وإن عاملك رديًا تحمل ذلك في صمتٍ. لأنه إذ يتأكد الإنسان تمامًا أن الآخر أعظم منه لا يغضب إن عامله رديًا، ولا يسقط في الحسد، لأنه لا يحسد أحدًا أعظم منه بكثير، بل ينسب كل شيء إلى سموه. القديس يوحنا الذهبي الفم "لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا" [4]. الأنانية تقتل الحب المسيحي، إذ يليق بالمؤمن أن يحب قريبه كنفسه، ويضع نفسه في موضع قريبه، بل ويعطي الأولوية له عن نفسه. + لا يطلب أحد ما لنفعه، بل ما هو لنفع الآخر. لا يطلب أحد ما لكرامته، بل ما لكرامة الآخر. القديس أمبروسيوس + قدم لنا الرب نفسه مثالاً بإرسال تلاميذه اثنين اثنين (مر 6: 7)، فكل منهما يود أن يخضع بفرحٍ وبكل قلبه للآخر، متذكرًا كلمات الرب: "من يضع نفسه يرتفع" (لو 18: 14). القديس باسيليوس الكبير 2. المسيح القائد والمثل الأعلى "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا" [5]. ما يطلبه الرسول منهم ليس بوصايا نظرية، لكن بالشركة العملية مع السيد المسيح الذي قدم بتجسده مفهومًا فريدًا للحب والتواضع، لا لمصلحة خاصة به، بل لأجل محبوبيه. + ليس شيء يحث النفس العظيمة الحكيمة (صاحبة الفلسفة) علي ممارسة أعمال صالحة مثل أن تتعلم أنها بهذا تصير على شبه الله. أي تشجيع يعادل هذا؟ لا شيء! هذا ما يعلمه الرسول تمامًا عندما أراد أن يحثهم علي التواضع. القديس يوحنا الذهبي الفم + ذاك الذي ظهر في غابة طبيعتنا البشرية بسبب حبه للبشر، أصبح تفاحة باشتراكه معنا في الجسد (اللحم والدم). وكل من هذه (اللحم والدم) يقابله أحد ألوان التفاح. فاللون الأبيض يمثل لون اللحم، أما اللون الأحمر فيمثل الدم. لذلك، عندما تفرح النفس في الأمور السماوية فإنها ترغب أن ترى تفاحًا على السقف، وهكذا ترى ما هو فوق وتركز على التفاح، فيقودها هذا إلى الطريق السماوي للحياة حسب تعاليم الإنجيل. الذي جاء من الأعالي والذي هو فوق الجميع أرانا الطريق من خلال ظهوره في الجسد، فقد كان لنا مثالاُ عاليًا لكل فضيلة وصلاح. وكما قال السيد المسيح: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 29:11). وقد تكلم الرسول في نفس الموضوع عندما تحدث عن التواضع، ودعوني أقرأ النص لأوضح الحقيقة العامة: يقول بولس ينظرون إلى أعلى "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد" (في 5:2). لقد شاركنا حياتنا بالجسد والدم وبإرادته أخذ هذا، تقول العروس، "أنعشوني بالتفاح"، حتى أبقى باستمرار ناظرة إلى أعلى، فأرى على الدوام صور الفضيلة واضحة في عريسي. ففيه أرى الوداعة، الخلو من الغضب، التصالح مع الأعداء، حب الذين يسببون له الضيقات، مقابلة الشر بالخير، كما أرى القوة والنقاء والصبر وليس به أي أثر للمجد الباطل أو الخداع. القديس غريغوريوس النيسي "الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله" [6]. لو أن يسوع مخلوق بشري وعادل نفسه بالله لحسب مسلكه هذا خلسة، سرق مجد الله، ونسب لنفسه ما لله. لكنه إذ هو كلمة الله المتجسد، فما فعله هو من قبيل حبه وتواضعه. "إذ كان في صورة الله"... كان المستخدمة هنا تصف الإنسان الذي له مميزات وصفات معينة وهذه الصفات لا يمكن أن تتغير أو تتبدل, فمثلا زكا كان قصير القامة فهي صفة ثابتة فيه لن تتغير. "كان في صورة الله" فهو يقصد أن السيد المسيح كان ولا يزال هو الله في ذات جوهره بلا تغيير ولا تبديل. وليس معنى قول الرسول عن السيد المسيح إنه "كان في صورة الله" إنه فقد هذه الصورة عندما أتخذ صورة العبد. كلا، إنه يملك صورة الله قبل التجسد وبعد التجسد وإلى الأبد. وهنا يثور السؤال: السيد المسيح الذي له صورة عبد هل فعلاً وحقيقة صار عبدًا له جسد بشري وروح بشرية مثلنا؟ نعم وبلا شك إنه صار عبدًا حقيقيًا. "لم يحسب خلسة": هذا التعبير معناه إن السيد المسيح ليس في حاجة إلى خطف المساواة بالله، لأنه يملكها إذ هو مساوي للآب في الجوهر, وعندما يعتبر نفسه إنه مساوٍٍ للآب فلا يُعد هذا سرقة أو اختلاسًا لأن مساواته للآب وأزليته مع الآب هي حقيقة صادقة. + ليت ذاك الذي لا يستطيع بعد أن يرى ما سيظهره الرب يومًا ما لا يطلب أولاً أن يرى ما يؤمن به. إنما ليؤمن أولاً أن تُشفى العين التي بها يرى. فإن ما يُعلن لأعين العبيد هو فقط شكل العبد، لأنه إن كان الذي "لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله" [6] يمكن أن يُرى الآن أنه معادل لله بواسطة الذين يرغب هو في شفائهم، لم تكن هناك حاجة أن "يُخلي نفسه آخذًا صورة عبد". ولكن إذ لا يوجد طريق به يمكن رؤية الله، وإنما يمكن أن يُرى الإنسان، لهذا فإنه صار إنسانًا، حتى بهذا يُرى فيشفي ما لا يُمكن به أن يُرى. فإنه هو نفسه يقول في موضع آخر: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). القديس أغسطينوس + بالتدبير صار بيننا في شبهنا "وأخذ صورة عبدٍ"، ومع ذلك فهو من فوق. قال بوضوح مخاطبًا اليهود: "أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق؛ أنا لست من هذا العالم" (يو 8: 23). وأيضًا قال: "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان" (يو 3: 13). القديس كيرلس الكبير + وإن كان مشتركًا في طبيعتنا كإنسانٍ فهو لا يزال في نفس الوقت فوق كل الخليقة كإله. القديس كيرلس الكبير + "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي. دفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها" (إر 12: 7). لاحظ إذًا أن ذاك الذي هو في "صورة الله" (في 2: 6) جالس في السماوات، وأنظر إلى بيته الذي يفوق السماوات، ولو أردت أن ترى أيضًا ما هو أعظم وأعلى من ذلك، فإن بيته هو الله: "لأني في الآب" (يو 14: 11). "لقد ترك أباه وأمه" (مت 19: 5). ترك أورشليم السمائية، وجاء إلى الأرض، قائلاً: "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي". كان ميراثه في الواقع في الأماكن التي تُوجد فيها الملائكة والصفوف التي توجد فيها القوات المقدسة. "دفعت حبيبة نفسي (نفسي الحبيبة) ليد أعدائها". دفع نفسه لأيدي أعداء النفس، لأيدي اليهود الذين قتلوه، لأيدي الملوك والرؤساء المجتمعين ضده، فإنه: "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه" (مز 2: 2). العلامة أوريجينوس "لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس" [7]. وهو الكلمة الإلهي صار إنسانًا، أخذ ناسوتنا. لم يظهر في مجده، بل أخذ شكل العبد، وصار في شبه الناس، صار إنسانًا حقيقيًا وهو الإله الحق. 1- أخلى نفسه من مجد لاهوته، لأنه أخفى مجد لاهوته داخل ناسوته، وحجب مجده داخل حجاب جسده, إنه أخفى لاهوته عن الشيطان ليكمل لنا الفداء، ولتدور معركة الصليب الرهيبة. أخلى نفسه، فلم يسمح للاهوته بتخفيف الآلام عن ناسوته فجاع وعطش وتعب وبكى وتألم ومات. 2- أخذ صورة عبد: ظهر في صورة نجار بسيط في أسرة فقيرة في بلد حقيرة. اتخذ صورة عبد، فصار هو العبد الوحيد الذي أرضى الله الآب. 3- صار في شبه الناس: ولكنه يختلف عن أي إنسان آخر، لماذا؟ أ- لأنه هو الإنسان الوحيد الذي بلا خطية. ب- لأنه هو الإنسان الوحيد الكامل. ج- لأنه ليس إنسانًا كاملاً بلا خطية فقط، بل لأنه هو الله ذاته. 4- وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ: التشبيه "كإنسانٍ" يعلن لنا إنه ليس مثل أي إنسان. إنه إنسان بالحقيقة، لكنه يختلف عن كل البشر. 5- وضع نفسه وأطاع مشيئة الآب. 6- أطاع حتى الموت: هو البار القدوس الذي لم يفعل خطية جاز في الموت، لأنه حمل خطايانا وآثامنا. 7- موت الصليب: وهو أشر وأقصى أنواع الموت. مات موت اللعنة, موت العار, موت السخرية, مات موت العثرة والجهل, أطاع إلى المنتهى حتى صرخ على الصليب قائلاً: "قد أكمل". "لذلك رفعه الله أيضًا، وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل إنسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب". كثيرًا ما علق العلامة أوريجينوس علي قول الإنجيلي: "وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 52:2)، مؤكدًا أنه إذ أخلى نفسه حقيقة وصار طفلاً، لا نعجب من أنه يتقدم ليس فقط في القامة جسمانيًا، بل وحتى في الحكمة. وقد استشهد بقوله النبي عنه: "عرف أن يرفض الشر ويختار الخير قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير علي الأرض" (إش 15:7-16). + تعمد الكلمة القول في جسارة بأنه أخلى نفسه لكي يسلك في هذه الحياة. وبإخلائه يجعل العالم في الملء. لكن إذ كان ذاك الذي سلك في هذه الحياة مخليًا نفسه، فإن هذا الإناء الخالي إنما هو الحكمة بعينه، لأن جهالة الله أحكم من الناس (1 كو 25:1 ). + حمل ضعف خطايانا، وحملنا. جاء إلى الذين لعنوه، وضعفت قوته بين الذين لعنوه عندما نزل من السماء، لأنه في نفس الوقت أخد شكل العبد وأخلي نفسه. هكذا يقول "قوتي ضعفت بين الذين يلعنونني" (إر 10:15) + نزل الرب لا ليهتم بنا فحسب، بل ولكي يحمل ما لنا. + خُلق الإنسان علي شبه صورة (الله). ولهذا فإن مخلصنا الذي هو صورة الله، بحنوه نحو الإنسان الذي خلقه علي مثاله، إذ رآه قد ترك صورته جانبًا ولبس صورة الشرير، أخذ صورة الإنسان ونزل إليه. العلامة أوريجينوس + قال الرب لليهود: "ماذا تظنّون في المسيح" (مت 22: 42)؟ أجابوه: "ابن داود"، لأنهم عرفوا ذلك بسهولة إذ تعلّموه من الأنبياء. بالحقيقة كان من نسل داود، ولكن "حسب الجسد" من العذراء مريم التي كانت مخطوبة ليوسف. وعندما أجابوه قال لهم: "فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلاً: "قال الرب لربّي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه؟... هل تتعجّبون من أن يكون ابن داود إلهًا له، عندما ترون مريم أمًا لربّها؟ إنه رب لداود "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله" [7]، وابن داود بكونه "أخلى نفسه آخذًا صورة عبد". + يا أيّها النبي القائل: "أنت أبرع جمالاً من بني البشر" (مز 45: 3)؟ أين رأيته؟ هناك أنا رأيته. هل تشك أن المعادل لله أبرع جمالاً من بني البشر؟... وليسأل ذاك القائل: "رأيناه، ليس فيه حُسن ولا جمال" (إش 53: 2 LXX). أنت تقول هذا، أخبرنا أين رأيته؟... " أخلى ذاته، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب". هنا أنا رأيته. هكذا الاثنان في توافق مملوء سلامًا، كلاهما يتفق معًا. أي جمال أبرع من الله؟ وأي تشويه أكثر من المصلوب؟ + لقد ترك أباه حتى لا يُظهر نفسه هنا مساويًا للآب، بل "أخلى ذاته، آخذًا صورة عبدٍ". لقد ترك أيضًا أمه، المجمع، الذي وُلد منه حسب الجسد لقد التصق بامرأة أي بكنيسته. القديس أغسطينوس + قد يقول أحد الحاضرين: أنا إنسان مسكين، أو قد أكون في ذلك الوقت مريضًا على الفراش، "أنا امرأة وأُخذت إلى الطاحونة، فهل أُرفض؟! تشجع يا إنسان، فإن الديان لا يحابي الوجوه. لا يقضي بحسب منظر الشخص ولا حسب كلامه. لن يكرم المتعلمين فوق البسطاء، ولا الأغنياء أكثر من المحتاجين. إن كنتم في حقل تأخذكم الملائكة. لا تظنوا أنه يأخذ أصحاب الأراضي ويترك الحارثين. حتى وإن كنت عبدًا أو فقيرًا لا تتضايق. لقد أخذ شكل العبد [7]، فهل يرفض العبيد؟ حتى وإن كنت راقدًا على الفراش، إذ مكتوب: "يكون اثنان على الفراش واحد، فيؤخذ الواحد ويُترك الآخر" (لو 34:17). حتى وإن كنت مظلومًا تحت إلزام، رجلاً كنت أو امرأة، مكبلاً أو جالسًا بجوار طاحونة، فإن الذي بسلطانه يحل المقيدين لن يتجاوزك. الذي عتق يوسف من العبودية وأخرجه من السجن إلى المملكة يفديك من ضيقتك إلى ملكوت السماوات. يليق بك أن تفرح فرحًا حسنًا، وتعمل وتجاهد بغيرة فإنك لن تفقد شيئًا من جهادك. كل صلاة هي لك. كل مزمور تتغنى به يسجل لك. العفة من أجل الله تُحسب لك. القديس كيرلس الأورشليمي + كما أن المسيح "أخذ صورة عبدٍ" [7] وغلب الشيطان بالتواضع، هكذا فإنه في البداية سقط الإنسان عن طريق الكبرياء والمجد الباطل بخداع الحيّة؟ القديس مقاريوس الكبير + تقارن العروس جمالها بمثل حنان الله القدوس، فتقلد السيد المسيح في عملها، فتصبح للآخرين كما كان المسيح للبشر. قلد بولس السيد المسيح بالتضحية بحياته حتى يُعطي بني إسرائيل الخلاص إزاء معاناته وضيقاته. "فإني كنت أوّد لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو 3:9). يمكن تعديل هذه الكلمات لتناسب العروس كالآتي: هذا هو جمال روحك، وهذه هي محبة الله الذي أخلى نفسه وأخذ شكل العبد (في 7:2) وأعطى نفسه فداء عن العالم. هو الغني الذي أصبح فقيرًا من أجلنا، حتى يمكننا أن نحيا بموته، ومن أجلنا افتقر لكي نغتني، وبعبوديته نملك (2 كو 9:8). + تصف العروس العريس بأن ظله على الفراش: "سريرنا أخضر" (نش 16:1). أي أن الطبيعة البشرية تدرك أو سوف تدرك أنك تظللها برعايتك. "لقد أتيت" قالت العروس، "أنت الجميل الذي يظلل فراشنا". لأنه إن لم "يخيم ظلك علينا على هيئة عبد" (في 7:2) عندما تكشف لنا عن أشعة بهائك الإلهي، من يستطيع أن يتطلع إلى عظمتك البهية؟ "وقال لا تقدر أن ترى وجهي. لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر 20:33). لقد أتيت إلينا الآن كشخصٍ رائعٍ ويمكننا استقباله. أتيت إلينا متجسدًا كإنسانٍ، لتخفي عن عيوننا أشعة ألوهيتك. كيف اتحدت الطبيعة التي تدوم إلى الأبد بالطبيعة التي تموت؟ إن ظل جسده عمل كوسيط يمنحنا النور نحن الذين كنا نعيش في الظلمة: تستعمل العروس كلمة فراش (سرير) لكي تُفسر بحاسة تصويرية اتحاد الطبيعة البشرية مع الله. القديس غريغوريوس النيسي "وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت، موت الصليب" [8]. قبل ناسوتنا لكي يعلن حبه بآلامه الحقيقية وطاعته عوض عصياننا، وبكامل حريته. قبل أبشع أنواع الموت وهو الصلب ليحقق مصالحتنا مع الآب. قبل عار الصليب لكي يمجدنا. مارس الحب والتواضع: * أخلى نفسه، وأخفى مجده الأزلي بتأنسه. * لم يستنكف من أن يحمل شكل الإنسان وهو الإله الحي. * قبل أن يحتل آخر صفوف البشرية، إذ صار عبدًا للجميع، يشتهي أن يخدم الكل. * قبوله الألم حتى الموت. * اختياره عار الصليب. فالصليب هو الطريق الملوكي لبلوغ المجد: المسيح أخلى نفسه من مجده، وأطاع حتى الموت، فتمجد فوق الكل، وحملنا فيه لنشاركه مجده. ان كان المسيح هو مثالنا فإننا لا نرى صليبًا بدون إكليل. إن كنا نتألم معه فسنملك أيضًا معه. هنا نلاحظ الآتي: 1. يؤكد القديس بولس أن شركة الابن الكاملة في الطبيعة الإلهية ليست نوعًا من الاختلاس؛ أي لم يغتصبها من الآب، بل واحد مع الآب في أزليته، إذ هو واحد معه في ذات الجوهر. 2. تخليه لا يعني تغير ابن الله في الطبيعة الإلهية، عندما أخذ جسدًا لأجل خلاصنا. لقد أخلى نفسه، لا بتخليه عن الطبيعة الإلهية أو انتزاعها عنه، بل بإرادته حمل ناسوتنا. يتعامل التجسد مع إرادة الابن لا مع طبيعته. لقد صار إنسانا كاملاً، إذ بالحقيقة تجسد، مشاركًا حالنا البشري دون تغير في لاهوته. 3. أخلى الابن نفسه لكي يملأ فراغنا. صار إنسانًا لنصير أبناء الله. نسأله أن يملأ فراغنا بحلوله في حياتنا، فنسمعه يقول على الدوام: "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل" (يو 10: 10). 4. تعبير "عبد" يحمل مفارقة صارخة لكونه في شكل الله، ولقبه "رب" الذي أعلن في نهاية العبارة. 5. اتسم القديس بولس بالجانب العملي كما بعمق الفكر. إنه لا يتركنا قط كما على سحابٍ. لا يفصل قط المعرفة عن العمل، فالمسيحية في عينيه حياة وإيمان. العقيدة الإيمانية دون الحياة لا ترفعنا إلى شيءٍ. بعد أن قدم الرسول قياس الأعالي في مجد المسيح، لم يود أن يتركنا هناك. + "وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب". أنظروا قد يقول أحد: لقد صار بإرادته مطيعًا إذ لم يكن مساويًا لمن أطاعه. يا لكم من معاندين جهلاء! هذا لن يقلل من شأنه قط. فإننا نحن أنفسنا نصير مطيعين لأصدقائنا، وهذا لا تأثير له (علي كرامتنا). لقد أطاع بكونه الابن لأبيه، لم يسقط إلى حال العبودية، بل بهذا الفعل تظهر بنوته العجيبة فوق كل شيء آخر، بهذا يكرم بقوة الآب. إنه يكرم الآب ليس لكي تحتقروه هو، بل بالحري لكي تتعجبوا منه، وتتعلموا من هذا الفعل أنه ابن حقيقي، بتكريمه لأبيه أكثر من أي شيء أخر. ليس من أحد يكرم الله هكذا. فبقدر علوه هكذا مارس التواضع الذي حققه. إذ هو أعظم من الكل، ليس من أحدٍ يعادله، هكذا في تكريمه لأبيه فاق الكل، ليس عن إلزام ولا بغير إرادة، بل هذا أيضًا من سموه. نعم، فإن الكلمات لا تسعفني. حقًا، إنه لأمر عظيم لا يُنطق به أنه صار عبدًا، واجتاز الموت، إنه لأمر عظيم للغاية. لكن يبقى شيء أعظم وأكثر غرابة، لماذا؟ ليس كل أنواع الموت واحدة. موته يبدو أكثرهم بشاعة من الكل، مملوء عارًا ولعنة. إذ كُتب: "ملعون من عُلق علي خشبة" (تث 23:21، غل 13:3). لهذا كان اليهود يشتاقون بكل حمية أن يقتلوه بهذه الوسيلة، ليجعلوه في عارٍ. فإن كان أحد لا يريد أن يتخلى عنه بسبب موته، فسيتركه بسبب طريقة موته ذاتها. ولذات السبب صُلب معه لصين وهو في الوسط، حتى يشاركهما سمعتهما الرديئة، فيتحقق قول الكتاب: "أحصي مع آثمة" (إش 12:53). مع هذا أشرق الحق بالأكثر، وصار أكثر بهاءً. فإنه إذ خطط الأعداء مثل هذه الأمور ضد مجده، أشرق مجده بطريقة أعظم مما توقعوا. ليس بقتله، بل بقتله بهذه الكيفية ظنوا أنهم يجعلوه رجسًا ليؤكدوا أنه أكثر نجاسة من كل البشر، ولكنهم لم ينالوا شيئًا! القديس يوحنا الذهبي الفم + لو لم يكن الرب قد صار إنسانًا لما كان في وسعنا أن نُفتدى من الخطية، وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض، ولما كنا نُرفع إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم. البابا أثناسيوس الرسولي + لأن الكلمة الذي هو الله أخذ جسدنا، ومع ذلك فقد بقيَ إلهًا. ولهذا يقول بولس الرسول المقدّس جدًا أنه صار في شبه الناس ووُجد في الهيئة كإنسانٍ، لأنه كان الله - كما قلت - في شكلنا البشري، مماثلاً لنا، ولم يأخذ جسدًا بلا نفس كما ظن بعض الهراطقة، بل بالأحرى جدًا تحييه نفس عاقلة. + حتى إن كان يُقال أنه تألم في جسده، فهو لم يقبل الآلام في طبيعة ألوهيّته، ولكن قبلها في جسده الخاص القابل للألم. القديس كيرلس الكبير + يقول الكتاب في ميخا: "هوذا الرب يخرج من مكانه، وينزل ويمشي على شوامخ الأرض" (مي 3:1). لذلك يُقال أن الله ينزل عندما يتنازل ليهتم بالضعف البشري. هذا يلزم أن يظهر على وجه الخصوص في ربنا ومخلصنا الذي لم يُحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، "أخلى نفسه آخذا صورة عبد". لقد نزل، لأنه "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو 13:3). فقد نزل الرب ليس فقط ليهتم بنا، وإنما أيضا ليحمل ما هو لنا، إذ "أخذ صورة عبد"، ومع أنه هو نفسه غير منظور في طبيعته، إذ هو مساوي للآب، إلا أنه أخذ شكلاً منظورًا، "ووُجد في الهيئة كإنسانٍ". أيضًا عندما ينزل يصير أسفل مع البعض، لكنه يصعد مع آخرين ويكون أعلى. يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح إذ أطاع حتى الموت، أعلن أنه لم يفعل ذلك عن ضرورة وإلزام، وإنما عن اختيار وحرية إرادة. + ما معنى: صار مطيعًا" ( في 2: 8)، وسلم ذاته لأجلنا كلنا" (رو 8: 32) هذا يعني جعل الرب نفسه حملاً في المسيح، لأن "الحكمة بنت بيتها" (أم 1:9) و"أطاع حتى الموت". إنك تكتشف أن كل ما تقرأه عن المسيح تحقق لا علي ضرورة بل بإرادته. + تمجد عندما جاء إلى الصليب وعندما قبل الموت. أتريد أن تعرف أنه تمجد؟ يقول بنفسه: "أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك، ليمجدك ابنك أيضًا" (يو 1:17). حتى آلام الصليب كانت له مجدًا، لكن هذا المجد لم يكن تشامخًا بل تواضعًا. العلامة أوريجينوس + أن العمل في سبيل البشر كان بحسب الصلاح الذي من الآب بالابن. القديس باسيليوس الكبير + إذ كنا قابلين للموت، خاضعين له بسبب خطايانا، تنازل ليموت عن الخاضعين للموت حتى يرد لنا الحياة فيه. القديس جيروم "لذلك رفعه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم" [9]. بعد أن سجل معلمنا بولس رحلة التواضع من العرش الإلهي إلى صليب العار، يسجل له رحلة العودة من الجحيم منتصرًا ظافرًا بأعدائه إلى عرش الآب. ترتب على ذلك الآتي: 1- رفعة الله: رفعه من بين الأموات إلى أرض الأحياء، ورفعة من بين الأحياء واصعده إلى أعلى السماوات وأجلسه عن يمينه. 2- وأعطاه اسمًا فوق كل اسم: إنه اسم يسوع ومعناه "يهوه يخلص". 3- لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة: يجثو باسمه كل كائن مهما كان. فكل مؤمن يجثو عن رضا وحب واشتياق. يجثو له من هم في السماء، أي الطغمات الملائكية. ومن على الأرض، أي النساك والعباد ولباس الصليب والأبرار والصديقون والعاشقون اسمه القدوس. ومن تحت الأرض، وهم هؤلاء الذين سيجثون رغمًا عنهم عندما يكتشفوا حقيقة ألوهيته وسلطانه. 4- ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب: كلمة "يعترف" في الأصل اليوناني تحمل معنى التسبيح والتمجيد وتقديم الشكر. يعترف كل لسان, فلسان الأبرار يسبحه ويمجده ويشكره, ولسان الأشرار أيضا سيعترف بربوبيته. بتأنسه احتل مركزنا، وصار ممثلاً لنا حتى إذ رفعه الآب وأعطاه اسمًا فوق كل اسمٍ رفعنا معه، كأعضاء جسده المقدس. يقول الرسول: "أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماوات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط، بل في المستقبل أيضًا" (أف 1: 20-21). حمل اسم يسوع عندما تحقق تنازله بتجسده وتأنسه، وأحصى مع آثمة، لا عن خطية ارتكبها، وإنما ليحمل خطايانا وآثامنا في جسده. هذا الاسم صار سرّ الغلبة والنصرة للمؤمنين به على قوات الظلمة التي غلبها بالصليب وشهر بها. + كلمة "يسوع" مجيدة وتستحق كل سجود وعبادة. إنه الاسم الذي يفوق كل اسم. العلامة أوريجينوس + "أخبرني يا من تحبه نفسي". إنني أدعوك هكذا (دون ذكر اسم معين) لأن اسمك فوق كل اسم (في 9:2). إنه لا يوصف، وغير مدرك بالعقل البشري. لذلك فإن اسمك يكشف عن صلاحك، علاقتي بك روحية. القديس غريغوريوس النيسي + نرى الكتاب المقدس لا يقدم لنا الرب تحت اسم واحد، ولا تحت الأسماء المنوطة بلاهوته فقط، أو الدالة على عظمته، بل تارة يستعمل ميزات الطبيعة (خواصه الأقنومية)، فيعرف أن يقول: "الاسم الذي يفوق جميع الأسماء" (في 2: 9)، اسم الابن، والابن الحقيقي، والله الابن الوحيد، وقوة الله وحكمته وكلمته. وتارة، بالنظر إلى كثرة سبل وصول النعمة إلينا التي بصلاحه يمنحها لطالبيه حسب حكمته الكثيرة الأوصاف، يدعوه الكتاب المقدس بنعوت أخرى كثيرة، فهو يسميه تارة الراعي، وتارة الملك، ثم الطبيب، فالعريس والطريق والباب والينبوع والخبز والفأس والصخرة. هذه التسميات لا تدل على الطبيعة، كما قلت، بل على تعدد مظاهر النشاط الذي يبذله، رحمة منه بكل فرد من خليقته، وتلبية لحاجة كل من يسأله. القديس باسيليوس الكبير + حينما قال: "دُفع إليَّ كل سلطان" (مت 28: 18)، "آخذها" (يو 10: 18)، و"لذلك رفَّعه الله" [9]، فإن هذه هي الهبات الممنوحة لنا من الله بواسطته. لأن الكلمة لم يكن محتاجًا إلى أية شريعة في أي وقت. البابا أثناسيوس الرسولي + لنرى بالحقيقة أن الابن لا الآب مُقام من الأموات، إلا أن قيامة الابن هي من عمل كل من الآب والابن. إنها من عمل الآب، إذ كُتب "لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم" [9]. هكذا أقامه الآب إلى الحياة ثانية، رافعًا ومنقذًا إيّاه من الموت. هل أقام المسيح نفسه أيضًا؟ بالتأكيد فعل هذا، لأنه تحدث عن الهيكل كمثالٍ لجسده، قائلاً: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19). فكما أن تركه للحياة يشير إلى آلامه هكذا أخذه للحياة يشير إلى القيامة... من الواضح أن الآب أعاد له الحياة، إذ يقول المزمور: "أقمني فأجازيهم" (مز 41: 10). لكن لماذا تنتظرون منّي برهانًا على أن الابن قد أعاد الحياة لنفسه؟ دعوه يتحدّث بنفسه: "لي سلطان أن أضعها" (يو 10: 18)... إنه يقول: "لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا"، "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي"، "لأخذها أيضًا" (يو 10: 17-18). القديس أغسطينوس "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة، ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض" [10]. صار عمله الخلاصي العجيب موضوع تسبيح السمائيين وخلاص البشريين ورعب الشياطين. أمام اسمه "يسوع" الذي يعني "يهوه مخلص"، يجثو السمائيون والأرضيون وحتى الشياطين. يجثو السمائيون باسمه، إذ اكتشفوا سرّ الحكمة المكتومة. ويجثو البشريون إذ يشكرونه على مصالحتهم مع الآب. وتجثو الشياطين في رعبٍ ومذلةٍ، إذ فقدوا سلطانهم ومملكتهم التي في قلوب البشر. ولعله يقصد البشر جميعًا، الذين عبروا إلى الفردوس كما إلى السماء، والذين يجاهدون على الأرض، والذين ماتوا وصاروا في القبور؛ الكل يجثون باسم يسوع الناصري. + عندما يأتي علنًا في مجيئه الثاني لا يكون في صمت. فإنه وإن كان قد جاء أولاً ملتحفًا بالتواضع، إلا أنه سيأتي مُعلنًا في قوة. الشهيد كبريانوس "ويعترف كل لسانٍ، أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" [11]. تعترف كل الخليقة وتشهد أنه الرب صاحب السلطان المطلق، وهو في هذا ليس في تضادٍ مع الآب، لأنه واحد معه في ذات الجوهر. ما يفعله هو باسم الآب أيضا ولمجده الإلهي. + أيّة أقوال أوضح وأكثر بيانًا من هذه الأقوال؟ إن الرب لم يكن أصلاً في حالة وضيعة ثم رُقيَ، بل بالأحرى إذ كان إلهًا فقد اتّخذ صورة عبد. وباتّخاذه صورة العبد لم يرتقِ بل أذلّ نفسه. إذن فأين هو أجر الفضيلة في هذه الأمور؟ لأنه إن كان وهو الإله قد صار إنسانًا وبتنازله من علوّه لا يزال يُقال أنه يُرفّع، فمن أين يُرفّع وهو الله؟... فهو ليس في حاجة إلى ازديادٍ، وليس الأمر كما يفهمه الأريوسيّون... ما هي النعمة التي ينالها واهب النعمة؟ أو كيف نال هو الاسم للعبادة، وهو الذي كان دائمًا معبودًا باسمه؟ البابا أثناسيوس الرسولي 3. أضيئوا في العالم "إذًا يا أحبّائي كما أطعتم كل حين، ليس كما في حضوري فقط، بل الآن بالأولى جدًا في غيابي، تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ" [12]. لم يقدم لهم الرسول وصية جديدة، ولا يحثهم على وصية كمن قد كسروها، فهم دومًا حاملون سمة الطاعة، لكنه يطلب المزيد سواء في حضوره أو في غيابه عنهم بالجسد. + يليق بنا ونحن نقدم نصائح أن نصحبها بالمديح، بهذا تصير النصائح مقبولة... كما فعل بولس هنا كمثالٍ. انظروا بأي تمييز فريد يقول: "إذًا يا أحبائي". انه لم يقل "كونوا مطيعين" إلا بعد أن مدحهم بالكلمات: "كما أطعتم كل حين" بمعنى أنني لست أقدم أناسًا آخرين كقدوة لكم، بل أقدمكم أنتم أنفسكم مثالاً. + لماذا "الآن بالأولى جدًا في غيابي"؟ نعم، ربما يبدو أنكم كنتم تفعلون كل شيء تقديرًا لي، خشية العيب، لا يكن الأمر هكذا. فإن فعلتم هذا بوضوح في حضوري فإنكم إذ تجاهدون بأكثر غيرة وحمية في غيابي فهذا برهان واضح أن ما كنتم تفعلونه ليس من أجلي، وإنما من أجل الله. القديس يوحنا الذهبي الفم "تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ"، فالخلاص هو حركة دائمة حية، وسلوك لا يتوقف حتى يتم حين يصيرون على قياس ملء قامة المسيح، فلا خلاص بدون مثابرة وسهر. أما الخوف والرعدة فيشيران إلى الحذر الشديد والجدية الحازمة مع النفس، وإدراك حقيقة المعركة ضد قوات الظلمة. "تمموا خلاصكم": للإنسان دور في تتميم الخلاص, فالخلاص عمل مشترك بين الله الذي يوجد فينا الرغبة في الخلاص, ويهبنا المعونة للانتصار على الخطية, ويزرع فينا الفضيلة, وبين الإنسان الذي يتمم الخلاص بعمل الأتي: 1- يقبل الخلاص المقدم لنا على عود الصليب. 2- يقبل المعمودية كموتٍ ودفنٍ وقيامةٍ مع المسيح. 3- يقبل سرّ الميرون، ثم ممارسة سر التوبة والاعتراف, وسرّ الإفخارستيا. 4- يترجم الإيمان النظري إلى إيمان عملي، أقصد الأعمال الصالحة، الإيمان العامل بالمحبة. "بخوفٍ ورعدةٍ" [12]: ليس خوف المهانة والمذلة، ليس خوف العبيد، وإنما خوف الأبناء. الخوف والحذر لئلا تخدعنا الحية القديمة أو الذات الماكرة، فنسقط ونهلك ونُحزن قلب الآب علينا. + كان مثل هذا الخوف لدى بولس، إذ يقول: أخاف "حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 27:9). فإن كان بدون عون الخوف لن تتحقق الأمور الزمنية، كم بالأكثر الأمور الروحية. فإني أود أن أعرف من تعلم الحروف (التي ينطق بها) بدون خوف؟ من صار بارعًا في أي فن بدون خوف؟... من أين ينتج الخوف؟ إن كنا نحسب الله حاضرًا في كل مكان، يسمع كل الأشياء، ويرى كل شيء، ليس فقط ما يُمارس بالعمل وما يُقال، بل أيضًا وما في القلب وفي أعماق النفس، إذ هو يميز أفكار القلب ونياته (عب 12:4). فإن كنا ندرك ذلك، لن نفعل شيئًا أو ننطق به أو نتخيله إن كان شريرًا. أخبرني، إن كان يلزمك أن تقف دومًا بجوار شخص الحاكم أما تقف بخشية؟ فكيف تقف في حضرة الله وأنت تضحك أو تلقي بظهرك إلى خلف ولا تخف وترتعد؟ لا تستهن بطول أناته، فإنها لكي تجلبك للتوبة، إذ هو طويل الأناة. القديس يوحنا الذهبي الفم + أنه ذاك الإنسان الذي تمّم خلاصه بخوفٍ ورعدةٍ. أنه ذاك الذي يسير بكل حرصٍ وسط فخاخ وشباك وشهوات هذا العالم، ويطلب نعمة الرب وعونه، ويترجّى برحمته أن يخلص بالنعمة. القديس مقاريوس الكبير + الأراضي المنخفضة تمتلئ، والأراضي المرتفعة تجفّ. النعمة هي مطر. فلماذا تتعجّبون إذن إن كان الله يقاوم المتكبّرين، ويعطي نعمة للمتواضعين (يع 4: 6)؟ لذلك القول: "بخوفٍ ورعدة" يعني بتواضعٍ. "لا تستكبر بل خفْ" (رو 11: 20). خفْ حتى تمتلئ، لا تستكبر لئلاّ تجفْ! القديس أغسطينوس "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا، من أجل مسرته" [13]. إنها نعمة الله القادمة أن تقدس الإرادة، وتهب قوة لعمل الصلاح، أي تحقق الإرادة الصالحة بالسلوك العملي. فهو خالق النفس والجسد، واهب الإرادة ومعطي القوة وكل الطاقات التي للإنسان. وهو يقدم هذا من أجل مسرته بالإنسان ليكون أيقونة له. "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا" [13] هذه الآية تطمئنا، وتوجه نظرنا لله العامل فينا. إنها تهبنا روح الرجاء فعندما نشعر أن الله القادر على كل شيء ليس ببعيدٍ عنا، وإنه قادر أن يصد عنا كل حروب عدو الخير، عندئذ تستريح قلوبنا. "من أجل مسرته" [13]: يسر بأبنائه كما يُسر بابنه الوحيد. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم كيف يقول المرتل: "اعبدوا الرب بخوفٍ واهتفوا (افرحوا) برعدةٍ" (مز 2: 11)؟ وإن كان الله هو العامل فينا، فكيف نتمم خلاصنا بخوف ورعدة؟ + لا تخافوا حين أقول: "بخوفٍ ورعدةٍ". فإنني لست أقول بهذا المعنى أن تتوقفوا عن العمل في يأس، وأن تظنوا أن الفضيلة أمر يصعب بلوغه، وإنما أن تقتفوا أثرها، ولا تضيعوا أوقاتكم في مساعٍ باطلةٍ. فإن كان حالكم هكذا فإن الله يعمل كل شيء. ألا ترون: "الله هو العامل فيكم". فإن كان هو العامل، فمن جانبنا ليكن لنا فكر حازم متمسك غير متهاون. القديس يوحنا الذهبي الفم + لا تخافوا فإنكم لستم منهزمين، فإن كلاً من الرغبة القلبية والعمل هما من الله، فحيث تكون لنا الإرادة هو يزيد إرادتنا. كمثال: أرغب أن أمارس بعض الأعمال الصالحة، أنه هو الذي يعملها بذاتها، وبها أيضًا يعمل في الإرادة. يقول الرسول هذا من تقواه العظيمة إذ يحسب كل أعمالنا الصالحة هي هبات النعمة. إذ يدعوها هبات، لا يٌضعف من حرية الإرادة، بل يمنحنا حرية الإرادة. فيقول: "العامل فينا أن تريدوا". لا يحرمنا من حرية الإرادة، بل يُظهر أن بعملنا الصالح ذاته نزيد رغبتنا القلبية في الإرادة. فالعمل يجلب عملاً، وهكذا عدم العمل يجلب عدم عمل. هل تعطي صدقة؟ فان هذا يحثك ان تعطي أكثر. هل ترفض العطاء؟ ستصير بالأكثر غير ميال إلى العطاء. القديس يوحنا الذهبي الفم "افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة" [14]. يقدم لنا الرسول سبع نصائح هامة تعيننا في تتميم خلاصنا بخوف ورعدة (14-16): 1- افعلوا كل شيء بلا دمدمة [14]. 2- ولا مجادلة [14]. 3- تكونوا بلا لوم [15]. 4- بسطاء [15]. 5- بلا عيب [15]. 6- في وسط جبل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم [15]. 7- متمسكين بكلمة الحياة [16]. يحثنا الرسول أن نمارس حياتنا الجديدة ونتمم الوصية بفرحٍٍ، في طاعة تنبع عن أعماق القلب، وليس بترددٍ وتذمرٍ وجدالٍ. قدم الله وصيته لنجد فيها لذة الطاعة له كمحبوبنا، لا لتكون موضوع جدال نظري تفسد سلامنا الداخلي. فإن المنازعات والمجادلات الغبية تفسد العينين عن معاينة الحق والتمتع بعذوبة الشركة في النور. تشير الدمدمة إلى الشكوى الخفية التي تثور في النفس والتردد. تعتبر الدمدمة المرحلة الأولى من التذمر، وتنتج من ضعف المحبة وقلة الصبر وضيق القلب. + ألم تلاحظوا أنه يعلمهم ألا يتذمروا (دمدمة)؟ ليُترك التذمر للعبيد الذين ليس لهم مبادئ وأردياء. اخبروني أي ابن هو هذا الذي يتذمر دومًا عندما يعمل في شئون أبيه، والذي يعمل لصالحه... لماذا يتذمر من يعمل بحرية إرادته وليس عن اضطرار؟ من الأفضل ألا يفعل شيئًا من أن يفعله بتذمرٍ، فإن العمل نفسه يفسد. + الدمدمة (التذمر) لا تٌطاق، هي مرعبة للغاية، على حافة التجديف... المتذمر جاحد لله، ومن كان جاحدا لله يصير مجدفًا. + إذ يجد الشيطان نفسه بلا سلطان أن يسحبنا من ممارسة ما هو حق يرغب في إفساد مكافأتنا بوسائل أخرى. فانه يبحث عن فرصة لكي يدس في فكرنا الكبرياء أو المجد الباطل، وإن لم يستطع ذلك يدس الدمدمة، وان لم يجد فيدس الريب والشك. انظروا كيف يدفع هذه الأمور بكل قوة إلى الخارج. القديس يوحنا الذهبي الفم المجادلة أي المناظرة والمناقشة بأسلوب يشوبه الكبرياء والتمسك بالرأي، وهذا ضد الحياة المسيحية المقدسة المحبة. والمجادلة هنا جاءت في اليونانية لتعني الشك (1 تي 8:2).هذا و يثور الجدال بسبب تشامخ الإنسان على أخيه. + ماذا يعني "ولا مجادلة"؟ أي الحوار المستمر إن كان هذا أمر صالح أم غير صالح؛ لا تدخلوا في مجادلات. القديس يوحنا الذهبي الفم "لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء، أولادًا لله بلا عيب، في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ، تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم" [15]. إذ نقبل الإرادة المقدسة من الله، ونتممها بقوته العاملة فينا، ونحيا بلا تذمر ولا جدال، نتمتع بحياة مقدسة تنعكس على أعماقنا الداخلية كما على سلوكنا مع أقربائنا ومع الله نفسه. لهذا يقول: "لكي تكونوا بلا لوم"، أي تحملون قدسية داخلية وطهارة ونقاوة قلب، لا موضع لعيبٍ في أعماقنا. وأما قوله: "وبسطاء" فتعني سلوكًا بسيطًا مع الغير، لا يحمل أذية لأحد. ونكون "أولادًا لله بلا عيب"، أي نكشف عن تمتعنا بشركة الطبيعة الإلهية. بهذه الحياة بجوانبها الثلاث نصير ككواكبٍ مستنيرةٍ بشمس البرّ ومتلألئة تضيء العالم. الكلمة اليونانية المترجمة هنا "أنوار" هنا تعني الكواكب المنيرة كالشمس والقمر والنجوم. بسطاء: أي لا نظهر غير ما نبطن، بعيدين عن كل مكرٍ ودهاءٍ، ولا نخلط الشر بالخير. "أولاد الله" هذا شرف وامتياز لنا، لكنه أيضًا مسئولية علينا، لأن الأولاد يجب أن يشابهوا ويماثلوا أباهم في الصلاح. يجب علينا أن نعيش بلا عيب لكي يكون لنا نصيبا مع مصاف القديسين. "في وسط جبل معوج وملتو، تضيئون بينهم كأنوار في العالم": إذا كان الاعوجاج والالتواء أمر طبيعي في حياة أولاد إبليس، فإن النور والإضاءة شيء طبيعي في حياة أولاد المسيح. + لأن الآباء القدّيسين الذين كانوا قبلنا امتلكوا كلمة الحياة، فقد صاروا أنوارًا العالم. القديس كيرلس الكبير يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أولاد الله يضيئون وسط جيل معوج وملتوي، كما تضيء الكواكب في الليل، في وسط الظلمة، وتُحسب بلا عيب بسبب جمالها. نعم أن الظلمة المحيطة بالكواكب تعكس بهاءً أعظم على الكواكب، هكذا من يسلك باستقامة وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ. يرى العلامة أوريجينوس أن أولاد الله الذين بلا عيب يسيرون في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ، كما سار بنو إسرائيل في وسط البحر الأحمر، ولم تستطع المياه أن تقترب إليهم وتغرقهم. + إن كنت ابن إسرائيل (الروحي) يمكنك أن تسير على أرض جافة وسط البحر. إن كنت ملتزمًا أن تسير وسط شعبٍ معوجٍ وملتوٍ، ممسكًا بكلمة الحياة مثل نور شمس المجد، فإنه يحدث أن تسير وسط خطاة ولا يمكن لمياه الخطية أن تنسكب عليك، ولا تقدر موجة الشهرة أن ترش مياهًا عليك وأنت تعبر هذا العالم، ولا تقدر موجة الشهوة أن تلطمك. من كان مصريًا (وثنيًا) ويتبع فرعون (رمز إبليس) فيغرق في فيض الرذائل. أما الذي يتبع المسيح ويسير كما سار هو، فتصير المياه حاجزًا على اليمين واليسار (خر 22:14)، ويسير هو نفسه في الوسط على أرض جافة (خر 19:15)، لا ينحرف يمينًا ولا يسارًا حتى يبلغ إلى الحرية ويترنم بتسبحة الغلبة للرب قائلاً: "أسبح الرب، لأنه بالمجد تمجد" (خر 1:15)، بالمسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الأبد. آمين. + دخلت خيل فرعون بمركباته وفرسانه إلى البحر، ورد الرب عليهم ماء البحر. وأما بنو إسرائيل فمشوا علي اليابسة في وسط البحر" (خر 19:15). فإن كنت ابن إسرائيل يمكنك أن تمشي علي اليابسة في وسط البحر. إن كان يلزم أن تكون في وسط جيل معوج وملتوٍ تضيء بينهم كنور الشمس للمجد. يمكنك أن تسير وسط الخطاة، وسط ماء (سائل) الخطية دون أن يغمرك. يمكنك أن تعبر هذا العالم دون أن تنتثر أمواج الشهوة عليك، فلا تضربك موجة الشهوة. العلامة أوريجينوس + رغم إننا صرنا ظلمة بسبب الخطية فإن الله قد أطفى علينا جمالاً وبهاءً من خلال نعمته الفائقة. عندما يسود الليل ويلف الظلام كل شيء نجد أنه رغم أن بعض الأشياء تصير مضيئة بالطبيعة، إذ حل النهار، فإن مقارنتها بالظلمة لا تنطبق على الأشياء التي كانت معتمة قبلاً بالسواد. وهكذا تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة. انتقل بولس الرسول عروس المسيح من الظلمة إلى النور، إذ يقول لتلميذه تيموثاوس (1 تي 13:1)، كما العروس لوصيفاتها، إنه قد صار مستحقًا إن يكون جميلاً، لأنه كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ومظلمًا. ويقول بولس الرسول أيضًا أن المسيح جاء إلى العالم لينير للذين في الظلمة. إن المسيح لم يدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة، الذي جعلهم يضيئون كأنوار في العالم (في 15:2)، بحميم الميلاد الثاني الذي غسلهم من صورتهم السوداء الأولى. + لنشعل لأنفسنا نور المعرفة. هذا يتحقق بزرع البرّ وحصاد ثمار الحياة، فإن العمل هو ابن التأمل، الأمر الذي نتعلمه بين أمور أخرى هو ما هو النور الحقيقي، وما هو النور الباطل، فنخلص من السقوط بغير حذر في الشر كأننا ساقطون في الخير. لنصبح نحن أنفسنا نورًا، كما قيل للتلاميذ من النور الأعظم: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). بل ولنصر "كأنوارٍ في العالم، متمسكين بكلمة الحياة"، أعني نصير قوة محيية للآخرين. لنتمسك بالألوهة، ونقتبس نورًا من النور الأبهى الأول. لنسر نحوه مشرقين، قبل أن نتعثر في الجبال المظلمة المعادية (إر 42: 16). ما دام الوقت نهار فلنسلك بأمانة كما في النهار لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر (رو 13: 13)، التي هي أعمال الليل الشريرة. القديس غريغوريوس النزينزي + أرسلنا الله لكي نكون أنوار، ولكي نصير كالخميرة، حتى نعلم الآخرين، ونعيش كملائكة بين البشر، وكرجال بين أطفال صغار, وكأناس روحيين بين أهل العالم الحاضر، فيستفيدون منا، مثل بذور تنتج ثمارا وفيرة. القديس يوحنا الذهبي الفم + لنبعث بنورنا، حارين في الروح، مقتنين الخلاص من قوات الظلمة التي تحدرنا إلى الموت: "لأن أجرة الخطية موت" (رو 6: 23). هكذا تصير كلمات الرسول حقًا بالنسبة لنا نحن أيضًا: "قد أُبتلع الموت في غلبة، يا موت، أين شوكتك؟ يا هاوية، أين نصرتكِ؟" (1 كو 15: 54-55) ليتنا بطاعتنا لشمس العدل نستنير بنوره، ونتأهل للفهم والقوة، فنتبرر فيه. ليس فقط يليق بنا نحن نضيء أكثر من الثلج، لأن الله لا يخدع عندما يعد: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش 1: 18)، وإنما نشرق أيضًا بالنور للقادمين إلينا. ليتنا نعطي اهتمامًا لكلمات الرب: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). القديس باسيليوس الكبير 4. حب وفرح للراعي والرعية "متمسّكين بكلمة الحياة لافتخاري في يوم المسيح، بأنّي لم أسعَ باطلاً، ولا تعبت باطلاً" [16]. سرّ الاستنارة الداخلية والإنارة للعالم هو تمسكنا بكلمة الحياة، أي بالوصية الإلهية التي هي سراج منير تحثنا على خدمة الغير بفرح. يظن البعض أن الرسول بولس هنا يشبه المؤمنين بالأبراج التي على الشواطئ في المواني حيث تُوضع نيران ترشد البحارة خاصة بالليل فلا تضل الطريق. يقف الرسول متهللاً ومفتخرًا بعمل الله به فيهم وذلك في يوم الرب العظيم، ويحسب أن سباقه لم يضع هباء، وآلامه لم تكن باطلة. سيكونوا إكليله في ذلك اليوم. نحن نقدم كلمة الله للآخرين، واثقين إنها مبعث الفرح لهم. + ماذا يعني بقوله "لافتخاري"؟ إنني أشارككم في أعمالكم الصالحة. عظيمة هي فضيلتكم، ليس فقط تخلصكم، بل وتجعلني بهيًا. يا له من نوعٍ عجيبٍ من الافتخار (المجد) يا أيها الطوباوي بولس! لقد جُلدت وطُردت وأٌهنت من أجلنا. لذا يضيف: "في يوم المسيح، بأني لم اسعَ باطلاً ولا تعبت باطلاً" فإنه من حقي دومًا أن افتخر بأنني لم أسع باطلاً. القديس يوحنا الذهبي الفم "لكنّني وإن كنت انسكب أيضًا على ذبيحة إيمانكم وخدمته، أُسرّ وأفرح معكم أجمعين" [17]. اعتاد البحارة، خاصة حين يتعرضون لعواصف شديدة ويكونون في خطرٍ، عند وصولهم إلى الميناء بسلامٍ أن يقدموا ذبيحة شكر لله يكونوا قد نذروها أثناء ضيقتهم. هكذا يرى الرسول شعب الله وقد بلغ إلى الميناء السماوي بسلام يقدمون ذبيحة إيمانهم، وأما هو فيكون كالسكيب من الخمر الذي يسكب داخل الذبيحة علامة الفرح وسط آلام الذبح. + يقول: صرت سكيبًا وذبيحة! يا لها من نفس طوباوية! يحب إحضارهم لله ذبيحة. انه من الأفضل جدًا تقديم نفس (لله) عن تقديم ثور. + نعم إن كنت أٌقَدَمْ مع الذبيحة والخدمة، فإني أفرح وأتهلل معكم جميعًا. وبنفس الطريقة هل تفرحون وتبتهجون معي؟ القديس يوحنا الذهبي الفم كما أخلى الكلمة الإلهي ذاته من أجلنا يليق بنا من جانبنا نحن أيضًا أن نخلي أنفسنا. فالصليب أو إخلاء الإنسان نفسه هو طريق الحياة الجديدة في السيد المسيح. يقدم لنا الرسول بولس هنا أمثلة لثلاثة أشخاص أخلوا أنفسهم من أجل المسيح: 1. القديس بولس: يشارك ذبيحة السيد المسيح بفرح. 2. القديس تيموثاوس: يطيع ويخدم الآخرين. 3. القديس أبفرودتس: له الحب المقدس والعواطف المقدسة. 1. القديس بولس: إنه يدرك تمامًا حاجة الشعب إلى َمثَلٍ. يحتاجون إلى مفسرٍ في الجسد، يوضح كيف تتحقق ممارسة الإنجيل عمليًا. لقد سكب نفسه سكيبًا على ذبيحة إيمان الناس. هكذا كان مبتهجًا وفرحًا معهم [17]. في العهد القديم كان الكاهن يسكب الخمر على الذبيحة كسكيبٍ (خر 29: 40). يشير الخمر إلى الفرح الروحي. وقد حسب القديس بولس آلامه اليومية حتى الموت هو الخمر الذي يسكبه السيد المسيح (رئيس الكهنة الأعظم) في حياة الشعب المتألم. إنه يفرح ويهب فرحًا في المسيح. صار بولس بالسيد المسيح مصدرًا للفرح. فهو مع الشعب يشاركون ذبيحة المسيح بالإيمان. وقد اعتبر بولس إيمان أهل فيلبي وآلامهم وخدمتهم ذبيحة حية, وهو ككاهن يقدمها لله. 2. تيموثاوس [19-23]. أخلى نفسه بالطاعة وشارك القديس بولس خدمته. لقد ولد القديس بولس تيموثاوس، كأبٍ أنجب طفلاً، الآن يتبنى الطفل حياة الوالد. يشير القديس بولس كيف يندر أن توجد مثل مجموعة السمات المتآلفة التي للقديس تيموثاوس. فبالرغم من ضعف صحته (ا تي 5: 23)، وحداثة سنه (ا تي 4: 12)، واستخفاف البعض به (1 كو 16: 10)، اتسم القديس بقوة البصيرة الداخلية، ولباقته، وحنوه، ونجاحه في مواجهة المجتمعات المتمردة. يرى البعض أن كلمة "الطاعة" في العهد الجديد كلمة بولسية (رو 6: 17؛ 16: 19؛ 2 كو 7: 15؛ 10: 6؛ 2 تس 3: 4؛ فل 21؛ عب 5: 8 الخ.)، بينما لم توجد في الأناجيل كلها سوى خمس مرات (مر 1: 27؛ 4: 41؛ مت 8: 27؛ لو 8: 25؛ 17: 6). تجد كلمة "طاعة "جذورها في تعبير "الاستماع"، وقد أصاغ الرسول بولس تعبير "طاعة الإيمان" (رو 1: 5 ؛ 16: 26 ؛ راجع استماع الإيمان غل 3: 2، 5)، وقد عبر بهذا عن الانفتاح على إرادة الله حسب متطلبات الإيمان. 3. أبفرودتس [25-30]. كان مثلاً رائعًا للعواطف المقدسة كطريقٍ للنمو في النعمة الإلهية. صار أبفرودتس أسقفًا لفيلبي، ومات شهيدًا. كان شريكًا في العمل وجنديًا مرافقًا للرسول بولس [26]. لقد التهبت عواطفه بالحب الأخوي، فحزن جدًا لحزن الشعب عليه بسبب مرضه حيث قارب إلى الموت. "وأسر وأفرح": إنه صوت الفرح الذي بعثه الرسول من سجنه في روما. فتردد في جنبات مدينة فيلبي, ولا شك أن الفرح يهبنا القوة لمواجهة التجارب، وأن الفرح هو وصية الله لنا. "وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا، وافرحوا معي" [18]. أنه يفرح بخلاصهم وبلوغهم الميناء السماوي بسلام، ويسألهم أن يفرحوا معه، إذ يكون كسكيب الخمر الواهب الفرح لشاربيه. + يقول: إنه ليس بشرٍ أن أتألم، بل بالحري أفرح بذهابي إلى المسيح، فهل لا تفرحون؟ "افرحوا معي". ليتنا نحن أيضًا نفرح عندما نرى إنسانا بارًا يموت، ونفرح بالأكثر حتى عندما يموت شرير ميئوس منه. فإن الأول يذهب لينال مكافأة أعماله، والآخر يتوقف إلى حد ما عن خطاياه العنيفة. القديس يوحنا الذهبي الفم "على أني أرجو في الرب يسوع أن أرسل إليكم سريعًا تيموثاوس، لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم" [19]. يعدهم بإرسال ابنه في الرب إليهم بسرعة إن سمح الرب لكي يعود يحمل إليه أخبارهم السارة، فيتهلل معهم ويشاركهم فرحهم. + انظروا كيف ينسب كل شيء إلى المسيح حتى إرساله لتيموثاوس، قائلاً: "أرجو في الرب يسوع"، بمعنى إني أثق أن الله سيسهل هذا لي، حتى إنني أتشجع عندما أتعرف على أحوالكم. إني أنعشتكم عندما سمعتم الأمور الخاصة بي والتي كنتم تصلون من أجلها، وهي أن يتقدم الإنجيل وأن يخزى أعداؤه، حيث أن الوسيلة التي ظنوا أنهم يسببون لي بها أذية صارت لفرحي. هكذا أيضًا أود أن أتعرف على أحوالكم لكي ما أتشجع عندما أعرف أخباركم. هنا يٌظهر أنهم يجب أن يفرحوا بقيوده ويستريحوا لها، إذ ولدت فيه مسرة عظيمة. فإن كلماته: "تطيب نفسي" من جهة ما أنتم عليه. + يا له من شوق عظيم نحو مكدونية! يشهد نفس الشيء بالنسبة لأهل تسالونيكي، إذ يقول: "وأما نحن أيها الأخوة، فإذ قد فقدناكم زمان ساعة واحدة بالوجه..." (1 تس 17:2). وهنا يقول: "أرجو في الرب يسوع أن أرسل إليكم سريعًا تيموثاوس" لكي أعرف أحوالكم. هذا دليل عن عنايته الفائقة. فإذ لم يكن قادرًا أن يكون معهم بنفسه أرسل تلاميذه، إذ لم يستطع أن يحتمل بقاءه ولو إلى فترة قصيرة يجهل أحوالهم، لأنه لم يعرف كل أموورهم بإعلان الروح. هذا هو عمل النفس التي تهتم بالآخرين وتفكر فيهم، وتصارع دومًا من أجلهم. القديس يوحنا الذهبي الفم + ينتحب الراعي وسط الأجراء. إنه يبحث عن أحد ممن حوله يحب قطيع المسيح بإخلاص، فلم يجد بينهم ولا واحد! لا يعني هذا أنه لم يوجد في كنيسة المسيح سوى الرسول بولس وتيموثاوس اللذين لهما اهتمام أخوي بالقطيع، لكن هذا ما حدث في ذلك الحين أثناء إرسال تيموثاوس، إذ لم يجد معه بين أبنائه سوي أجراء الذين "يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح" (في 21:2) ومع هذا فهو نفسه من أجل اهتمامه الأخوي نحو القطيع فضل أن يرسل ابنه ويبقي هو بين الأجراء. يوجد أجراء بيننا نحن أيضًا، والرب وحده هو الذي يميزهم. ذاك الذي يفحص القلوب يميزهم، وأحيانًا نحن أيضًا نميزهم. فليس بلا هدف قال الرب نفسه عن الذئاب: "من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟" (مت 16:7) القديس أغسطينوس "لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي، يهتم بأحوالكم بإخلاص" [20]. تيموثاوس شخصية، في عيني الرسول، لا تُقارن بأحدٍ، في خدمته وإخلاصه وبذله. إنه يحمل ذات روح الرسول وقلبه. يرى القديس أغسطينوس أن الرسول يتحدّث هنا عن كثرة وجود الأُجراء الذين يكرزون بعلّةٍ لصالحهم الشخصي، وندرة وجود الراعي الذي يكرز بالحق، فيطلب لا ما لنفسه بل ما هو ليسوع المسيح. + إنه يكرمهم بإرسال تيموثاوس إليهم... "لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي"، بمعنى ليس ممن يهتمون هو مثلي، ليس من يهتم حقًا بكم... تيموثاوس هو ذاك الذي معي يحبكم. كان يمكن أن أرسل آخرين، لكن لا يوجد من هو مثله. إنه نظيري. القديس يوحنا الذهبي الفم "إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح" [21]. هنا يشير الرسول إلى كثرة الكارزين عن حسد وتحزب (15:1). ولعله قال هذا حاسبًا الآخرين هكذا إن قورنوا بشخص تيموثاوس. + الإنسان الصالح يكرز لكم، اقطفوا العنب من الكرمة. الإنسان الشرير (الذي يطلب ما لنفسه) يكرز لكم، اقطفوا العنب من على السياج. فإن العنقود قد نما على غصن الكرمة محاط بالأشواك، لكنه لم يصدر عن الشوك. على أي الأحوال عندما ترون مثل هذا وأنتم جائعون كونوا حذرين وأنتم تقطفون العنقود، لئلاّ وأنتم تمدّون يدكم على العنب يمزّقها الشوك. هذا ما أقوله: بحكمة استمعوا إلى ما هو صالح، ولا تتمثلوا بشرّ الأشخاص. + البسوا ثوب العرس. أوجّه حديثي إليكم يا من لم ترتدونه بعد. أنتم الآن فعلاً في داخل (العرس)، ومع هذا لم تلبسوا الثوب لتكرموا العريس. إنكم تطلبون ما هو لأنفسكم لا ما هو ليسوع المسيح [21]. لأن ثوب العرس هو لتكريم الاتحاد، أي اتحاد العريس والعروس. أنتم تعرفون العريس أنه المسيح. أنتم تعرفون العروس، إنها الكنيسة. كرّموا العروس، وقدّموا كرامة للعريس. إن قدّمتم الكرامة اللائقة لكليهما تكونون أبناءهما. + يُقال على لسان الرب نفسه للروح التي تزني وراءه: "لقد كنت ترجو أمرًا أعظم بانفصالك عنّي". لأن الخاطي في تعدّيه، أي في خطيّته يهتم بنفسه فقط، إذ يرغب في إبهاج نفسه لفائدته الخاصة، بينما يُلام الذين يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح [21]، بينما أُمر بالمحبّة التي "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5). + يحوي الفلك كلا النوعين، فإن كان الفلك هو رمز الكنيسة، ترون بالحقيقة في الطوفان الحاضر الذي للعالم الكنيسة تضم بالضرورة النوعين، كما تضم الغراب هكذا تضم الحمامة. ما هي الغربان؟ الذين يطلبون ما لأنفسهم وما هو الحمام؟ الذين يطلبون ما للمسيح. القديس أغسطينوس "وأمّا اختباره، فأنتم تعرفون أنه كولد مع أبٍ خدم معي لأجل الإنجيل" [22]. يدرك أهل فيلبي العلاقة القوية بين الرسول بولس وتلميذه تيموثاوس في الرب، وخلال خدمة إنجيل المسيح. لقد حسبه ابنه الخاص خدم كابنٍ لا كأجير (أع 16: 1-3؛ 17: 14). + قدم لهم تيموثاوس لكي ما يكرموه بالأكثر. هذا أيضا ما فعله حين كتب إلى أهل كورنثوس: "لا يحتقره أحد، لأنه يعمل عمل الرب كما أنا أيضًا" ( 1 كو 11:16، 10). قال هذا ليس لأنه مهتم به، وإنما من أجل الذين يستقبلونه، كي ينالون مكافأة عظيمة. القديس يوحنا الذهبي الفم "هذا أرجو أن أرسله أول ما أرى أحوالي حالاً" [23]. إذ هو أسير ليس حرًا في حركته لم يستطع أن يحدد الزمن، فهو يود أن يذهب إليهم بنفسه (24)، لكن إذ يود أن يطمئن حاول الإسراع في إرسال تلميذه المحبوب. + سأرسله عندما أرى ما هو موقفي، وما هي نهاية أموري. القديس يوحنا الذهبي الفم "وأثق بالرب إنّي أنا أيضًا سآتي إليكم سريعًا" [24]. + لم أرسله كما لو كنت لا أريد أن آتي إليكم، وإنما لكي أتشجع عندما أعرف حالكم، وفي الوقت نفسه لا أجهل حالكم. يقول "واثق بالرب". انظروا كيف يعتمد في كل شيء على الله، ولا يتكلم بشيء من ذهنه هو. إنه يقول: "إن شاء الرب!" القديس يوحنا الذهبي الفم "ولكني حسبت من اللازم أن أرسل إليكم أبفرودتس، أخي والعامل معي والمتجنّد معي ورسولكم والخادم لحاجتي" [25]. إذ يخشى عدم إمكانية إرسال تيموثاوس بسرعة، ولكي يبعث فيهم روح الفرح، شعر بالالتزام أن يرسل أبفرودتس أخاه والعامل والجندي الرفيق في معركة الإنجيل والرسول المتخصص لخدمتهم وخدمته. هما تيموثاوس وأبفرودتس اللذان قرر بولس أن يرسلهما إلى فيلبي. إنهما ليس من رسل يسوع, ولا هما صانعا آيات ومعجزات ولكنهما خادمان أمينان. + أرسله وبعث معه مديحًا كذاك الذي لتيموثاوس. فقد مدحه في نقطتين: أولاً أنه يحبهم "يهتم بأحوالكم بإخلاص" ]20[، وثانيًا أنه تزكى في عمل الإنجيل. لنفس السبب وبذات العبارات يمتدح أيضًا هذا الرجل، كيف؟ دعاه أخًا وعاملاً معه، ولم يقف عند هذه النقطة بل دعاه متجندًا معه. لقد أبرز كيف شاركه في مخاطره واختبر ما اختبره هو. فإن "المتجند معه" هو أكثر من "العامل معه". فربما يسند في الأمور الهادئة، ولا يفعل ذلك في وسط الحروب والمخاطر. فبقوله: "المتجند معي" يظهر أنه يفعل هذا أيضًا (وسط المخاطر). القديس يوحنا الذهبي الفم "إذ كان مشتاقًا إلى جميعكم، ومغمومًا، لأنكم سمعتم أنه كان مريضًا" [26]. كان أبفرودتس مريضًا، وإذ سمعوا عن مرضه حزنوا، فاغتنم هو على حزنهم، إذ لم يكن يود أن يسمعوا ويحزنوا. + هدف بهذا إلى نقطة هامة يعلنها وهي أن أبفرودتس كان يعلم جيدًا كيف كان محبوبًا منهم. وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة للحب. يقول: أنتم تعرفون كيف كان مريضًا وحزن أنه بعد شفائه لم يركم لكي ينزع عنكم حزنكم عليه بسبب مرضه. هنا يقدم سببًا آخر لإرساله إليهم مؤخرًا جدًا. فإن هذا ليس عن إهمال. فقد احتفظ بتيموثاوس، إذ ليس لديه من هو مثله... وأبفرودتس بسبب مرضه. القديس يوحنا الذهبي الفم "فإنه مرض قريبًا من الموت، لكن الله رحمه وليس إيّاه وحده، بل إيّاي أيضًا، لئلا يكون لي حزن على حزن" [27]. وسط آلامه في السجن وعجزه عن الحركة وافتقادهم مرض أبفرودتس حيث صار قريبًا من الموت، فرحمه الله وشفاه حتى لا تزداد أحزان بولس، إذ هو في حاجة إلى مساعدته في الخدمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم قد يتساءل البعض: لماذا قال الرسول: "لكن الله رحمه" مع أن الانطلاق ليكون الشخص مع المسيح أفضل؟ يجيب علي ذلك بأنه كما شعر القديس بولس بأنه مُلزم أن يبقى من أجلهم، فإن الله رحمه لأجل الخدمة لكي يربح نفوسًا لله. "فأرسلته إليكم بأوفر سرعة، حتى إذا رأيتموه تفرحون أيضًا، وأكون أنا أقل حزنًا" [28]. يكشف الرسول عن علاقات الحب العجيبة المتبادلة. فمع شدة احتياجه إلى أبفرودتس يرسله بأوفر سرعة ليرده إلى أهل فيلبي الذين حزنوا على مرضه الشديد. وإذ يفرحون يجد الرسول في فرحهم راحة له، فيخفف ذلك من أحزانه. يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أنهم فرحوا إذ سمعوا عن شفاء محبوبهم أبفرودتس، لكن فرحهم يزداد بالأكثر إذ يروه بعد شفائه. لماذا يقول: "وأكون أنا أقل حزنًا"؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل إنني بلا حزن، بل "أقل حزنًا"، مظهرًا أن نفسه لم تحرر من الحزن تمامًا، إذ يقول: "من يضعف وأنا لا أضعف؟ ومن يعثر وأنا لا ألتهب؟" (2 كو 29:11). متي يكون مثل هذا متحررًا من الحزن؟] "فاقبلوه في الرب بكل فرح، وليكن مثله مكرمًا عندكم" [29]. يسألهم أن يقبلوه بكل فرحٍ ليس من أجل صداقتهم له، ولكن من أجل خدمته للرب. يكرموه كخادم أمين يختفي في الرب. + اقبلوه بطريقة تليق بالقديسين، إذ يلتزم قبول القديسين بكل فرح! لقد فعل هذا كله من أجلكم، وليس من أجل من يرسلهم، فإن النفع الأكبر هو للذي يعمل أكثر من الذي ينال العمل الصالح. القديس يوحنا الذهبي الفم "لأنه من أجل عمل المسيح قارب الموت، مخاطرًا بنفسه لكي يُجبر نقصان خدمتكم لي" [30]. مرة أخرى يكشف الرسول عن عواطفه المقدسة الملتهبة حبًا، فقد اشتهى كثيرون من أهل فيلبي أن يخدموه في سجنه بروما، لكن حالت الظروف عن تحقيق ذلك، وشعروا كأنهم مقصرون في حقه، لكن إذ بذل أبفرودتس كل طاقته في خدمته حتى تعرض للموت بسببه حسب الرسول أن هذا العمل قُدم من أهل فيلبي جميعهم، لأنهم صاروا كأنهم واحد مع أبفرودتس. فخدمة أبفرودتس وتضحياته حتى قرب الموت من أجل الرسول بولس هو عمل محبة، كأن أهل فيلبي قاموا به. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أبفرودتس انطلق من فيلبي إلى روما حيث كان بولس في السجن، وقد تعرض لمخاطرٍ كثيرةٍ لكي يلتقي به في السجن ويخدمه ويسد احتياجاته. من وحي فيلبي 2 خورس كنسي عند الجلحثة! + تُرى هل انطلق الرسول الأسير مع الشعب، كخورسٍ كنسيٍ متهللٍ ليستقر عند الجلجثة، أم تحولت زنزانته إلى الجلجثة بعينها؟ + أراه يقود خورس كنسيًا فريدًا. يتمتع بكلمة الوعظ، جوهرها تعزيات في المسيح لا تنقطع! يمارس الكل روح الحب فتذوب الآلام! وتنفتح أمام الكل جراحات المصلوب، فيدخل الجميع إلى أحشاء حبه وتحننه! + يتغنى الرسول مع الشعب بأغنية الحب، ويمارس الكل الوحدة، فقد انسجمت أوتار القيثارة المتنوعة، لتخرج سيمفونية سماوية يهتز لها السمائيون. + يقف الكل معًا في انسجام ينشد أغنية جديدة. وقف الكل أمام المصلوب، وقد طارت الكلمات من أفواههم. أي حب أنزلك إلينا يا من لا تسعك السماء؟ كيف قبلت ان تصير ابنًا للإنسان يا وحيد الأب؟ كثيرًا ما تئن نفوسنا في داخلنا: لماذا لنا هذا الجسد الضعيف؟ هوذا خالق الكل صار جسدًا. شاركتنا في كل شيء ماخلا الخطية! رفعت من شأننا يا خالق السمائيين والأرضيين! + صرت إنسانًا، وأخذت آخر صفوف البشرية! حبك دفعك لتصير عبدًا، لتقيم منا نحن العبيد أبناءً لأبيك! + قدمت دمك ثمنًا لتقتنينا عروسًا لك! دخلت إلى دائرة لعنتنا بالصليب، لكي تحطم متاريس اللعنة، وتدمر أبوابها، وتطلقنا وتحملنا إلى فردوسك السماوي! + صرت قائد موكبنا يا واهب الغلبة! اجتزت بنا وسط جيلٍ ملتوٍ، فلم تقدر الظلمة أن تخفي نورك فينا. أقمت منا كواكب بهية وسط ظلمة العالم! + لك المجد يا أيها الراعي الصالح العجيب! أقمت منا جسدك المتهلل العجيب في حبه! ماذا نرد لك من أجل حبك وتواضعك وقدرتك؟ من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الأصحاح الثاني آية (1):- " 1فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، " فإن كان وعظ ما فى المسيح: قوله فإن تعنى علاقة هذه الآية بما سبق فى الآيات السابقة. فكلمة وعظ تُترجم تشجيع أو حض أو مناشدة أو مواساة. إذاً هى تشجيع الآخرين وتقويتهم فى شدائدهم. والرسول يرى أن الطريقة المُثلى للتشجيع والتعزية بأن تكون كلمات الوعظ هى فى المسيح، أى بتوجيه نظر المتألم بأنه شريك المسيح فى آلامه، وسيكون شريكاً له فى مجده. وتوجيه نظر المتألم لا أن يرفض الألم بل أن يطلب التعزية وسط الألم، أن يطلب من المسيح أن يشترك معه، وأن يشعر المتألم بهذه الشركة فيتعزى. فالمسيح وحده، وروحه القدوس المعزى قادران على تعزية المتألم. وإذا كنا نحن كبشر قادرين أن نشجع بعضنا البعض فى الضيقات، فبالأولى فإن المسيح يقدر أن يساندنا ويرسل لنا روحه المعزى. والوعظ الذى فى المسيح هو الذى يعزى القلب. وياحبذا لو كان الواعظ ثابتاً فى المسيح، والمسيح يحيا فيه مثل بولس الذى قال "أما نحن فلنا فكر المسيح" (1كو16:2). ففى هذه الحالة ستكون كلمات الواعظ هى كلمات المسيح وقادرة على التشجيع "مثل فمى تكون" (إر19:15). تسلية فى المحبة = كلمة تسلية هى comfort أى راحة وتعزية للقلب الحزين (كو11:4). وهذا العمل أساسه المحبة للمتألم وليس تأدية واجب، ولا شىء يعطى عزاء للمتألم قدر شعوره بمحبة إنسان يقف جانبه بمحبة. شركة فى الروح: الشركة تتم بصورة رائعة لو خضع الكل للروح القدس، وهو الذى يجمعنا إلى واحد، ويكون هدفنا واحد هو مجد المسيح. إن كانت أحشاء ورأفة: الأحشاء هى القلب والكبد، وهما مصدر العواطف كما فهم القدماء. وهم استخدموا كلمة أحشاء كما نستخدم الآن كلمة قلب للتعبير عن المشاعر. والمقصود أن يكون لنا القلب الحانى الشفوق. ما أخذناه من المسيح علينا أن نعطيه لبعضنا البعض، فكما أحبنا المسيح بشفقة ورأفة علينا أن نكون هكذا مع الآخرين. بل إن الروح القدس يغير طبيعتنا فنتشبه بالمسيح فى محبته. آية (2):- " 2فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا،" هى آية الوحدة فى كل شىء. فتمموا فرحى: أى أنا أفرح بكم الآن ولكن اجعلوا هذا الفرح كاملاً بأن تتحدوا برأى واحد وفكر واحد ومحبة واحدة، أى تحبون الآخرين والآخرون يحبونكم وكلكم تحبون الله. أى المحبة تسود. فكراً واحداً: قد تختلف الأفكار، ولكن إن كان هناك امتلاء من الروح ستجد الأفكار متشابهة ومتقاربة إن لم يكن هناك الأنا. وعلينا جميعاً أن نفكر فى مجد المسيح "فالحاجة إلى واحد" (لو42:10). والخصام والانشقاق عكس الفكر الواحد. محبة واحدة: الكل فى محبة وغير منقسمين لمجموعات، كل مجموعة تحب بعضعها ولا تحب المجموعة الأخرى. بنفس واحدة: النفس هى مركز العواطف والأحاسيس. وعندما يكون لنا الفكر الواحد والمحبة الواحدة سيكون لنا المشاعر الواحدة. والمعنى الانسجام معاً أى روح الفريق الواحد. مفتكرين شيئاً واحداً: ولكنه سبق وقال فكراً واحداً والمعنى هنا أى أفكاركم متشابهة وهذه لا تكون إلا فيمن يملأهم الروح القدس، وإذا تناقشوا حول موضوع سريعاً ما يتفقوا على فكر واحد يشير به الروح القدس. آية (3):- " 3لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. " لا شيئاً بتحزب أو بعجب: أسباب الانقسامات هى روح التحزب أى التعصب لشخص ما، وهذا يؤدى للكراهية. أو العمل لمجد الذات وللمنفعة الشخصية والإعجاب بالذات ورؤية الإنسان نفسه أفضل من الآخرين مما يجعله يطلب مركزاً أكبر. من المؤكد أن بولس الرسول يعالج هنا الشقاقات التى بلغت أخبارها له (فى2:4). عُجْبْ: الإنسان يعجب بذاته أو بالمواهب التى اعطاها له الله حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم: هذه قد تُترجم هكذا "فليحسب كل واحد الآخر أفضل منه". وبحسب الترجمة الأولى نفهم أنه علينا أن نعطى الآخرين تقديراً أكبر مما يستحقون، وكرامة تفوق مراكزهم. وهذا بهدف تشجيعهم. ولاحظ كيف تعامل المسيح مع السامرية. أما بحسب الترجمة الثانية، فكيف أحسب الآخر أفضل منى وأنا أعلم أننى أفضل منه علماً مثلا، كيف يحسب العَالمِ أن الجاهل أفضل منه، أو كيف يحسب من هو صالح، الخاطىء أفضل منه؟ الإجابة هى بالتواضع والطريق هو: 1. كل واحد يفكر فى خطاياه الشخصية ولا يفكر فى خطايا الآخر. 2. كل واحد يفكر فى دينونة الله ولا يهتم بنظرة الناس وحكمهم (1كو 3:4). 3. نظرة الإنسان أنه أفضل هى من قبيل التخمين، وهذا لا يصح أن نسير بحسبه. فلا أحد يعلم حقيقة داخل الإنسان سوى الله. 4. كل شىء صالح فىَّ هو من الله فلماذا أنسبه لنفسى (1كو 7:4) + (يع17:1). 5. كل ميزة فىَّ هى وزنة، وكلما زادت وزناتى، علىَّ ألاّ اعتبر هذا سبباً للافتخار، بل أطلب الرحمة لأنه كلما زادت وزناتى سيطالبنى الله بوزنات أكثر. فالله أعطانى هذه الميزات لأتاجر بها وأربح لحسابه. 6. من يشعر فى نفسه أنه الأحسن فليتضع وينكر ذاته كما عمل المسيح (يو15:13). 7. الحقيقة اننى فى ذاتى لست شيئاً ، بل تراب وكلى نجاسة. اما قيمتى الحقيقية ليست فيما املك من مال او علم ، فهذا عطية من الله.اما القيمة الحقيقية لكل انسان هى في المسيح الساكن فينا.وفى هذا فما الفرق بينى وبين اى انسان اخر. آية (4):- " 4لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا." لا تهتموا فقط بمصالحكم الشخصية، بل ليهتم كل واحد بما للآخرين. ليضع كل واحد نفسه مكان الآخر، ويهتم كل واحد بأن يخدم الآخر المحتاج. آية (5):- " 5فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: " الفكر الذى فى المسيح يسوع هو أنه أنكر ذاته وأخلى ذاته فى تجسده لأجلنا، فإذا سلك كل واحد هذا المسلك حدثت الوحدة، ومن ينكر نفسه فحالاً يجد نفسه فى حالة تواضع. والتواضع فيه حل لكل الخلافات على كل المستويات (الكنيسة / المجتمع / البيت/...) وبعد هذه الآية يضع بولس الرسول أنشودة رائعة تحمل فكره عن تجسد المسيح، ولم يقلها بغرض إثبات عقيدة معينة بل قالها كدرس فى الاتضاع فلا يوجد صورة للإتضاع أروع من صورة إتضاع المسيح فى تجسده ولكن كل كلمة وكل حرف فى هذه الأنشودة يشير لعقيدة التجسد والفداء. لذلك نفهم أن العقيدة والروحيات والأخلاقيات كل لا يتجزأ. فالعقائد هى حياة يحياها المسيحى وليست نظريات جامدة فمن عقيدة التجسد نرى محبة الله وتواضعه ونحاول أن نحيا بنفس الأسلوب. آية (6):- " 6الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ." خلسة: هى كلمة نادرة جداً فى اليونانية. ووردت مرة واحدة فى الكتاب المقدس، ومرة واحدة فى الكتابات اليونانية. ولها أكثر من ترجمة: 1. بمعنى الخطف أو السلب robbery. 2. بمعنى التشبث أو التلهف. ولقد اعتمدت بعض الترجمات المعنى الأول، والبعض اعتمد المعنى الثانى. كان: تعنى فى اليونانية يوجد أو يستمر، فيسوع هو الله فى الجوهر قبل التجسد وبعده. الكلمة تشير لشخص الإنسان الذى ينفرد به وهو لا يتغيّر ولا يتبدل مهما تغّير شكل هذا الإنسان، فشخصه هو شخصه لا يتغيّر. فى صورة الله: صورة (مورفى باليونانية) جاءت بمعنى شكل، وتعنى الصورة الجوهرية لشىء ولا تتغير قط. فمثلاً الصورة الجوهرية للإنسان هى الإنسانية. صورة هنا هى التعبير عن الكيان الذى يعنى جوهر الطبيعة أو الطبيعة الجوهرية وليس الشكل ولا المظهر بل الصفات الأساسية لله التى تستعلنه، هو صورة الله غير المنظور (كو15:1) + (2كو4:4) + (عب3:1). إذن المسيح هو صورة الله وقائم من البدء لذلك يقول المسيح " أنا والآب واحد". ويقول " من رآنى فقد رأى الآب". وإذا كانت كلمة "صورة" المستخدمة هنا تعنى عدم تغيّر جوهر الشخصية بتغير الشكل الخارجى، فالمعنى يصير واضحاً أن جوهر ألوهية المسيح لم يُصب بأى تغيير بسبب التجسد.. هو الله ظهر فى الجسد. خلسة: إذا اعتمدنا الترجمة الأولى وهى (الخطف والسلب) كما فى العربية يكون المعنى أن المسيح فى جوهره واحد مع الآب، ولذا لم يكن فى احتياج لأن يختلس لنفسه المساواة بالله، فهو الله. وإذا اعتمدنا الترجمة الثانية كما فعلت ترجمة (جيروزاليم بيبل) الإنجليزية. يكون المعنى أن المسيح بالرغم من كونه أصلاً في صورة الله، إلا أنه لم ينظر لمساواته مع الله على أنها ربح أو غنيمة يتشبث بها، ولكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد (2كو8: 9). وهذه الترجمة متمشية مع كلام بولس الرسول بأن لا نتمسك بما لنا من حقوق بل نتخلى عنها كما عمل المسيح. وهذه الترجمة الثانية تترجم الآية هكذا "إذ كان فى صورة الله لم يحسب مساواته لله ربحاً يتمسك به. معادلاً لله: تفيد معنى المساواة. آية (7):- " 7لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. " أخلى ذاته: المسيح بتجسده حجب مجد لاهوته الكائن فيه عن الظهور. وكلمة أخلى باليونانية تعنى أفرغ الإناء مما يحتويه. إذاً المعنى أن المسيح أفرغ إناءهُ البشرى من كل ما للاهوت من مجد كائن فيه أقنومياً، وصار فى صورة عبد ليتمكن العبيد (نحن البشر) من أن يقتربوا إليه ويروه ويتعاملوا معه (تث15:18-19) فيرفعهم إليه. ويتمم فى جسده عمل الفداء العجيب، فلو ظهر بمجده ما كان الشيطان أو رئيس كهنة اليهود أو بيلاطس أى كل من حركهم الشيطان، قادرين أن يقتربوا منه ليصلبوه. هو أخلى ذاته ليعطيهم فرصة أن يصلبوه (1كو8:2). هذا الإخلاء لم يتناول طبيعته كإله، بل هو أضاف صورة العبد على ألوهيته، لذلك خرج من جنبه دم وماء إشارة لاتحاد لاهوته بجسده الذى انفصلت عنه الروح مع استمرار اتحاد لاهوته بروحه أيضاً التى ذهبت للجحيم ثم للفردوس. صورة عبد: أخذ صورتنا فيما عدا الخطية. فالخطية هى مرض أضيف على البشر ولازمهم. لكن الخطية لم تكن جزءاً أساسياً فى طبيعة الإنسان حين خلقه الله. آية (8):- " 8وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ." كإنسان: حرف الكاف يعنى أنه صار فى صورة إنسان (بإنسانية كاملة) ولكنه ليس مثل كل إنسان: 1. هو بلا خطية. 2. حل فيه كل ملء اللاهوت. فى الهيئة: هيئة باليونانية (سكيما) بمعنى المظهر الخارجى أو الصورة الخارجية، وهى التى يمكن أن تتغير وتتبدل. وهذه عكس كلمة صورة التى وردت فى آية 6 (مورفى) التى تشير لثبات الوضع. والرسول يقصد أن يقول أن صورة العبد التى أخذها المسيح كانت صورة وقتية حتى يتمم الفداء. ولكن هذا قد تم دون أى تغيير فى جوهر لاهوته، وهذا ما جعل الرسول يستخدم كلمتين يونانيتين صورة (مورفى) وهى ثابتة، وهيئة (سكيما) وهى شىء وقتى. وضع نفسه: تشير لوضاعة طبيعتنا إذا قورنت بمجد طبيعة الله. ونلاحظ أن الشيطان يفعل عكس ما فعل المسيح، فالشيطان متكبر أراد أن يتساوى بالله، وكان هذا اختلاساً، بل جعل البشر يعبدونه فى صورة الأصنام، واعتبر هذا ربحاً أو غنيمة يتشبث بها ويقتنصها، أما المسيح فأخلى ذاته ولم يعتبر مساواته لله غنيمة يقتنصها بل أخلى ذاته من مجده لصالح الإنسان. موت الصليب: لم يتجسد ويخلى نفسه فقط بل أطاع حتى الموت، موت الصليب بكل ما فيه من مهانة، وألم مرعب، فهو للمجرمين وللقتلة وللصوص. والصليب ملعون أو كان ملعوناً (تث22:2، 23). والفيلسوف الرومانى شيشرون يقول "ليبعد اسم الصليب لا عن أجساد المواطنين الرومانيين فحسب بل أيضاً عن أفكارهم وعيونهم وآذانهم". الأيات (9-11):-" 9لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ 10لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، 11وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ." رَفَّعَه الله: هذه تُقال عن الناسوت (فاللاهوت لم يفقد مجده أبداً) ففى مقابل إتضاعه وطاعته رَفَّعه الله ناسوتياً. ونلاحظ أن المسيح له سلطان أن يضع ذاته وأن يأخذها (يو17:10، 18). ونفهم الآية أن اللاهوت الواحد مثلث الأقانيم أعطى للناسوت أن يرتفع ويتمجد. وكما نقول فى قانون الإيمان "صعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه"، فالجلوس عن يمين الآب تعنى أن ناسوت المسيح صار له مجد الآب. وهذه الآية موجهة لكل منا، فمن يتضع كالمسيح يرفعه الله ويمجده. اسماً فوق كل اسم: اسماً جاءت معرفة بـ "الـ" فى اليونانية. وهذا إشارة للاسم المتفرد يهوه. والاسم يُظهر حياة الشخص. فلقد أظهر الله من هو المسيح الذى كان متضعاً وأنه هو هو يهوه العظيم، لقد صار للناسوت الذى أخذه المسيح اسم يهوه العظيم الذى كان له قبل إخلائه لذاته، بعد أن جلس عن يمين الآب وتمجد بناسوته وصار لهُ بناسوته كل ما للآب من مجد. اسم يسوع: يهوه يخلص، لقد صار اسم يسوع قوة ترهب الشياطين، وصار قوة لنا (لذلك يوصى الآباء باستخدام صلاة يسوع، فاسم يسوع له قوة جبارة). ولقد صار اسم يسوع موضوع تسبيحنا. باسم يسوع: يسوع هو اسمه فى حالة إخلاء ذاته. والسجود صار للإله المتجسد الذى اتخذ اسم يسوع، بل صار السمائيين يسجدون ليسوع الذى صار له مجد أبيه ومجد لاهوته = تجثو له كل ركبة: هذه قيلت عن يهوه العظيم (إش23:45). وقيلت هنا عن يسوع. فيسوع هو هو يهوه العظيم. ممن فى السماء ومن على الأرض: يقدمون له العبادة فى حب وعرفان بالجميل. من تحت الأرض: بارتفاعه وضع أعدائه تحت قدميه، هذا خضوع الكسرة والمذلة. هؤلاء هم من يقولون للجبال غطينا (رؤ16:6). ويعترف: أى الاعتراف علناً عن قصد تمجيد المسيح وشكره فهو صاحب حق وجميل. والكل سيعترف به أنه هو يهوه العظيم الذى ينبغى له السجود والعبادة. لمجد الله الآب: المجد الذى صار لربنا يسوع لا ينفصل عن مجد الله الآب. هو مَجَّدَ الله الآب بصليبه، و مَجَّدَه فى قيامته. وكل هذا كان لأجلنا. ولكى نمجد نحن الآب على محبته وأعماله. الأيات (12-13):- "12إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، 13لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. " أطعتم: قال لهم إن الله رَفَّع المسيح بسبب طاعته فعليهم بالطاعة. ليباركهم الله على الأرض وفى السماء. ليس كما فى حضورى: هو كأب يعلم أطفاله المشى وحدهم حتى فى غيابه دون الاتكال عليه. والمقصود أن تتعلموا الطاعة لله ولوصاياه حتى فى غيابى. فالله ينظر تصرفاتهم كل حين. تمموا خلاصكم: قوله تمموا تشير أن للإنسان المؤمن دوراً فى خلاص نفسه وهذا نسميه بالجهاد. المسيح كان كطبيب أعد الدواء، ونحن كمرضى علينا أن نتناوله بانتظام ونمتنع عن كل ما منعنا عنه الطبيب. ومن يطيع يتمم خلاصه. خلاص المسيح كان كاملاً. ولكن المعنى أن من يجاهد خاضعاً للروح القدس تتم تنقيته ويُؤهل لقبول الخلاص الذى يعنى تمام اتحادنا بالرب يسوع. خلاص المسيح كان كاملاً ونؤمن بهذا. ولكن علينا الجهاد طالما نحن فى الجسد، كما نؤمن أن المسيح قادر أن يشبع الجائع لكن علينا أن نطعمه. والجهاد هو أن نخضع لمشيئة الروح القدس بالصلوات وإماتة الشهوات. هو جهاد ضد الذات (كو1:3-5). بخوف ورعدة: هو خوف من أن نغضب الله ونرتد عنه، وهو خوف ناشئ عن معرفتنا بضعفنا وبقوة العدو، فهو خوفنا من خداع الحية لنا فنسقط ونُحزن قلب الله علينا. والرعدة هى القلق المتزايد على خلاص نفوسنا، ولكن ليس رعدة اليائس من خلاص نفسه. خوفنا ورعدتنا ممتزجان برجاء فى الخلاص وثقة فى المعونة الإلهية. أماّ من يشعر بقوته فهو سيسقط سريعاً. خوفنا ورعدتنا مقصود بهما أن يؤديا للاحتراس الشديد لئلا نخسر خلاصنا، مثل من يخاف عند عبوره الطريق، هذا يسمى خوف بنّاء، هذا يكسب حياته بسبب حذره، أماّ المندفع فيسقط تحت عجلات السيارات. وهكذا من يخاف من الرسوب، سيذاكر قبل الامتحان فينجح، أما من لا يخاف من النتيجة لن يجاهد فى مذاكرته فيرسب. إذاً هناك خوف مطلوب يدفع الإنسان للتقدم ولأن يحافظ على حياته. ولكن هناك خوف مرضى يتسبب فى رسوب الطالب مهما ذاكر بسبب رعبه وهذا يناظر الشك فى محبة الله، أو تصور أن الله منتقم ولابد سيهلكه حتى لو تاب عن خطيته (هذا النوع يشك فى الغفران) وهذا النوع يدفع الإنسان للصدام مع الله وهذا النوع من الخوف تطرحه المحبة خارجاً (1يو18:4). إذاً الخوف المطلوب هو الذى يجعلنا ننشغل بالدرجة الأولى بخلاص نفوسنا وهو الذى يُلهمنا العمل لأجل خلاص نفوسنا. فنحفظ الوصايا ولنا رجاء فى الخلاص. لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا: سبق فى آية 12 وتحدث عن مسئولية الإنسان تجاه خلاصه، وهنا يشجعهم أن العمل ليس عملهم وحدهم بل الله يشترك معهم فى مهمة خلاص أنفسهم، فلو قال بولس " تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" وسكت على هذا لصار الأمر مرعباً فماذا نعمل ونحن فى ضعفنا هذا؟ هنا يتحدث عن الإمكانيات الإلهية المعطاة للإنسان لكى يخلص، فالله هو الذى يعمل فى الإنسان فيحرك إرادته تجاه خلاص نفسه وأيضاً يعضده فى كل عمل يقوم به لإتمام الهدف المنشود وهو خلاص نفسه. والله يحرك الإرادة ويعطى المعونة لنعمل على خلاص أنفسنا. وهل معنى هذا أن الله يعطى إرادة لمن لا إرادة له؟ قطعاً لا. ولنسمع قول السيد المسيح " كم مرة أردت... ولم تريدوا. هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً" (مت 37:23، 38). لكن الله يحفز وينشط إرادة من يغصب نفسه (رؤ20:3) + (نش4:5). أليست حياة المسيح فينا (في21:1) وهو يقودنا ويقود أعضاءنا لتكون الات بر (رو13:6). هنا نرى المسيح يقرع الباب ويثير عواطف الإنسان نحوه حتى نفتح له، ومن يفتح ويتجاوب يعطيه المسيح أكثر فيكون له ملكوت السموات (مت12:11). والروح القدس يبكت ويقنع المؤمن على ترك الخطية وعلى عمل البر، ويحاول أن يوفق إرادة المؤمن مع إرادة الله، ويحفز إرادة الذى يغصب نفسه. وأن تعملوا: هو الذى يعطى المعونة فى كل عمل صالح نقوم به، إذ هو يشترك معنا فى كل عمل صالح، بل بدونه لا نقدر أن نعمل شيئاً (يو5:15). وكون أن الله هو العامل فى شعبه وفينا فهذا يعطينا التشجيع لنعمل كل ما فى طاقاتنا ليتم خلاصنا معتمدين على الله وليس على أنفسنا. ونكرر، الله لا يجبر إنسان ولا يرغمه على تغيير إرادته، بل عمل الله يكون بإقناع المؤمن وإنارة عقله (إر7:20). إذاً تمام الخلاص هو عمل مشترك بيننا وبين الروح القدس. وهذا الكلام يعطى اطمئنان لأهل فيليبى أنه لو اختفى بولس أو الرسل كلهم بالموت أو الاستشهاد فإن الله هو العامل فى شعبه. من أجل المسرة: فمسرة الله هى خلاص الإنسان فهو يريد أن الجميع يخلصون (1تى4:2). لذلك فهو يعمل فينا أن نريد وأن نعمل. الأيات (14-15):-" 14اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، 15لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ." دمدمة: الكلمة تشير للتذمر كما يتذمر العبد على سيده، وكما تذمر اليهود على الله فى البرية. والتذمر ينشأ من مرارة القلب وعدم الصبر فى معاشرتنا لبعضنا البعض، ولعدم المحبة وضيق القلب أو عدم احتمال أحكام الله. ولذلك عودتنا الكنيسة على الشكر دائماً حتى نتحاشى التذمر الذى يقسى القلب أمام الله وما يدفع الإنسان للتذمر عدم ثقته أن ما يسمح به الله هو للخير، وأن كل ما يسمح به الله هو طريقنا للسماء أو هو يعدنا للسماء. مجادلة: مناقشات فى كبرياء وتمسك بالرأى ومناقشات فى شك بين طرفين وهذا يؤدى قطعاً للنزاع. بلا لوم: ليس فيهم ما يستحق التوبيخ والنقد، وليس فيهم خطأ أو عيب ما. ونحن لن نكون بلا لوم أمام الله إلاّ لو كنا فى المسيح (كو22:1). بسطاء: البسيط هو من ينظر لله فقط ولا يخلط البر والشر فى حياته، لا يُظهر غير ما يبطن، ويبتعد عن المكر والدهاء. والكلمة تشير إلى أن المادة تكون نقية غير مخلوطة بشوائب أى غير مغشوشة. ويشير المعنى لأن المؤمن يجب أن يكون برىء وصادق ذو نية صادقة وبواعث نظيفة ونقية. وتترجم single hearted اى القلب له اتجاه واحد= "يا ابنى اعطنى قلبك" .معوج: تعنى الابتعاد عن الحق. ملتو: تشويه الحقائق بالتواء ومكر. تضيئون: الضوء يشير للقداسة المستمدة من الرب يسوع. كأنوار: هناك كلمتين فى العبرية أنوار وتشير للأجسام المضيئة من نفسها كالشمس ونيرات وهى كلمة تشير للكواكب التى تستمد نورها من الشمس، كالقمر وبولس استخدم كلمة نيرات، فنحن نور العالم (مت 14:5). نستمد نورنا من المسيح شمس البر (ملا2:4) وهو النور الحقيقى (يو12:8). والمقصود أن أولاد الله يكونون نورا للعالم، ينيروا الطريق لكل العالم الذى لا يعرف الله. لكى تكونوا.. أولاداً لله أى ليظهر أنكم أولاد الله، فأولاد الله يجب أن يتشبهوا بالله (أف1:5). والولادة من الله تأتى بالمعمودية وتستمر بالإيمان الثابت والجهاد بأعمال صالحة يراها الناس ويمجدوا أبانا الذى فى السموات. الأيات (16-18):-" 16مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً. 17لكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضًا عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. 18وَبِهذَا عَيْنِهِ كُونُوا أَنْتُمْ مَسْرُورِينَ أَيْضًا وَافْرَحُوا مَعِي." متمسكين: أصل الكلمة يخبر، إذاً المقصود إعلان كلمة الحياة: أى الإنجيل، بالشهادة لكلمة الحياة فى حياتهم وأقوالهم وبهذا نخبر الآخرين بالمسيح. ونحن نعلن ونخبر الناس بالإنجيل بأن نحيا وفق تعاليمه. لإفتخارى: تكونوا لفخرى ومجدى وعلة مكافأتى فى الأبدية. سعيت: كلمة تصف الذى يجرى فى ميدان السباق للحصول على جائزة. انسكب: كل الآلام التى صادفها خلال كرازته، بل هو مسجون حالياً وربما تكون نهايته الاستشهاد، لقد كانت حياته كالسكيب الذى كان الكهنة فى العهد القديم يسكبونه على الذبائح قبل إحراقها على المذبح (خر 40:29 + عد4:15، 5+ 7:28، 14) والتصوير هنا أن أهل فيليبى بآلامهم وقبولهم للآلام بفرح، هم ذبيحة مقدمة لله: ذبيحة إيمانكم: وبولس ككاهن يسكب حياته على ذبيحة إيمانهم (وهذا ما حدث له على يد نيرون بعد ذلك، فهو كان يتنبأ بنهايته). والسكيب الذى كان الكهنة يسكبونه على الذبائح كان خمراً. والخمر رمز للفرح. والمعنى أن سكيب بولس لنفسه، أى قبوله للألم واستعداده للشهادة. كان ككاهن يسكب الخمر على ذبيحة أهل فيليبى ليفرح الله، وهو هنا يفعل ما فعله المسيح حين سكب نفسه (إش12:53). ومن ناحية أخرى فبولس يفرح بأن يسكب نفسه وبأن يقدموا هم للعالم كلمة الحياة. فخدمتهم ستفرحّهم وتفرحّه، وسيفرحّهم خلاصهم وإيمانهم وخدمتهم وشهادتهم لله وسيفرحون أيضاً بمحبة بولس لهم. وخدمته: كلمة خدمة هنا هى "ليتورجيا"، أى الخدمة الكهنوتية. فبولس ككاهن يقدم نفسه سكيب على ذبيحة إيمانهم. وفكرة أن المؤمنين ذبيحة يقدمها هو ككاهن قالها من قبل فى (رو16:15). افرحوا معى: بالإنجليزية هنئونى بأننى استشهد وانسكب سكيباً. وفى هذا تطبيق عملى لما سبق وقاله أن الألم هو هبة من الله لأجل المسيح (فى 29:1) وهكذا عاش بولس الرسول " من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو36:8). وهذا ما يفرحه أن يتألم لأجل المسيح الذى أحبه، بل هو يتشبه به ويشترك معه فى صليبه. وعلى أهل فيليبى أن يفرحوا إذا شابهوه وشابهوا المسيح، واشتركوا مع المسيح فى صليبه، أى ليتحملوا آلامهم بفرح. آية (19):- "19عَلَى أَنِّي أَرْجُو فِي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ سَرِيعًا تِيمُوثَاوُسَ لِكَيْ تَطِيبَ نَفْسِي إِذَا عَرَفْتُ أَحْوَالَكُمْ. " أرجو: فكل الأمور تحت سلطان الله، وهو الذى يوجه الكل. وهو يريد أن يرسل تيموثاوس ليطمئن أهل فيليبى عليه، ثم يطمئن بولس على أخبار أهل فيليبى. فى الرب يسوع: كان لبولس حياة المسيح (فى21:1). وبالتالى فكر المسيح (1كو16:2). وذلك نتيجة طبيعية لاتحاده بالمسيح، فهو عضو فى جسد المسيح فكل فكر وكل عمل له صادر من المسيح كمركز الإرادة، فهو يحب فى المسيح ويفتخر فى الرب يسوع ويعمل ويرجو فى المسيح. فلا خلاص لنا إلاّ بثباتنا فى الرب يسوع. ولاحظ أنه إن لم يكن ثابتاً فى الرب يسوع فهو سيرجو شيئاً خاطئاً مثل الأموال أو الماديات ولكن ثباته فى الرب يسوع جعله يرجو ما يساعدهم على خلاص نفوسهم، فهذه هى ارادة الله ( 1تى 2: 4 ) الأيات (20-22):-" 20لأَنْ لَيْسَ لِي أَحَدٌ آخَرُ نَظِيرُ نَفْسِي يَهْتَمُّ بِأَحْوَالِكُمْ بِإِخْلاَصٍ، 21إِذِ الْجَمِيعُ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لاَ مَا هُوَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. 22وَأَمَّا اخْتِبَارُهُ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَوَلَدٍ مَعَ أَبٍ خَدَمَ مَعِي لأَجْلِ الإِنْجِيلِ. " مع احتياج بولس فى سجنه لتيموثاوس، إلاّ أنه لمحبته لأهل فيليبى سيرسله لهم. فليس فى روما من هو نظير تيموثاوس، فهو إنسان يعتمد عليه. وهو يحبهم مثل بولس: نظير نفسى: فهو يفكر كما أفكر أنا بولس، ويرى ما أراه من حق إلهى. اختباره: تشير الكلمة إلى الكيفية التى واجه بها تيموثاوس ما امتحن به ، وحاز على موافقتهم جميعاً على شخصه، كيف كان متضعاً متفانياً محباً فى خدمته. فأنتم تعرفون: فى اليونانية المعرفة الناشئة عن اختبار، فأهل فيليبى قد عايشوا تيموثاوس. الجميع يطلبون ما لأنفسهم: مع زيادة الاضطهاد ارتخت أيدى الكثيرين وظهر فتور الكثيرين. وقل اخلاصهم للرب يسوع. الأيات (23-24):-" 23هذَا أَرْجُو أَنْ أُرْسِلَهُ أَوَّلَ مَا أَرَى أَحْوَالِي حَالاً. 24وَأَثِقُ بِالرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعًا." أول ما أرى أحوالى: أى عندما يُعلن قرار القضاء فى أمرى إماّ بالسجن أو الاستشهاد أو الإفراج. فهو الآن الذى يخدمنى فلا أستغنى عنه، ولكن إذا أفُرج عنى أو إذا استشهدت سيأتى حاملاً لكم الأخبار. أثق بالرب: هو كان شاعراً بالإفراج عنه. وهذا ما حدث فعلاً إذ أطلق نيرون سراحه هذه المرة. آية (25):- " 25وَلكِنِّي حَسِبْتُ مِنَ الّلاَزِمِ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ أَبَفْرُودِتُسَ أَخِي، وَالْعَامِلَ مَعِي، وَالْمُتَجَنِّدَ مَعِي، وَرَسُولَكُمْ، وَالْخَادِمَ لِحَاجَتِي. " حسبت من اللازم: فأنا أعرف مشاعركم نحوه خاصة بعد سماعكم أخبار مرضه. وأبفرودتس جاء لبولس حاملاً هدية أهل فيليبى ولكى يخدم بولس فى سجنه. ثم مرض أبفرودتس وكان رقيق المشاعر، لذلك نجده قد حزن لما عرف أن أخبار مرضه وصلت لأهل فيليبى. أخى = فى المعمودية. العامل معى: فى الخدمة والكرازة. المجند معى: ضد قوات الظلمة. ونرى محبة بولس وأنه يفضل الآخرين على نفسه (آية 4) فمع احتياجه لأبفرودتس سيرسله لأهل فيليبى. آية (26):- " 26إِذْ كَانَ مُشْتَاقًا إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُومًا، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا." كان غم أبفرودتس شديداً إذ كان بعيداً عنهم فى مرضه، وكان غمه لأنه تصور حزنهم عليه مما زاد من اشتياقه لهم. لذلك كان لابد لبولس أن يرسله لهم فيفرحوا به وفرحهم هذا يقلل من آلام بولس. ونرى أن بولس بالرغم من كل مواهبه فى الشفاء (أع 12:19) لم يستطع شفاء أبفرودتس. فشفاء المريض بمعجزة لا يتم إلاّ لو كان لحساب مجد الله وإيمان الناس. بل أن الله يستخدم الأمراض للتأديب والشفاء الروحى. وهكذا بولس لم يستطع شفاء تروفيمس (2تى20:4). وتيموثاوس كان مريضاً ولم يستطع شفاؤه (1تى23:5). وبولس نفسه كان له شوكة فى الجسد (2كو7:12). ولم يستطع شفاء نفسه. الله يستخدم الشفاء بمعجزة فى بعض الأحيان، ويستخدم المرض، وكلاهما الشفاء والمرض أدوات فى يد الله لشفاء النفس ولإعداد الإنسان للسماء. المرض كان عقوبة للخطية فلم يكن هناك أمراض قبل سقوط آدم ولكن كما نقول فى القداس الغريغورى " حولت لى العقوبة خلاصاً" فالله حَوَّلَ المرض فصار وسيلة للخلاص فكما يقول معلمنا بطرس أن من تألم فى الجسد كف عن الخطية، (1بط1:4). بل أن الألم صار طريق الكمال (عب10:2). أما معجزات الشفاء فالله يستخدمها لمن تساعده على نمو إيمانه أو لمن لا يريد الله موته الآن ويريد أن يعطيه الله حياة أخرى. الله هو صانع الإنسان وهو الذى يعرف ضعفاته وما الذى يصلحها ليدخل إلى السماء. الأيات (27-30):-" 27فَإِنَّهُ مَرِضَ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ، لكِنَّ اللهَ رَحِمَهُ. وَلَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ إِيَّايَ أَيْضًا لِئَلاَّ يَكُونَ لِي حُزْنٌ عَلَى حُزْنٍ. 28فَأَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ بِأَوْفَرِ سُرْعَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمُوهُ تَفْرَحُونَ أَيْضًا وَأَكُونُ أَنَا أَقَلَّ حُزْنًا. 29فَاقْبَلُوهُ فِي الرَّبِّ بِكُلِّ فَرَحٍ، وَلْيَكُنْ مِثْلُهُ مُكَرَّمًا عِنْدَكُمْ. 30لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ الْمَسِيحِ قَارَبَ الْمَوْتَ، مُخَاطِرًا بِنَفْسِهِ، لِكَيْ يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي " مخاطراً: الكلمة المستخدمة تحمل معنى المقامرة، أى غامر بحياته فى تهور لأجل خدمتى وأنا سجين. ربما كانت هناك خطورة من الجنود أو هو استمر يخدم بولس الرسول بينما هو مريض وكان محتاجاً للراحة. يجبرّ نقصان خدمتكم لى: أى يقوم بخدمتى نيابة عنكم، ويتمم ما لم تستطيعوه أنتم بسبب بعد المسافة بين فيليبى وروما. وليس لتقصير منهم. مكرماً عندكم: إذ ربما يلوموا أبفرودتس أنه ترك بولس فى سجنه وتخلى عن خدمته لذلك يقول لهم عن خدمته ويطلب منهم أن يقبلوه فى الرب. فهو من محبته عرض نفسه لأخطار جمة. حزن على حزن: حزنى على موته بعد حزنى على مرضه. هذه هى محبة بولس للجميع، لأهل فيليبى ولتلميذه. فالمسيحية لا تلغى المشاعر الإنسانية، بل هذا ما طالب به الرسول فى آية 1 "إن كان أحشاء رأفة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى الوحدانية والإتضاع والجهاد (1) الوحدانية ع 1 - 4 : ع 1 : تسلية : تعزية ومواساة كما جاء فى كو 4 : 11 0 يُعلن بولس الرسول أنَّ هدف كل وعظ هو الكرازة بالمسيح المُخلص ، وهدف كل خدمة وتعزية ومساندة للآخرين هو المحبة وليس أى أغراض شخصية0 والشرِكة بين المؤمنين هدفها هو الوحدانية فى الروح القدس وليس أى مصالح ، وكذلك مشاعر الحب العميقة والترفق بالآخرين هدفه الوحدانية فى جسد المسيح0 فالخلاصة يدعو بولس الرسول كل المؤمنين للوحدانية فى المسيح ومحبته بواسطة الروح القدس0 ع 2 : يُعلن الرسول أنَّ فرحه لن يكمل إلا إذا تأكد أنَّ لهم فكر واحد ويعيشون فى محبة بعزيمة واحدة وهدفهم جميعاً واحد وهو المسيح والعمل الصالح0 ع 3 : عجب : كبرياء0 إن كان لكل عضو فى الجماعة أفكاره الخاصة ورأيه الخاص الذى يحاول فرضه على الآخرين ، لنشأ بذلك التحزب الذى لابد أن ينتهى بالإنقسام0 فالكبرياء والعمل لمجد الذات مرفوض فى العمل الإنجيلى ، والإتضاع هو الدواء الشافى فنعطى الآخرين كرامة وتقديراً ونعتبرهم أفضل من أنفسنا0 ألم يعطنا الرسول نفسه مثالاً حينما حسب نفسه آخر الكل ومثل السقط 1كو 15 : 8 ؟! ع 4 : كثيراً ما يركز الإنسان جهده واهتماماته بنفسه ، غير مبالى بإخوته سواء فى أمورهم المادية أو الروحية0 فعلينا أن ننظر إلى احتياجات الآخرين ونعمل على تخفيف آلامهم وراحتهم وجذبهم للحياة الروحية0 + اُنظر إلى احتياجات الآخرين ، فعندما تصنع معهم محبة فإنك تسندهم وتُظهر المسيح لهم ، وتتقوى أنت إذ تشعر بقوة المسيح العاملة فيك وبك ، وتتشجع إذ تشعر بوحدانيتك مع الآخرين وتفيض عليك بركات الله0 (2) إتضاع المسيح وعظمته ع 5 - 11 : ع 5 : الفكر الذى يشير إليه بولس الرسول هو الذى سبق وأشار إليه فى الأعداد السابقة وهو فكر التواضع ونكران الذات ، وهو فكر المسيح نفسه الذى يجب أن نتعلم منه0 ع 6 ، 7 : " الذى إذ كان " ترجمة عربية خاطئة ففى الأصل اليونانى تأتى بمعنى " الذى إذ كان ولازال " وكذلك فى الإنجليزية being in the form of God وليست was in the form ، وبالتالى يصبح المعنى هو : الذى هو موجود ومستمر فى الوجود فى الصورة الجوهرية الإلهية ، لم يخطف أو يسلب لنفسه تلك الصورة ، فلم يكن بحاجة لذلك فهو الله0 أى لم يحاول أن يمجد نفسه كإله عندما تجسد ليفدينا ، ولكنه تنازل عن كل مجده وصار إنساناً عادياً مثلنا أى أخذ صورة العبد مع إنه الله مالئ كل مكان ، فصار مثلنا بتواضعه ليخلصنا ولكن بلا خطية مما نخطئها0 ع 8 : بوجود المسيح فى الشكل الإنسانى ، أطاع مشيئة الآب وبلغت طاعته أقصى درجة ، إذ قبل الموت على الصليب وهو البار القدوس حتى يرفعنا من الموت إلى الحياة0 ع 9 : مقابل إتضاعه هذا ، رفعه الله إلى المجد الفائق ، وأصعده إلى أعلى السموات وأجلسه عن يمينه ، وهذا ينطبق على الناسوت دون اللاهوت لأنَّ اللاهوت له مجده المستمر غير المنقطع0 أعطاهُ اسماً :فى الأصل اليونانى " أعطاه الإسم " ، أى أنَّ كلمة إسم معرفة ، أى ظهر مجده الكامل فوق كل اسم وشخص يعرف فى السماء أو الأرض لأنه هو الله0 ع 10 ، 11 : يسوع معناه يهوه يخلص ، ويهوه هو اسم الجلالة الذى له القدسية العظمى بين جميع الأسماء ، الأمر الذى يوجب على جميع الخلائق السمائية والأرضية والتى تحت الأرض تقديم العبادة والسجود له0 وهذا تعبير للدلالة على امتداد سلطانه على الجميع ، حتى تسبحه وتمجده كل الألسنة ، معترفة بأنَّ المسيح هو الرب الذى له كل ما للآب من مجد0 + لكى ما يكون لك مجد فى السماء يلزم أن تتضع عند أقدام الكل كما اتضع مسيحك ثم صعد إلى مجده فى السموات0 بالإضافة إلى أنك عندما تتضع عند أقدام الناس ستجد المسيح بجوارك يغسل الأقدام فتشعر بمعيته وتفرح بعِشرته0 (3) الجهاد لإتمام الخلاص ع 12 - 18 : ع 12 : إذاً يا أحبائى كما سلكتم فى طاعة الإنجيل ، ليس فقط خلال الفترة التى قضيتها فى وسطكم بل بالأكثر فى غيابى بالجسد عنكم ، أطلب منكم أن تجاهدوا جهاداً دائماً طالما كنتم فى الجسد ، وأنتم ترون الله أمامكم وتخافوه فترفضون كل خطية بل ترتعدون عندما تسقطون وتعودون بتوبة ودموع فيرحمكم0 وكلمة " تمموا " تعنى مواصلة الجهاد طوال الحياة ، فالخلاص ليس فى لحظة ولكن طوال العمر ، فتظل مخافة الله فى قلوبنا كل حين لتبعدنا عن الشر0 فما دمنا فى العالم فعدو الخير لن يكف عن محاولة إسقاطنا0 فلنحذر لئلا ننتصر عليه اليوم فيصرعنا غداً0 ع 13 : روح الله يُوجد فينا الإشتياقات الروحية ويعطينا القوة لعمل الصلاح ، فكل عمل صالح هو مسرة للآب السماوى0 ع 14 : دمدمة : تذمر0 مجادلة : مناقشة حادة ينتج عنها توتر0 كل عمل صالح تعملونه ، إعملوه فى هدوء وبلا تذمر ينم عن ضعف المحبة وقلة الصبر ، وبدون مناقشات حادة تصنع الخلافات بينكم0 ع 15 : لكى لا يكون فيكم ما يستحق التوبيخ والنقد ، وتكونوا بعيدين عن كل مكر وفى بساطة مسيحية حكيمة ، فتستحقوا أن تكونوا أولاداً للآب السماوى مشابهينه فى الصلاح ، فتعيشوا بلا عيب ويكون لكم نصيب مع مصاف القديسين0 ولأنكم تعيشون الآن فى وسط جيل مبتعد عن الحق يشوه الحقائق بمكر ، فكما أنَّ النجوم تهدى بنورها المسافرين فى الصحراء أو البحار ، هكذا تكونون مثل القديسين حملة النور فى هذا الدهر ليهتدى البعيدون بسيرتهم العطرة0 ع 16 : يطلب الرسول من أهل فيلبى أن يشهدوا للإنجيل فى أعمالهم وأقوالهم ، ليكونوا سبب فخر له فى اليوم الذى يأتى فيه المسيح لينقلنا إلى ملكوته الأبدى ، فينال مكافأة جهاده وخدمته لهم أكاليل المجد السماوى0 ع 17 : أنسكب : كانت شريعة موسى تقضى بسكب الخمر على المحرقة المقدمة لله كذبيحة ، وهذا السكيب يرمز للفرح0 فيعتبر بولس خدمته وبذله حياته فى الكرازة كأنه يُسكب أمام الله ليُفرَّح قلبه0 ذبيحة إيمانكم : يعتبر بولس الآلام التى يعانيها المؤمنون فى فيلبى من أجل التمسُّك بإيمانهم كأنهم يقدمون حياتهم ذبيحة أمام الله فيفرح بهم0 ينظر الرسول إلى حياته كالسكيب الذى كان يضعه كهنة العهد القديم على الذبائح ، مستعيراً هذه الصورة للتعبير عن جهاده لجذب الأمم إلى الإيمان ، معتبراً إيمانهم بالمسيح ذبيحة حية0 فكما أنهم يقبلون بفرح كل الضيقات إعلاناً عن ذبيحة إيمانهم ، فهو أيضاً يفرح معهم جميعاً0 ع 18 : بهذه الخدمة ونتائجها التى هى مبعث فرحه ، يطلب منهم أن يكونوا هم أيضاً مسرورين وفرحين معه0 + لا تتضايق من كثرة سقطاتك أو ضعفك أو حتى فتور مشاعرك الروحية ، بل اُطلب الله الذى يعطيك بروحه القدوس حماساً وأشواقاً للحياة معه ويسندك فى جهادك الذى تثابر فيه لتنال الملكوت0 فنعمة الله معك دائماً ومخافته تطرد عنك الخطية وتنميك فى معرفته ومحبته0 (4) إرساله تيموثاوس وأبفرودتس ع 19 - 30 : فى الأعداد من 19 إلى 24 يتحدث بولس الرسول عن تلميذه تيموثاوس0 ع 19 : يضع بولس الرسول ثقته فى الرب أنه سيهيئ الظروف لإرسال تيموثاوس إليهم سريعاً لكى يسعد بولس بمعرفة أخبارهم0 ع 20 : لم يجد الرسول أحداً مثله تماماً فى حبه لأهل فيلبى واهتمامه بهم ، لأنه هو وحده أبوهم الروحى الذى آمنوا على يديه ويهتم برعايتهم0 فهذا ليس كبرياء من بولس ولكن تعبير عن أعماق محبته0 وإرساله تيموثاوس إبنه كأنه ذهب نفسه إليهم لأنه مندوبه الشخصى0 ع 21 : الجميع : المعلمين الكذبة وكل من يقاومون بولس حتى ممن يكرزون بالمسيح0 إنَّ الجميع يسعون وراء مصالحهم الخاصة ويبغون من خدمتهم مجدهم الشخصى لا تمجيد الرب يسوع فى أعمالهم ، طالبين ما هو لأنفسهم لا ما هو للسيد المسيح0 ع 22 : نجح تيموثاوس فى كل ما تعرض له سابقاً من تجارب وضيقات ، وظل على اتضاعه مخلياً ذاته0 وكان بمثابة إبناً لبولس الرسول فى الإيمان ، وتربى وتتلمذ على يديه وأطاع هذا الأب بكل أمانة وجال معه فى كل مكان مبشراً بالإنجيل0 ع 23 : قرر بولس الرسول أن يرسل تلميذه تيموثاوس بمجرد معرفة نتيجة الحكم عليه ، إمَّا باستمرار سجنه أو بالإفراج أو بغيره0 ع 24 : يعلن القديس بولس إيمانه ويقينه فى محبة الرب ، فهو واثق أنه هو أيضاً سيأتى إليهم سريعاً عندما يُفرج عنه0 ع 25 : فى الأعداد من 25 إلى 30 يتحدث الرسول عن تلميذ آخر وهو أبفرودتس0 فرغم أنَّ وجود أبفرودتس فى روما مُعين لبولس أثناء سجنه هناك ، إلا أنه فضَّل أن يرسله إلى مدينته فيلبى ليفرحوا بلقائه ، وذلك إلزام المحبة التى لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخرين0 وهنا يصفه بولس الرسول بعدة صفات توضح مدى اتضاع بولس ، الذى يرفع أولاده إلى درجة الأخوة ويشجعهم ويرفعهم إلى مستواه ، فيجعله شريكاً له فى الخدمة والكرازة بالإنجيل كجندى فى جيش الخلاص0 وكان أبفرودتس مندوباً من كنيسة فيلبى وحمل حب شعبها لبولس0 ع 26 : إشتاق أبفرودتس إلى أهل فيلبى وحزن على حزنهم عندما علموا أنه كان مريضاً ، فقد كان عزيزاً عليهم ومحبوباً منهم0 وتظهر هنا رقة المشاعر ، فأهل فيلبى تأثروا لمرضه وهو تأثر لحزنهم عليه0 ع 27 : كان مرض أبفرودتس شديداً حتى أوشك على الموت ، ولكن الله رحمه وشفاه0 ويشعر بولس أنَّ رحمة الله موجهة له لأنه يحب أبفرودتس ويعتمد عليه فى كثير من الخدمات0 فلا يلغى بولس مشاعر الحزن عند مرض الأحباء لأنَّ المسيحية لا تلغى العواطف الإنسانية وإنما تسمو بها0 ع 28 : أقل حزناً : سيحزن بولس لفراق أبفرودتس ولكن حزنه سيكون أقل لأنه سيفرح أهل فيلبى برؤيته0 فضَّل بولس الرسول أن يتخلى وقتياً عن خدمة أبفرودتس له ، ويرسله إلى أهله ليرونه ويفرحون به ، فيفرح أيضاً الرسول لفرحهم0 ع 29 : يوصيهم الرسول بقبوله وتكريمه لأجل تعبه ، فهو ليس هارباً من خدمته كما قد يظن البعض0 ع 30 : لقد غامر أبفرودتس بحياته حينما كان يزور بولس فى السجن ، معرضاً نفسه للمخاطر0 وإن كانوا هم لم يقدروا على المجئ إلى روما لزيارة بولس فى السجن إلا أنَّ أبفرودتس قام بخدمته نيابة عنهم ولم يمتنع عن أية خدمة كلفه بها0 + الأمراض التى تصيب الإنسان ليست وليدة الصدفة ولكنها جزء من التدبير الإلهى لخلاصنا وتزكية إيماننا0 فلنشكر الرب دائماً على كل حال ومن أجل كل حال وفى كل حال0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح